ملك عفونة: تمارين قسرية

Sylvie Blum, “The Pigeon”, 2016. Source: echofinearts.com

الثّانية فجرًا
الوقتُ مثل حمامةٍ تحلّقُ برتابةٍ فوق الأطلسيّ
ما همَّ في أيّ ناحيةٍ تفرد جناحيها السّميكين
المهمُّ أن تطير، وتواصل الطيران، لكي لا تغرق.
*

استمر في القراءة

أحمد ناجي: أختي

Isabela Castelan, Karma, 2016. Source: lauraiartgallery.com

١
لم أسمع نداءه لأن السماعات  في أذني. لم أشعر به إلا وباب الغرفة يفتح بعنف، يقتحم حجراتنا مثلما يداهم الأوكار في مهام عمله. 
وقف في فرجة الباب يرتدي بنطالا قطنيا أبيض، وفوقه فانلة داخلية حملات ابتلت في أجزاء منها بعرقه، وشعر صدره الغزير – أحمد الله لم أرثه منه – يطل من الفانلة.
نزعت السماعات من أذني، متوقعاً فاصل من الشتيمة المعتادة، ودون انتظار ما سيرمينى به قلت ملتجلجاً “بتنده عليا، سهران بذاكر مسمعتش.”
عكس توقعي، أتى صوته هادئاً، وجهه خال من الانفعال “البس هدومك، احنا رايحين لأختك” ثم انصرف من الحجرة دون شرح أو تفصيل.
أنا أصلاً لا أعرف لم هو في المنزل هذا المساء؟
نظرت للساعة في الموبايل، الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. ماذا نفعل عند أختي في هذا الوقت؟

استمر في القراءة

حليمة الدرباشي: عزلةٌ خاليةٌ من العزلةِ

Alex Majoli, Covid 19 in Sicily, April, 2020. Source: magnumphotos.com

فرصةٌ هبطت من السّماء، فرصةٌ تاريخيّةٌ لن تتكرر، وكأنّي قُذفت من نافذة قطارٍ سريع، انقطع التّيارُ الكهربائيُّ فخرجت من خلّاط، انتشلتني يدٌ خفيّةٌ من بين موجتين متلاطمتين؛ فارتطم الجسدُ المهشّمُ بجذع شجرةٍ فهوى على الرّأس فُتاتُ الطّبيعة.
أَرعى زوج حمامٍ حطّ على كتف النّافذة، أُنصُت طويلًا إلى موسيقى الطّبيعة الّتي انداحت في الفراغ الّذي خلّفناه، أَتتبّعُ سرب نمل يتبختر في الأرض الّتي عادت له، فأنسحبُ على مهل؛ مُطأطأةَ الرّأس، خجلى من هول الدّمار الّذي ألحقه الإنسانُ الوحشُ بهذا الكوكب، وأَعودُ إلى الفرصةِ الّتي هبطت من السّماء…

استمر في القراءة

خالد الشورى: البقرة

Lincoln Red Cow by William Albert Clark (1880–1963). Source: artuk.org

معروفٌ عن سعيد زوج فردوس أنه ثورٌ غشيمٌ بحق. من فحولته كان حيل زوجته ينهدُّ قبله بسرعة، ويخرُّ جسدها هامدًا تحته بعد أن يدعكه دعكًا، فيتركها ويخرج في عزّ الليل إلى الحظيرة ليكمل دعكه في النعجات والأبقار. كذا مرة كانت فردوس تستيقظ في الصباح وتفجع بجثمانٍ ميت لنعجة صغيرة لم تحتمل فحولة زوجها الجامحة.
حين سمع أول مرةٍ عن إتيان سعيدٍ للبهائم من أحد أصحابه، وأكد الحكاية أصحابٌ آخرون تجمعهم بسعيد صلةٌ ما، سواء من قريب أو من بعيد، بدت له حكايةً منفرةً ومثيرةً للقرف، يشعر مع سماعها بحموضةٍ حارقةٍ تتصاعد من معدته إلى فمه. ولكن مع تكرر السيرة، وبعد أن وجد فِعلة سعيد مألوفةً بالنسبة للكثير من أهل القرية فقد تكررت لاحقًا على مسامعه حكاياتٌ أخرى مشابهةٌ صار لا يستغرب فعلته، بل ويفاتح بالحديث عنها من يعرف عنهم فحش اللسان.

