نذير عبد الله: عيادة الأدب الرديء

Nan Goldin, Guido on the Dock, Venice. Source: christies.com

(١)
حالما أنهيتُ تلخيص حياتي في الفترة الأخيرة له، سَلّمَ أنّني، في الواقع، بحاجة حقيقيّة إلى برنامج علاجي، ثمّ سألني إذا ما راودتني أفكارٌ انتحاريّة. لا، أجبت، الموت لا يثير اهتمامي1 – ميشيل ويلبيك – Seretonin

(١) هل تُطيقُ وداعًا أيّها الرّجلُ 
لم أبكِ حين رأيتُ جسدها يتدلّى من السّقف، لم أجزع، لم تصبني نوبة هلع. كنتُ هادئًا تمامًا، انتظمت ضربات قلبي، وحين نظرتُ في مرآة الخزانة عن يميني بدا أنّ ابتسامة ترتسم ببطء على شفتيّ. جلستُ على السّرير، وأخذتُ أفكّر في حفلة بيلي آيلِش التي شاهدناها سويّة في هلسنكي العام الفائت، حيث كانت تلبس بيجامة خضراء مخطّطة برسومات لم أتبيّنها من موقعنا البعيد.  قرابة منتصف الحفلة غنت “ادفن صديقًا”، وأخذت تقفز يمنة ويسرة بخفّة طفلة غفل أهلها عنها. حين نبت صوتها وسط جموع المردّدين “ماذا تريد منّي؟ لماذا لا تهرب منّي؟” شعرتُ بحاجة إلى سيجارة، فنظرتُ إلى سارة التي انحسر حجابها عن مقدّمة رأسها قليلًا بفعلِ تحريك اليدين المستمرّ إلى أعلى وإلى الوراء، اقتربتُ كثيرًا منها كي تسمعني:
– سارة، بدّي أطلع أدخّن سيجارة
– ما تروح، خلّيك
– بس…
– ما في تروح.
أمسكت ذراعي اليمين وشدّتني إليها، وضعت يديها أعلى حوضي، وقفت على رؤوس أصابعها وقبّلتني “هاي بدل السيجارة”، ثمّ أعادت تثبيت حجابها.

استمر في القراءة

أفضل عصابة: في عيد ميلاده السابع والستين نص لم يُتَرجم لروبرتو بولانيو، هدية مو مصراتي

A young Roberto Bolaño from the late writer’s family albums. Source: lavanguardia.com

لو اضطررتُ للسطو على أشدّ البنوك حراسة في أوروبا وكان بإمكاني اختيار شركائي في الجريمة، فإنّي سأختار عصابة من خمسة شعراء لا محالة. خمسة شعراء حقيقيون، أبولونيون وأدونيسيون، لكنّهم بالفعل حقيقيون، ومستعدّون لأن يحيوا وأن يموتوا كشعراء. لا يوجد في هذا العالم من هو أشجع من شاعر. لا أحد في الدنيا يُقابل كارثة بذات المفهومية وعزّة النفس. قد يبدون ضعفاء، هؤلاء الّذين يقرأون “غيدو كافالكانتي” و”آرنو دانييل”، قرّاء “أرشيلوشوس” الصحراوي الذي اختار دربًا عبر حقول من العظام. انّهم يعملون في عدمية المُفردة، كروّاد فضاء تقطّعت بهم الكواكب نحو طريق مسدود، في صحارى لا يوجد فيها قرّاء ولا ناشرون، تراكيب لغويّة وبَس، أو أغان بلهاء لا يغنّيها البشر، بل الأشباح. في جامعة الكتّاب هم الجوهرة الأعظم والأقل رواجًا. لمّا يقرر طفل عنجهي في السادسة عشر أو السابعة عشر أن يصير شاعرًا، فإنّها دون شك مأساة عائلية. يهودي مِثلي، نصفه أسود، ونصفه بَلشفي: صربيا منفى الشاعر جالب العار لأهله. لا يستهوي قرّاء بودلير المدرسة الثانوية، ولا زملائهم، والحال أقلّ بكثير مع أساتذتهم. لكنّ هشاشتهم خادعة، وكذلك فكاهتهم وهواهم. خلف هذه الواجهات المظلّلة، قد تجد أقوى الناس في العالم، وبالطبع أشجعهم. ليس من العدم أنّهم انحدروا من سلالة “أورفيُوس”، وأنّهم أطفاؤا “أرغوناتس” ومضوا باتجاه الجحيم ثمّ ولّوا من جديد، أقل حياة من ذي قبل، لكنهم أحياء. لو أضطررتُ للسطو على أكثر البنوك تحصينًا في أمريكا، سأختار عصابة من خمسة شعراء. من المحتمل أن تنتهتي المحاولة بكارثة، لكنّها ستبدو جميلة.
No more posts.