محمود حسني: وهم البحر

J. M. W. Turner, “Stormy Sea Breaking on the Shore”, 1840-45. Source: Wikipedia 

المكان مختنق، كما سيكون دوما. ونحن صغار جدا، كأسماك صغيرة، سريعة الحركة، تملأ شتاء خليج هذه المدينة الصغيرة. صغارا كنا، لا يتوقفون عن الحركة، تُلوِّح وجوههم شمس قوية تطل من جهة الخليج الضيق وتسقط وراء الجبل الداكن.
كنا أطفالا ينتظرون نهاية الأسبوع ليهرولوا إلى شاطئ الخليج. خليج صغير، يستريح إلى سفح جبل ناري، تركن إليه السفن الضخمة، ملتقطة أنفاسها، قبل أن تحبو ببطء في ممر القناة الضيق. خليج تتراكم الصخور على شاطئه، تنحسر عنه المياه أغلب الوقت، فنُشمِّر سراويلنا، نتلمّس بأطراف أقدامنا رماله المُشبّعة بالماء والملح مُلتقطين القواقع والمحار. نمشي في واديه الجاف خمسين مترًا، مائة، مائتين، حتى تصل أقدامنا إلى دفء مياهه الهادئة، ثم نعود راكضين، صارخين فرحا بما أعطانا.

استمر في القراءة

البودكاست، مع مينا وإسلام🎙: (٩) الرواية ش م م: مينا يقابل أحمد الفخراني



Ahmed El Fakharani, courtesy of the subject

في الحلقة التاسعة من بودكاست ختم السلطان، يناقش الروائي وكاتب القصة أحمد الفخراني المشروع الروائي منذ بداياته وحتى اللحظة، ويتطرق إلى موضوع الجوائز وقضايا النشر كما يستلهم خبرته ليس فقط مع الإبداع الأدبي ولكن مع التفكير في نفسه ومشروعه ككاتب، وسعيه الدائم إلى تجاوز نفسه.

 

بودكاست ختم السلطان هو إنتاج وتنسيق مينا ناجي وإسلام حنيش. هما من يختاران الضيف، ويحددان الأسئلة، ويديران الجوانب التنسيقية والتقنية. وليس للموقع فضل ولا عليه لوم غير استضافة البرنامج

البودكاست، مع مينا وإسلام 🎙: (٧) جنون الكتابة: مقابلة مع إيمان عبد الرحيم



Eman Abdel Rehim, courtesy of the subject

في الحلقة السابعة من بودكاست ختم السلطان، تتحدث الكاتبة ذات الصوت الفريد إيمان عبد الرحيم عن المرض النفسي والأدب واللغة، وكيف تصبح الكتابة في بعض الأحيان من سبل العلاج بل وسبيل إلى الخلاص والتعامل مع الألم. ورغم خصوصية تجربتها الشديدة فكلامها – للغرابة – ينطبق على الكثير من ضروب الألم التي تعالجها الكتابة.

 

بودكاست ختم السلطان هو إنتاج وتنسيق مينا ناجي وإسلام حنيش. هما من يختاران الضيف، ويحددان الأسئلة، ويديران الجوانب التنسيقية والتقنية. وليس للموقع فضل ولا عليه لوم غير استضافة البرنامج

حادث سير: دنيس جونسون ترجمة علي لطيف

Denis Johnson by R. N. Johnson, 1976. Source: washingtonpost.com

بائع يشارك شرابه ويقود السيارة بينما هو نائم… شيروكي ثمل بالبوربن… فولكسفاغن ليست إلا فقاعة منفوخة بأدخنة الحشيش، يقودها طالب جامعي…
وعائلة من مارشل تاون تٌنطح، وتُقتل للأبد رجلاً يقود غرباً من بيتاني، ميزوري…
… نهضت مبتلاً من نومي تحت الأمطار المنهمرة، وكشيء أقل من واع، شكراً للثلاثة أشخاص الذين ذكرت أسمائهم من قبل – البائع والهندي والطالب – والذين أعطوني مخدرات جميعاً. انتظرت توصيلة يائساً على رأس الطريق المنحدر. ما الفائدة حتى من توضيب كيس نومي، لو كنت مبتلاً لحد رفض أي أحد السماح لي بالصعود لسيارته؟ لذلك طويته ووضعته حولي مثل رداء. جرفت الأمطار الغزيرة الاسفلت وقرقرت المياه في الأخاديد. تضخمت أفكاري بشكل يدعو للرثاء. جعلني البائع المسافر أبلع حبوباً أشعرتني بالحكة في بطانة أوردتي. آلمني فكي. كنت أعرف اسم كل قطرة مطر. شعرت بكل شيء يحدث قبل حدوثه. عرفت أن عربة قديمة مقدرة لأجلي ستقف قبل إبطاء سرعتها حتى، وبسبب الأصوات السعيدة للعائلة داخلها عرفت أن حادثاً سيقع في العاصفة.

