طعم الوصول | بهيج وردة: لا ننجح في كثير من الأوقات

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Lovell’s Montreal Directory Map by Charles E Goad, 1898-9. Source: gs.library.mcgill.ca

جرت العادة أن أجيب على سؤال: “كم مضى على وجودك في مونتريال؟” برد يحمل عدد الشتاءات التي أمضيتها، كأن أقول الآن: “هذا هو شتائي الرابع في المدينة”. غالباً نضحك معاً من الجواب لأن كثيراً من جليد المدينة -الذي يدوم حوالي سبعة شهور- يذوب في هذه اللحظة تحديداً، ويبدأ محدثك بمشاركتك تجربته إن كان مهاجراً سابقاً، أو يخبرك أنه يتفهم انزعاجك من الجو القاسي، ويحاول التخفيف عنك ببعض النصائح، فيما كان مثيراً لاستغرابي أن بعض الشباب المولودين في المدينة القريبة من القطب الشمالي يجيب بكونه يكره البرد والثلج، وعندما أخبر محدثي عن قدومي من دبي، فإن الجليد المتبقي في حديثنا يذوب تماماً، كأن حرارة الصحراء اللاسعة تنتصر في تلك اللحظة، وغالباً يتوقف الحديث عن الأصول، ولا نصل في الحكاية إلى سوريا.

استمر في القراءة

طعم الوصول | نرمين نزار: الغربة الخفية

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Vintage Map of Cairo. Source: 123rf.com

غربتي خفية. تكاد تكون سري الخاص. لا يعرف أحد الآن أني لم أكن أتحدث باللهجة المصرية حين وصلت إلى هنا في أسوأ توقيت ممكن. بداية المراهقة. كان ينبغي أن أغير لهجتي سريعا لتقليل الخسائر، فمراهقو مدرستي لم يتسامحوا مع اختلافي الطفيف. لم أكن خواجاية، فأصبح غريبة ومرغوبة، وفي ذات الوقت لم أكن من هنا تمامًا. أوراق ثبوتيتي لبنانية، ولكن إن سئلت، كنت أقول إني فلسطينية، فأربك من يسأل أكثر، والمراهق إذا ارتبك، يخرج ارتباكه عنفًا. نجحت مع الوقت في إخفاء هويتي تمامًا، لتصبح معلومة لا دليل عليها، فيصير نسيانها سهلًا.

استمر في القراءة

طعم الوصول | سامح فوزي: طعم الثلج

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Massachusetts Pictorial Map, 1946. Source: mapsandart.com

ثمة..
رجل غريق
يشكو من
برد هائل
يخرج زاحفا
من البحر.
(سيلفيا بلاث)
في المقطع الأخير من قصيدتها الشهيرة المعنونة “حياة”، رأت “سيلفيا بلاث” المستقبل، نورس طاعن في السن، يرعاه -علي حد استعاراتها- الخَرَف والخوف ممرضتين. كم أفزعتنى رؤيتها تلك، تلك القسوة في أن ذاك المشهد تحديدًا سيكون أول ما سيراه الرجل عند خروجه من البحر وربما المشهد الوحيد الباقي إلى النهاية. ثمة شيء ما يجمعني و ذاك الغريق.

استمر في القراءة

طعم الوصول | ياسر عبد اللطيف: كلّ الناس مسافرة

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Edmonton, Cairo / 1948. Source: raremaps.com

وصلتُ كندا في آخر أيام عام ٢٠٠٩. وكانت هجرة عادية لا يقف خلفها أي ظرف سياسي أو اجتماعي طارد. في القاهرة كنتُ أعمل في وظيفتين: مُعدًا للبرامج بالتلفزيون الحكومي، ومُحررًا للأخبار بوكالة الأنباء الإسبانية. عملي بالتلفزيون كان يتطلًّب المداومة مرتين في الأسبوع. مرةً أذهب للاستوديو في مدينة الإنتاج الإعلامي، ومرة أخرى لإدارة القناة في مبنى ماسبيرو لاستيفاء الأوراق والإداريات الخاصة بالبرنامج الذي أُعده، فيما أداوم خمسة أيام دوامًا كاملًا في الوكالة… وكنت أرى أصدقائي المقربين مساء كل أربعاء… أسبوعي كان مشغولاً بالكامل ومرهِقًا. جدول صاخب وضاج بالناس وبإيقاع القاهرة العنيف. الانتقال لكندا أحدث قطعًا حادًا مع هذا. بقيت هنا  سنوات أعملُ من البيت. أكتب لبعض المواقع حينًا وأترجم أعمالًا  أدبية؛ أو أبحاثا وأوراق مؤتمرات لبعض المؤسسات عن طريق وكالة ترجمة في المغرب. لا أرى إلا زوجتي وإبني هادي. وبينما تعمل زوجتي في مدرسة ابتدائية، كنتُ في البيت طوال النهار مع هادي منذ عمر عام ونصف حتى دخل المدرسة في الخامسة، مع كل الطقوس المنزلية اللازمة لمصاحبة طفل صغير.  أعمل على مكتبي بينما هو يلهو بالليجو أمامي على البساط. شاهدتُ الثورة المصرية متلفزة على الإنترنت وانجرفت عاطفيًا بالكامل معها طوال الشهور العصيبة في ٢٠١١، وفقدت حماسي مع بداية حشرها في صناديق الاستفتاء والانتخابات.

