أحمد ناجي: أختي

Isabela Castelan, Karma, 2016. Source: lauraiartgallery.com

١
لم أسمع نداءه لأن السماعات  في أذني. لم أشعر به إلا وباب الغرفة يفتح بعنف، يقتحم حجراتنا مثلما يداهم الأوكار في مهام عمله. 
وقف في فرجة الباب يرتدي بنطالا قطنيا أبيض، وفوقه فانلة داخلية حملات ابتلت في أجزاء منها بعرقه، وشعر صدره الغزير – أحمد الله لم أرثه منه – يطل من الفانلة.
نزعت السماعات من أذني، متوقعاً فاصل من الشتيمة المعتادة، ودون انتظار ما سيرمينى به قلت ملتجلجاً “بتنده عليا، سهران بذاكر مسمعتش.”
عكس توقعي، أتى صوته هادئاً، وجهه خال من الانفعال “البس هدومك، احنا رايحين لأختك” ثم انصرف من الحجرة دون شرح أو تفصيل.
أنا أصلاً لا أعرف لما هو في المنزل هذا المساء؟
نظرت للساعة في الموبايل، الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. ماذا نفعل عند أختي في هذا الوقت؟

استمر في القراءة

مُو مصراتي: ضرس العَقل

Gina Phillips, “Sentimental Tooth: Cornstalk”, 2011. Source: ginaphillips.org

ضرسي يؤلمني. أتحسّس الفراغ فيه بلساني فتلسعني صعقة تئن في رأسي. أبعدُ لساني عنه وأحلف أن هذه كانت أخر مرة ألمسه فيها. أنسى ذلك لمّا أتحدث مع زبون يسأل عن كتاب ما. أقبضُ يدي كي لا ألكمه، وأفكر: القليل من الكلام، لا أكل على الاطلاق، حبّتي كودايين، جغمة ماء والكثير من السوائل. أفعل ما استطعت منها وأنشغلُ في مهمة اليوم: إعداد قائمة كتب بميزانية ألف دولار.
وصلت صبح اليوم شُحنة كتب جديدة من شركة الاحتكار التي يُعتبر هذا المحل فرعًا في سلسلتها؛ تحتوي على مائة نسخة عربية من كتاب كفاحي، ومائة أخرى لكتاب الأمير، والباقي نسخ عديدة ومتنوّعة لكتب في التنميّة البشرية والروايات الأكثر مبيعًا.

استمر في القراءة

مينا ناجي: في الموت لا يوجد شهور وقرون

Elliott Erwitt, New York City, 1953. Source: magnumphotos.com

“كيف يمكن تهدئةُ ظِلِّ الموت الذي بلا حراك؟”
– جويس منصور
١
لنرجع إلى الحقائق الواقعة:
شاب سمين يتبول على قارعة الطريق.
أنا مأكول بالحزنِ واستولى عليّ الغضب،
لأنها من المؤكد ليست أنتِ
ولا يمكن أن تكون.
الأشياء المادية حزينة،
وكذلك فوق المادية.
أمشي على الأسى بقدميّ الاثنتين،
ولا أعرف عن البركة شيئاً.

استمر في القراءة

إلى حد اعتقادنا أن الفِناء سماء: شِعر حازم يحيى

Statue inside the Kom El Shoqafa catacombs (AFP image). Source: middleeasteye.net

مقبرة يونانية قديمة
في طفولتي،
دارت بي السماء فهويت إلى الأرض
على مستوى نظري تجاويفُ في الحائط
قبورٌ سريرية لعائلة قديمة
قدم هذه المدينة
ألهث والعرق يغطي جبيني
تهرع أمي بحبات بن لتَلأم الجرح.
في كهولتي،
دارت بي السماء فهويت إلى الأرض
هرعت أمي لتضع باقة زهور على قبري.

