الواقع والآلام: قصائد جديدة لمهاب نصر

Alvar Cawén, “Blind Musician”, 1922. Source: Wikipedia
“الواقع يا عزيزي”
الواقع يا عزيزي
هذا ما زرتك لأجل
وبينما كنت تواصل مناداتي من مطبخك
دسستُ عشرات الأعين
في الفُرُش وتحت المقاعد
وخلف زر الكهرباء
الذي يجعل الضوء يرتج  
مثل حقيقة فاجعة
الواقع هو ما أفكر فيه وأنا أصافحك عند الباب
كأنني سأقضي ليلتي في العراء
الواقع الذي يتنفس بصعوبة
بينما تشير بإصبعيك: اطمئنْ

استمر في القراءة

شريف بهلول: بالطو ماما

James McNeill Whistler, Arrangement in Grey and Black No.1 (Whistler’s Mother), 1871. Source: Wikipedia

كأننا على المسرح.
ينفرج ستار الذكرى عن مشهد مضاء بقوة الحنين وحده، يسطع على بؤرته نور كثيف ومركّز، وهّاج ومكتوم معاً، نور كأنه ليس من هذا العالم، وهو كل ما يبقى لنا من العالم حقا، فيما تغيب أركانه في الظلال، أشبه بلوحة لرمبرانت. ضوء الذاكرة المعتم. كيارُسكورو.
كنا في أواخر مارس، وأواخر السبعينات، وقد بدأ اليوم ربيعياً دافئ النسمات، سماوي الزرقة، كما يندر نشهد الربيع في قاهرة أيامنا هذه الشعثاء المترامية المتروكة ـ بما يشبه اليأس ـ لغبارها وأدران قذاها الذي لا يني يتراكم تحت قشرة سماء رمادية كالحة كأنها تتستر على جمرة انطفأت وماتت وبقيت تنفث صهدها الرازح الوخيم. أذّن العصر منذ سويعات، واقترب المغرب، وتوفّزت متحمسا حين قالت لي أن ألبس لأننا سنخرج. سنذهب إلى المحامي، الذي يتولى عن أبي قضية ميراث وأطيان، في مكتبه في تلك المنطقة الجديدة البعيدة صعبة المواصلات المسماة بالمهندسين. ولأن أبي ليس هنا، ليس في مصر كلها، ولأنها ستقابل رجلا غريباً ولو في مكتبه، ولأنها قد تتأخر، قد تعود بعد أن تظلم السماء، فإن عليها أن تصطحب معها رجلها الآخر، الذي هو أنا، ابنها الأكبر، الواقف على عتبة المراهقة، لكنه أطول منها بسنتيمترات قليلة، هل كنت في الثالثة عشرة أم الرابعة عشرة؟ هل كان عيد الأم قد جاء ومضى، أم لم يأت بعد؟ هل يأتي عيد الأم أبدا؟
يضطرب تيار الذكرى ويختلط، أجوس في أطراف المشهد المكتنفة بالظلال فلا ينفذ بصري فيها، كأنها قُدت من مادة مقاومة للنظر. فلعله من عمل الذاكرة أن تستعين بالمخيلة، وأن يتحول كيارسكورو رمبرانت، شيئا فشيئاً، إلى صفاء لوحة من مونيه المتأخر، يسبح في إنارة رائقة ورقراقة، يتشربها كل شيء.

استمر في القراءة

بخيتة عبد الله: أيام عادية في حياة إنسان حديث

Youssef Rakha, “Winter Light”, January, 2020

اليوم 
شعرك يبدو بهيئة جيدة
والشمس ترسل أشعة رحيمة
وقد لا تكون فكرة سيئة تماماً
لو قررت ألا تجعل من الهستيريا
وعدم الاتساق
والحس العبثي
جزءاً أساسياً من هذا اليوم

