١٠ × ١٠: يوسف رخا يعمل إزعاجاً

(١) الكتابة

أرى الكتابة كلها نوعاً من المعرفة، أراها معرفة أو تواؤماً مع الواقع كما أن كل معرفة تواؤم وإن لم تكن مصالحة ولا حتى بالضرورة فهماً. الفهم مجرد جزء من المعرفة. لكن الكتابة أيضاً منطق في الحياة أو طريقة بالمعنى الصوفي، وبهذه الصفة – بلا مبالغة أو تحوير – أنت تدخر لها كل شيء عن طيب خاطر، لأنها تمنح حياتك معنى أو جدوى بمعزل عن كل أسباب التحقق خارج النص، مادية أكانت أو معنوية. هي لا تغنيك عن الحياة من أجل تحقق مادي أو معنوي، لكنها تمنح السعي إليهما معنى وتجعل المعرفة غايته. كل الناس تعيش بالكلمات، الفرق أنك تصير واعياً بذلك. تعرف أنك تعرف. ولعل هذه ثورة في حد ذاتها: تلك المواجهة مع الكلمات والتي أظن أكثر الناس يتحاشونها بكل طاقتهم لأنها مؤلمة ومخيفة، لكن الكتابة تمكّنك من استمتاع معذّب بخوضها حتى وأنت تدفع ثمن متعتك من استغراب واستياء الآخرين ممن تكتب عنهم أو تفقدهم بمرور الوقت.

 

 

استمر في القراءة

الثورة بجد: قصائد مختارة ليوسف رخا

Rakha, Iford Delta 3200 Negative, 2003

Youssef Rakha, Iford Delta 3200 Negative, 2003


رسالة المنفِي*

 

إلى محمد أبو الليل راشد في غربته

 

أكتب لكَ والمنافض أهرام من الأعقاب.
الشيء الذي حذّرتَني من دَوَامِه توقّف.
وصداع النوم المُمَزَّق يجعل الدنيا خاوية. أنت فاهم.
في جيوب الحياة ننقّب عن عملة من عصور سحيقة،
عملة صدئة وربما قبيحة لكنها سارية في سوق الأبدية.
نصبح ملائكة حين نعثر عليها. نجترها حتى نتأكد
أنها لا تشتري البقاء.
؎

استمر في القراءة

البودكاست، مع مينا وإسلام🎙: (١) مهاب نصر وإنترنت الشعراء



Portrait of Mohab Nasr, courtesy of the subject

في الحلقة الأولى من بودكاست ختم السلطان، يعرض مينا وإسلام لمجموعة “لا توقظ الشعب يا حبيبي” الصادرة حديثا للشاعر مهاب نصر، ويناقشان قصيدة النثر وجماهيرية الشعر والملابسات المحيطة بنشره في الوقت الحالي مقارنة بالماضي القريب وزمن ما قبل فيسبوك.

 

بودكاست ختم السلطان هو إنتاج وتنسيق مينا ناجي وإسلام حنيش. هما من يختاران الضيف، ويحددان الأسئلة، ويديران الجوانب التنسيقية والتقنية. وليس للموقع فضل ولا عليه لوم غير استضافة البرنامج

التماسيح وباولو: تغطيات

By Youssef Rakha

في المساء أفكر في مون من حيث تصلني أخبار الأحداث وأضحك من أن الاحتجاجات مازالت سلمية. أهنّئ نفسي على فتح حاوية “التماسيح” ولا أشعر بالذنب. لا يستهويني الجري في الشوارع واستنشاق الغاز؛ وبالمنطق الانهزامي ذاته الذي أعانني على الحياة في مصر منذ ٢٠٠١ – “ما بعد اليأس”، كما يسميه باولو – لا أظن وجودي ضمن مئة أو ألف أو مليون أعزل معرّض لضرب النار والدهس والاختطاف سيقدّم أو يؤخّر. أحس أنني جريتُ بما يكفي في الشهور السابقة، وأن ما يمكن أن يحقّقه مقتلي لا يساوي فجيعة أختي، حتى لو لم يدم حزنها علي سوى بضعة أيام؛ أحس بضوء قارص يخلّف ألماً حاداً في بطني وأتساءل بجدية جديدة علي في هذا السياق: كل هذا من أجل أن يتنازل المجلس العسكري عن الحكم؛ طيب، ماذا بعد أن يتنازل المجلس العسكري عن الحكم؟ ضوء قارص وقناعة متزايدة بأن سقوط المجلس لا يعني أن شيئاً إيجابياً سيحدث يساوي فجيعة أخت على أخيها، حتى لو لم يدم حزنها سوى بضعة أيام.

استمر في القراءة

يوسف رخا: خمس ملاحظات على عودة باسم يوسف

Bassem Youssef. Source: enigma-mag.com

(١)
أهم ما يقوم به باسم يوسف هو أنه يبروز قابلية المصريين على السخرية من أنفسهم بلا وعي – وهي صفة لا أظن مجتمعاً آخر يتمتع بها بالشكل نفسه: ذلك التطرف الـBaroque في التعبير عن الآراء السياسية بالذات – الأمر الذي اتضح بشكل غير مسبوق في الإعلام منذ ٢٥ يناير. فكثيراً ما يبدو الأمر، سواء بمساعدة المونتاج الذي يقوم به معدو “البرنامج” أو بدونه، كما لو أن المنحاز لطرف ما إنما يعمل في الحقيقة ضد ذلك الطرف بمنطق المفارقة الساخرة… وهل هناك “إساءة” للسيسي أو تقليل من قدره ومن قدر القوات المسلحة بل والأمة المصرية متمثلة في شخصه أكثر من الاحتفاء الإعلامي بتحول “القائد التاريخي” إلى شيكولاتة تباع بالكيلو؟ وهل هناك “إيحاء جنسي” وذكورية ساقطة أوضح من وصفه المتكرر بكلمة “دكر” من جانب رجال ونساء على حد سواء؟ باسم يوسف أكثر الوقت لا يسخر إلا من مسخرة حاصلة، ولا يتيح له أن يسخر بهذه الطريقة من شخص أو جهة كالتيار الإسلامي مثلاً إلا أنّ سخرية تلك الجهة اللاواعية من نفسها لا تقدّم بوصفها كذلك ولكن، من شدة جهل وتفاهة ولا أخلاقية مقدميها، بوصفها تمجيداً و“تلزيقاً” أو مبالغة مرضية في الانحياز للذات.