استمر في القراءة

عائشة أحمد: حديقة خلفية

Edvard Munch, “Eye in Eye”, 1894. Source: getdailyart.com

هذه الأيام أصحو من النوم فجأة، بعد منتصف الليل غالباً، وأشعر بدقات قلبي متسارعة وفكي السفلي يؤلمني. صنع طبيب الأسنان قالبا لفمي قبل شهور، ثم أعطاني “حارسا ليلياً” خفيفاً وشفافاً على المقاس، يتماهى مع سقف حلقي بطريقة حاذقة. لكن بمجرد أن أضعه أشعر بالاختناق، وما هي إلا ساعة وأجدني قد استيقظت لأخلعه ملقية إياه على الطاولة المجاورة لسريري دون وعي مني. في الصباح أنظر إليه ذاهلة وقد نسيت أمره. بعد أسبوع واحد، أودعته  علبته الخاصة، وخبأتها في الدرج أسفل المغسلة. قلت لن أعذب نفسي هكذا.
تهز صديقتي رأسها، وتقترب مني. ومع أن لا أحد في الحديقة الخلفية للمنزل سوانا، إلا أننا نتحدث بصوت خافت. “هل اتصلت بك لتعتذر؟” أسألها، وتؤكد لي للمرة الثالثة ربما بأنها أبلغتها أنها مريضة. هل يكون تواجدي سبب امتناعها عن الحضور؟ تقترب صديقتي أكثر وتربت على يدي. تنظر مباشرة في عيني، وأرى حزناً مطلقاً. ترد علي: “مستحيل! فما كانت لتوافق منذ البداية.”

استمر في القراءة

كأنّ مدينة توجد: قصائد الموسم من مهاب نصر

Patrick Rapati, from “Eight Drawings for Invisible Cities”, 2017. Source: maritimeartlist.com

(١)
لا يمكنني أن أتعلم
وأنتم، هل يمكنكم؟
يتحسن مزاجي لسبب آخر
أن أحكي قصة لشخص ينام على ذراعي
هل شعرتم بهذا التنميل الخفيف من قبل؟
هل اعتبرتم يوما أن ذراعا واحدة
تكفي لحمل الأصابع التي تقلب الصفحات؟

استمر في القراءة

أحمد ناجي: عبده السكندري وبورخيس السويسري

خبزت أمى الكيكة وزينتها بالكريمة البيضاء والفواكه. أخرجتها من الثلاجة وسارت وسط أنظار وحماس الجميع حتى وضعتها على طاولة الطعام، ثم بدأت في غرس شموع عيد الميلاد الصغيرة فيها. أوشكنا على إطفاء النور وإشعال الشموع، اللحظة المثيرة التي من أجلها تسارعت دقات قلبي، لأني أحصل حينها على اهتمام وحب الجميع، قطعها رنين جرس  لباب. ذهبت مُسرعاً لفتحه متوقعاً أحد أصدقائي، لكني وجدت رجلاً طويلاً ونحيلاً، بأنف أفطس، عيون واسعة كبيرة كما الثور، ذقن حالكة السواد، بلوفر كحلي متسخ وبجواره حقيبتي سفر.
أبصرت خالو لأول مرة في عيد ميلادي الثامن.
في وجهه حزن شديد، ألجمني عن الإتيان بأي صوت أو حركة. انحنى بجذعه نحوي وسألني بالفرنسية بصوت هامس “لابد أنك شارل إذن؟”
جاءت أمي لترى من على الباب وحينما لمحته قفزت إلى حضنه. بين الفرح والدموع قالت لي بالعربية “سلم على خالك عبده”.
أتى فجأة مثلما رحل فجأة.
استقر في بيت جدتي المجاور لنا في ذات الشارع. بيت قديم من ثلاثة أدوار. سكنه وحيداً لأن كل أخواته البنات يعشن مع أزواجهن، وأخاه يعيش في القاهرة منذ دراسته الجامعية. توقع الجميع أن يحمل هدايا من أوروبا في حقائبه، لكن لم تحتو إلا كتباً، وأوراقاً، وملفات بلغات مختلفة.
بعد أيام من مجيئه وصلت إلى الميناء شحنات أخرى من الكراتين والصناديق الخشبية، كل يومين كان يذهب بعربة ربع نقل إلى الميناء ويعود بها مُحملة، يرفض أن يُسَاعده أحد بل يظل طوال النهار يحمل بنفسه الصناديق من العربة إلى المنزل والعرق ينز منه، والإرهاق يستنفذ كل عضلة في جسده، ومع ذلك يستمر في الحمل وحيداً رافضاً أن يشاركه أحد في حمل صليب آثامه.
المزيد، والمزيد من الكتب، امتلأ بها المنزل.
لم يكن يخرج كثيراً، لكنه حرص على كسب ود الجميع، يحضر في التجمعات العائلية، يبتسم ولا يشارك في الأحاديث. يذهب أحياناً للكنيسة في الأعياد، لكن لا ألمح شفتيه تتحركان في الصلاة.

