مو مصراتي يترجم فرناندو سدريغوتي

Ceci N’est Pas Un Memoir

Harry Gruyaert, Paris. Roissy/Charles-de-Gaulle airport. 2017. Source: magnumphotos.com

خلال الساعة القادمة، كل شيء ستسمعونه منّا حقيقي ومبني على وقائع
أورسن ويلز – F FOR FAKE  
مونتاج سريع لوداع عائلي، بوابات أمن، متاجر للابتزاز معفاة من الرسوم الجمركية، طوابير المغادرة، حروب المقصورة في الأعلى، إعلان للسلامة ينقله مشروفون زومبيون، عيون تحدق في أقرب مخرج للطوارئ، ربط حزام الأمان، ينتقل العقل للبطن لمّا يُشاط الممر الجوي بعيدًا عن المدرّج، حبوب تُبتلع خلال نوبة اضطراب فوق الأرغواي، إيماءات رأس قبيل أن تصير القارة ذكرى، ثم آلاف الكيلومترات وعدّة أحلام هذيانية وبعدها وقفة قصيرة في ميلان مالبينسا.
هنا في منطقة المدخنين التي وصلت إليها هامدًا، أتخلص من السجائر والعملات المعدنية الأرجنتينية، في محاولة مبالغ فيها للاستئناف، للبدء من الأول، لسفك بعض الكيلوغرامات الوجودية، ولتفريغ بقايا الماضي في منفضة، جالسًا بالقرب من رجل محطم له أصابع أطرافها مصفرّة. وهكذا كانت الأحداث في الأول سريعة ومتتالية ومن ثم يتباطأ هذا التدفق فيستعيد الوقت الشكل الذي اعتاده خلال الشهور الماضية: وقتُ انتظار. سبع ساعات. ثم رحلة “طيران لنغس” إلى دبلن.

استمر في القراءة

مُو مصراتي: ضرس العَقل

Gina Phillips, “Sentimental Tooth: Cornstalk”, 2011. Source: ginaphillips.org

ضرسي يؤلمني. أتحسّس الفراغ فيه بلساني فتلسعني صعقة تئن في رأسي. أبعدُ لساني عنه وأحلف أن هذه كانت أخر مرة ألمسه فيها. أنسى ذلك لمّا أتحدث مع زبون يسأل عن كتاب ما. أقبضُ يدي كي لا ألكمه، وأفكر: القليل من الكلام، لا أكل على الاطلاق، حبّتي كودايين، جغمة ماء والكثير من السوائل. أفعل ما استطعت منها وأنشغلُ في مهمة اليوم: إعداد قائمة كتب بميزانية ألف دولار.
وصلت صبح اليوم شُحنة كتب جديدة من شركة الاحتكار التي يُعتبر هذا المحل فرعًا في سلسلتها؛ تحتوي على مائة نسخة عربية من كتاب كفاحي، ومائة أخرى لكتاب الأمير، والباقي نسخ عديدة ومتنوّعة لكتب في التنميّة البشرية والروايات الأكثر مبيعًا.

استمر في القراءة

الثورة بجد: قصائد مختارة ليوسف رخا

Rakha, Iford Delta 3200 Negative, 2003

Youssef Rakha, Iford Delta 3200 Negative, 2003


رسالة المنفِي*

 

إلى محمد أبو الليل راشد في غربته

 

أكتب لكَ والمنافض أهرام من الأعقاب.
الشيء الذي حذّرتَني من دَوَامِه توقّف.
وصداع النوم المُمَزَّق يجعل الدنيا خاوية. أنت فاهم.
في جيوب الحياة ننقّب عن عملة من عصور سحيقة،
عملة صدئة وربما قبيحة لكنها سارية في سوق الأبدية.
نصبح ملائكة حين نعثر عليها. نجترها حتى نتأكد
أنها لا تشتري البقاء.
؎

استمر في القراءة

طارق الجارد: مباريات شطرنج خالدة ولكن بائدة

Two 12th-century chess pieces from Nishapur. Source: sothebys.com

مدخل

 

مضى على ظهور فكرة الشطرنج خمسة آلاف سنة. قليلة هي الأفكار التي تملك منطقا متماسكا لتصمد كل هذا العمر. أول حركة في اللعبة تحمل بداخلها عشرين احتمالا. أما أول حركتين في اللعبة فتحملان أربعمائة احتمالا، ثم تنفجر وتتشظى الاحتمالات لتتجاوز عدد النجوم في الكون. حينما تنظر إلى رقعة الشطرنج التي لا تتجاوز الذراع في حجمها أول مرة، لا يمكن لك أن تتخيل أن أربعة وستين مربعا مرقطا قادرة على استيعاب احتمالات بضخامة تداعيات الانفجار الكوني الكبير، وتتسع لمواقع معقدة كمواقع النجوم بصفحة السماء. يمكن تخيل المنجز الإنساني عبر التاريخ كله، من معمار وفن وشعر وفلسفة  رياضيات، كمباريات شطرنج. بعضه متكرر ومطروق إلى حد الابتذال كالأعداد الطبيعية، وبعضه وارد ومحتمل ولكنه لم يقع، كالأعداد التخيلية. بعضه تافه وضحل وعديم المخيلة، غير لائق بالخلود. وبعضه عميق وإبداعي وخلاب، نقش نفسه في الكتب وفي المخيلة البشرية. أيضا: بعضه عميق وإبداعي وخلاب جدير بالخلود، ولكنه اندثر كحضارة بائدة ومغمورة مثل جزيرة أطلانتس.

استمر في القراءة

No more posts.