آدم: ضرس

Ian Ingramو Castle of the Tooth Fairy, 2017. Source: artsy.net

سبع عجائز يشربن الشاي ويقرضن الفصفص ويتفلنه نحو أبعد مسافة، لعبتهن المعتادة كل ليلة. صوت تشويش يأتي من راديو بعيد يبث أغنية بحرية لإحدى الفرق الشعبية المنقرضة. القمر نازل مضيء بقوة، يكاد يجلس معنا ويشرب الشاي. نجلس في المزرعة قرب البيت الطيني ذي الإضاءة الخافتة، الخارجة من الفوانيس المعلقة في كل مكان، نهيق حمار وأصوات أبقار في الحظيرة وحمحمة حصان في الإسطبل. أنا الذكر الوحيد، ابن أمي المستندة على الشجرة ورأسي في حضنها، بلغتُ الثالثة عشرة قبل عدة أيام. ذكرت إحدى العجائز المرتعشات حكايتي وهي تضحك مبديةً أسنانها المنخورة. تقول إنّها تتذكر أنّني – في الفترة التي راحت تحُكّني فيها لثتي وقد أوشكت أسناني على الخروج – عضضتُ ساق أمي، ثم عضضتُ مؤخرة الكلب الدمية وبكيت كثيرًا لأنه لم يتألم أو يهوهو مثل الكلاب في التلفاز.

استمر في القراءة

طعم الوصول | ياسر عبد اللطيف: كلّ الناس مسافرة

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Edmonton, Cairo / 1948. Source: raremaps.com

وصلتُ كندا في آخر أيام عام ٢٠٠٩. وكانت هجرة عادية لا يقف خلفها أي ظرف سياسي أو اجتماعي طارد. في القاهرة كنتُ أعمل في وظيفتين: مُعدًا للبرامج بالتلفزيون الحكومي، ومُحررًا للأخبار بوكالة الأنباء الإسبانية. عملي بالتلفزيون كان يتطلًّب المداومة مرتين في الأسبوع. مرةً أذهب للاستوديو في مدينة الإنتاج الإعلامي، ومرة أخرى لإدارة القناة في مبنى ماسبيرو لاستيفاء الأوراق والإداريات الخاصة بالبرنامج الذي أُعده، فيما أداوم خمسة أيام دوامًا كاملًا في الوكالة… وكنت أرى أصدقائي المقربين مساء كل أربعاء… أسبوعي كان مشغولاً بالكامل ومرهِقًا. جدول صاخب وضاج بالناس وبإيقاع القاهرة العنيف. الانتقال لكندا أحدث قطعًا حادًا مع هذا. بقيت هنا  سنوات أعملُ من البيت. أكتب لبعض المواقع حينًا وأترجم أعمالًا  أدبية؛ أو أبحاثا وأوراق مؤتمرات لبعض المؤسسات عن طريق وكالة ترجمة في المغرب. لا أرى إلا زوجتي وإبني هادي. وبينما تعمل زوجتي في مدرسة ابتدائية، كنتُ في البيت طوال النهار مع هادي منذ عمر عام ونصف حتى دخل المدرسة في الخامسة، مع كل الطقوس المنزلية اللازمة لمصاحبة طفل صغير.  أعمل على مكتبي بينما هو يلهو بالليجو أمامي على البساط. شاهدتُ الثورة المصرية متلفزة على الإنترنت وانجرفت عاطفيًا بالكامل معها طوال الشهور العصيبة في ٢٠١١، وفقدت حماسي مع بداية حشرها في صناديق الاستفتاء والانتخابات.

استمر في القراءة

إيمان السباعي: كما في الحرب

“Love Punished”. fresco from Pompeii, Naples Archaeological Museum. Source: flickr.com/70125105@N06/

هذه الشقة صحراء
تنقطع الكهرباء فتلمع عيون الذئاب
أحدهم يرفع الأغطية
ثعبانٌ طريّ يتحرك حولي
تُفتح الشرفة فتدخل فرقة بدائية بموسيقاها
وإلهٌ من لحمٍ ودم يسقط على الفراش.

استمر في القراءة

أمينة جاد: أ، ب، ج

Youssef Rakha, Fatherhood in Yellow, 2017

حين ترعى طفلاً عليك أن تجيد دفن أوجاعك عميقاً جداً وأن تجلب عوضاً عنها الأفراح الملونة، أن تتعلم الضحك وتنشره كواجب يومي سيتحول مع الوقت لعادة مبهجة.
أن تبدل ألوانك المفضلة التي اعتدت أن تكون غامقة إلى ألوان مبهرجة وكأنك تقيم في حديقة غناء.
عليك أن تسخر جسدك لراحته، أن تسهر لا لتقرأ أو لتكتب أو تشاهد فيلمك المفضل بل لتكون قربه كل مرة يستيقظ باكياً فتمنحه الأمان وقبلة هادئة.
عليك أن تتعلم كيف تغني بفرح، أن تخبئ كل تلك الأغنيات التي تحيل صوتك إلى مأتم.
عليك أن تتعلم كيف تكون مهرجاً، راقصاً، حيواناً أليفاً، قارع طبول، أن تكون كل الأشياء التي يريدها حتى وإن أرهقتك، فكل هذا التعب سيذوي ما أن يبتسم كملاك، ابتسامة هي قُبلة حقيقة لقلبك، تقطب كل جراح روحك.

