محمد عبد الكريم: واحد اثنان ثلاثة

Youssef Rakha, “Cairetros 1”, 2021

طوال الوقت فى غرفتي وحيداً وعاجزاً أمام فراغ البيت الصامت، وتبدو لي كل ليلة كالتى ماتت أمي فيها، صالحة لانطباق السماء على الأرض، وما عليّ سوى أن أفرد جسدي على السرير، وغارقاً فى الظلام أنتظر انتهاء الدنيا. لكن الليلة سد أبي الغرفة المظلمة عليّ بجثته الضخمة تاركاً ضوءاً شحيحاً من الخارج يمر بين رجليه. قال إنه يرغب أن نأكل سوياً، وما كان لي إلا أن ألبي رغبته.
فى ضوء الصالة، بدا الوهن يقرض يديه المرتعشتين وركبتيه، وهو يحاول الجلوس على الكرسي بأقل الطرق إيلاماً. الشارب الذى دأب على تشذيبه قد ترهل. المضحك أن السيد “احلق ذقنك” كانت ذقنه تخاصم الموس. ما زال أبي يمارس الحنين على مائدة الطعام. تخيل أنه كان يقيم الدنيا ويُقعِدها بعشر جنيهات؟! يشترى البحر، ويُمطِر النقود على الناس فى الشوارع، لكن أيام زمان راحت. لم يقدم أحد على مقاطعته مرة. علينا فقط أن نستمع أو نتظاهر بالاستماع. لو كانت ماما معنا على العشاء. تنظر إلىّ وأخي نظرة أنه بدأ، تبتسم فنطأطىء رؤوسنا ونحاول كتم ضحكاتنا. لكن لا يوجد هنا سوى ما كان يفعله أبي بالعشر جنيهات، وصوت مضغه للأكل. أتطلع إلى وجهه، وللحظاتٍ لا أعرفه. أتابعه وهو يعاني من صعوبة المضغ بفمه شبه الخالي من الأسنان. صوت مضغه يتركز عند أذني، وأكاد أفرغ ما فى بطني.. حمداً لله شبعت.

استمر في القراءة

فيء ناصر: يسنين وبنت عمتي

Bertien van Manen Novokuznetsk (Funeral), 1991. Source: robertmorat.com

لم أجرؤ على دخول الغرفة المخصصة لعزاء النساء كما فعلت أمي، مشيت خطوات حذرة فوق الأحذية والنعالات السود المبعثرة خارج الغرفة، وقادني الممر القصير إلى باحة الدار التي تتوسطها شجرة نبق والتي تحاط تربتها وجذعها بسياج دائري واطئ من صفين من الطابوق، وحوله تنتشر أحذية النساء ونعالاتهن أيضا.  شجرة النبق تهيمن على الدار بعلوها الخفيض وتتأمل مشهد الموت كاملا، كأنها تمتص الصراخ الحاد، تنشر أغصانها في كل الاتجاهات وتجثو كالكوابيس على المستيقظ المفزوع تواً، بينما تتساقط ظلالها وأوراقها الصغيرة الصفراء على ارضية الباحة ذات الطابوق الطيني، ويختلط مع ظلال عباءات النساء وثيابهن السود أثناء مرورهن من المطبخ إلى غرفة عزاء النساء. جلستُ على السياج المحيط بشجرة النبق أتفحص الدار التي تعج بالفوضى والعويل، نساء في المطبخ يتولين الإشراف على الطبخ وإعداد حلوى التمر مع الخبز والشاي ثوابا على روح الميتة. صغار يلعبون حول الشجرة كأنهم يستثمرون الصراخ العالي لزيادة صخبهم، ونسوة كثيرات يدخل صراخهن قبلهن من الباب الحديدي المشرّع. مرّ ابن عمتي مسرعا، تحت إبطه كتاب ذو غلاف لامع يختلط به الأزرق مع الأبيض، رماه عليّ قائلا:”خليه عندك، عليّ أن أحمل صينية الشاي إلى الرجال”.

استمر في القراءة

أحشاء: هشام فهمي يترجم تشاك پولانِك

Bruno Barbey, Réunion, 1991. Source: magnumphotos.com

شهيق.
التقِط كلَّ ما تقدر عليه من الهواء.
لن تستغرق هذه القصَّة أكثر من المُدَّة التي تستطيع أن تحبس خلالها أنفاسك، ثم ما يزيد على هذا بقليل، لذا أرجوك أن تسمعها بأسرع ما يُمكنك.
صديق لي كان في الثالثة عشرة من عُمره عندما سمع بتكنيك غرس الوتد، أي عندما يدسُّ الرجل قضيبًا صناعيًّا في مؤخِّرته، ويحثُّ غُدَّة المثانة بالقوَّة الكافية، ليصل إلى ذُروةٍ متفجِّرة مرَّاتٍ ومرَّاتٍ دون أن يستخدم يده. هذا الصديق في تلك السِّن مهووس بالجنس، يبحث دائمًا عن سُبل أفضل للاستمناء. يخرج ليشتري جزرة وعلبة من الڤازلين ليُجري بحثًا خاصًّا صغيرًا، ثم يتخيَّل كيف سيبدو الأمر للواقفين في الطابور عندما يذهب لدفع الحساب ومعه الجزرة الوحيدة والڤازلين، والكلُّ ينظر إليه متخيِّلًا الليلة الكبيرة التي يُخطِّط لها. هكذا يبتاع صديقي القليل من الحليب والبيض والسُّكَّر مع الجزرة – وكلها مقادير لصُنع كعكة جزر لا بأس بها – والڤازلين بالطبع.
كأنه سيعود إلى المنزل ليضع كعكة جزر في مؤخِّرته.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: عين الهر