استمر في القراءة

هشام البستاني: تلك النقاط التي تشتعلُ وتخبو

Ottoman image of the building of the Hejaz Railway from the Turkish State Archives. Source: aliwaa.com.lb

أنتَ؟
أنتِ؟
هل.. أعرفكَ من قبل؟ كأنني.. شاهدتكَ في مكانٍ ما..
كأنني.. أعرفكِ. أعرفكِ. ربما لا. لا. لا أذكر فعلاً إن كنتُ رأيتكِ قبل اليوم. لكن يُخيّلُ لي أننا تحدّثنا والتقينا.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: الرجل الصغير

Gustavo Ortiz, “Witness” paintings. Source: carredartistes.com and saatchiart.com

بأنفاس لاهثة، صعد الدرجات الرخامية جارّا معه أنفه إلى أعلى، مستندا على درابزين مشقوق الطلاء كي يحفظ توازنه من السقوط. توقف قليلا ليتحسس أنفه الضخم الذي يضطر أن يحمله معه أينما حل، فتُطأطىء رأسه قليلا إلى أسفل في اللحظات التي يحتاج فيها إلى النظر مستويا إلى الأمام. أما الصعود إلى أعلى ومع حجر كهذا فوق وجهه فقد كان معاناة حقيقية، لكنها لا تقارن بمعاناته عندما يقرر هذا الأنف أن يبتلعه بالقوى السحرية التي تملكها نقطة ارتكاز، أو كمحور يجعله يدور ويدور حول نفسه.
بلغ الطابق الثالث. كان واسعا تتوسطه ردهة تتولد منها ممرات متشابكة، لافتات لأطباء ومحامين والمزيد من الأطباء والمحامين. فكر أنه أمر طبيعي في عالم معتل يسوده الشر، رغم أنه في حاجة أكثر إلى خياطين كأبيه، المهنة التي تنقرض بفعل فقدان الانتباه والصبر. لا أثر للافتة التي يبحث عنها رغم أنه دار حول الطابق عدة مرات.
كان يحمل تحت إبطه ملفا ضخما يحوي أوراقا مرتبة بعناية، في مقدمتها وريقة صغيرة مثبتة بدبوس سجل عليها العنوان: ٢٣ ش سليمان باشا، موقع “باب المدينة”، الطابق الثالث. هل أخطأ في عد الأدوار؟ فكر أن يهبط إلى أسفل ثم يصعد مجددا ليتأكد من العد. لكن كان ذلك منهكا لجسده المفكك وعقله الدائخ.

استمر في القراءة

رسائل كارول صنصور 📺: (٢) زياد خدّاش

زياد خداش كاتب قصة فلسطيني، ولد في مدينة القدس عام ١٩٦٤، يكتب القصة القصيرة، في رصيده اثنتا عشرة مجموعة قصصية، يعمل مدرساً للكتابة الإبداعية في مدارس رام الله. حصل على الجائزة التقديرية لدولة فلسطين، كما وتأهل للقائمة القصيرة في مسابقة الملتقى الأدبي للقصة العربية في الكويت لعام ٢٠١٥

 


اقرأ نصاً لزياد خداش

إيمان عبد الرحيم: العلامة

larger

Jock Sturges, Misty Dawn and Jeremy; Northern California, 1989. Source: artsy.net

“فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
سورة البقرة، آية ٢٥٩

 