استمر في القراءة

نحن نسكن هنا منذ سنوات: قصائد هدى حسين

Youssef Rakha, 2013

شبابها الذي أهدرته في تنظيف الحمامات
لأسباب لا أعرفها،
.
من أجله
كانت تترك الصنابير مفتوحةً
تنظر إلى الماء الذي يتدفّق نظيفًا
.

استمر في القراءة

واحد ناقص واحد: قصة كولم تويبين ترجمة محمد هاني

Colm Tóibín by Phoebe Ling. Source: colmtoibin.com

يطلّ القمر من قرب على تكساس. القمر هو أمي. هي مكتملةٌ الليلة، وأكثر سطوعًا من أسطع مصباح نيون؛ هناك تعاريج من الأحمر في لونها العنبري المنبسط. ربما كانت قمر حصاد، قمر كومانتش، لا أعلم. لم أر أبدا قُمْرة بهذا القرب، وحريصة لهذه الدرجة على بريقها العميق. الليلة، ستكون أمي قد توفيت منذ ست سنوات، وأيرلندا على بعد ست ساعات وأنت نائم.
أسير. لا أحد يسير سواي. من الصعب عبور شارع جودالوب؛ تمرق السيارات مسرعة. في متجر الجُملة للسلع الغذائية كلنا مرحب بنا، تسألني الفتاة عند المخرج إن كنت أود الحصول على عضوية المتجر. لو دفعت سبعين دولاراً، عضويتي لن تنقضي كما تقول، وسأحصل على سبعة في المئة خصم على كل المشتريات.
ست سنوات. ست ساعات. سبعون دولاراً. سبعة في المئة. أقول لها إني هنا لبضعة أشهر فقط، تبتسم وتقول مرحبا بك. أبتسم بالمقابل. مازلت أستطيع أن أبتسم. لو اتصلت بك الآن، ستكون الثانية والنصف صباحا؛ على الأرجح ستكون مستيقظا. 

استمر في القراءة

إسلام حنيش: طقوس العري

Peggy Washburn, “Calculating Distance”, from “Entropy”. Source: lensculture.com

أحيانًا يطيب لي أن أترك الأمر دفعة واحدة،
كالتخلص من ضغط مثانة ممتلئة،
أو كبصقة على الطريق
ثم أكمل السير باعتيادية.
الفكرة تبتسم لي
كثمرة “يوستفندي” طازجة
يموج المكان برائحتها
إلى أن يباغتني السؤال كزوار الليل،
كلافتة في الصحراء
ترفض الإقامة،
“هل السعادة هنا؟”

استمر في القراءة

مهاب نصر: الجنود يقتلون من وراء القصائد

Harry Gruyaert, Rajasthan. India, 1976. Source: magnumphotos.com

في أي ليلة نحن؟
عجوز جدا
وأخلط بين حياتي والشمس
التي تلف كتفي امرأة عاريتين
بين الشمس ويدي المرتعشتين فوق كلمات الكتب
بين الكتب والأشجار بسبب رائحة الجذور
حيث ستدفن روحي
بين روحي والشفة المطبوعة على زجاج مغبش
ببخار الأنفاس في ليلة باردة –
في أي ليلة نحن؟

استمر في القراءة

عائشة أحمد: الرجل الآخر

David Alan Harvey, Dasha in Outer Banks, USA, 2015. Source: magnumphotos.com

من خلال تخريمات شالها الأبيض تتطلع إلى البحر. ترى الطفلة في المايوه البنفسجي تروح وتجيء بدلوها البلاستيكي الصغير، تملأه بالماء وتفرغه على الرمل حيث تبني قلعتها الطينية مع أختها. آثار قدميها الصغيرتين مطبوعة على الرمل في مسار محدد، ووالدهما يرشف مشروبه ببطء من الزجاجة الحمراء مراقبا المشهد من بعيد.
تستلقي على المنشفة السوداء وقد ثبتت أحد أطرافها حقيبة ظهر ثقيلة وفي الطرف الآخر حذائها الفضي اللامع وكتاب كانت تقرأه. الريح تهب باردة والشمس فوقها لاهبة. تشعر بالعطش لكنها أكسل من أن تعتدل في جلستها وتبحث عن عبوة الماء لتشرب، تكتفي بأن تغطي وجهها بشالها الرقيق لتحمي بشرتها من وهج الشمس، وتغمض عينيها. تغفو لوهلة وتستيقظ على أصوات الأمواج المتكسرة على الشاطئ، والنوارس الوقحة تدوم في السماء القريبة وتحط سريعا لالتقاط فتات الخبز الذي يرميه لها أحدهم.

استمر في القراءة

No more posts.