حكاية الرجل الذي محا الشر

Salvador Dalí, “Alchemy of the Philosophers”, 1976. Source: phillips.com

بعد إيهام طويل بالدوران والتجدد، وصراعات لم تفض إلى شيء، قلت: سأنزع الشر عن حياتي، الزيف، الغباء، القبح، الجهل، الحماقة، البلادة، الانحطاط.
وضعت قائمة مفصلة بأسماء أشخاص مثلوا لي تلك الشرور، حذفتهم واحدا تلو آخر من الفيسبوك بعد رسائل غاضبة تمنيت فيها بوضوح لا يقبل المورابة أن يكفوا عن الوجود، لأني لم أر منهم سوى الأذى والاستغلال والعتمة.
في الشارع، سلمت الرسالة بنفسي إلى البقال الغشاش، البواب الذي يراقب كل  حركة أفعلها، ولم يتورع عن إثارة فضيحة بشأن فتيات الليل اللواتي أستقبلهن ليضئن وحدتي، لأني لم استسلم لابتزازه بالدفع كي يغض الطرف.
لم أنس ضمن القائمة الصيدلي الذي لا يتورع عن بيع حبوب مخدرة، لكنه بالنفاق الكافي ليسبني عندما طلبت منه حبوبا للإجهاض، بعد أن حملت مني إحداهن. صاحب الكافيه الذي يقدم خدمات رديئة بأسعار مضاعفة، ويكللها بقلة ذوق وجلافة. صاحب كشك السجائر، الذي تركني لعشر دقائق كاملة دون أن يجيب طلبي، ولما ذكرته بضرورة احترام زبائنه، تشاجرنا بالأيدي، مزق قميصي وأهانني. صاحب السايبر، الذي ادعى قدرته على إصلاح حاسوبي، وبعد أن ألحق به ضررا كلفني مالا أكثر لدى محل آخر، سخر من قدم الحاسوب والوسخ الذي يعتليه، فلقنته درسا عن الجودة والاتقان. هكذا انتهيت إلى أن أكف عن التعامل مع أغلب الدوائر القريبة من  شارعي، وصرت مضطرا لقضاء حاجاتي في شوارع بعيدة، وأن أستخدم للعودة إلى منزلي طرقا فرعية معقدة، لكن أكثر أمانا وأقل إزعاجا من الوجوه الكالحة المتربصة.

استمر في القراءة

دينا ربيع: على أعقابهم ينكصون

Shakir Hassan Al Said, The Victorious, 1983. Source: barjeelartfoundation.org

البيت شاجٍ. أهله أطفال لا يلعبون، وشباب لا يعرفون شقوة الحب ولا سكرته، وعجائز جرت أعمارهنّ إكسبريسَ في بلاد تصرف حكوماتها على البنية التّحتيّة ما يحفظ ماء الوجوه.
على الحوائط ذكريات عنف وزعيق ونحيب وسكّين يتبادلها طرفا خناقة هزليّة. يعرف الطّرفان والشّاهدون والحوائط وكرسيّ الصّالون الذي يهامس أخاه بعد أن ينام ساكنو البيت أن أحدهما لن يذبح الآخر بها، لأنّ ليلة كهذه لا تخلص إلى نهاية كتلك، ولا تحسن سكّين المطبخ القِتلة، غير أنّهما يطيلان التّناوش بها ليزيدا على المشهد القبيح قبحا، ويخرّبا أعصاب الصّغار أبدا. 

استمر في القراءة

ست قصائد لسُكَينة حبيب الله

From the Aperture Foundation’s Paul Strand Book by Joel Meyerowitz. Source: studiobaer.com

 

عــشـ..شـ.. ــشـجرة
بدوري حملتُ قَشّاً
قشّاً كثيراً
ومضيتُ أبحثُ عن شجرة أبني عليها عُشِّي
إلا أني لم أجد.
وهكذا
بالقشِّ الذي التقطتُ
حشوتُ صدري
اخترتُ حقلا،
ووقفتُ منتصبةً عليها.

.

استمر في القراءة

سأعتبر ما يقطر من شعرك صدقا مع النفس: أربع قصائد جديدة لمهاب نصر

Leonard Bramer (1596–1674), Mors Thriumphans. Source: Wikipedia

(١)
ولو لمرّة
أريد أن يغوص كاحلاي في الثلج
أن تنتثر ندف بيضاء من شفتي
أحدثك من هناك
في تسجيل حي
غير أن ما يصلك
ليس إلا هواء يتقصف على منحدر
ومن بعيد
يظهر بيت ودخان
الشاعر ينتظرنا
مخمور في آخر العالم
العالم الذي احترق فعلا

استمر في القراءة

وللمرة الألف، يرفض الطريق طلب الصداقة: قصيدة جديدة لإسلام حنيش

yrakha2

By Youssef Rakha

كم صار صعباً، كم صار صعباً كل شيء
كان السكين حاداً جداً هذه المرة.
كان لابد أن أنتبه أني أقشر يدك الصغيرة
بدلًا من البرتقال.

استمر في القراءة

محمد ربيع: أحمال

odalisque-by-hassan-hajjaj

Hassan Hajjaj, “Odalisque”. Source: offmag.blogspot.co.ke

في الأول من فبراير عام ١٩٥٧، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

استمر في القراءة

No more posts.