استمر في القراءة

طعم الوصول | بيسان عدوان: وحدة قياس المسافة بين جسدينِ

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Istanbul, London / 1840. Source: Wikipedia

عزيزي،
فتّشتُ بشغفٍ لانهائي في صفحاتِ الأخبارِ الرّقميةِ والموسوعاتِ الرّقميةِ وحتى المذياع على أملٍ يعيدُ التّدفقَ في المشهدِ في اسطنبول، ولكن كانَ عليّ حين أغلقُ نوافذَ الحكايةِ، وأُلملمُ أطيافَ العابرينَ خلسةً في نصوصي القديمةِ كي يأتي النّهار، كان عليّ أنْ أتقُنَ فنَّ العبورِ بنفسي، فإذا بها رحلتي الأولى إلى مدنِ الالهةِ الأولى ونقاط الوصلِ بينَ عالمينِ ومتنٌ يؤنس براحاً بات ضرورياً للحياة، لذا أُخبركَ مِن رحلةِ الكلامِ التي رتّبتُها بإتقانٍ غير عابرٍ.
صباح الخير، في اسطنبول، وفي اللّيالي الماضية التي كادت تقتلُ روحي، أدركتُ الشيء الذي جمعَ العربَ والتّركمان والاكراد والافغانَ والفرسَ واليونانيينَ والمغاربة في هذه المدينةِ الظّالمةِ… البعضُ ممن سبقوني إلى بلادِ الثّلجِ هُزِمَ إما بالانتظارِ، أو بالاندماج، أو بالتّنصلِ عن هُويتهِ. المصائرُ تتشابهُ، وأنتَ مَنْ أخبرني يوماً: عليكِ أنْ تختاري مَنْ تكونين؟ وماذا تريدينَ؟

استمر في القراءة

طعم الوصول | عماد فؤاد: لم يكن خطأً يا آدم

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Brussels, London / 1746. Source: raremaps.com

لو سألني أحد عن معنى كلمة فن، فسوف أجيب: “يد أمّي وهي تطبخ”
ولو طُلب منِّي أن أقول شِعراً، لرفعت ملعقة وقلت: “تذوَّق”
أوّل رائحة علقت بأنفي فصرت أتشهّاها مذ كنت طفلاً، كانت صدر أمي، تحملني على بطنها بيد، لتنحني قاطفة باليد الأخرى ثمر الطماطم من أرض خضراء في ظهيرة مشمسة، كانت تقيني حر الشمس بطرحتها المفرودة على رأسي، وأنفي يتشمم في الظل رائحة حلوة لثمر يانع
اليوم، وأينما كنت، لا أنتظر العودة إلى البيت حتى أفتح كيس الطماطم أو علبته بعد خروجي من أي سوبر ماركت، أتناول عنقود الثمر وأتشمم الرائحة، وحين أجدها غامرة أغمض عيني وأنا أتنفسها طويلاً. وحين لا أجدها، ألعن التمدّن الذي أوصلنا إلى ثمر بلا طعم ولا رائحة

استمر في القراءة

طعم الوصول | كارول صنصور: خمي

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Athens, London / 1832. Source: raremaps.com

أنا في رحلتي الرابعة. رحلتي الكبرى الرابعة. أحط في عالم جديد آخر. هذه المرة لا أعرف فيه لغة او بشر. ينتابني فرح عظيم مؤجل. وخوف النهايات. محطتي الرابعة أثينا. اليونان. قريبة بشكل كاف لفلسطين. وبعيدة بشكل كاف عنها. أوروبية. شرقية. لا يمكن قول هذا علانية هنا. كذب. يمكن قول كل شيء علانية هنا. أفكر كثيراً في الأساطير الإغريقية. وأرى حولي أحفاد الآلهة. لغتهم تشبه العبري في أذني. وهم يشبهونني. أبحث كدجاجة واثقة عن مكان إقامتي. خمي الذي سيحميني في هذه المرحلة. أتذكر أنني أشبه بقطة من دجاجة. لن أدخل في هذه التفاصيل الآن. أرقب جميع خطاي. وخطى الاخرين. لأتعلم. monkey see. monkey do. أفكر في أصدقائي. وأصدقائي الذين استقروا في أوطان بديلة. لا أريد فلسفة الهجرة. أو التهجير. أو الغربة. والاغتراب. أبحث عن تفاصيل الحياة اليومية. عن الفرص. التحديات. أريد أن أسالهم عن كتاباتهم. عن إبداعهم في مكانهم الجديد. على حافة سنتي الثانية. أقرر أن أستنطق الآخرين. أسألهم عن قلبهم. أين تركوه. أم يحملونه معهم. عن عقلهم. جسمهم. عن أي شيء. لأحصل على وصفة. وصفة سحرية تسد حفرة ما. وبينما هم يجاوبون. على أقل من مهلهم. أقرر أنا. سأحب خمي الجديد. حتى ولو من طرف واحد.
No more posts.