استمر في القراءة

مهاب نصر: نحن لا نُغلَب في ملعب الحب.. لأننا نسرع بالفرار

Walid Ebeid, “Parting Carols”, 2018. Source: artsy.net

هذا ما قررته إذن.. بسبب العمل المنهك فقط، لا سبب آخر.
لا أشكو، أصارحكِ، على العكس، إن الجهد المضني بلا طائل يجعلني متيقظا دائما، كذبابة يطير وراءها أحدهم بمذبة. حين أغادر إلى البيت لا أكون راغبا في قضاء بقية الوقت نائما، هكذا أستثمر في الأحلام. عادة قديمة. الأحلام تجلعني يقظا أثناء النوم. لا تناقض أبدا. المذبة هنا أيضا. وكلما ظنوني ميتا، سُمع الطنين نفسه، فوق أنف أحدهم أو عند جبهته. غير مؤذ كالعادة. لم أكتب إليك من أجل هذا، بل لأنني تساءلت أيمكن أن يُصنع شيء حقيقي من حلم؟.. فكرة مثلا.. حياة حقيقية؟ أتخيفك الأحلام، هل تفقدك توازنك في النهار، هل تطن فوق أنفك كذبابة؟ أهي قادرة على إيذائك؟
كتبت هذا إليك لأنها أصبحت طريقتي للتحقق من أفكار معينة. بعض الفقرات كانت تضحكني حتى قبل أن أبدأ. لا يحدث هذا مع الكتابة فقط. بل الأحلام أيضا، أعني تذكري للأحلام التي أحكيها لنفسي.

استمر في القراءة

سلمى الداني: شاهد رقيق

Moises Saman, Japan, 2017. Source: magnumphotos.com

تجلس على أريكة مخملية متأملة حوضًا صغيرًا من السيراميك ذا زخارف يبدو أنها أندلسية، لا تستطيع تمييز جميع ألوان زخارفه بسبب رغوة الصابون، تأخذ رشفة من الشاي الذي مدته لها أخصائية المساج، وكعادتها تتساءل بينها وبين نفسها وهي لا تنتظر إجابة ما: هل هو بطعم البابونج مع العسل؟ فترتشف رشفة أخرى، ثم تنتبه أن روبها يبدو مرتخيًا حتى بدا صدرها؛ لكنها لا تبالي. تمد قدميها بحذر وهي تدخلهما في الحوض، وتُرجع ظهرها باسترخاء على الأريكة راجية أن ستستطيع النوم بشكل عمي بعد هذا المساج.   
تخرج قدميها من الحوض، وتخلع الروب الحريري عن جسدها، تتردد في خلع القلادة الفضية فتتركها مكانها؛ وتتبع تعليمات المدلكة بأن تنام على بطنها، وتضع وجهها داخل فتحة مجوفة في طرف السرير. الإضاءة الخافتة؛ ورائحة الشموع العطرية؛ والموسيقى الخلفية الداعية للاسترخاء؛ تزيد من حدة توترها، لم تستغرب هذا التوتر فهي تدرك أن ردود فعلها المغايرة أمر طبيعي. لا تهتم بما تشعر به في تلك اللحظة

استمر في القراءة

مينا ناجي: في الموت لا يوجد شهور وقرون

Elliott Erwitt, New York City, 1953. Source: magnumphotos.com

“كيف يمكن تهدئةُ ظِلِّ الموت الذي بلا حراك؟”
– جويس منصور
١
لنرجع إلى الحقائق الواقعة:
شاب سمين يتبول على قارعة الطريق.
أنا مأكول بالحزنِ واستولى عليّ الغضب،
لأنها من المؤكد ليست أنتِ
ولا يمكن أن تكون.
الأشياء المادية حزينة،
وكذلك فوق المادية.
أمشي على الأسى بقدميّ الاثنتين،
ولا أعرف عن البركة شيئاً.

استمر في القراءة

أمينة جاد: طريق الخوف

Ivan Lam Wai Hoe, I have loved you too fondly to be fearful of the night, 2012-2013. Source: artsy.net

كان عليّ أن أكون أكثر حذرًا
وأنا أفكر في شيء آخر
عدا قضيبه المغروس في فمي
كان رفُّ الحلويات أمامي
ولوهلة، فقدت تركيزي
حين أردت اختيار حلوى واحدة
قذف في فمي

استمر في القراءة

طلال بو خضر: رندوحات للحرائق

Lorenzo Meloni, Homs, Syria, April 2016. Source: magnumphotos.com

لم يكن سهلًا، كشف أوهام الحدود،
سماءٌ لِبَدوِ الطّيور شاسعة، وعلى الأرض المسرّة،
الآن، صار هذا واضحًا: دَلّتْنا الحرائق.
يا خويا ويا بويا ويا سند خوفي،
النّار بالفلا تسرح،
والحرق بي جوفي.

