كمطرقة: فلاش الفخراني

Chant Avdedissian, “Cities of Egypt/Greetings from Masr”. Source: sothebys.com

العدل
من يجرؤ على اتهام فكرة نبيلة كالعدل؟
لا أحد
لذا
وبخبث تام
نتهم الرومانتيكا
فالعدل في جوهره قضية رومانتيكية.

استمر في القراءة

كأنّ مدينة توجد: قصائد الموسم من مهاب نصر

Patrick Rapati, from “Eight Drawings for Invisible Cities”, 2017. Source: maritimeartlist.com

(١)
لا يمكنني أن أتعلم
وأنتم، هل يمكنكم؟
يتحسن مزاجي لسبب آخر
أن أحكي قصة لشخص ينام على ذراعي
هل شعرتم بهذا التنميل الخفيف من قبل؟
هل اعتبرتم يوما أن ذراعا واحدة
تكفي لحمل الأصابع التي تقلب الصفحات؟

استمر في القراءة

أحمد ناجي: عبده السكندري وبورخيس السويسري

خبزت أمى الكيكة وزينتها بالكريمة البيضاء والفواكه. أخرجتها من الثلاجة وسارت وسط أنظار وحماس الجميع حتى وضعتها على طاولة الطعام، ثم بدأت في غرس شموع عيد الميلاد الصغيرة فيها. أوشكنا على إطفاء النور وإشعال الشموع، اللحظة المثيرة التي من أجلها تسارعت دقات قلبي، لأني أحصل حينها على اهتمام وحب الجميع، قطعها رنين جرس  لباب. ذهبت مُسرعاً لفتحه متوقعاً أحد أصدقائي، لكني وجدت رجلاً طويلاً ونحيلاً، بأنف أفطس، عيون واسعة كبيرة كما الثور، ذقن حالكة السواد، بلوفر كحلي متسخ وبجواره حقيبتي سفر.
أبصرت خالو لأول مرة في عيد ميلادي الثامن.
في وجهه حزن شديد، ألجمني عن الإتيان بأي صوت أو حركة. انحنى بجذعه نحوي وسألني بالفرنسية بصوت هامس “لابد أنك شارل إذن؟”
جاءت أمي لترى من على الباب وحينما لمحته قفزت إلى حضنه. بين الفرح والدموع قالت لي بالعربية “سلم على خالك عبده”.
أتى فجأة مثلما رحل فجأة.
استقر في بيت جدتي المجاور لنا في ذات الشارع. بيت قديم من ثلاثة أدوار. سكنه وحيداً لأن كل أخواته البنات يعشن مع أزواجهن، وأخاه يعيش في القاهرة منذ دراسته الجامعية. توقع الجميع أن يحمل هدايا من أوروبا في حقائبه، لكن لم تحتو إلا كتباً، وأوراقاً، وملفات بلغات مختلفة.
بعد أيام من مجيئه وصلت إلى الميناء شحنات أخرى من الكراتين والصناديق الخشبية، كل يومين كان يذهب بعربة ربع نقل إلى الميناء ويعود بها مُحملة، يرفض أن يُسَاعده أحد بل يظل طوال النهار يحمل بنفسه الصناديق من العربة إلى المنزل والعرق ينز منه، والإرهاق يستنفذ كل عضلة في جسده، ومع ذلك يستمر في الحمل وحيداً رافضاً أن يشاركه أحد في حمل صليب آثامه.
المزيد، والمزيد من الكتب، امتلأ بها المنزل.
لم يكن يخرج كثيراً، لكنه حرص على كسب ود الجميع، يحضر في التجمعات العائلية، يبتسم ولا يشارك في الأحاديث. يذهب أحياناً للكنيسة في الأعياد، لكن لا ألمح شفتيه تتحركان في الصلاة.

استمر في القراءة

خالد الشورى: العِرسة

Weasel from the Thérouanne Bestiary, circa 1270. Source: discardingimages.tumblr.com

آثار أقدام الدب أكثر إفزاعًا من الدب نفسه”
مثل روسي لم يسمع به الروس من قبل لأنه من تأليف رفعت إسماعيل.

