شهر العنب المثلج: ديوان كاترينا غوغو كاملًا، ترجمة كارول صنصور

Original cover of “The Month of Frozen Grapes” by Katerina Gogou, courtesy of Carol Sansour

بيتي بحجم ذراعي ابنتي الممتدين
٤ سنوات بلا مأوى
حافية ومريضة وباردة
أدور
وأينما التفتُ
خلٌ وهيروين ومرارة
وأتحمل حتى لا يحزن الآخرون
ويأتي. وعلى ركبتي أقع أرضا
وأصبح بلية من طين
أتدحرج داخلي
وعلى نفس من روحي
التي ما زالت تشع
أتكئ
وأبكي ماء. ماء كثيرا
ولم يبق لي ماء
لكثرة ما بكيت
نشفت. وأصبحت حورية ذات قشور
وأصبحوا يخافون مني

استمر في القراءة

كلب ملوكي: قصة من كتاب أحمد كامل القادم

(من ليالي ألف ليلة)

Stephen Mackay, “Dog”, 2021. Source: artsy.net

أبي كلبٌ في البلاط الملكيّ، ومن بعده فأنا على أهبة كي أكون، ومن قبلنا أبوه كان كذلك، أمّا جدّي البعيد فكان قرداً، يتقافز بين يدي سلطانه. وكلامي ليس مجازية، صدقاً هو الواقع، كما جرى، وكما آملُ في قادمي أن يجري.
إن سيرة عائلتي تردُ في حكاية من ألف ليلة، وإن اختلطت ببعض التحريف، المقصود؛ في محاولة للاستئثار بكنزنا، الذي تعثّر صدفةً به، أوّلُ السلالة.
تذكرُ الحكايةُ جدّي البعيد بوصفه حطاباً معدماً، مدّ يوماً خطاه إلى البريّة في زمن كساد، متوغلاً أزيد مما اعتاد، إلى أن ألفى خميلة فأتى منها شجرةً وأزال عن جدارها الترابَ، وإذ بفأسه تصطك في حلقةٍ نحاسية مدغمة في لوح خشب. رفع اللوح فبان من أسفله درج، يغور في باطن الأرض. وهبط عبره فوجد عند آخره باباً يؤدي إلى قصرٍ متين البنيان، وفي أروقته صبية كالدرّة السنية، ينزع مرآها من القلب كلَّ همٍّ وبليّة. فسألته: “أيا هذا ومن تكون؟ أأنسيّ أم جنّي! إني هنا منذ عشرين سنة وما لمحتُ أثناءها أحداً من الإنس”. وأخبرته أنها سليلة ملوك في الأصل، لكن عفريتاً مغرماً اختطفها ليلة عرسها، ولخاطرها شيّد هذا القصر، وفيه يزورها كلّ ليالٍ عشر، فيمكث ليلةً واحدة. كما جعل لها قبةً منقوشة بطلاسم تلمسها كلما عرضت لها حاجة، وحينئذٍ يحضر العفريت ملبّياً من فوره.

استمر في القراءة

سلطان محمد: العاشق الأعسَر

Paulo Bruscky, Letters Held by Left Hand, 1995. Source: artsy.net

لست بالشخص المميز، طبعًا. ولم أكن في يوم من الأيام، ولا أظنني سأكون كذلك يومًا ما. أعرف قدري جيدًا ومتصالح معه. عرفت هذا منذ تفتح إدراكي وتماشيت مع الأمر. أعمل موظفًا بسيطًا، وأهم ما لدي أن صحتي جيدة وصحة أمي وأبي وأخي وأختي، أن عائلتي الصغيرة باختصار، طيبون وسعداء بالحد المعقول. لم أفهم مرة ما الذي يعنيه الطموح والتوق إلى المكانة. بالطبع أعرف أن هذا المسمى بالطموح رغبة تنتاب بعض الناس، الغالبية العظمى كما يظهر، لكن يبدو أنني من استثناءات القاعدة القليلة. ذات يوم أخبرني أحد أصدقائي بأنني رجل خامل. وعرفت فيما بعد أن العرب قديمًا كانت تقول عن الرجل خاملًا إذا لم يُذكر ولم يكن ذا صيت، بالنسبة لهم كانت هي المعنى النقيض لمشهور أو خالد أو ما شابه. والحق أن معرفتي بالفروق بين هذه المعاني ليست جيدةً، كما يعرف رجل أن السليق عبارة عن رز وماء وحليب ولحم لكنه لا يعرف أيهم يأتي قبل الآخر في الطبخة وكمية المقادير. لكن “خامل” صديقي لها معنى مختلف، معنى معاصر. أن تكون خاملًا يعني أنك لا تسعى لتحقيق طموح ما، رغبة في مكاسب وفيرة أو مكانة مرموقة. بمعنى الساعي، الطَّمُوح. وبصراحة فالرجل على حق. أنا خامل. فليكن! لكنه أزعجني ذلك اليوم وهو يحكي لي عن خمولي وأن هذا الخمول عطب خطير في شخصيتي. كل هذا قاله وكأنما هو خلفية لكلامه السابق عن طموحه في أن يصير محاميًا قد الدنيا. لا أدري هل كلامه صائب بالفعل .أم أنه مجرد ردة فعل على ردة فعلي تجاه ثرثرته عن طموحاته إذ لم أكن أقول أكثر من “حلو… ممتاز… آها.. بالتوفيق”. كنت حينها أقلّب في جوالي وهو يحكي وأشاهد فيديوهات لخطاطين. في تلك الليلة، وبعد كلام صديقي، كنت أبحث في فيديوهات عن الطموح وتطوير الذات.