 

استمر في القراءة

خالد الشورى: العِرسة

Weasel from the Thérouanne Bestiary, circa 1270. Source: discardingimages.tumblr.com

آثار أقدام الدب أكثر إفزاعًا من الدب نفسه”
مثل روسي لم يسمع به الروس من قبل لأنه من تأليف رفعت إسماعيل.

 

لحظة جذبته المُولِّدة من قدميه النحيلتين إلى الحياة، وخرج من بطن أمه جسدًا رخوًا، شبهَ مكتملٍ، نصفَ حيٍّ، له ملمس قِرْبة جلديّة مملوءة بماء ساخن، دمدمت ممتعضة:
بدر منوّر.”
لكنه لم يكن بدرًا منورًا ولا منطفئاً حتى، وإنّما طبيعة المهنة هي التي عودت المُولّدة على مجاملة الأمهات، حتى ولو كان أولادهنّ بقبح الولد الذي بين يديها.
لُفّ المولود بمنشفة نظيفة، وَوُضِعَ في حضن أمه.
عندما كشفت الأم وجهه لتلقمه ثديها، امتعضت هي الأخرى، واشتكت للأب بحسرة:
انظر إليه، رأسه صغيرة وسوداء، تشبه حبة قلقاس.”

استمر في القراءة

في مأمن من الريح والتاريخ: شِعر روبرتو بولانيو ترجمة أحمد يماني

Gueorgui Pinkhassov, Tijuana, July 2012. Source: magnumphotos.com

بين الذباب
أيها الشعراء الطرواديون
لم يعد هناك شيء مما كان يمكن أن يكون لكم
موجودا
لا معابد ولا حدائق
ولا شعر
أنتم أحرار
أيها الشعراء الطرواديون الرائعون.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: الرجل الصغير

Gustavo Ortiz, “Witness” paintings. Source: carredartistes.com and saatchiart.com

بأنفاس لاهثة، صعد الدرجات الرخامية جارّا معه أنفه إلى أعلى، مستندا على درابزين مشقوق الطلاء كي يحفظ توازنه من السقوط. توقف قليلا ليتحسس أنفه الضخم الذي يضطر أن يحمله معه أينما حل، فتُطأطىء رأسه قليلا إلى أسفل في اللحظات التي يحتاج فيها إلى النظر مستويا إلى الأمام. أما الصعود إلى أعلى ومع حجر كهذا فوق وجهه فقد كان معاناة حقيقية، لكنها لا تقارن بمعاناته عندما يقرر هذا الأنف أن يبتلعه بالقوى السحرية التي تملكها نقطة ارتكاز، أو كمحور يجعله يدور ويدور حول نفسه.
بلغ الطابق الثالث. كان واسعا تتوسطه ردهة تتولد منها ممرات متشابكة، لافتات لأطباء ومحامين والمزيد من الأطباء والمحامين. فكر أنه أمر طبيعي في عالم معتل يسوده الشر، رغم أنه في حاجة أكثر إلى خياطين كأبيه، المهنة التي تنقرض بفعل فقدان الانتباه والصبر. لا أثر للافتة التي يبحث عنها رغم أنه دار حول الطابق عدة مرات.
كان يحمل تحت إبطه ملفا ضخما يحوي أوراقا مرتبة بعناية، في مقدمتها وريقة صغيرة مثبتة بدبوس سجل عليها العنوان: ٢٣ ش سليمان باشا، موقع “باب المدينة”، الطابق الثالث. هل أخطأ في عد الأدوار؟ فكر أن يهبط إلى أسفل ثم يصعد مجددا ليتأكد من العد. لكن كان ذلك منهكا لجسده المفكك وعقله الدائخ.

استمر في القراءة

إيمان عبد الرحيم: النشور

Thetriumphofdeath

Pieter Bruegel the Elder, “The Triumph of Death”, 1562. Source: Wikipedia

“انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً
سورة الإسراء، آية ٢١

 