استمر في القراءة

حادث سير: دنيس جونسون ترجمة علي لطيف

Denis Johnson by R. N. Johnson, 1976. Source: washingtonpost.com

بائع يشارك شرابه ويقود السيارة بينما هو نائم… شيروكي ثمل بالبوربن… فولكسفاغن ليست إلا فقاعة منفوخة بأدخنة الحشيش، يقودها طالب جامعي…
وعائلة من مارشل تاون تٌنطح، وتُقتل للأبد رجلاً يقود غرباً من بيتاني، ميزوري…
… نهضت مبتلاً من نومي تحت الأمطار المنهمرة، وكشيء أقل من واع، شكراً للثلاثة أشخاص الذين ذكرت أسمائهم من قبل – البائع والهندي والطالب – والذين أعطوني مخدرات جميعاً. انتظرت توصيلة يائساً على رأس الطريق المنحدر. ما الفائدة حتى من توضيب كيس نومي، لو كنت مبتلاً لحد رفض أي أحد السماح لي بالصعود لسيارته؟ لذلك طويته ووضعته حولي مثل رداء. جرفت الأمطار الغزيرة الاسفلت وقرقرت المياه في الأخاديد. تضخمت أفكاري بشكل يدعو للرثاء. جعلني البائع المسافر أبلع حبوباً أشعرتني بالحكة في بطانة أوردتي. آلمني فكي. كنت أعرف اسم كل قطرة مطر. شعرت بكل شيء يحدث قبل حدوثه. عرفت أن عربة قديمة مقدرة لأجلي ستقف قبل إبطاء سرعتها حتى، وبسبب الأصوات السعيدة للعائلة داخلها عرفت أن حادثاً سيقع في العاصفة.

استمر في القراءة

مهاب نصر: لأن الله لا يترك الناس يشهقون هكذا

Florence Hutchings, “Yellow Living Room”, 2017. Source: florencehutchings.com

مدينتي
أنا من مدينة 
لا أعرف كيف أسميها لكِ
أسمع سبابا
لكن أحدا لا يلتفت
وحين أجلس في مقهى،
حين أغمض عيني 
لأحتفظ بفكرة،
حين أتطلع، ممدا على فراشي،
إلى سقف حجرتي، 
حين أهم بشرح موقفي ـ
أسمع السباب نفسه

استمر في القراءة

دينا ربيع: ليلتان ونهار واحد

Ahmed Gaber, from “We, the Living Dead”. Source: arabdocphotography.org

ألهبت سياط الشمس وركي وقرحته المناخس، كان لزاما أن أصل إلى آخر الشارع المرصوف بالعرق وصدأ الحديد، قطعت نصفه ثم عنّ لي أن أتأكد من صواب وجهتي من جندي وراء مصفحة؛ لأنني لا أحب أن أمضي نصف يومي دعسا في الصدأ ونصفه الآخر في علاج أنفي من أثر الريح المنتنة سدى، ولأن المصفحة كانت أكبر من مثيلاتها في شوارع البلد وأكثر زرقة. في صحراء الحديد هذه أحب البحر.

استمر في القراءة

ست قصائد لسُكَينة حبيب الله

From the Aperture Foundation’s Paul Strand Book by Joel Meyerowitz. Source: studiobaer.com

 

عــشـ..شـ.. ــشـجرة
بدوري حملتُ قَشّاً
قشّاً كثيراً
ومضيتُ أبحثُ عن شجرة أبني عليها عُشِّي
إلا أني لم أجد.
وهكذا
بالقشِّ الذي التقطتُ
حشوتُ صدري
اخترتُ حقلا،
ووقفتُ منتصبةً عليها.

.

استمر في القراءة

فرات الحطاب: أستاذ الديانة وعصر النهضة

Henri Matisse, The Dance, 1910. Source: Wikipedia

بعد ساعة ونيف من التجوال بين لوحات عصر النهضة، وبعد أن قتلني الملل، جاهرت بالإقرار لنفسي إنني لا أستطيع تحمل فن ما قبل ١٨٠٠ م. فقلت في عقلي: على فكرة الفن ما بيجي بالغصب. وتوكلت على الله بخطى ثابتة نحو قسم الانطباعية الجميل.
مونيه، كليمت، فان كوغ، رنوار… أيقونات الانطباعية الساحرة معلقة على الحيطان… وعلى الأرض أمام أحد لوحات ماتيس، تجلس طفلة عمرها على الأكثر ثماني سنوات، شعرها أسود قصير وبنطالها وكنزتها ورديان.