استمر في القراءة

سمية عبد الله: كل شيء، كل الأشياء

Todd Hido, from “Interiors”. Source: tonermagazine.net/

كل شيء يبدو لوهلة
متشققا، ممتدا
محترقا
كل شيء في هذا الظلام
يبدو أيضا واهنا
يركض بلا رغبة
يغني بلا صوت
ينسحق بلا أثر
.

استمر في القراءة

مينا ناجي: ثلاث قصائد

Cara Weston, “Face Passing By”, Seattle, 2015. Source: lumieregallery.net

على الطريق
“الحق لا يوجد في العمران” – أبو سعيد بن أبي الخير
كنا في شارع رمسيس لكن قبل قرن من الزمان، على ظهر حافلة كبيرة مكشوفة، كأنها عربة عملاقة تجرها خيول، وبجانبي ماما وأختاي، لم أكن خائفا بل مبسوطا وخفيفا كما في نزهة. خضرة الزرع والمياه كانت تنحسر أمام الأسفلت والرصف والمباني التي ستكون، وحدست أن هذا هو ما يجعلني أخاف. كانت ماما تشيد بسرعة الإنجاز ثلاثة أيام في الأسبوع بينما نحن في الكويت، البلد يتقدم سريعا، رغم أنها كانت تمقت الرجوع في الحقيقة. قاطعتها قائلا لولا المعمار ما كانت ضاعت حياتي فنظرت إليّ مستنكرة: حياتك ضاعت؟ انهرتُ في بكاء مُر فجأة وأنا أشتم لها الناس.

استمر في القراءة

آدم: ضرس

Ian Ingramو Castle of the Tooth Fairy, 2017. Source: artsy.net

سبع عجائز يشربن الشاي ويقرضن الفصفص ويتفلنه نحو أبعد مسافة، لعبتهن المعتادة كل ليلة. صوت تشويش يأتي من راديو بعيد يبث أغنية بحرية لإحدى الفرق الشعبية المنقرضة. القمر نازل مضيء بقوة، يكاد يجلس معنا ويشرب الشاي. نجلس في المزرعة قرب البيت الطيني ذي الإضاءة الخافتة، الخارجة من الفوانيس المعلقة في كل مكان، نهيق حمار وأصوات أبقار في الحظيرة وحمحمة حصان في الإسطبل. أنا الذكر الوحيد، ابن أمي المستندة على الشجرة ورأسي في حضنها، بلغتُ الثالثة عشرة قبل عدة أيام. ذكرت إحدى العجائز المرتعشات حكايتي وهي تضحك مبديةً أسنانها المنخورة. تقول إنّها تتذكر أنّني – في الفترة التي راحت تحُكّني فيها لثتي وقد أوشكت أسناني على الخروج – عضضتُ ساق أمي، ثم عضضتُ مؤخرة الكلب الدمية وبكيت كثيرًا لأنه لم يتألم أو يهوهو مثل الكلاب في التلفاز.

استمر في القراءة

كريم عبد الخالق: قصائد للزينة

Lou Reed by Mick Rock, 1975. Source: nytimes.com

ليلة باردة
مُهداة إلى ألبوم Berlin لـLou Reed
ليلة باردة
لكن لحسن الحظ
لدينا التدفئة اللازمة.
كافيه صغير في الزاوية
نعم عند الإضاءة الوحيدة
انتهى العالم، فقط من أجل هذه الليلة.
كافيه صغير
وأغنية لـLou Reed
نسيت أن أودع أمي،
لكن لا مشكلة.