 

لحظة جذبته المُولِّدة من قدميه النحيلتين إلى الحياة، وخرج من بطن أمه جسدًا رخوًا، شبهَ مكتملٍ، نصفَ حيٍّ، له ملمس قِرْبة جلديّة مملوءة بماء ساخن، دمدمت ممتعضة:
بدر منوّر.”
لكنه لم يكن بدرًا منورًا ولا منطفئاً حتى، وإنّما طبيعة المهنة هي التي عودت المُولّدة على مجاملة الأمهات، حتى ولو كان أولادهنّ بقبح الولد الذي بين يديها.
لُفّ المولود بمنشفة نظيفة، وَوُضِعَ في حضن أمه.
عندما كشفت الأم وجهه لتلقمه ثديها، امتعضت هي الأخرى، واشتكت للأب بحسرة:
انظر إليه، رأسه صغيرة وسوداء، تشبه حبة قلقاس.”

استمر في القراءة

أنثى: قصة ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة ميسرة عفيفي

7523b531bc7e9915bc6e78d3cd81d1d9

Hiroshige Utagawa, Titmouse and Camellias (right), Sparrow and Wild Roses (center), and Black-naped Oriole and Cherry Blossoms (left), 1833. Source: ukiyo-e.org

تنصب أشعة شمس ذروة الصيف على أنثى عنكبوت تفكر طويلا في قاع وردة صينية حمراء.
وعندها سُمِع صوت رفرفة أجنحة في الهواء، وعلى الفور هبطت نحلة عسل فوق الوردة جاعلة إياها تهتز. فرفعت أنثى العنكبوت عينها على الفور. وبقيت تموجات طفيفة من بقايا صوت رفرفة جناحي نحلة العسل، في هواء ذروة الظهيرة الهادئة تماما.
ثم بدأت أنثى العنكبوت تتحرك في الوقت المناسب في قاع الوردة دون أن تُصْدر صوتا. ووقتها كانت النحلة الملطخة تماما بغبار الطَلْع، تغرز خرطومها في رحيق الزهرة المختبئ تحت ميسمها.
مرت ثوانٍ من الصمت القاسي.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: عين الهر

حكاية الرجل الذي محا الشر

Salvador Dalí, “Alchemy of the Philosophers”, 1976. Source: phillips.com

بعد إيهام طويل بالدوران والتجدد، وصراعات لم تفض إلى شيء، قلت: سأنزع الشر عن حياتي، الزيف، الغباء، القبح، الجهل، الحماقة، البلادة، الانحطاط.
وضعت قائمة مفصلة بأسماء أشخاص مثلوا لي تلك الشرور، حذفتهم واحدا تلو آخر من الفيسبوك بعد رسائل غاضبة تمنيت فيها بوضوح لا يقبل المورابة أن يكفوا عن الوجود، لأني لم أر منهم سوى الأذى والاستغلال والعتمة.
في الشارع، سلمت الرسالة بنفسي إلى البقال الغشاش، البواب الذي يراقب كل  حركة أفعلها، ولم يتورع عن إثارة فضيحة بشأن فتيات الليل اللواتي أستقبلهن ليضئن وحدتي، لأني لم استسلم لابتزازه بالدفع كي يغض الطرف.
لم أنس ضمن القائمة الصيدلي الذي لا يتورع عن بيع حبوب مخدرة، لكنه بالنفاق الكافي ليسبني عندما طلبت منه حبوبا للإجهاض، بعد أن حملت مني إحداهن. صاحب الكافيه الذي يقدم خدمات رديئة بأسعار مضاعفة، ويكللها بقلة ذوق وجلافة. صاحب كشك السجائر، الذي تركني لعشر دقائق كاملة دون أن يجيب طلبي، ولما ذكرته بضرورة احترام زبائنه، تشاجرنا بالأيدي، مزق قميصي وأهانني. صاحب السايبر، الذي ادعى قدرته على إصلاح حاسوبي، وبعد أن ألحق به ضررا كلفني مالا أكثر لدى محل آخر، سخر من قدم الحاسوب والوسخ الذي يعتليه، فلقنته درسا عن الجودة والاتقان. هكذا انتهيت إلى أن أكف عن التعامل مع أغلب الدوائر القريبة من  شارعي، وصرت مضطرا لقضاء حاجاتي في شوارع بعيدة، وأن أستخدم للعودة إلى منزلي طرقا فرعية معقدة، لكن أكثر أمانا وأقل إزعاجا من الوجوه الكالحة المتربصة.