“تاكسي! مصر الجديدة؟”
يركن التاكسي على جانب الشارع لتركب، وتنظر للساعة الرقمية فوق العداد لتجد أنها الثامنة والنصف.
في أول إشارة مرور تقابلهم في الشارع على كورنيش “المعادي”، تشرع في التأفف مللاً من الزحام، ثم إن السائق يستمع على كاسيت السيارة إلى المطرب “مصطفى كامل” بصوته القميء، في أغنية “نادم”، والتي لا يتوقف فيها عن الندب. تلوم نفسها على كونها نسيت أن تحضر معها “الإم بي فور“ وكتاب ما، لتتسلى بقتل الوقت معهما في مثل هذه السكة الطويلة.
 تذكرت أن معها ”الأيبود” ذا البطارية شبه الفارغة، لا بأس، يمكن على الأقل أن تمضي بعض الوقت بلعب فيديو جيم “كاندي كراش”. فصل شحن “الأيبود” سريعاً كما توقعت، فقررت أن تركز في الطريق. كانا قد وصلا إلى شارع “صلاح سالم”، ناحية “عين الصيرة”. الطريق بشكل عام جيد، خالي من الاختناقات المرورية، حمدت الله، وواست نفسها بوصول قريب للبيت. عند “القلعة” فوجئت بسيارات ترجع عكس اتجاه السير رغم خواء الشارع، سألت السائق متعجبة، فأجاب بأنه لا بد أن هناك شيئاً ما يحدث في مقدمة الطريق، نظرت إلى الشارع أمامها، فوجدت الشارع خاليًا من أي اختناق على مدى بصرها.

استمر في القراءة

إيمان عبد الرحيم: النشور

Thetriumphofdeath

Pieter Bruegel the Elder, “The Triumph of Death”, 1562. Source: Wikipedia

“انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً
سورة الإسراء، آية ٢١

 

“القيامة النهاردا الساعة ستة بعد المغرب… يلا قومي.“
استيقظت مشدوهة في الواحدة ظهراً، على صوت ماما تردد هذه الجملة بصوت منذر وعلى عجل!
سألتها كيف عرفت؟ فأجابتني بأن الخبر أذيع أكثر من مرة في نشرات الأخبار على كافة القنوات الأرضية والفضائية، المحلية والعالمية، العالم كله يعلم ويستعد وأنا الوحيدة النائمة بكسل على جنبي. سارعت بالنهوض من سريري، ثم سألتها عما يجب أن نفعله، طلبت مني أن أحضّر شنطة صغيرة آخذ فيها كل ما قد أحتاجه في الحياة الآخرة. سارعت أبحث عن إخوتي، فوجدتهم جميعا مشغولين بتحضير شنطهم. ذهبت إلى دولابي، واخترت شنطة ”باك” ضخمة، كي أتحرك بحرية، بينما هي معلقة على ظهري. وضعت فيها كيس فوط “نانا” الصحية النسائية القطنية، ومحفظة لا تحوي إلا صورًا فوتوغرافية بالأبيض والأسود، لمن رحلوا من عائلتي.  بعدها سارعت بالذهاب إلى صالة البيت وأخرجت من درج ”النيش” الذي يتوسط أحد جدرانها شريط دوائي المضاد للاكتئاب، ألقيت الأشياء في الشنطة على عجل، توقفت سارحة لثانية، أفرغت بعدها الشنطة من جديد، سارعت إلى المكتبة والتقطت المجلدات الخاصة بكتاب “قصة الحضارة”، لـ”وِل ديورانت”، لم أجد إلا أحد عشر مجلدًا فقط من أصل اثنين وعشرين مجلدا، بحثت في كل مكان عن المجلدات الناقصة، ولم أجدها، حزنت لعدم عثوري على المجلدات المفقودة، فكم كنت أود إكمال قراءة السلسة الضخمة قبل أن أموت. يبدو أنه غير مقدر أيضاً أن أقرأ ما تبقى لي حتى بعد رحيلي. انتبهت فجأة أن الوقت يمرق، فاكتفيت بالأحد عشر مجلدا، وحملتها مرصوصة فوق بعضها، الأقدم في الأسفل، فالأحدث أعلاه. قابلتني أختي وأنا أسير على مهل حاملة الكتب الضخمة ومتجهة إلى غرفتي، فصرخت في محذرة: إن هذه الكتب ثقيلة جداً، ووزنها سيعيق حركتي في يوم مهم مثل هذا. أخبرتها ساخرة أن هذا ليس من شأنها. في غرفتي، رصصت المجلدات الأحد عشر في قاع الشنطة، ثم وضعت الأشياء التي أفرغتها من جديد فوقها، أحضرت علبة سجائري، واخترت ولاعة سجائر لونها برتقالي فاقع، ووضعتهم فوق بالقرب من “السوستة”، في متناول يدي. أغلقت بعدها الشنطة، وحملتها على كتفيّ، وتحركت بصعوبة، نظرا لثقل وزنها، ثم خرجت إلى صالة البيت، فوجدت أن الجميع قد انتهوا قبلي.

