محمود حمدي: نافذة مضادة للوحشة

Jonas Bendiksen, Uzbekistan, 2002. Source: magnumphotos.com

(١)
منذ سكني في هذه الشقة، لم أع يومًا فُتحت فيه النافذة الموازية في المبنى المقابل. كنت قد اعتدتُ انغلاقها الكئيب، الغبارَ الذي يكسو ضلفتيها الخشبيتين. وكآبة محياها في نفسي. لكن مرةً في الليل وعندما كنتُ استعيد أحداث يومي على أطلال أم كلثوم، مع كوب شاي، أبصرت النافذة مشرعةً ذراعيها للفضاءِ من حولها، وكقلبٍ عاوتده الحياة، انتفضت أحشاؤها يالحركة. كانت قريبةً للدرجةِ التي تسمحُ لي باصطياد من في داخلها لتحيته.

استمر في القراءة

ياسر عبد اللطيف: ٢٠٠٥ أجرة القاهرة / خ. ز. ي

James Hooper (Taxi Meter Man). Source: hiveminer.com

عدتُ وحدي في التاكسي نفسه الذي ذهبنا فيه جماعةً، سيارة قديمة متهالكة قذرةٌ من الداخل، من النمط القديم لأجرة القاهرة بالأبيض والأسود، طراز فيات ١٢٥ المُصَنّع في بولندا الاشتراكية، تسكنها رائحة دخان العادم المتسرِّب من مكان ما في هيكلها. السائق كان على نفس الدرجة من التداعي، وإن بدا مغتبطًا راضيًا، بلحيةٍ شيباء تبلغ من العمر أربعة أيام، وملابس لم يغيرّها ربما من نفس التاريخ. 
في رحلة العودة ضاعت بوصلتي الذهنية، حين خرج السائق عن المسار المتوقع، ثم استعدت حسّي بالاتجاهات ثانيةً بعد أن مرقنا من نفق شارع مصر والسودان، فهذا هو شارع رمسيس، ونحن منطلقان في اتجاه العباسية، ثم هذا هو شارع الجيش وسينتهي بنا إلى ميدان العتبة. أعرف جيدًا أن هذه الشوارع الرئيسية معبّدة بأسفلت لا بأس بنعومته، وتلك الرجرجة العنيفة لا علاقة لها بحال الطريق، وإنما حتمًا ناجمة عن تضعضع آليات امتصاص الصدمات في بنية العربة التي تعود لسبعينات القرن الماضي. 
قبل أن نخرج من ذاك النفق، انحرف السائق يمينًا نحو منطقة “دير الملاك”، وأنا لا أعرف تلك الجهة نهائيا. فوق ذلك، كان الشارع الذي دخلنا فيه خاليًا من أعمدة الإنارة مُعتمدًا على قمر شحيح الضوء جعل البنايات على الجانبين في تلك الساعات الهادئة كُتلاً متقاربة بالكاد تظهر لها ملامح عيون نوافذ وشرفات أفواه أشباح تبتسم عن أسنان من قطع الغسيل على أحبال غير مرئية. قال السائق إن البنزين كاد أن ينفد ولا بد وأن يملأ خزّان الوقود، وهو يعرف طلمبة بنزين تقف وحدها دون محطة خلف مبنى حكومي قريب. الطُلمبة مخصّصة لسيارات وحافلات تلك المؤسسة، وهو طالما ملأ سيارته منها مجانًا. فالموظفون لا يغلقونها، وما من حارس ليلي يسهر على حمايتها. 

استمر في القراءة

كأنّ مدينة توجد: قصائد الموسم من مهاب نصر

Patrick Rapati, from “Eight Drawings for Invisible Cities”, 2017. Source: maritimeartlist.com

(١)
لا يمكنني أن أتعلم
وأنتم، هل يمكنكم؟
يتحسن مزاجي لسبب آخر
أن أحكي قصة لشخص ينام على ذراعي
هل شعرتم بهذا التنميل الخفيف من قبل؟
هل اعتبرتم يوما أن ذراعا واحدة
تكفي لحمل الأصابع التي تقلب الصفحات؟

استمر في القراءة

في مأمن من الريح والتاريخ: شِعر روبرتو بولانيو ترجمة أحمد يماني

Gueorgui Pinkhassov, Tijuana, July 2012. Source: magnumphotos.com

بين الذباب
أيها الشعراء الطرواديون
لم يعد هناك شيء مما كان يمكن أن يكون لكم
موجودا
لا معابد ولا حدائق
ولا شعر
أنتم أحرار
أيها الشعراء الطرواديون الرائعون.