استمر في القراءة

مهاب نصر: قصائد آخِر السنة

NN11517512

Bieke Depoorter, from “it may be / Mumki”, Cairo, 2012. Source: magnumphotos.com

فكرة
أشياء كثيرة تؤلم
ولكن ليس كاسترجاع فكرة
إذ يفتح الواحد فمه
ويظن أنها ستمر
يطوي ذراعيه إلى صدره
ويتأسف
والآخرون يتظاهرون بالنسيان
فكّر أن تكون معهم

استمر في القراءة

مهاب نصر: لأن الله لا يترك الناس يشهقون هكذا

Florence Hutchings, “Yellow Living Room”, 2017. Source: florencehutchings.com

مدينتي
أنا من مدينة 
لا أعرف كيف أسميها لكِ
أسمع سبابا
لكن أحدا لا يلتفت
وحين أجلس في مقهى،
حين أغمض عيني 
لأحتفظ بفكرة،
حين أتطلع، ممدا على فراشي،
إلى سقف حجرتي، 
حين أهم بشرح موقفي ـ
أسمع السباب نفسه

استمر في القراءة

ياسر عبد اللطيف: شهوة الملاك

Hesham Elsherif, from “The Way to Hell”. Source: arabdocphotography.org

في حضرة المشنقة، فوق الطبلية، وردًا على السؤال التقليدي، قال للجلادين ورجال القانون إن رغبته الأخيرة هي أن يغتسل حتى لا يقابل ربّه نجسًا. كان إسهال مائي قد أصابه في الطريق من الزنزانة حتى موضع حتفه. لم يستطع التحكم فيه وهم يجرونه جرّا، كما انفتح صنبور بوله من الناحية الأخرى فوصل وقد ابتل بنطاله الأحمر تماما وتلوث بنفاياته حتى فاحت روائحها بقوة في الهواء الثقيل لغرفة الإعدام. قوبِل طلبه بالصمت التام من قِبل مأمور السجن والقاضي وكبير الأطباء. لو أخذوه للاستحمام فذاك يعني الفترة الزمنية التي يستغرقها مشوار آخر حتى حمامات عنابر الحبس، ثم فترة الاغتسال نفسها، ثم العودة من هناك مرة أخرى؛ وذلك بالتأكيد إهدار كبير للوقت الحكومي، ولوقت الباشوات الكبار الذين جاءوا لاستكمال إجراءات تنفيذ الحكم. أدرك الجلادون مغزى صمت الكبار، فسيق إلى موضعه فوق مركز الطبلية دون تلبية الطلب، وأُحكمت الأنشوطة حول عنقه، وألبسوا رأسه الكيس القماشي الأسود.

استمر في القراءة

خالد الشوري: الجرذ

Lucian Freud, Rat Man (Portrait Of Raymond), 1978. Source: widewalls.ch

إنّ الجُرْذان عندما تتنقّل من محلٍّ لمحل ومن بيتٍ لبيت، لا تخرج بوقار من باب ثم تسير بتأنٍّ وتَنْدَلِفُ إلى بابٍ آخر كأنّ الأمر بتلك البساطة. وإنما تَنْدسُّ في الجحور وتَجُوب الأنفاقِ مستترةً عن الأنظار، ثم تَخرج من شق وتَلِجُ إلى شق آخر. وعلى تلك الحال تقضي حياتها متنقلةً بين الأماكن. تمامًا مثلي، غير أن الجحور لا تسع جسدي، فأسير متواريًا عن الأنظار، في الشوارع الضيقة التي تتخلل الحارات الجانبية على دفتي الطرق الرئيسية.
والجرذان لا تخرج من جحورها إلى العالم المكشوف إلا في أضيق الحالات، وأكثرها حرجًا. فهي جبانة، ضعيفة، خروجها لا يعني إلا موتها. أنا شخص لا أختلف عن الجرذان في شيء غير أنني أتوارى خلف سحنة إنسان، لكنني في الحقيقة لست سوى جرذٍ انزوى على نفسه داخل جحره، وحيدًا.

