فيء ناصر: يسنين وبنت عمتي

Bertien van Manen Novokuznetsk (Funeral), 1991. Source: robertmorat.com

لم أجرؤ على دخول الغرفة المخصصة لعزاء النساء كما فعلت أمي، مشيت خطوات حذرة فوق الأحذية والنعالات السود المبعثرة خارج الغرفة، وقادني الممر القصير إلى باحة الدار التي تتوسطها شجرة نبق والتي تحاط تربتها وجذعها بسياج دائري واطئ من صفين من الطابوق، وحوله تنتشر أحذية النساء ونعالاتهن أيضا.  شجرة النبق تهيمن على الدار بعلوها الخفيض وتتأمل مشهد الموت كاملا، كأنها تمتص الصراخ الحاد، تنشر أغصانها في كل الاتجاهات وتجثو كالكوابيس على المستيقظ المفزوع تواً، بينما تتساقط ظلالها وأوراقها الصغيرة الصفراء على ارضية الباحة ذات الطابوق الطيني، ويختلط مع ظلال عباءات النساء وثيابهن السود أثناء مرورهن من المطبخ إلى غرفة عزاء النساء. جلستُ على السياج المحيط بشجرة النبق أتفحص الدار التي تعج بالفوضى والعويل، نساء في المطبخ يتولين الإشراف على الطبخ وإعداد حلوى التمر مع الخبز والشاي ثوابا على روح الميتة. صغار يلعبون حول الشجرة كأنهم يستثمرون الصراخ العالي لزيادة صخبهم، ونسوة كثيرات يدخل صراخهن قبلهن من الباب الحديدي المشرّع. مرّ ابن عمتي مسرعا، تحت إبطه كتاب ذو غلاف لامع يختلط به الأزرق مع الأبيض، رماه عليّ قائلا:”خليه عندك، عليّ أن أحمل صينية الشاي إلى الرجال”.

استمر في القراءة

أمجد الصبان: الأوراق

Untitled-1

Christina de Middel, from “This Is What Hatred Did”, 2015. Source: imaonline.jp

كان فايز يتطلع إلي أعلى، إلى لافتة زرقاء تتدلى بسرعة من أعلى المبني وتضرب في الهواء بقوة قبل أن تقف عند نهاية الطابق الأول، معلنة بعد استقرار اهتزازها عن جمعية “معا” للخدمات الإنسانية. انتبه فايز إلي أحد موظفيه يقدم له مقصًا كي يقطع الشريط الشفاف. كان يتوقع بعد قطع الشريط أن يسمع ضجة كبيرة من الجماهير التي تحيط بالمكان، لكن صوت نقيق الضفدع كان أقرب إليه حتى من أصوات الموظفين المهنئة. شعر بحزن لعدم تواجد أي من الجماهير أو الإعلام على الرغم من المجهود الكبير الذي بذل في الحملة الإعلانية.
تأسست الجمعية مصادفة. كان فايز يغرق دومًا في أحلام اليقظة. ومكافأة على ذلك، أصبح كلما انخرط في حلم يجد الحلم مكتوبًا على ورقة. فرح فايز بتلك الموهبة، حتى أنها أصبحت مصدر دخله. كان يذهب إلي أحد المقاهي، يتعرف على الرواد، ثم يدخل معهم في رهان بأنه يستطيع أن يغرق المكان بالورق: ورق أزرق ينزل من السماء، وأحيانا يخرج من باطن الأرض. تحول فايز إلى نجم تتسابق إدارات المقاهي على إغرائه بالنقود كي يقيم مراهناته حصريًا في مقاهيها. 

استمر في القراءة

وئام مختار: اللحظات التي نعرف بعدها أن شيئاً ما سيتغير

By Ornella Mignella. From the series “Damned Springtime”

شق الأنفس، أن تسمع صدى أفكارك واضحاً، يخرج صوت من رأسك يُشبه صوتك، ليتكرر على حوائط الغُرفة. حين ترتد نظرة عينيك إلى عينيك، وكلماتك إلى كلماتك، وحركات أصابعك المتوترة إلى أصابعك الباردة. حين تميل برأسك إلى الحائط، أو تعود برأسك إلى الوراء، وتمر بأصابعك على مكان تحبه، على صورة تُميتك أكثر مما تحييك، حلم سعادة اخترته لنفسك ثم خذلك أو خذلته…
أي جحيم صنعتِه بنفسِك يا عزيزتي وتقتاتين على جلود ضحاياه؟ وأي بلاد تنشدين راحتها وسريرك لا يبرح المكان؟ 
هذه اللحظات المثقلة هي بطاقة الخروج من السجن، هي اللحظات التي نعرف بعدها أن شيئاً ما سيتغيّر. وإن الطاقة التي حصرت الحلم في كسر المرايا ستفتح للأصابع المضرجة بالدماء باباً في السحاب.

محمود المنيراوي: رسائل من السويد

SWEDEN. Stockholm. 1994.

Ferdinando Scianna, Stockholm, 1994. Source: magnumphotos.com

أنا وهو
كنّا في وضحِ النهار
يستنجدُ بالمارةِ، الناس والكلاب والقطط
لكن أحداً لا يراه
أجُرّه خلفي بسلسةِ وعودهِ
ودمه الأبيض يطبعُ الحادثة على الأسفلت خطوط مشاة
يكلّمني، والدمعُ المغلي في عينيه، يسألُ:
ما ذنبي؟

استمر في القراءة

محمد ربيع: أحمال

odalisque-by-hassan-hajjaj

Hassan Hajjaj, “Odalisque”. Source: offmag.blogspot.co.ke

في الأول من فبراير عام ١٩٥٧، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

استمر في القراءة

No more posts.