“القيامة النهاردا الساعة ستة بعد المغرب… يلا قومي.“
استيقظت مشدوهة في الواحدة ظهراً، على صوت ماما تردد هذه الجملة بصوت منذر وعلى عجل!
سألتها كيف عرفت؟ فأجابتني بأن الخبر أذيع أكثر من مرة في نشرات الأخبار على كافة القنوات الأرضية والفضائية، المحلية والعالمية، العالم كله يعلم ويستعد وأنا الوحيدة النائمة بكسل على جنبي. سارعت بالنهوض من سريري، ثم سألتها عما يجب أن نفعله، طلبت مني أن أحضّر شنطة صغيرة آخذ فيها كل ما قد أحتاجه في الحياة الآخرة. سارعت أبحث عن إخوتي، فوجدتهم جميعا مشغولين بتحضير شنطهم. ذهبت إلى دولابي، واخترت شنطة ”باك” ضخمة، كي أتحرك بحرية، بينما هي معلقة على ظهري. وضعت فيها كيس فوط “نانا” الصحية النسائية القطنية، ومحفظة لا تحوي إلا صورًا فوتوغرافية بالأبيض والأسود، لمن رحلوا من عائلتي.  بعدها سارعت بالذهاب إلى صالة البيت وأخرجت من درج ”النيش” الذي يتوسط أحد جدرانها شريط دوائي المضاد للاكتئاب، ألقيت الأشياء في الشنطة على عجل، توقفت سارحة لثانية، أفرغت بعدها الشنطة من جديد، سارعت إلى المكتبة والتقطت المجلدات الخاصة بكتاب “قصة الحضارة”، لـ”وِل ديورانت”، لم أجد إلا أحد عشر مجلدًا فقط من أصل اثنين وعشرين مجلدا، بحثت في كل مكان عن المجلدات الناقصة، ولم أجدها، حزنت لعدم عثوري على المجلدات المفقودة، فكم كنت أود إكمال قراءة السلسة الضخمة قبل أن أموت. يبدو أنه غير مقدر أيضاً أن أقرأ ما تبقى لي حتى بعد رحيلي. انتبهت فجأة أن الوقت يمرق، فاكتفيت بالأحد عشر مجلدا، وحملتها مرصوصة فوق بعضها، الأقدم في الأسفل، فالأحدث أعلاه. قابلتني أختي وأنا أسير على مهل حاملة الكتب الضخمة ومتجهة إلى غرفتي، فصرخت في محذرة: إن هذه الكتب ثقيلة جداً، ووزنها سيعيق حركتي في يوم مهم مثل هذا. أخبرتها ساخرة أن هذا ليس من شأنها. في غرفتي، رصصت المجلدات الأحد عشر في قاع الشنطة، ثم وضعت الأشياء التي أفرغتها من جديد فوقها، أحضرت علبة سجائري، واخترت ولاعة سجائر لونها برتقالي فاقع، ووضعتهم فوق بالقرب من “السوستة”، في متناول يدي. أغلقت بعدها الشنطة، وحملتها على كتفيّ، وتحركت بصعوبة، نظرا لثقل وزنها، ثم خرجت إلى صالة البيت، فوجدت أن الجميع قد انتهوا قبلي.

استمر في القراءة

مهاب نصر: لأن الله لا يترك الناس يشهقون هكذا

Florence Hutchings, “Yellow Living Room”, 2017. Source: florencehutchings.com

مدينتي
أنا من مدينة 
لا أعرف كيف أسميها لكِ
أسمع سبابا
لكن أحدا لا يلتفت
وحين أجلس في مقهى،
حين أغمض عيني 
لأحتفظ بفكرة،
حين أتطلع، ممدا على فراشي،
إلى سقف حجرتي، 
حين أهم بشرح موقفي ـ
أسمع السباب نفسه

استمر في القراءة

𝐹𝑜𝓊𝓃𝒹 الحافة أسرارُها

على الحافة الهشة التي نصل إليها وكنا طيلة الوقت نسعى بكل ما فينا من تهور لبلوغها، تلك القشرة الخداعة من رقيق الجليد على فوهة أخدود ما أطول ما أغرانا في أحلامنا الشبقة بانتهاك ظلامه، هناك حيث الحياة تنكسر بين رجليك كأسا من كريستال عذريتك التي لم يصنها الزمن، نسير ونترك آثارنا، نعرف أننا نمتحن المصير بكل فلذة.
الحافة تبقى. ندور في حلقة اللحم على نفس المحور الثابت للوهم ونحاول ثانية، ومن جديد، جامحين أكثر في كل مرة وقد عبقت ريح الطقوس في الشرايين، بأن نزيد قوة الدفع في وجه الوعيد بالفناء، منزلق الخوف والحمى، عارفين أن القشرة قد تنكسر أو تذوب في أية لحظة.
نجازف بأنفاس مكتومة تداني الانفجار لنجرب أن نرى شيئاً لم يره من قبل أحد سوانا.
— من مجموعة “حامل الفانوس في ليل الذئاب” لسركون بولص

