محمد سعيد احجيوج: البحث عن إدمون عَمران المالح

Bruno Barbey, Tangiers, 1995. Source: magnumphotos.com

١- أفعى تلتهم ذيلها
ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية. يمكنك مثلا، كما يقول أوسكار ذو طبل الصفيح، أن تبدأ القصة من الوسط ثم تسير بها متقدما إلى الأمام أو تعود إلى الخلف لتخلق ما تشاء من حيرة وارتباك. يمكنك أن تكون حداثيا، أو بالأحرى ما بعد حداثي، وتلغي كل الإشارات إلى الزمان والمكان، ثم تعلن أنك قد حللت معضلة الزمكان. يمكنك أن تقول إنه ما عاد بالإمكان كتابة الرواية، فقد قيل كل ما يمكن أن يقال، ثم تُخرج، على غفلة، من قبعتك السحرية رواية سحرية ستكون آخر الروايات العظيمة ولن يأتي أحد بعدك بأفضل منها. ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية التي يسودها الغموض ويدثرها الجنون وتموت فيها الأحلام. إحداها تبدأ كما تبدأ القصص البوليسية. التحري الخاص يتلقى مكالمة هاتفية، أو زيارة عمل، من عميل يأتي إليه بقضية مستعجلة. لكنني لست تحريا خاصا، أنا كاتب سلسلة من الروايات بطلها رجل تحر. كان م.س يعلم ذلك حين جاءني بقضيته. أخبرته وأعدت التأكيد بأنني كاتب ولست تحريا. “لكنك تكتب عن رجل تحر، ورواياتك البوليسية محكمة الحبكة،” قال لي وجفف العرق عن جبينه، ثم تنهد ورفع كتفيه. “أنت أقرب من يمكنني الحصول عليه من رجال التحري.”

استمر في القراءة

عائشة أحمد: متاهة

Léonard Tsuguharu Foujita (1886-1968), “Jeune couple et animaux”. Source: christies.com

في البداية كانت خطواتها مترددة، مرتبكة وحائرة، تتحسس طريقها بروية. صوت ما يقول لها إن كل شيء سيكون على ما يرام، لكن شعوراً بالتأهب، أو ربما هو الخوف، لم تستطع رده.
تندلع شمس الصيف بغتة، تغسل الأحجار الصغيرة التي ترصف الطرقات بالضوء، ومعها تغمرها دفعة من الثقة. تمضي في خطوات متسارعة، بالطبع ستجد دربها، سخرت من نفسها؛ توترها هذا لا مبرر له، فقد بدت المتاهة من نافذة غرفتها صغيرة، ومحدودة المساحة. ثم إن الأطفال يدخلون ويخرجون منها فرادى وفي جماعات دون عناء. راقبتهم يوم أمس، يدورون داخلها، والأمهات لا يلقين بالاً.
منذ اليوم الأول لوصولها إلى هذا القصر القديم، والذي تم تحويله أسوة ببقية قصور المنطقة إلى منتجع وفندق فخم، وهي تَعِد نفسها بقضاء وقت أطول للاستمتاع بمرافقه واستكشاف حديقته الضخمة، لكن كثرة الوجهات السياحية في المدن المجاورة ملأت جدولها عن آخره: كنيسة، ودير، ومتحف، وقرى منسية هنا وهناك. تضيع وسط الزحام وبين أفواج السياح. تشعل الشموع معهم وتنذر. تجثو على المقاعد الخشبية الصلبة وتشبك يديها لتصلي صلاة لا تفقه شيئاً فيها، وتحاول أن تستكين، بل إنها فكرت باللجوء لإحدى الكبائن المحفورة والمزخرفة بإفراط، للاعتراف لأحد الكهنة بخطايا لم ترتكبها. خطيئتها الكبرى أنها لم تخطئ بما يكفي، تردد لنفسها متهكمة. تتململ في مقعدها، ركبتها اليمنى تؤلمها قليلاً، تقف وتعود للمشي في جنبات الكاتدرائية الكبيرة والمزينة بتماثيل ورسومات جصية بسيطة من نهايات القرون الوسطى وبدايات عصر النهضة. تأخذ نفساً، لكن رائحة اللبان المحروق في أرجاء المكان تكاد تخنقها.

استمر في القراءة

No more posts.