بلال حسني: تمشية من كليوباترا لكليوباترا حمامات

David Hockney, “The Shop Window of a Tobacco Store” (Alexandria), 1966. Source: tate.org.uk

ليس كل عام يقتل رجل من عائلتي، يقتل مسموما، هذا هو الخال الكبير. عاما بعد عام وفي المناسبات، كانت عائلتي تطور من حكاياتهم عن الموتى، بترديد نكاتهم ومواقف الخزيان والبطولة. تضيف وتحذف وتكشف عن تفاصيل جديدة، نعوش متجددة للميت الواحد، كنقش كعك العيد، العفوي والفوضوي والمتأني، إلا ذكرهم عن خالي الكبير، كان أشبه بتجفيف الفواكه ليلا بعد نوم الجميع، أي خطأ أو تحريف لا يحتمل. لا قصة هنا تحكي لك، هرب خالك من البيت بحثاً عن الفتاة التي هجرته، وحين عثر عليها، قامت بتسميمه، حتى يكف عن مطاردته لها، وحدث ذلك في بلد غريب.
لذا انقضت فترة طفولتي بين حي القصعي وغيط العنب، على معدة تتلوى من أهون قطرة ماء، أسميها متلازمة الخال الكبير. تذكرته الآن وأنا على وشك ترك حي كليوباترا، حي الشباب، وقبل أن أهجر المكان على أن أحرقه بأكمله وسط الزيطة، ليس بأكمله تماما، تحديداً من قهوة الخان مرورا بألبان الوادي السعيد والسندويتشات الحلوة ومحل تريكو السعادة وكشك السجائر وبائعي الحشيش وحلواني مرزوق ومحل تصليح السجاد والسيبرات وصالات الجيم الضيقة حتى باب منزل جارنا خالد سعيد، والذي قامت ثورة يناير من أجله.

استمر في القراءة

𝐹𝑜𝓊𝓃𝒹 تلك الأصوات والروائح

في نهار اليوم التالي كانت هناك فوضى عارمة. أراد شبان صغار فيهم ما يكفي من الطاقة للتشبث بالحياة كسر باب الشاحنة، وآخرون استمروا بالصراخ والطرق على الجدران. واحد توسل واستغاث من أجل جرعة ماء. أصوات ضراط وشتائم. آيات قرآنية وأدعية قرأوها بصوت عال. بعضهم أصابه اليأس وجلس يفكر في حياته مثل مريض يحتضر. أما الروائح فكانت لا تطاق وكفيلة بإبادة أكثر من سرب واحد من الطيور التي كانت تحلق فوق رؤوسهم. أنا لا أكتب الآن عن تلك الأصوات والروائح التي أطلقت واختفت في دروب الهجرة السرية، بل عن تلك الصرخة المدوّية الوحشية التي دوّت بغتة في الفوضى
عثرت الشرطة الصربية بعد أربعة أيام على الشاحنة عند أطراف مدينة حدودية صغيرة تحيط بها الغابات من كل الجهات. كانت الشاحنة داخل حقل مهجور للدواجنحين فتح رجال الشرطة الباب الخلفي للشاحنة، نط شاب ملطخ بالدماء من داخل الشاحنة وركض كالمجنون صوب الغابة. طاردته الشرطة. لكنه توارى في تلك الغابة العملاقة. في الشاحنة كانت هناك أربعة وثلاثون جثة. لم تمزقها السكاكين أو أي سلاح آخر بل كانت أجسادا عملت بها مخالب ومناقير نسور وأنياب تماسيح وأدوات مجهولة أخرى. كانت الشاحنة مليئة بالخراء والبول والدم والأكباد الممزقة والعيون المقلوعة والأحشاء تماما كما لو أن ذئابا جائعة كانت هناك.
من قصةشاحنة برلين” لحسن بلاسم

2009 

هشام البستاني: طافيًا في الهواء، بثلث انثناءٍ في الرُّكبتين | قصة من المجموعة الأخيرة

s-l1600

19th-century print. Source: look-just.top

الجثث مُنتفخةٌ، وسترة النجاةِ ملقاةٌ بين أخرياتٍ كثيراتٍ شبيهاتٍ على الشاطئ، تذكارًا من أولئك الذين غرقوا وأولئك الذين نجوا، تومضُ ألوانها الفسفوريّة أنّهم مرّوا من هنا، ولن يتوقّفوا عن المرور أبدًا. ها هم يأتون من البعيد.

رغم أنهم انتشلوني وأودعوني غرفة معدنيّة في غابةٍ بعيدةٍ عن البحر، إلا أن رؤى الماء ظلّت تدهمني كفيضانٍ فُجائي، مطرٌ ينهمرُ مرّةً واحدةً فأغرقُ في العرق البارد قبل أن أستيقظ هَلِعًا وأهرع لأضع رأسي تحت الحنفيّة فأُحسُّ بالأمان. سأخرجُ.
أفتحُ الباب فأشاهد غرفًا معدنية أخرى متشابهةً ملقاةً بين الأشجار، تمتدُّ من بعضها حبالٌ نُشرت عليها قطعُ الغسيل. “هذه علمُنا الوطنيّ”، فكّرتُ، وأدّيتُ لها التحيّة. لم أؤلّف لها بعدُ نشيدًا مناسبًا لكنّه قطعًا سيجمعُ في كلماته بين الموتِ والرّحيل. سأذهب للتبوّل الآن.

استمر في القراءة

No more posts.