الوصيف خالد: من بقايا مفكرة محترقة

The Art Journal Illustrated Catalogue: The Industry of All Nations, 1851. Source: getty.edu

مقتطف رقم (١):
كل مسطح ممدود، وليس كل ممدود مسطحًا.

ربما كنت أُمًّا لولدٍ في مثل عمره لو تزوجت في عمر مناسب، كما البنات. سعيدات الحظ أقصد. بعضهن وُهبن حسنًا ورثنه، وبعضهن وهبن مالًا أو نفوذًا لعائل. إرادة الله اقتضت. ليس في القرب مني ما يُطلب لذاته فلا نفع يُرجى، ومن ثم لا حب.
يحبني. الولد يحبني. يدرك حاجته إليَّ واهتمامي به. لا يعرف أن مصير الأطفال، بالاستغناء مع مضي العمر، محرّم عليه، ولن يعرف. لن يعرف هاجري أيضًا أن تتبُّع جديد مدونته الملقاة في الفراغ، مجهولة بلا زائرين ولا تفاعل، بات زاد يومي.

استمر في القراءة

محمد عبد الكريم: واحد اثنان ثلاثة

Youssef Rakha, “Cairetros 1”, 2021

طوال الوقت فى غرفتي وحيداً وعاجزاً أمام فراغ البيت الصامت، وتبدو لي كل ليلة كالتى ماتت أمي فيها، صالحة لانطباق السماء على الأرض، وما عليّ سوى أن أفرد جسدي على السرير، وغارقاً فى الظلام أنتظر انتهاء الدنيا. لكن الليلة سد أبي الغرفة المظلمة عليّ بجثته الضخمة تاركاً ضوءاً شحيحاً من الخارج يمر بين رجليه. قال إنه يرغب أن نأكل سوياً، وما كان لي إلا أن ألبي رغبته.
فى ضوء الصالة، بدا الوهن يقرض يديه المرتعشتين وركبتيه، وهو يحاول الجلوس على الكرسي بأقل الطرق إيلاماً. الشارب الذى دأب على تشذيبه قد ترهل. المضحك أن السيد “احلق ذقنك” كانت ذقنه تخاصم الموس. ما زال أبي يمارس الحنين على مائدة الطعام. تخيل أنه كان يقيم الدنيا ويُقعِدها بعشر جنيهات؟! يشترى البحر، ويُمطِر النقود على الناس فى الشوارع، لكن أيام زمان راحت. لم يقدم أحد على مقاطعته مرة. علينا فقط أن نستمع أو نتظاهر بالاستماع. لو كانت ماما معنا على العشاء. تنظر إلىّ وأخي نظرة أنه بدأ، تبتسم فنطأطىء رؤوسنا ونحاول كتم ضحكاتنا. لكن لا يوجد هنا سوى ما كان يفعله أبي بالعشر جنيهات، وصوت مضغه للأكل. أتطلع إلى وجهه، وللحظاتٍ لا أعرفه. أتابعه وهو يعاني من صعوبة المضغ بفمه شبه الخالي من الأسنان. صوت مضغه يتركز عند أذني، وأكاد أفرغ ما فى بطني.. حمداً لله شبعت.

استمر في القراءة

نور حمدي: لعنة الملح

Mirtha Moreno, “Salt and Pepper II”, 2020. Source: 1stdibs.com

إلى كل من لم يستطيعوا سوى أن يلتفتوا
.
كانت خطيئته أنه التفت
وتوقف عندما مضى الجميع
غير عابئين بالكارثة،
أو هاربين منها
أو باحثين عن غيرها
رأيته في مسيري
كان أمامي
ظهره لي
وظهري للأعين الماضية
ناديته
وحينما التفت
أصبحت في مرمى عينيه
أنا
والماضين
والمهزلة

استمر في القراءة

علي لطيف: حمرا

Sohrab Hura (schizophrenic mother with her dog), India, 2008. Source: newyorker.com