استمر في القراءة

نصبٌ للذّكورة: أميلي نوثومب ترجمة محمّد آيت حنّا

Baroness Fabienne-Claire Nothomb (Amelie Nothomb) by Marianne Rosenstiehl. Source: rusoch.fr

اِبتدأ شهر مايو على نحوٍ حسن.
حوْل البركة الخضراء الصّغيرة أزهرت شجيرات الأزاليه، ومثل شرارةٍ أضرمت النّارَ في البارود، انتقلت العدوى إلى الجبل بأكمله. صرت أسبح وسط الزهور المتوهّجة.
لم تكن الحرارة تتجاوز العشرين درجةً: إنّها جنةُ عدن. كنت على وشك الإيمان بأن مايو شهرٌ مميّزٌ، وإذا بالفضيحة تنفجر: نصَب الوالدان في الحديقة صاريةً ترفرف أعلاها، مثل رايةٍ، سمكةٌ ورقيةٌ حمراء تصطفق في الرّيح.
استفسرت عن أمرها. أخبروني أنها سمكة شبّوط وُضعت تكريما لشهر مايو، شهر الأولاد. قلت لهم إنّي لا أرى علاقة بين الأمرين. أخبروني أنّ الشبّوط هو رمز الذكور، وأنّهم ينصبون هذا النّوع من التماثيل السّمكيّة في المنازل التي تضمّ أطفالاً ذكوراً.
– وأيُّ الشّهور هو شهر البنات؟
– لا وجود لشهر بنات.
فقدت القدرة على النّطق. أيّ ظلم صاعقٍ هذا؟
نظر إليّ أخي وهوجو نظرةَ استهزاء.
أضفت متسائلةً:
– لمَ سمكة شبّوط للأولاد؟
انصرفت خائبة الأمل، مقتنعةً أنّ سؤالي كان وجيها.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: التلميذ الأخير

Mansoura, early 20th-century postcards. Source: delcampe.net

-١-
طيلة الطريق من القاهرة إلى المنصورة، كنت أردد لنفسي: لم يكن علي المجيء. أتبع شعورا غامضا بالذنب، أو ربما – وهو ما حاولت إنكاره – أسعى لتحقيق نزوة قديمة: أن يعترف الأديب العجوز، وأستاذي اللئيم فرج الكفراوي بنجاحي، وهو الذي عدّني دوما أقل تلاميذه موهبة.
قبل خمسة عشر عاما، لم أكن أتمنى سوى أن أصبح مثله. الآن، أفعل كل ما بوسعي كي أتجنب مصيره.

استمر في القراءة

عائشة أحمد: الرجل الآخر

David Alan Harvey, Dasha in Outer Banks, USA, 2015. Source: magnumphotos.com

من خلال تخريمات شالها الأبيض تتطلع إلى البحر. ترى الطفلة في المايوه البنفسجي تروح وتجيء بدلوها البلاستيكي الصغير، تملأه بالماء وتفرغه على الرمل حيث تبني قلعتها الطينية مع أختها. آثار قدميها الصغيرتين مطبوعة على الرمل في مسار محدد، ووالدهما يرشف مشروبه ببطء من الزجاجة الحمراء مراقبا المشهد من بعيد.
تستلقي على المنشفة السوداء وقد ثبتت أحد أطرافها حقيبة ظهر ثقيلة وفي الطرف الآخر حذائها الفضي اللامع وكتاب كانت تقرأه. الريح تهب باردة والشمس فوقها لاهبة. تشعر بالعطش لكنها أكسل من أن تعتدل في جلستها وتبحث عن عبوة الماء لتشرب، تكتفي بأن تغطي وجهها بشالها الرقيق لتحمي بشرتها من وهج الشمس، وتغمض عينيها. تغفو لوهلة وتستيقظ على أصوات الأمواج المتكسرة على الشاطئ، والنوارس الوقحة تدوم في السماء القريبة وتحط سريعا لالتقاط فتات الخبز الذي يرميه لها أحدهم.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: ضي الماس

Illustration of George C. Duncan’s Pre-Adamite Man, 1866. Source: British Library collection

-١-
عندما ابتلع فرج قرط والدته طفلا، شكلت طريقة استعادة القرط فكرته عن الحياة: الإنسانية قد تكون فاكهة حلوة محشورة بين ثمار شجرة زقوم، جوهرة مدفونة في روث فيل، خاتم ذهبي سقط في قاع الكنيف. قبض فرج على إنسانيته وسط الخراء، لكن الزمن، تكرار الفشل، تفتت الطموح، الشك الرهيب، أشياء جعلت هزيمته سهلة وحزنه غائرا كجرح نتن. قبل أن يعرف بالطريقة الصعبة أن الإنسانية – بالضبط – هي قاع الكنيف.