استمر في القراءة

إسلام حنيش في عيد الفطر: من سيرة آل حنيش

From Islam Henaish’s family archives, courtesy of the author

البداية كانت من هناك، تحديداً من المطبخ. بالتأكيد. من صوت ملامسة البيض للطاسة، ورائحته، وطعم عصير الليمون اللاذع في الصباح. أمي في قميصها الأبيض المبتل بفعل العرق. درجة حرارة المطبخ تختلف عما تعلنه هيئة الأرصاد الجوية.
صوت الصباح يسير على مهلٍ من الراديو بالخارج نحو أرجاء البيت راكبًا بخات الماء التي يطلقها أبي أثناء كي الملابس بفانلة بيضاء نصف كم، وبنطلون بيجامة خفيف. ستظل هذه هي صورة أبي الأحب لي لوقت طويل. ستظل هي الصورة التي تذكرني بتلك الأوقات، وبأبي أثناءها.
البداية من بيتنا القديم، في الغرفة البحرية البرحة، التي تشاركتها وأخي العزيز، والتي اتسعت لخزين أحلامنا. مكتب رمادي يخصه، بمكتبة طولية، يتصدرها لوح أركيت يحمل صورة بالألوان المائية لتوم وجيري، مهداة إليّ منذ عمر الخامسة (إلى صديقي إسلام – محمود تيمور – سبتمبر ١٩٩٢). ما زلت أحفظ ذكراها كأنه الأمس.

استمر في القراءة

خالد الشورى: أسنان

Goerge Tiemann and Co’s Surgical Instruments. Source: pinterest.com/tedgioia

بوادر ضوء الصباح تنسل من نافذة الحمام… ضوءٌ شحيح ولكنه يكفي للرؤية.
يقف الولد أمام المرآة محدقًا في انعكاسه، شاعرًا بشفقةٍ يشوبها اشمئزازٌ تجاه نفسه.
دون أن يحيد نظره عن المرآة، يُدير مقبض الصنبور فيتدفق الماء إلى التجويف المستقر في قعر الحوض. يفتح فمه على اتساعه ويرى: هناك فراغاتٌ قبيحة، بعض أسنانه غير موجودة في محلها. يلعق لثته بطرف لسانه مكان الفراغ، طعمٌ مالحٌ وملمس لزج، كأنه يلعق حلزونًا.
يمسك في يده اليمنى كماشة معدنية، كالتي كان يستعملها والده في صيانة مواسير الحمام أو المطبخ عندما تعطب. يحوّل نظره من المرآة إلى الكماشة. لقد طالها الصدأ وتراكمت عليها الأوساخ حتى صار لونها غامقًا.
يشرد ذهنه، وتفيق ذكرى بعيدة في مكان ما داخل رأسه.

استمر في القراءة

محمود حمدي: كؤوس مسماة

Harry Gruyaert, Red Sea souvenir shop, 1988. Source: magnumphotos.com

ليس لي أصدقاء
لكن لي أربع كؤوس ضخمة
وإبريقاً زجاجياً كبير الحجم، يكفي أن يملأ أربعتهم مما في جوفه
ليس لي أصدقاء
لكنني سميت كل كأس من الأربعة
أسماءَ أستلذ مذاقها على لساني
فـ”وائل” على سبيل المثال
اسمٌ يتحدى الشيخوخة
يثير انطباعاً بأن صاحبه لن يتعدى الخامسة والأربعين
إلا في كفنٍ أبيض
جيد، سيعيش بعدي عقداً أو عقدين.

استمر في القراءة

محمود عاطف في عيد ميلاده: المسيح زائد عامين

Courtesy of Mahmud Atef

لم أكن ولدًا للرّغبة، ولم تلدني أمّي تحت شجرة، قالت العادة كن فكنت.
أهلي ساروا في طريقٍ نسوا عليه فؤوسهم من بعد خطوات “الزعيم الخالد”؛ وكلما نضجت جلود الأفندية تدفن الحقول خجلها في بذور الزرع ولا تطرح سوى الحنين*. حائرون من غير سؤال عن معنى الحيرة*، لكنّي صُنعتُ على أعينهم بين أسوار التقاليد المدينية لطبقة الموظفين، ولم أعرف براح الانعتاق طفلًا إلا عند الفلّاحين. لم تكن “أخلاق القرية” سُلواني، إنما إفلات الحبل على الغارب بلا رقابة ولا تكدير؛ هذا مع أن بيت العائلة، حيث تعيش الجدة التي قاربت التسعين من عمرها وحدها، ليس فيه سوى المشّ والعسل الأسود وبيضات فرخاتها والبتّاوي، وكل ذلك كانت تعافه شهية الفتى “أبو نضارة” بعد أيام قليلة من إقامته عند أم أبيه. حُبًّا في الحرية أمكث، وحينما يأتي الليل ألعن الوحدة ونقيق الضفادع، وتُسكِن روعي قليلًا قنوات التليفزيون الأولى والثانية.