أنا من أصول يونانية، هذا على الأقل ما قالته لي ماما. ماما لا تعرف من هو والدى. أول مرة قالت لي أنه مات بإحدى المعارك الأهلية قبل ولادتي، ثم تراجعت عن هذه الرواية قبل أسابيع من موتها، وأخبرتني أن والدى هو قطيع ذئاب. أجل، هذا ما قالته. مجنونة، صح؟
في آخر أيامها كانت كذلك. انزلقت في الليمبو. كانت تجلس على الشرفة بشقتنا المطلة على ساحة كوردوزيو لساعات، وتحدق في الناس. تصرخ أحياناً وتشتم المارين والطيور القبيحة، وفي مرات تركض عارية للشارع وراء البوليس صارخةً: سالفامي! سالفامي!
كانت تبدو فزعة كأن الشيطان بلحمه يلاحقها.
لم أستطع الاعتناء بها كما يجب على ابنة العائلة، ولم أملك المال الكافي لاستخدام ممرضة تسهر على رعايتها، كان عليّ أن أعمل طوال الوقت، ثلاثة حصص يومياً، ما عدا السبت. عليكِ أن تفهمِ أنه لم يكن لدي خيار.

استمر في القراءة

هرمس: يوميات الوباء

Julian Schnabel, “Formal Painting and His Dog”, 1974. Source: julianschnabel.com

لقد مضت حوالي الخمسة أسابيع على بداية هذا المكان الغريب الذي وُضِعَ فيه العالم، وإن وضعنا بالحسبان الركود الاجتماعي السابق لهذه الأسابيع صار مجموع أيام الحظر النفسي والاجتماعي هنا في الولايات المتحدة إلى شهر ونصف الشهر. أمشي يوميا في فترة الصباح إلى بحيرة مشجن، منفقا التبغ والقنب والخمر، أنا عاطل عن العمل، وهنا في شكاجو وتحديدا في ضاحيتها الشمالية آفنستن، مسألة البطالة وضع نادر، وفي أمة كبيرة ومتقدمة مثل الأمة الأميركية، فإن قيمة العمل العام والخاص قيمة كبيرة، الاجتماعيون في أميركا اليوم يرثون لانسحاب برني سندرز من الانتخابات أمام دونلد ترمب…

استمر في القراءة

طارق الجارد: مباريات شطرنج خالدة ولكن بائدة

Two 12th-century chess pieces from Nishapur. Source: sothebys.com

مدخل

 

مضى على ظهور فكرة الشطرنج خمسة آلاف سنة. قليلة هي الأفكار التي تملك منطقا متماسكا لتصمد كل هذا العمر. أول حركة في اللعبة تحمل بداخلها عشرين احتمالا. أما أول حركتين في اللعبة فتحملان أربعمائة احتمالا، ثم تنفجر وتتشظى الاحتمالات لتتجاوز عدد النجوم في الكون. حينما تنظر إلى رقعة الشطرنج التي لا تتجاوز الذراع في حجمها أول مرة، لا يمكن لك أن تتخيل أن أربعة وستين مربعا مرقطا قادرة على استيعاب احتمالات بضخامة تداعيات الانفجار الكوني الكبير، وتتسع لمواقع معقدة كمواقع النجوم بصفحة السماء. يمكن تخيل المنجز الإنساني عبر التاريخ كله، من معمار وفن وشعر وفلسفة  رياضيات، كمباريات شطرنج. بعضه متكرر ومطروق إلى حد الابتذال كالأعداد الطبيعية، وبعضه وارد ومحتمل ولكنه لم يقع، كالأعداد التخيلية. بعضه تافه وضحل وعديم المخيلة، غير لائق بالخلود. وبعضه عميق وإبداعي وخلاب، نقش نفسه في الكتب وفي المخيلة البشرية. أيضا: بعضه عميق وإبداعي وخلاب جدير بالخلود، ولكنه اندثر كحضارة بائدة ومغمورة مثل جزيرة أطلانتس.

استمر في القراءة

محمود حمدي: كؤوس مسماة

Harry Gruyaert, Red Sea souvenir shop, 1988. Source: magnumphotos.com

ليس لي أصدقاء
لكن لي أربع كؤوس ضخمة
وإبريقاً زجاجياً كبير الحجم، يكفي أن يملأ أربعتهم مما في جوفه
ليس لي أصدقاء
لكنني سميت كل كأس من الأربعة
أسماءَ أستلذ مذاقها على لساني
فـ”وائل” على سبيل المثال
اسمٌ يتحدى الشيخوخة
يثير انطباعاً بأن صاحبه لن يتعدى الخامسة والأربعين
إلا في كفنٍ أبيض
جيد، سيعيش بعدي عقداً أو عقدين.