استمر في القراءة

هشام البستاني: طافيًا في الهواء، بثلث انثناءٍ في الرُّكبتين | قصة من المجموعة الأخيرة

s-l1600

19th-century print. Source: look-just.top

الجثث مُنتفخةٌ، وسترة النجاةِ ملقاةٌ بين أخرياتٍ كثيراتٍ شبيهاتٍ على الشاطئ، تذكارًا من أولئك الذين غرقوا وأولئك الذين نجوا، تومضُ ألوانها الفسفوريّة أنّهم مرّوا من هنا، ولن يتوقّفوا عن المرور أبدًا. ها هم يأتون من البعيد.

رغم أنهم انتشلوني وأودعوني غرفة معدنيّة في غابةٍ بعيدةٍ عن البحر، إلا أن رؤى الماء ظلّت تدهمني كفيضانٍ فُجائي، مطرٌ ينهمرُ مرّةً واحدةً فأغرقُ في العرق البارد قبل أن أستيقظ هَلِعًا وأهرع لأضع رأسي تحت الحنفيّة فأُحسُّ بالأمان. سأخرجُ.
أفتحُ الباب فأشاهد غرفًا معدنية أخرى متشابهةً ملقاةً بين الأشجار، تمتدُّ من بعضها حبالٌ نُشرت عليها قطعُ الغسيل. “هذه علمُنا الوطنيّ”، فكّرتُ، وأدّيتُ لها التحيّة. لم أؤلّف لها بعدُ نشيدًا مناسبًا لكنّه قطعًا سيجمعُ في كلماته بين الموتِ والرّحيل. سأذهب للتبوّل الآن.

استمر في القراءة

أمجد الصبان: الأوراق

Untitled-1

Christina de Middel, from “This Is What Hatred Did”, 2015. Source: imaonline.jp

كان فايز يتطلع إلي أعلى، إلى لافتة زرقاء تتدلى بسرعة من أعلى المبني وتضرب في الهواء بقوة قبل أن تقف عند نهاية الطابق الأول، معلنة بعد استقرار اهتزازها عن جمعية “معا” للخدمات الإنسانية. انتبه فايز إلي أحد موظفيه يقدم له مقصًا كي يقطع الشريط الشفاف. كان يتوقع بعد قطع الشريط أن يسمع ضجة كبيرة من الجماهير التي تحيط بالمكان، لكن صوت نقيق الضفدع كان أقرب إليه حتى من أصوات الموظفين المهنئة. شعر بحزن لعدم تواجد أي من الجماهير أو الإعلام على الرغم من المجهود الكبير الذي بذل في الحملة الإعلانية.
تأسست الجمعية مصادفة. كان فايز يغرق دومًا في أحلام اليقظة. ومكافأة على ذلك، أصبح كلما انخرط في حلم يجد الحلم مكتوبًا على ورقة. فرح فايز بتلك الموهبة، حتى أنها أصبحت مصدر دخله. كان يذهب إلي أحد المقاهي، يتعرف على الرواد، ثم يدخل معهم في رهان بأنه يستطيع أن يغرق المكان بالورق: ورق أزرق ينزل من السماء، وأحيانا يخرج من باطن الأرض. تحول فايز إلى نجم تتسابق إدارات المقاهي على إغرائه بالنقود كي يقيم مراهناته حصريًا في مقاهيها. 