1996

خالد الشوري: الجرذ

Lucian Freud, Rat Man (Portrait Of Raymond), 1978. Source: widewalls.ch

إنّ الجُرْذان عندما تتنقّل من محلٍّ لمحل ومن بيتٍ لبيت، لا تخرج بوقار من باب ثم تسير بتأنٍّ وتَنْدَلِفُ إلى بابٍ آخر كأنّ الأمر بتلك البساطة. وإنما تَنْدسُّ في الجحور وتَجُوب الأنفاقِ مستترةً عن الأنظار، ثم تَخرج من شق وتَلِجُ إلى شق آخر. وعلى تلك الحال تقضي حياتها متنقلةً بين الأماكن. تمامًا مثلي، غير أن الجحور لا تسع جسدي، فأسير متواريًا عن الأنظار، في الشوارع الضيقة التي تتخلل الحارات الجانبية على دفتي الطرق الرئيسية.
والجرذان لا تخرج من جحورها إلى العالم المكشوف إلا في أضيق الحالات، وأكثرها حرجًا. فهي جبانة، ضعيفة، خروجها لا يعني إلا موتها. أنا شخص لا أختلف عن الجرذان في شيء غير أنني أتوارى خلف سحنة إنسان، لكنني في الحقيقة لست سوى جرذٍ انزوى على نفسه داخل جحره، وحيدًا.

استمر في القراءة

خرائط يونس: محمود حسني | فصل من الرواية الجديدة

Hiroji Kubota, Guilin, China, 1979. Source: magnumphotos.com

من فوق الخزان، والضباب الصباحي لا يزال يتسلَّل إلى ما بين الأشجار والبنايات، مالئًا كل الفراغات الشفيفة ليحيل المكان إلى فضاء رمادي كثيف، كان هو واقفًا، عيناه شاردتان تجاه الأفق المُمتد حين رأى تشقُّق رمادية الأفق على تكاثفها، ظاهرًا منها ثلاث هيئات مهيبة تسبح في السماء.
لم تكن الهيئات تسبح تجاهه، هو الواقف على جسد الخزان، فوق وريد النهر، بين الجزيرة والمدينة. بل كانت تسبح آتية من وراء امتداد المدينة عابرة فوق النهر تجاه غابة أشجار الجزيرة. وبتمهل كأنها ناعسة، كانت الهيئات تقطع جسد السماء. وحين مرّت أمام عينيه، تلمَّس المشهد: حوتان كبيران، أحدهما يتقدم الآخر، وصغيرهما بينهما. وهو واقف، فوق الخزان الجاف، يتتبَّع تمزيقهم بلاجهد هشاشة الأفق.

استمر في القراءة

إسلام حنيش: الأغبياء وقصائد أخرى

160821-cairo8

Zachary Prong

بلاطات الرصيف القبيحة أصابع بيانو
تعزف لحنًا كئيبًا
أخشى على نفسي من الحزن
فأركلها بقدمي
وأطوحها في الهواء
فتنفجر في وجهي

استمر في القراءة

كارول صنصور: الجنة المقفلة

img_6443

By Youssef Rakha

ألفان من رسائلنا وأزيد
أحتفظ بها
وأحفظ بعضها عن ظهر قلب
.
لم تكن رسالتك الأولى مفاجئة
فقرأتها كما أردت ان أفهمها
“صلّيني”
فأجبت
.

استمر في القراءة

إسلام حنيش: أول النطق مسودات المستقبل

Murad's First Day. By Youssef Rakha

Murad’s First Day. By Youssef Rakha

لحسن حظي -ربما- أني لست الأخ الأكبر. استطعتُ بفعل الصدفة المحضة أن أفلت من لزوجة قدسية الطفل الأول. الحصار الدائم منذ لحظات تكونه الأولى. عذرية صور السونار. بكارة المفاجأة. متابعة النبض، والحركات، وتموجات بطن الأم التي تشبه حركات كائن فضائي يعلن عن وجوده. دهشة التجارب الأولى. قطعة منك بين راحتيك لأول مرة. تلك الرائحة.  أول النطق. أول الخطو. الإنجازات الصغيرة. مسودات المستقبل. الخوف الدائم من فشل التجربة. الحظر المستمر لكل شيء يُبقي على آدميتنا.
فلحسن حظي أيضًا أني الوحيد هنا، الفاشل، والسيء، والقبيح والمخطئ دائمًا، الساقط، والجاهل، والعاصي، الكافر بكل شيء، والرافض لكل شيء، دون أن أُلام كثيرًا على ذلك في الحقيقة، ودون أن أخذل أحدًا. فأنا الصغير دائماً.
يالها من رفاهية!
No more posts.