استمر في القراءة

كتاب الطغرى: تغطيات

DP251197

Tugra of Sultan Süleiman (1520–66). Source: metmuseum.org

رواية يوسف رخا لا تخشى شيئاً، ولماذا عليها أن تخشى أي شيء وقد تجاوزت ميتافيزيقا الكتابة، قد تجاوزت كل ثنائية ضدية؛ فما من حدث كبير أو صغير، ما من ماض أو حاضر، ما من شرق أو غرب، ما من بدن أو نفس… كتابة فالتة من كل إكراه وتضييق وأحكام مسبقة، تتركز في حجم صغير بالغ الإدهاش، في حجم الطغرى نفسها ربما، وفي لغة فاتنة كأقل وصف ممكن – أحمد يماني

استمر في القراءة

يوسف رخا: دروس الشخص

EGYPT. Cairo. street scene. 1988.

Harry Gruyaert, Cairo, 1988. Source: magnumphotos.com

الألم أعمق، لكن التحليق أعلى – سركون بولص
في ٢٥ يناير ٢٠١٣، لم يبق من الثورة الكبرى سوى عبء التعامل مع ما خلفته من كوارث أملاً في العودة إلى نقطة الصفر، فهل يكون التعامل بثورة كبرى جديدة؟ كيف يمكن تخيل ذلك وإن أمكن، فلماذا علينا أن نتحمس له؟

استمر في القراءة

ياسر عبد اللطيف: لسعان الجغرافيا والتاريخ أو كتاب الطغرى ليوسف رخا

كتاب الطغرى12

Sultan Mehmed VI (Vahdettin), aka Şahbaba. Source: osmanli.site

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.

استمر في القراءة

يوسف رخا: تاريخ آل عثمان في ست حكايات

b1bb4b4ab7e4624df64cbff194422ca0

Poster of the Ottoman Sultans made during the rein of Mehmed V Reşâd (1909-1918). Source: oktob.io

١٢٧٧: ما رضي الرجل الصالح شيخ إدبالي أن يزوّج ابنته ملحون لعثمان ابن بيك إقطاع سوغوت المجاور. لعل عينه على إقطاع آخر، أو لعله سمع باتصالهما في الخفاء. عثمان عاشقها، لكن ملحون – ليلة مبيته في دارهم – لم تنبس. أزاحت الباب واليشمك على وجهها، ثم استدارت وانتفخ قماش الشلوار في روحتها. كانت الغرفة باردة، وتساءل عثمان إن كان خلوها من التدفئة من علامات التقشف أو قلة حفاوة. أطفأ المصباح دونما يطرق باب مضيفه، واكتفى بضوء القمر السارح خلال أكثر من فجوة في الخشب والرخام. أزاح السيف وكلل مقبضه بالعمامة، ثم خلع قفطانه والتف في الصوف على البساط. في الظلام خلط الحليب الموضوع قرب مرقده بقليل من العرق الذي يحمله معه وشربه ببطء وهو يغفو. ما مرت ساعة حتى أيقظه منام… والآن، قبل طلوع الشمس، ها هو يرجف متربعاً على الأرض بين يدي الشيخ الجالس على المسطبة أمامه، يحكي له:
إنه – عثمان ابن أرطغرل – رأى القمر يطلع من صدر شيخ إدبالي، ولا يكاد يكتمل بدراً حتى يغوص في بطنه فتنمو من سرته شجرة كالسراي تظلل الأرض. في فيئها الغادي استقرت جبال ثلاثة، جرى نهر عظيم من سفح كل منها. عثمان تعرف على الأنهار بأسمائها – دجلة، والطونة (الدانوب)، والنيل – وراعه أن أوراق الشجرة انقلبت رماحاً تشير رءوسها إلى الدولة البيزنطية. تحت أغصان الشجرة، وقف صبيان نصارى شقر وعلى رؤوسهم تُل أبيض ينشدون الشهادة يتبعها عهد الولاء للسطان. وكان الخلق من حول هؤلاء الصبيان بلا عدد على شطوط الأنهار وفي خلجانها، يشربون ويزرعون ويصطنعون الفساقي. كانوا يتوالدون والخير يورف في ديارهم، دونما يكف الصبيان عن الاستظلال بغصون الشجرة والإنشاد…
وها هو شيخ إدبالي يطرق قليلاً ثم يبسمل ويحوقل ويزأر: هوووووو.
«لقد أنعم الله عليك بدولة تأتي من ظهرك تعلي كلمته في جنبات الأرض» – هكذا يقول لعثمان – «وحلت البركة. هوووووو.» ثم يمد يمناه إلى ابن صاحب الإقطاع ليلثمها الأخير، ويعود يطرق. يبسمل، يحوقل، ويرتفع صوته مؤكداً الابتسامة المتلاعبة على وجه عثمان: «ملحون لك.»

استمر في القراءة

No more posts.