استمر في القراءة

رؤيا شعبان: ليس كل من يأتي من إنكلترا يحبُ الروك أند رول

Rolling Stones cover art by Andy Warhol. Source: recordart.wordpress.com

كنتُ أحب تدخين السجائر مع صديقي عباس، كُنا نحب السجائر والموسيقى الجيدة. أدخنّ في الخفاء، لم يكن مسموحًا لي بالتدخين لأني فتاة ولأني من عائلة مُحافظة. لا تسألوني ما علاقة التدخين بكون الفتاة شريفة، فأنا أيضًا لا أعلم، لكن أخي عبد القاسم ينعت كل مُدخِنة بالعاهرة. كان عباس هو من يجلب لي السجائر، يتستر عليّ، يشاركني تلك البهجة العابرة.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: حكاية الرجل الذي أصيب بشهوة الكلام

Jean-François Rauzier, Bibliothèque Babel, 2013. Source: espazium.ch

لا أعرف كيف أصبت بشهوة الكلام. الشهوة التي سعرت الجحيم من حولي. فبسببها خلعتني زوجتي. هرب أولادي إلى بلاد بعيدة. لفظني أصدقائي. أجبرني مديري على استبدال معاشي قبل استحقاقه بعشر سنوات
أنا لم أكن متكلما ولا صموتا، كنت مثل الآخرين تماما: أنم عند النميمة، أصمت عندما يكلفني الكلام ثمنا ما، أواسي في العزاءات مدعيا الحزن، لا أفوتيرحمكم اللهولايهديكم ويصلح بالكم، أهنئ في الأفراح، أتحدث منافقا ومتملقا في المواضع التي تستوجب ذلك، أسب الدين عند الغضب
لكن كل شيء تغير في لحظة. لم أعد قادرا على التوقف عن الكلام أكثر من عشرين ثانية، وصلت بالتمرين إلى نصف دقيقة. كنت كمن يحاول حبس أنفاسه تحت الماء
أتذكر اليوم الذي أصابتني فيه شهوة الكلام. كان يوما عاديا مؤهلا للمرور بسلام كسائر أيامي. أنهي عملي في الثانية ظهرا، كما تعودت منذ عشرين عاما.

استمر في القراءة

معن أبو طالب: الحظ

Tales of the Other Half. Illustration made especially by Forat Alhattab.

أول ما ندم عليه فتحي الحظ لما وصله الخبر هو أنه باع سلاحه، مع أن ثمن السلاح هو ما مكّنه من كمالة حق التاكسي، التاكسي الذي سيخسره إن بقي أعزلَ. كان قد باع السلاح بمربح ممتاز مع بداية الحرب في سوريا، ثم لم تنته الحرب ولا فورة الأسعار. لذلك فهو بحاجة إلى سلاح الآن، نظيف رخيص يستجيب لسبابته كل مرة. ليس من تلك النسخ المعدّلة في تركيا التي تصيب وتخيب، ولا البنادق الأمريكية “اللي بتنضب بالسيارة وبتطلع للسيلفيز”. “هذا السلاح” فكّر الحظ لما جاءه الخبر، “بظل بالحزام، من هون لتنحل القصة.”
جاءه الخبر مع أذان الفجر، وهو يأخذ آخر نفس وبجانبه فتاة غافية. بدأ الهاتف يهتزّ ثم تصاعد صوته بالرنين. إن لم تكن مكالمة من تلك التي ينتظرها فسيفشّ غُلّه بالمتصل ويُسمعه أكمٍ كلمة حلوين. سحب الهاتف بقدمه ثم انقبض حاجباه لما رأى الشاشة تضيء باسم أبي سفيان.
أخبره أبو سفيان الذي كان قد خرج لتوه من نادي القلعة الليلي، ذلك الذي على أول طلوع الشميساني، أنه سمع شباباً على طاولة مجاورة يتحدثون عنه، فتحي الحظ، وعن التاكسي الذي نزّله وكالة، وكيف أن لهم حق فيه، وكيف أنهم سيأخذون حقهم بالمنيح أو بالعاطل، وأن العاطل أجمل. أنصت الحظ بينما تابع أبو سفيان خبريته ونصحه بأن يكون حذراً لأن الشباب بدا أن لهم عُزوة وأنهم جادّون، ثم أضاف أنهم تحدثوا أيضاً عن ذهبات الحجّة. سأل الحظ عن أسمائهم وقال أبو سفيان إنه لا يعرفهم، ثم استدرك أن معتز كان معهم. “معتز ابن أبو خالد؟ مستحيل. قرابتي هذا” قال ثم أدرك سذاجة رده، لكن أبو سفيان آخر هَمُّه: “أنا ما قلت إنه معتز ناوي عـإشي! أنا بس قلت إنه كان قاعد معاهم. على أي حال، أنا ما إلي دخل.”

