محمود حمدي: نافذة مضادة للوحشة

Jonas Bendiksen, Uzbekistan, 2002. Source: magnumphotos.com

(١)
منذ سكني في هذه الشقة، لم أع يومًا فُتحت فيه النافذة الموازية في المبنى المقابل. كنت قد اعتدتُ انغلاقها الكئيب، الغبارَ الذي يكسو ضلفتيها الخشبيتين. وكآبة محياها في نفسي. لكن مرةً في الليل وعندما كنتُ استعيد أحداث يومي على أطلال أم كلثوم، مع كوب شاي، أبصرت النافذة مشرعةً ذراعيها للفضاءِ من حولها، وكقلبٍ عاوتده الحياة، انتفضت أحشاؤها يالحركة. كانت قريبةً للدرجةِ التي تسمحُ لي باصطياد من في داخلها لتحيته.

استمر في القراءة

سلمى الداني: شاهد رقيق

Moises Saman, Japan, 2017. Source: magnumphotos.com

تجلس على أريكة مخملية متأملة حوضًا صغيرًا من السيراميك ذا زخارف يبدو أنها أندلسية، لا تستطيع تمييز جميع ألوان زخارفه بسبب رغوة الصابون، تأخذ رشفة من الشاي الذي مدته لها أخصائية المساج، وكعادتها تتساءل بينها وبين نفسها وهي لا تنتظر إجابة ما: هل هو بطعم البابونج مع العسل؟ فترتشف رشفة أخرى، ثم تنتبه أن روبها يبدو مرتخيًا حتى بدا صدرها؛ لكنها لا تبالي. تمد قدميها بحذر وهي تدخلهما في الحوض، وتُرجع ظهرها باسترخاء على الأريكة راجية أن ستستطيع النوم بشكل عمي بعد هذا المساج.   
تخرج قدميها من الحوض، وتخلع الروب الحريري عن جسدها، تتردد في خلع القلادة الفضية فتتركها مكانها؛ وتتبع تعليمات المدلكة بأن تنام على بطنها، وتضع وجهها داخل فتحة مجوفة في طرف السرير. الإضاءة الخافتة؛ ورائحة الشموع العطرية؛ والموسيقى الخلفية الداعية للاسترخاء؛ تزيد من حدة توترها، لم تستغرب هذا التوتر فهي تدرك أن ردود فعلها المغايرة أمر طبيعي. لا تهتم بما تشعر به في تلك اللحظة

استمر في القراءة

ياسر عبد اللطيف: ٢٠٠٥ أجرة القاهرة / خ. ز. ي

James Hooper (Taxi Meter Man). Source: hiveminer.com

عدتُ وحدي في التاكسي نفسه الذي ذهبنا فيه جماعةً، سيارة قديمة متهالكة قذرةٌ من الداخل، من النمط القديم لأجرة القاهرة بالأبيض والأسود، طراز فيات ١٢٥ المُصَنّع في بولندا الاشتراكية، تسكنها رائحة دخان العادم المتسرِّب من مكان ما في هيكلها. السائق كان على نفس الدرجة من التداعي، وإن بدا مغتبطًا راضيًا، بلحيةٍ شيباء تبلغ من العمر أربعة أيام، وملابس لم يغيرّها ربما من نفس التاريخ. 
في رحلة العودة ضاعت بوصلتي الذهنية، حين خرج السائق عن المسار المتوقع، ثم استعدت حسّي بالاتجاهات ثانيةً بعد أن مرقنا من نفق شارع مصر والسودان، فهذا هو شارع رمسيس، ونحن منطلقان في اتجاه العباسية، ثم هذا هو شارع الجيش وسينتهي بنا إلى ميدان العتبة. أعرف جيدًا أن هذه الشوارع الرئيسية معبّدة بأسفلت لا بأس بنعومته، وتلك الرجرجة العنيفة لا علاقة لها بحال الطريق، وإنما حتمًا ناجمة عن تضعضع آليات امتصاص الصدمات في بنية العربة التي تعود لسبعينات القرن الماضي. 
قبل أن نخرج من ذاك النفق، انحرف السائق يمينًا نحو منطقة “دير الملاك”، وأنا لا أعرف تلك الجهة نهائيا. فوق ذلك، كان الشارع الذي دخلنا فيه خاليًا من أعمدة الإنارة مُعتمدًا على قمر شحيح الضوء جعل البنايات على الجانبين في تلك الساعات الهادئة كُتلاً متقاربة بالكاد تظهر لها ملامح عيون نوافذ وشرفات أفواه أشباح تبتسم عن أسنان من قطع الغسيل على أحبال غير مرئية. قال السائق إن البنزين كاد أن ينفد ولا بد وأن يملأ خزّان الوقود، وهو يعرف طلمبة بنزين تقف وحدها دون محطة خلف مبنى حكومي قريب. الطُلمبة مخصّصة لسيارات وحافلات تلك المؤسسة، وهو طالما ملأ سيارته منها مجانًا. فالموظفون لا يغلقونها، وما من حارس ليلي يسهر على حمايتها. 

استمر في القراءة

هولدن كولفيلد: نصان

Katsushika Hokusai, The Dream of the Fisherman’s Wife, 1814. Source: Wikipedia

-١-
كنت حزينًا فوق كل تصور كوني أودّع كل هذا الجمال. السماء بدت أكثر اتساعًا. كانت صافية تتخللها خطوط مقلمة أفقية. مبتسمين أخلوا الطريق لي، وكنت أتشرب بعقلي كل ملمح لكل وجه أتى ليودعني. كان وداعًا سعيدًا، ولم أشعر بأي اهتزاز للخشب أسفلي لأن الورود الرطبة كانت قد غطته بالكامل. الصيحات كان يتمخض عنها موسيقات ليست سوى موسيقات الحياة، كانت تصل لأذني كغمغمات عصية على التعبير. الأرض من أمامي تغطت بجليد ميزته آثار أقدام حددت مواضع كل الأمكنة التي أتوا منها. شعرت بلهب كان يشتعل بداخلي، وتذوق لساني الطعم المالح لعرقي، لكنني حاولت التماسك. ثم استبد بأكمل جسدي شلل لم أعه حتى ساعدني ذو وجه مسطح جامد غير معبِّر على الانحناء. أحسست بظفر خدشَ جلدي كان يحاول أن يلمسني من مسافة وقت أن انفكت العقدة وتحررت شفرة المقصلة من أعلى رقبتي.

استمر في القراءة

مينا ناجي: مختارات من أسبوع الآلام

memling_passie_grt

Hans Memling, Scenes from the Passion of Christ, oil on panel (1470-71). Source: artbible.info

((وَثَقُوا يَدَيَّ وَرِجْليَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامي)) – مزمور ٢٢
.
فرحتنا. فرحتنا التى لا تسع شيئاً
ولا تستجيب إلا لنا.
فرحتنا أول الصيف. أول الموسم المغطى بالعشب الذى يكسو جدران الحمام وغرف النوم والطُرقة وجلودنا التى تنبهت أخيراً إلى وضعية أشد خطورة من مسك الليل. حان وقت فرحتنا التى أبكتنا كثيراً فى انتظارها الموقوت.

استمر في القراءة

No more posts.