استمر في القراءة

كارول صنصور: لا يعرف غير أمه والشارع

Joseph Koudelka. Aida Refugee Camp, Bethlehem, 2009. Source: magnumphotos.com

Joseph Koudelka. Aida Refugee Camp, Bethlehem, 2009. Source: magnumphotos.com

ألعن المكان. دمع يمتزج بضحكات هستيرية. تسارع لا سابق له في سرد ما يمكن أن يكون. هاتف لا يتوقف عن الزعيق. نشوة تفقدني إحساسي بالمسموح. هدوء الخارج كأن الموت حل. أو أنه على وشك أن يحل. حاجة ماسة للخروج من هنا. لا ميادين ولا أعراس.

استمر في القراءة

صلاح باديس: عيد ميلاد في مول باب الزوار

fotofest-2014-international-biennial-6

Samer Mohdad, Ghadames, Libya, 1994. Source: gessato.com

عشرون عاما (ع ع)
هكذا كتب على الأوراق الادارية في محفظته
عيد ميلادك العشرون زارك وحيدا
حيث تعمل في مول مفتوح 24/ 24
لم يكلمك حتى لا تنزعج مديرتك
– جلس ينتظر-
فأمضيت اليوم تعمل حتى نسيته
ونسيت أن تهنأ
جسدك الذي يطوف بك منذ سنين/ ولم يعد جديدا
روحك المتعلقة بأشخاص عاشوا في زمان بعيد
لن نتكلم عن قلبك
لنتكلم عن المول

استمر في القراءة

ناهد نصر: أربعة نصوص عن الموت

NICARAGUA. 1981.

Susan Meiselas, Monimbo woman carrying her dead husband home to be buried in their backyard, Nicaragua, 1979. Source: magnumphotos.com

تعتيم
صباح سكندري آخر ينتهي بالعودة للقاهرة. لا شئ في هذه المدينة يشبه شيئاً آخر تعرفه. حين تزورها كسائح تاريخ تحمل رائحته في قلبك وتنظر للبحر من هذه الشرفة العتيقة. وتنتظر حتى تمتلئ الرئتان. قضيت ليلتي مع فيرجينيا وولف: ما هو أسوأ من رواية؛ تتبُّع سيرة حياة منذرة بالأسى، رومانسية وشائقة حين تقرأها في كتاب لكنها تطلق في أوصالك ارتعادة حين تكتشف حجم الشبه بينها وبين الواقع. واقعك. تنظر فيرجينيا معك إلى بحر الإسكندرية، يأخذك الهواء المالح لثلاثينيات القرن الماضي، بينما كانت تفكر في طريقة للموت هرباً من العالم، من غول الحرب ومن الجنون. تُرى ماذا يكون شعورها إن هي أسندت مثلي مرفقيها على هذا السور المنتمي للقرن الماضي وواجهت البحر بعين بينما العين الأخرى ترقب مسيرة صغيرة لمجموعة من الشبان الغاضبين على استيلاء أسوأ ترس في ماكينة اليمين الرجعي على البلاد. أقرأ: “وكانت فيرجينيا قد قررت مع زوجها يهودي الاصل ان يتخلصا من حياتهما بالغاز السام لو تمكن الألمان بقيادة الجيش النازي من اجتياح لندن…” هل الرحيل إجابة السؤال؟ يصدمني طريق مسدود مع مُلوحة الهواء. لمن نترك هذا الجمال كله؟ تجيب المترجمة من وحي خيالها على لسان وولف: “لو كنت أعلم بهزيمة الألمان لما قررت التخلي عن الحياة.” يراودني الشك في خيال لا يدرك القوة الكامنة في قرار الموت الاختيارى. أعود لتعليق وولف المتأسي: “كيف تعتمون المدينة الجميلة بالسواد مخافة الحرب، التعتيم اسوأ من الحرب.” هذا ما تقوله: التعتيم اسوأ من الحرب.

استمر في القراءة

No more posts.