استمر في القراءة

دينا ربيع: فصل في العذراء التي في عقلها شيء‎

Mona Hatoum, Coiffure Dame (Kairouan), 2001-02. Source: alexanderandbonin.com

كانت المرأة لا تحبّذ أحاديث الهوى لما تحويه من مساخرَ وقلة تهذيب، يغفر لها ما شابت عليه من عرف، بتولا لم يمسسها إنس ولا جان. وكانت تمقت المحبين وتشمئزّ من سيرة الحب، إن حدّثتها عن عاشق أثارت غثيانك نظرتها الأخلاقية العاتبة، كأن عينيها الثاقبتين ترى عورة جسدك وروحك من تحت الثياب والوقار.
إذا كان العاشق كهلا، قالت: “شوفي يا أختي الرجل العايب”، وإذا كان شابا سلّت له عصا كلام العيب والحرام ووجهت إليه اتهامات حب السفالة والمسخرة: “ما أنت عينك منها يا وسخ”، كأن التبتّل الذي فرضته على نفسها أُنزل على الخلق أجمعين، وإلا صاروا عندها شهوانيين، وهذا لا تقبله؛ لا يعارضها في ذلك جسدها الذي بردت نيرانه وولّت فوراته إن كانت له فورات.

استمر في القراءة

رؤيا شعبان: ليس كل من يأتي من إنكلترا يحبُ الروك أند رول

Rolling Stones cover art by Andy Warhol. Source: recordart.wordpress.com

كنتُ أحب تدخين السجائر مع صديقي عباس، كُنا نحب السجائر والموسيقى الجيدة. أدخنّ في الخفاء، لم يكن مسموحًا لي بالتدخين لأني فتاة ولأني من عائلة مُحافظة. لا تسألوني ما علاقة التدخين بكون الفتاة شريفة، فأنا أيضًا لا أعلم، لكن أخي عبد القاسم ينعت كل مُدخِنة بالعاهرة. كان عباس هو من يجلب لي السجائر، يتستر عليّ، يشاركني تلك البهجة العابرة.

استمر في القراءة

معن أبو طالب: الحظ

Tales of the Other Half. Illustration made especially by Forat Alhattab.

أول ما ندم عليه فتحي الحظ لما وصله الخبر هو أنه باع سلاحه، مع أن ثمن السلاح هو ما مكّنه من كمالة حق التاكسي، التاكسي الذي سيخسره إن بقي أعزلَ. كان قد باع السلاح بمربح ممتاز مع بداية الحرب في سوريا، ثم لم تنته الحرب ولا فورة الأسعار. لذلك فهو بحاجة إلى سلاح الآن، نظيف رخيص يستجيب لسبابته كل مرة. ليس من تلك النسخ المعدّلة في تركيا التي تصيب وتخيب، ولا البنادق الأمريكية “اللي بتنضب بالسيارة وبتطلع للسيلفيز”. “هذا السلاح” فكّر الحظ لما جاءه الخبر، “بظل بالحزام، من هون لتنحل القصة.”
جاءه الخبر مع أذان الفجر، وهو يأخذ آخر نفس وبجانبه فتاة غافية. بدأ الهاتف يهتزّ ثم تصاعد صوته بالرنين. إن لم تكن مكالمة من تلك التي ينتظرها فسيفشّ غُلّه بالمتصل ويُسمعه أكمٍ كلمة حلوين. سحب الهاتف بقدمه ثم انقبض حاجباه لما رأى الشاشة تضيء باسم أبي سفيان.
أخبره أبو سفيان الذي كان قد خرج لتوه من نادي القلعة الليلي، ذلك الذي على أول طلوع الشميساني، أنه سمع شباباً على طاولة مجاورة يتحدثون عنه، فتحي الحظ، وعن التاكسي الذي نزّله وكالة، وكيف أن لهم حق فيه، وكيف أنهم سيأخذون حقهم بالمنيح أو بالعاطل، وأن العاطل أجمل. أنصت الحظ بينما تابع أبو سفيان خبريته ونصحه بأن يكون حذراً لأن الشباب بدا أن لهم عُزوة وأنهم جادّون، ثم أضاف أنهم تحدثوا أيضاً عن ذهبات الحجّة. سأل الحظ عن أسمائهم وقال أبو سفيان إنه لا يعرفهم، ثم استدرك أن معتز كان معهم. “معتز ابن أبو خالد؟ مستحيل. قرابتي هذا” قال ثم أدرك سذاجة رده، لكن أبو سفيان آخر هَمُّه: “أنا ما قلت إنه معتز ناوي عـإشي! أنا بس قلت إنه كان قاعد معاهم. على أي حال، أنا ما إلي دخل.”

