طعم الوصول | ياسر عبد اللطيف: كلّ الناس مسافرة

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Edmonton, Cairo / 1948. Source: raremaps.com

وصلتُ كندا في آخر أيام عام ٢٠٠٩. وكانت هجرة عادية لا يقف خلفها أي ظرف سياسي أو اجتماعي طارد. في القاهرة كنتُ أعمل في وظيفتين: مُعدًا للبرامج بالتلفزيون الحكومي، ومُحررًا للأخبار بوكالة الأنباء الإسبانية. عملي بالتلفزيون كان يتطلًّب المداومة مرتين في الأسبوع. مرةً أذهب للاستوديو في مدينة الإنتاج الإعلامي، ومرة أخرى لإدارة القناة في مبنى ماسبيرو لاستيفاء الأوراق والإداريات الخاصة بالبرنامج الذي أُعده، فيما أداوم خمسة أيام دوامًا كاملًا في الوكالة… وكنت أرى أصدقائي المقربين مساء كل أربعاء… أسبوعي كان مشغولاً بالكامل ومرهِقًا. جدول صاخب وضاج بالناس وبإيقاع القاهرة العنيف. الانتقال لكندا أحدث قطعًا حادًا مع هذا. بقيت هنا  سنوات أعملُ من البيت. أكتب لبعض المواقع حينًا وأترجم أعمالًا  أدبية؛ أو أبحاثا وأوراق مؤتمرات لبعض المؤسسات عن طريق وكالة ترجمة في المغرب. لا أرى إلا زوجتي وإبني هادي. وبينما تعمل زوجتي في مدرسة ابتدائية، كنتُ في البيت طوال النهار مع هادي منذ عمر عام ونصف حتى دخل المدرسة في الخامسة، مع كل الطقوس المنزلية اللازمة لمصاحبة طفل صغير.  أعمل على مكتبي بينما هو يلهو بالليجو أمامي على البساط. شاهدتُ الثورة المصرية متلفزة على الإنترنت وانجرفت عاطفيًا بالكامل معها طوال الشهور العصيبة في ٢٠١١، وفقدت حماسي مع بداية حشرها في صناديق الاستفتاء والانتخابات.

استمر في القراءة

كريم عبد الخالق: قصائد للزينة

Lou Reed by Mick Rock, 1975. Source: nytimes.com

ليلة باردة
مُهداة إلى ألبوم Berlin لـLou Reed
ليلة باردة
لكن لحسن الحظ
لدينا التدفئة اللازمة.
كافيه صغير في الزاوية
نعم عند الإضاءة الوحيدة
انتهى العالم، فقط من أجل هذه الليلة.
كافيه صغير
وأغنية لـLou Reed
نسيت أن أودع أمي،
لكن لا مشكلة.

استمر في القراءة

ياسر عبد اللطيف: التوقيع في دفتر الجحيم

Olivia Arthur, Mumbai, 2018. Source: magnumphotos.com

غادرنا المدينة. غادرنا الماكينات. غادرنا الموظفين والدفاتر. وأقمنا في الضواحي. عُدنا إلى الطبيعة. بعد أن غادرناها على عتبات المراهقة عُدنا إليها. وبعد أن بلغنا الحلم على الأرصفة العقلانية، تحت حديد الزهر، والزجاج يعكس السماء على واجهة البنك. زبد القهوة الإيطالية فوّار كالصابون. حليبها لا يحمل زَنَخ الضروع مبستر من كل سوء. ابن مدير سينما أوديون قاض وحاكم. يُمسك بالعصا صولجانًا مشهورًا في وجه الرعاع. جئنا إلى هناك من قُرى بعيدة. نائية في الأحلام قبل أن نستيقظ. كنّا في تلك القرى نحلم بالميلاد حلمًا داخل الحلم. نحلم بالحرب. بأن تغلق المدرسة إلى أجل غير مسمى. بأبٍ يُصلح سيارته في جراج للقطاع العام. وبأم عالق ثوبها بالماضي. بالحلم الأول نعود إليه من الحلم الثاني. وها نحن نترك كل هذا لنعود إلى الطبيعة ونحاول إيهام روحنا أن الحلم انقشع مرتين، فتقشّرت البيضة عن طبقة وسطى  نظيفة الأظافر. وبيت على أطراف الحقول أنيق.

يسير ابن آدم على البسيطة في خط مستقيم، والأفق أمامه. يُصلي ويشكر نعمة الأنفاس والروتين والتكرار. ويحصي عمره بملاعق القهوةوبأنابيب معجون الأسنان، وبأرغفة الخبز التي تنفد كلّما اشتراها. ويقول هذا من فضل ربي، رزقنا نعمة التكرار لنتأملَ في حكمة الضجر. عندها تظهر الحيّةُ وتُلهمه أن يترك أفيون الحياة ليجرِّب حشيشة المعرفة. ومع أول نفس سيتصدّع الغلاف كما سقطت ورقة التوت عن عورة أبيه. حديد الزهر بزواياه المستقيمة يسيل في خرير زئبقي، وسقف السوق ظهرُ جملٍ أعرج. الملك نائم على البحيرة والفيل إلى الجوار. وشيخ أصم لا يسمع أسئلة التلميذ فيبتسم له عاجزًا عن قراءة حركة شفتيه. ليأتي النادل بفاتورة الحساب، فيتحسس ابن آدم محفظته، ويخرج بطاقة ائتمان تعود لقرون خلت. فيقول النادل: ما عُدنا نقبل بهذه العملات على موائدنا. عليك أن تدفع بسنوات من عمرك.

استمر في القراءة

No more posts.