استمر في القراءة

قارئ الرواية: المزيد من ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة ميسرة عفيفي

47578g1

Hiroshige Utagawa, “Tokaido 53 Stations – Imatani”, 1847-51. Source: ukiyo-e.org

من خلال خبرتي يمكن تقسيم قارئ الرواية الآن إلى ثلاثة أنواع على الأغلب؛ النوع الأول يقرأ محور تلك الرواية وحبكتها. ثم قارئ يحمل توقا إلى الحياة الموصوفة داخل تلك الرواية. وأحيانا أشعر بالدهشة تجاه ذلك.
وعلى أرض الواقع أعرف شخصا يعيش حياة بائسة ويعاني معاناة اقتصادية شديدة إلا أنه لا يحب إلا قراءة الرواية الشعبية التي لا يظهر فيها إلا الأغنياء والنبلاء. ليس هذا فقط، بل إن ذلك الشخص ليس لديه أدنى اهتمام بالروايات التي تصف حياة تشبه حياته.
والقارئ الثالث، على الضد من القارئ الثاني، لا يبحث في الروايات إلا عن الحياة القريبة من حياته هو شخصيا.

استمر في القراءة

صلاح باديس: الماريكان

saam-1967-59-355r_1

William H. Johnson, U.S. Capitol, The White House, Bearded Man, Dr. George Washington Carver and Franklin Delano Roosevelt, and Other Sketches, ca. 1945, pencil on paper, Smithsonian American Art Museum, Gift of the Harmon Foundation, 1967. Source: americanart.si.edu

واشنطن: بيت فقط… أبيض فقط

 
وصلتُ واشنطن عبر شيكاغو. رحلة طويلة نِسبيًا. من المطار إلى الفندق المستقر في الجادة الرابعة لم يأخذ الأمر سوى عشر دقائق، على بعد بضع شوارع من البيت الأبيض الحزين. كنت متأكدًا من أني سأمرض، الجيوب الأنفية مسدودة وتوجع، وشعور بأدنى نسمة هواء.
رغم ذلك خرجت مع الأصحاب لنأكل عند محل الشاورما المقابل، يدير المحل عربيان: لبناني ومغربي. نسير حتى البيت الحزين، لكننا لا نكتشف الواجهة بل ظهر البيت، ويبدو لنا صغيرًا وبعيدًا خاصة في الظلام. إيفا قال: ليس مثيرًا… فقط بيت… فقط أبيض… لا شيء خاص.

استمر في القراءة

إسلام حنيش: أول النطق مسودات المستقبل

Murad's First Day. By Youssef Rakha

Murad’s First Day. By Youssef Rakha

لحسن حظي -ربما- أني لست الأخ الأكبر. استطعتُ بفعل الصدفة المحضة أن أفلت من لزوجة قدسية الطفل الأول. الحصار الدائم منذ لحظات تكونه الأولى. عذرية صور السونار. بكارة المفاجأة. متابعة النبض، والحركات، وتموجات بطن الأم التي تشبه حركات كائن فضائي يعلن عن وجوده. دهشة التجارب الأولى. قطعة منك بين راحتيك لأول مرة. تلك الرائحة.  أول النطق. أول الخطو. الإنجازات الصغيرة. مسودات المستقبل. الخوف الدائم من فشل التجربة. الحظر المستمر لكل شيء يُبقي على آدميتنا.
فلحسن حظي أيضًا أني الوحيد هنا، الفاشل، والسيء، والقبيح والمخطئ دائمًا، الساقط، والجاهل، والعاصي، الكافر بكل شيء، والرافض لكل شيء، دون أن أُلام كثيرًا على ذلك في الحقيقة، ودون أن أخذل أحدًا. فأنا الصغير دائماً.
يالها من رفاهية!

محمود المنيراوي: رسائل من السويد

SWEDEN. Stockholm. 1994.

Ferdinando Scianna, Stockholm, 1994. Source: magnumphotos.com

أنا وهو
كنّا في وضحِ النهار
يستنجدُ بالمارةِ، الناس والكلاب والقطط
لكن أحداً لا يراه
أجُرّه خلفي بسلسةِ وعودهِ
ودمه الأبيض يطبعُ الحادثة على الأسفلت خطوط مشاة
يكلّمني، والدمعُ المغلي في عينيه، يسألُ:
ما ذنبي؟

استمر في القراءة

No more posts.