استمر في القراءة

كارول صنصور: الفاتح من أيلول

Moises Saman, Kobane, Syria. August 8, 2015. Source: magnumphotos.com

في الفاتح من أيلول يشتاق لفلاحة لا يعرفها
ولبلد خسرت نساؤها جميع الاحتمالات
 يحس بولع لشباط
 وحرقة على تموز منته

.

استمر في القراءة

عائلة جادو: أحمد الفخراني | فصل من الرواية الجديدة

Lincoln Agnew, “Marx’s Lesson for the Muslim Brothers”. Source: nytimes.com.

لم أمت ولم أحيَ. أفقت على ضوء شديد السطوع فكان والظلام سواء. أشعر بأنفاسي. قلبي ينبض. رقبتي سليمة، ولا أثر للنحر إلا من ألم خفيف يداعب الرقبة، كأني جرحت أثناء الحلاقة لا مقتولا على يد جلاد. لا أثر للدم الذي كان واحدا من شهود قتلي الصامتين. أتضور شوقا إلى التدخين. ألا يبطل الموت الشوق إلى ما نحب؟
تحسست ما حولي في ظلمة النور العاتية. أهذا قبري؟ أدفنت بشكل لائق أم صرت عويلا إضافيا لروح مغدورة. قمت من مرقدي، كنت قادرا على تحريك ذراعي كحي. لكني أدركت علامة موتي. ساقاي تحركتا بلا إرداة مني نحو خيط من الظلمة انشق وسط النور. أهكذا يكون الموت إذن؟ سير بلا إرداة في مسار بلا خيارات. هذا لا يحسم أي شيء، فقد كان ذلك علامة حياتي السابقة.
وصلت إلى خيط الظلمة، أزحته كستار. فرأيت طريقا مستقيما، على جانبيه شموس خفيفة اللهب معلقة في أعمدة إنارة، وحجارة، خلاء الطريق المرصوف بالأسفلت، خلاء الرمال التي تنتظر الإسمنت والألمونيوم. مصارف، ظلمة بيضاء، وبيوت قليلة متناثرة لها عزلة الكوخ والقصر دون هيبتهما. شاحنات عمياء تمر من حين لآخر، براميل قمامة. أتذكر هذا الطريق، ففيه دفنت لويس. دفنت الحقيقة. أهذا جحيمي؟ أن أسير في نفس طريق جريمتي بلا توقف؟ لماذا وحدي أتحمل عبء دمه؟ لو كانت أنفاسه تحملت قليلا، لصار تحفتي الفنية، لربما صار مصارعا أقوى من عبد المولى أو جمرة إغواء نادرة. ألم يقتلك من أرسلك؟ أين هو الآن؟ في جنة الكوميونة أم يستكمل جحيمه؟ الدين أفيون الشعوب، هذا لا يرضي تجار الأفيون. يقولون إن في الجنة قصورا لمن جمعوا الحسنات، أما الفقراء إليها الذين لم يجمعوا إلا حطب الخطايا، فسيوقدون بها. وأنت تقطع البحر من بلادك المترفة كي تخبر العمال في النهاية أن ماركس حي. لو كنت معه في الجنة، هل ستطلبان نساء وقصورا أم العدل؟ هل ستحتجون من أجل الخطاة ضد إقطاعي الحسنات؟

استمر في القراءة

علي لطيف: وحش المنازل المحترقة

Diane Arbus, Tattooed Man at a Carnival, Md. 1970. Source: reelfoto.blogspot.com

Diane Arbus, Tattooed Man at a Carnival, Md. 1970. Source: reelfoto.blogspot.com

 

عقله أصبح أخف. كان هناك وحش داخله. عندما تحدث معها لأول مرة راودته رغبة في أكلها، ثم وضع اصبعه داخل حنجرته وتقيؤ أشلائها في البحر على الأسماك.
“أنا خائف،” قال لي ذات مرة.
كان خائفاً من أن يتملكه الوحش. أن يأتي اليوم الذي ينتفض من داخله ويستولي عليه مثل استيلاء ثعبان منقض على فريسته. كان يمقت الحيوانات، وفي طفولتنا كنا نصطاد القطط ونحرقها بالغازولين وأعواد الثقاب.
كنا رجالاً حقيقيين وقتها.

