مينا ناجي: قنبلة موقوتة علي وشك الانفجار خلفنا

par66622

Philip Jones Griffiths, 1995, Japan. A wristwatch, now preserved in the A bomb Museum, records the time of the blast. Source: magnumphotos.com

الحياة بشعار شانيل
لو كنت مديري كنتُ خلعتُ ‘كندرتي‘ واشتريتُ لكَ ورداً يبتسمُ ابتسامةً صناعيّةً وأهمس من وراء ظهرك أنكَ كتلةٌ من الخراء. لكنكَ مُفلسٌ كيومِ أحد في كنيسة بشمال أوروبا: رسومات عذبة من الماضي لا تعني الآن سوى هزل. الحياة علبة مغلقة فارغة كانت تنتمي لشخص أحمق فتحها وجعلني هنا – الذنب كاثوليكي المنشأ؛ القديس بطرس صخرة الكنيسة ومارشاربل بحق جاه النبي – دس وجهك بين الورق بلا صياعة! هل قلتُ لكَ كم شعرة بيضاء في رأسي عددتها هذا الصباح كتعويذة ضد ما ينتزعني للخلف، وضدك أنت؟ جسدي بلا وطن، بلا قلب، لكنه يقولون سليم وكبد وكليتين يعملان بكفاءة ويرتدي السكاربينات ويقود السيارة ويجلس في الاجتماعات طيلة اليوم. في الليل يتحوَّل إلي فراشة فأحرقه بولاعتي وأنام. بالنهار يشرب سوائل أجعله يصدق أنها خمر. جسدي عالق وسط صحراء صناعيّة حيث الأساطير لم تعد شيطاناً يلهم الشعر ولا حيواناً بأجنحةٍ يفترس البشر، بل كلمات مثل ‘مقاومة‘. ‘حب‘. ‘حياة بسيطة‘. ‘ثورات عربيّة‘. الحياةُ مثل علبة مغلقة فيها جسدي ومرسوم عليها شعار ‘شانيل‘. أخزنها تحت الفِراش، وأنام.

استمر في القراءة

يوسف رخا: تاريخ آل عثمان في ست حكايات

b1bb4b4ab7e4624df64cbff194422ca0

Poster of the Ottoman Sultans made during the rein of Mehmed V Reşâd (1909-1918). Source: oktob.io

١٢٧٧: ما رضي الرجل الصالح شيخ إدبالي أن يزوّج ابنته ملحون لعثمان ابن بيك إقطاع سوغوت المجاور. لعل عينه على إقطاع آخر، أو لعله سمع باتصالهما في الخفاء. عثمان عاشقها، لكن ملحون – ليلة مبيته في دارهم – لم تنبس. أزاحت الباب واليشمك على وجهها، ثم استدارت وانتفخ قماش الشلوار في روحتها. كانت الغرفة باردة، وتساءل عثمان إن كان خلوها من التدفئة من علامات التقشف أو قلة حفاوة. أطفأ المصباح دونما يطرق باب مضيفه، واكتفى بضوء القمر السارح خلال أكثر من فجوة في الخشب والرخام. أزاح السيف وكلل مقبضه بالعمامة، ثم خلع قفطانه والتف في الصوف على البساط. في الظلام خلط الحليب الموضوع قرب مرقده بقليل من العرق الذي يحمله معه وشربه ببطء وهو يغفو. ما مرت ساعة حتى أيقظه منام… والآن، قبل طلوع الشمس، ها هو يرجف متربعاً على الأرض بين يدي الشيخ الجالس على المسطبة أمامه، يحكي له:
إنه – عثمان ابن أرطغرل – رأى القمر يطلع من صدر شيخ إدبالي، ولا يكاد يكتمل بدراً حتى يغوص في بطنه فتنمو من سرته شجرة كالسراي تظلل الأرض. في فيئها الغادي استقرت جبال ثلاثة، جرى نهر عظيم من سفح كل منها. عثمان تعرف على الأنهار بأسمائها – دجلة، والطونة (الدانوب)، والنيل – وراعه أن أوراق الشجرة انقلبت رماحاً تشير رءوسها إلى الدولة البيزنطية. تحت أغصان الشجرة، وقف صبيان نصارى شقر وعلى رؤوسهم تُل أبيض ينشدون الشهادة يتبعها عهد الولاء للسطان. وكان الخلق من حول هؤلاء الصبيان بلا عدد على شطوط الأنهار وفي خلجانها، يشربون ويزرعون ويصطنعون الفساقي. كانوا يتوالدون والخير يورف في ديارهم، دونما يكف الصبيان عن الاستظلال بغصون الشجرة والإنشاد…
وها هو شيخ إدبالي يطرق قليلاً ثم يبسمل ويحوقل ويزأر: هوووووو.
«لقد أنعم الله عليك بدولة تأتي من ظهرك تعلي كلمته في جنبات الأرض» – هكذا يقول لعثمان – «وحلت البركة. هوووووو.» ثم يمد يمناه إلى ابن صاحب الإقطاع ليلثمها الأخير، ويعود يطرق. يبسمل، يحوقل، ويرتفع صوته مؤكداً الابتسامة المتلاعبة على وجه عثمان: «ملحون لك.»

استمر في القراءة

No more posts.