استمر في القراءة

قلعة الشمس: قصة من مجموعة منصورة عز الدين الجديدة

Ṣūrat al-Arḍ (Picture of the World) from an abbreviated copy of al-Iṣṭakhrī’s Kitāb al-masālik wa-al-mamālik (Book of Routes and Realms). Source: ottomanhistorypodcast.com

وحدها تقبع في بقعة على تخوم الخيال. بمظهرها الرمادي القاتم وأبراجها المستدقة، الأشبه بحراب مغروسة في قلوب أعداء غير مرئيين معلقين فوقها، تبدو القلعة غارقة في الانتظار. انتظار من تبدَّت في خياله كفكرة عابرة، لكن أرهبه تشييدها وتجسيدها خارج حدود سجن رأسه.
في أفكاره، كان يمكنه: السير فيها مغمض العينين. الاختباء في أقبيتها. عبور دهاليزها المتاهية. النظر من نافذة مضاءة في أحد أبراجها فيما تغرق بقيتها في ليل بهيم.
لكن، مع الوقت، صار مجرد تفكيره فيها يخيفه. أصبح معذَّبًا بها. لا يمكنه تجاهل إلحاحها على عقله، وليس في مقدوره التعايش مع وجودها. أعرف هذا لأنني، مثله، اختبرت المشاعر نفسها.
من سمعوه – في شبابه – يحكي عن رغبته في تشييد قلعة لا مثيل لها، لم يهتموا بما يقول. اعتادوا منه على غريب الكلام والأفعال. حدسوا بأنه يثرثر بما لن يفعل. لم يفهموه، ولا أنا أيضًا، حين راح يرسم التصميم تلو الآخر، وإذا لم يسعفه الرسم لجأ إلى الكلمات. دوَّن وصفها على هيئة أبيات شعر أقرب إلى الأحاجي.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: جائزة بودلير للرواية

Based on Étienne Carjat’s woodburytype portrait of Baudelaire (source: Wikipedia)

لم نكن نتوقع كل هذا النجاح عندما أطلقت مع صديقي تطبيقنا الإلكتروني الفريد: بودلير. على عكس ما يوحي به الاسم، التطبيق مختص بالرواية لا الشعر.
أتذكر عندما فكرنا في اللوجو للمرة الأولى، اقترح صديقي أدهم نوفل أن تكون صورة لهامستر. لكني قلت: لن يلفت انتباه أحد. لكن لو جعلت الهامستر يرتدي نظارة ويركض بقدميه داخل كرة زرقاء، منتجا الكلمات عبر حركة قدميه، ذلك سيلفت انتباه الجميع، وسيوحي اللوجو بما أردنا تحقيقه بالضبط: التجدد والأبدية.
اختلفنا مرة أخرى حول شعار التطبيق، اقترحت أن نستلهمه من القاعدة الروائية الشهيرة: إذا وصفت مسدسا في الغرفة، فعلى المسدس أن يستعمل. استسلمت في النهاية للشعار الذي اقترحه: “إن لم تكن قصة الكون تدور عني، فعن ماذا تدور إذن؟ عن أمك!!”
طويل، وركيك، لكنه أثبت فعالية. لقد مس الجميع، ولخص ما نسعى لتحقيقه. فالتطبيق لم يستهدف الروائيين المحترفين الذين قاوموا نجاحنا في البداية بضراوة، فهم أكثر رجعية من أن يؤمنوا بفكرة كتلك: أن يكون منتجو الرواية من القراء العاديين، سيصنعوها بأنفسهم، من قصصهم الحقيقية والمتخيلة.
عندما بدأنا التطبيق، وضعنا ست روايات منسية تحت يد مئات الرواة غير المحترفين، والذين صاروا خلال فترة قصيرة ملايين. ليصنعوا منها ملايين النسخ غير المتطابقة التي تحمل أسمائهم، حتى يُنسى اسم كتابها.
يحرر الآخرون نسخة أخرى من روايتك المحررة أصلا من رواية سابقة، فتتناسل كنسخ بلا نهاية.
لا أخفيكم سرا أن الروايات الست المنسية، هي رواياتنا التي تجاهلها الوسط الأدبي رغم جودتها، لكننا لم نتردد لحظة ونحن نتنازل عنها، يمكن لك أن تلقبنا بمسيح الروائيين، رغم أننا حظينا بلقب يهوذا، فلقد اعتبر بعض الحاقدين ما فعلناه خيانة لهذا الفن العريق.

استمر في القراءة

No more posts.