استمر في القراءة

علي لطيف: رجال الصناديق

By Youssef Rakha

By Youssef Rakha

أمامك رجل جالس أمام نافذة مفتوحة على كرسي جلس عليه معمر القذافي أيام الأحد للكتابة. فوق رأسه صندوق به ثلاث فتحات: فتحة كبيرة لفمه، واثنتين لعينيه.
صوت سيجارة تحترق بين شفتيه. دخان أبيض يمر من فم الرجل عبر النافذة إلى سماء ليل المدينة. الغرفة مظلمة. أربع زجاجات فارغة ملقاة بجانب الكرسي. زجاجة في يده بها شراب ذهبي يُشع بانعكاس الضوء الأصفر من مصابيح الشارع. الرجل عار. أصوات ساكسفون تصدر من مسجلة قديمة وسط الغرفة. نايما اسم الأغنية. عازف الساكسفون هو جون كولترين. ينهض الرجل من على الكرسي. يضع الزجاجة على الأرض. يأخذ آخر نفسٍ من سيجارته. يلتفت برأسه للخلف. يبتسم ابتسامة صغيرة. ينظر أمامه ومن ثم يتراجع عدة خطوات للخلف. يركض صوب النافذة، ويقفز.
الدقيقة الثالثة وست وأربعون ثانية من الأغنية. الساكسفون في أوجِه. كولترين في ذروته. صوت ارتطام شيء على الأرض. لا يسمعه أحد. صوت نباح كلب من الشارع. صوت قطط تفتش القمامة. صوت تدحرج صندوق تُحركه الرياح وسط الطريق. تنتهي الأغنية. أصوات صراخ وضوضاء بشرية تحت النافذة. المكان طرابلس، شقة رقم 48 وسط المدينة. الوقت بعد منتصف الليل، نهاية أول ليلة خميس من كانون الأول.

استمر في القراءة

علي لطيف: الهروب من معسكر الموت

6kkwwwrahgr6t709

To Eat Bread. By Sama Alshaibi. Source: alwanforthearts.org

في بداية إحدى مذكراته، “نحو فزان”، كتَبَ الجنرال الإيطالي رودولفو غراتسياني: “على أثر الصلح المبرم في مدينة لوزان (18 أكتوبر 1912) تنازلت تركيا عن حكم طرابلس الغرب بأكملها وارتقت جيوشنا بمعونة الأهالي العرب (الجبل) واحتلت غريان وترهونة وبني وليد دون قتال.”
ليبيا الإيطالية تكونت من عام 1911 إلى عام 1937، وليبيا هذه لم يكن يحمل أي أحد فيها فكرة قيام الدولة قبل أن يحتلها الإيطاليون، فقد كانت ليبيا قبل الإيطاليين ولاية عثمانية. الولاية كانت متخلفة جداً نظرا لتخلف المملكة العثمانية التي لم تفعل أي شيء من أجل الليبيين غير النهب والقمع.
عبدالله وهو ابن أحد المقاتلين الذين حاربوا مع محمد فكيني في العديد من المعارك ضد الاستعمار الإيطالي هرب من إحدى معسكرات الاعتقال الجماعية التي أقامها الإيطاليون في فترة حكمهم، مع طباخ أثيوبي يُدعى سليمان.
وهذه قصتهما:

استمر في القراءة

عقل العويط: ليتني أملك أن أقتلك يا أبي

Henri Fuseli File-Hamlet,_Prince_of_Demark_Act_I_Scene_IV

Hamlet, Horatio and the Ghost by Henri Fuseli, 1796. Source: theinformedillustrator.com

أريدكَ، يا أبي، يا داود بن عقل بن داود العويط، أن تموت. بل آمركَ، بالحبّ الذي أكنّه لكَ، وبالصداقة التي نتفرّد بها، آمركَ بأن تموت. وفوراً. وبدون أيّ إرجاء.

استمر في القراءة

No more posts.