استمر في القراءة

هشام البستاني: تلك النقاط التي تشتعلُ وتخبو

Ottoman image of the building of the Hejaz Railway from the Turkish State Archives. Source: aliwaa.com.lb

أنتَ؟
أنتِ؟
هل.. أعرفكَ من قبل؟ كأنني.. شاهدتكَ في مكانٍ ما..
كأنني.. أعرفكِ. أعرفكِ. ربما لا. لا. لا أذكر فعلاً إن كنتُ رأيتكِ قبل اليوم. لكن يُخيّلُ لي أننا تحدّثنا والتقينا.

استمر في القراءة

أحشاء: هشام فهمي يترجم تشاك پولانِك

Bruno Barbey, Réunion, 1991. Source: magnumphotos.com

شهيق.
التقِط كلَّ ما تقدر عليه من الهواء.
لن تستغرق هذه القصَّة أكثر من المُدَّة التي تستطيع أن تحبس خلالها أنفاسك، ثم ما يزيد على هذا بقليل، لذا أرجوك أن تسمعها بأسرع ما يُمكنك.
صديق لي كان في الثالثة عشرة من عُمره عندما سمع بتكنيك غرس الوتد، أي عندما يدسُّ الرجل قضيبًا صناعيًّا في مؤخِّرته، ويحثُّ غُدَّة المثانة بالقوَّة الكافية، ليصل إلى ذُروةٍ متفجِّرة مرَّاتٍ ومرَّاتٍ دون أن يستخدم يده. هذا الصديق في تلك السِّن مهووس بالجنس، يبحث دائمًا عن سُبل أفضل للاستمناء. يخرج ليشتري جزرة وعلبة من الڤازلين ليُجري بحثًا خاصًّا صغيرًا، ثم يتخيَّل كيف سيبدو الأمر للواقفين في الطابور عندما يذهب لدفع الحساب ومعه الجزرة الوحيدة والڤازلين، والكلُّ ينظر إليه متخيِّلًا الليلة الكبيرة التي يُخطِّط لها. هكذا يبتاع صديقي القليل من الحليب والبيض والسُّكَّر مع الجزرة – وكلها مقادير لصُنع كعكة جزر لا بأس بها – والڤازلين بالطبع.
كأنه سيعود إلى المنزل ليضع كعكة جزر في مؤخِّرته.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: التلميذ الأخير

Mansoura, early 20th-century postcards. Source: delcampe.net

-١-
طيلة الطريق من القاهرة إلى المنصورة، كنت أردد لنفسي: لم يكن علي المجيء. أتبع شعورا غامضا بالذنب، أو ربما – وهو ما حاولت إنكاره – أسعى لتحقيق نزوة قديمة: أن يعترف الأديب العجوز، وأستاذي اللئيم فرج الكفراوي بنجاحي، وهو الذي عدّني دوما أقل تلاميذه موهبة.
قبل خمسة عشر عاما، لم أكن أتمنى سوى أن أصبح مثله. الآن، أفعل كل ما بوسعي كي أتجنب مصيره.

استمر في القراءة

علي لطيف: طبيب عائلة الشامخ

Gabriel Grun, La Pequeña Aracné. Source: macabregallery.com

لا أعرف لماذا تذكرت ليلة الإثنين قبل ما يبدو كأنه الأمس، عندما أنزلتُ جسد أمي المعلق من السقف المهترئ. كنت أفكر، عندما رأيت شفتي ابن عم باسل تتحركان وتنقلان نبأ الموت قبل خمسة أعوام، بأنني في الحقيقة لا أريد الاستمرار في العيش لكنني لا أريد أن أموت.
***
لا أبالغ إذا قلت إن باسل باسل الصديق ليس رجلاً بمعنى الكلمة، ولا يرتقي حتى لمرتبة كلب. كان مع أخيه محفوظ بوابة أغرب حدث مر في حياتي منذ ليلة الإثنين تلك.
عندما أتى باسل إلى العيادة التي بدأت في العمل بها أول ما قدمت للمدينة عام ١٩٩٦ وطلب مني الكشف عليها، لم أمانع. في اليوم التالي كنت أمام منزله منتظرًا أن يفتح لي الباب.

استمر في القراءة

No more posts.