استمر في القراءة

مصعب الزيات: شروط التقدم لوظيفة شاغرة

Surgical instruments in a manuscript of “Kitab Al-Tasrif” by the great Cordoba physician Abul-Qasim Al-Zahrawi, aka Albucasis (936-1013). From the Universitaire Bibliotheken Leiden collection. Source: libguides.brooklyn.cuny.edu

عند باب غرفة العمليات لا أشعر بالمسافة التي تفصلني عن الطبيب الواقف في انتظاري
الرداء الأزرق قصير، ومن تحته تبدو أعضائي وراء البوكسر مجسّمة
رائحة البنج التي تسري في عقلي تجعلني أتغاضى عن كوني سأستيقظ لأجد نفسي وحيدا
هذه المرة أختار الوحدة كأنما لأؤكد على عام كامل بلا حبيبة تنتظرني قبل النوم
كأنني أثبت الطعنة في جسدي، لأنتهي وللأبد من مخاوفي
أنا الآن أنظر بعينين دامعتين من الألم ودم يلطخ وجهي وبنلطوني الجينز الذي أحبه

استمر في القراءة

عائشة أحمد: الرجل الآخر

David Alan Harvey, Dasha in Outer Banks, USA, 2015. Source: magnumphotos.com

من خلال تخريمات شالها الأبيض تتطلع إلى البحر. ترى الطفلة في المايوه البنفسجي تروح وتجيء بدلوها البلاستيكي الصغير، تملأه بالماء وتفرغه على الرمل حيث تبني قلعتها الطينية مع أختها. آثار قدميها الصغيرتين مطبوعة على الرمل في مسار محدد، ووالدهما يرشف مشروبه ببطء من الزجاجة الحمراء مراقبا المشهد من بعيد.
تستلقي على المنشفة السوداء وقد ثبتت أحد أطرافها حقيبة ظهر ثقيلة وفي الطرف الآخر حذائها الفضي اللامع وكتاب كانت تقرأه. الريح تهب باردة والشمس فوقها لاهبة. تشعر بالعطش لكنها أكسل من أن تعتدل في جلستها وتبحث عن عبوة الماء لتشرب، تكتفي بأن تغطي وجهها بشالها الرقيق لتحمي بشرتها من وهج الشمس، وتغمض عينيها. تغفو لوهلة وتستيقظ على أصوات الأمواج المتكسرة على الشاطئ، والنوارس الوقحة تدوم في السماء القريبة وتحط سريعا لالتقاط فتات الخبز الذي يرميه لها أحدهم.

استمر في القراءة

مقادير خورخي لويس بورخيس ترجمة هانئ حلمي

Ferdinando Scianna, Jorge Luis Borges, Palermo, Sicily, 1984. Source: nybooks.com

في الشوارع التي تتلاشى في عتمة الغروب
هناك شارع (لا أدري أيها) لابد وأنني عبرته للمرة الأخيرة،
جاهلاً أن هذا زماني الأخير هناك.
غافلاً غير مبالٍ، أطيع جل جلاله،
من يكتب مقادير النهايات الخفية العصية
على كل الظلال والأحلام والصور،
التي تنسج الحياة وتحل خيوطها كرة أخرى.
من ذا الذي يدلنا، إن كانت الأشياء رهينة الأقدار والأوقات،
ومرات أخيرات، وانقطاعات الزمان، وسديم النسيان،
عمن سيرحل عن ذاك المنزل ونلوح له بالوداع؟
.

استمر في القراءة

مهاب نصر: قصائد أجدد

img_1850

Lue Orange, 1903 US Department of Agriculture Yearbook. Source: etsy.com

المجتمع
“المجتمع”
لا أعر ف يا أخي ماذا أصنع بهذه الكلمة؟
لأنني أقطع المسافة من حجرتي إلى المطبخ
دون أن أشعر بها على الإطلاق
وحتى حين تغمز لي زوجتى
أو ترفس كاحلي أسفل المائدة
أحاول أن أبدو متفهما
فأدير رأسي
كأنه سيمر من هناك
“لا يجب أن يراك هكذا” تقول،
وأنا أطفئ سيجارتي على عجل
..

استمر في القراءة

No more posts.