استمر في القراءة

مهاب نصر: الجنود يقتلون من وراء القصائد

Harry Gruyaert, Rajasthan. India, 1976. Source: magnumphotos.com

في أي ليلة نحن؟
عجوز جدا
وأخلط بين حياتي والشمس
التي تلف كتفي امرأة عاريتين
بين الشمس ويدي المرتعشتين فوق كلمات الكتب
بين الكتب والأشجار بسبب رائحة الجذور
حيث ستدفن روحي
بين روحي والشفة المطبوعة على زجاج مغبش
ببخار الأنفاس في ليلة باردة –
في أي ليلة نحن؟

استمر في القراءة

محمد عبد الرؤوف: صحراء ما بعد الهزيمة

By Youssef Rakha

١
علينا التلاعب بالهزيمة.
لم يعد هناك إلا شبح واحد،
ولا شبح يأكل شبحًا.
لا شيء غير عادي فى الهزيمة،
هذا ما اعتدت عليه يا أبانوب.
أناجيك يا من تركتني أعطش
فى صحرائك.

استمر في القراءة

مينا ناجي: قنبلة موقوتة علي وشك الانفجار خلفنا

par66622

Philip Jones Griffiths, 1995, Japan. A wristwatch, now preserved in the A bomb Museum, records the time of the blast. Source: magnumphotos.com

الحياة بشعار شانيل
لو كنت مديري كنتُ خلعتُ ‘كندرتي‘ واشتريتُ لكَ ورداً يبتسمُ ابتسامةً صناعيّةً وأهمس من وراء ظهرك أنكَ كتلةٌ من الخراء. لكنكَ مُفلسٌ كيومِ أحد في كنيسة بشمال أوروبا: رسومات عذبة من الماضي لا تعني الآن سوى هزل. الحياة علبة مغلقة فارغة كانت تنتمي لشخص أحمق فتحها وجعلني هنا – الذنب كاثوليكي المنشأ؛ القديس بطرس صخرة الكنيسة ومارشاربل بحق جاه النبي – دس وجهك بين الورق بلا صياعة! هل قلتُ لكَ كم شعرة بيضاء في رأسي عددتها هذا الصباح كتعويذة ضد ما ينتزعني للخلف، وضدك أنت؟ جسدي بلا وطن، بلا قلب، لكنه يقولون سليم وكبد وكليتين يعملان بكفاءة ويرتدي السكاربينات ويقود السيارة ويجلس في الاجتماعات طيلة اليوم. في الليل يتحوَّل إلي فراشة فأحرقه بولاعتي وأنام. بالنهار يشرب سوائل أجعله يصدق أنها خمر. جسدي عالق وسط صحراء صناعيّة حيث الأساطير لم تعد شيطاناً يلهم الشعر ولا حيواناً بأجنحةٍ يفترس البشر، بل كلمات مثل ‘مقاومة‘. ‘حب‘. ‘حياة بسيطة‘. ‘ثورات عربيّة‘. الحياةُ مثل علبة مغلقة فيها جسدي ومرسوم عليها شعار ‘شانيل‘. أخزنها تحت الفِراش، وأنام.

استمر في القراءة

مو مصراتي: بيان البوخة

1200px-Boukha

Source: Wikipedia

كتبت بي بي سي العربية يوم الاثنين، 11 مارس: قال مسؤولون بوزارة الصحة في ليبيا إن 51 شخصا توفوا بعدما تناولوا خمرا محلي الصنع يحتوي على مواد سامة، ونقل نحو 378 آخرون إلى مستشفيات طرابلس. وقال مسؤول في المستشفى لبي بي سي إن الوفيات حدثت بسبب الميثانول السام، وإن العديد من المصابين يخضعون لتصفية الدم. ويمنع استهلاك الخمر في ليبيا، ولكنه متوفر في السوق السوداء. وأوضحت السلطات الصحية أن 38 شخصا توفوا في مستشفيات طرابلس، و13 آخرون لقوا حتفهم وهم في الطريق إلى مستشفيات تونسية للعلاج. وأعلنت حالة الطوارئ في مستشفيات المدينة، نظرا للعدد الكبير من المصابين الذين نقلوا إليها بسبب تناول الخمر السام. وتقول مراسلة بي بي سي في طرابلس، رنا جواد، إن الخمر المحلي الصنع يطلق عليه اسم “بوخا”، وهو نقيع من الفواكه مثل التين، والتمر والعنب، تضاف إليه مواد صناعية مثل الميثانول للحصول على قوة أكثر. ويتسبب استهلاك الميثانول في العجز الكلوي، والعمى وقد يؤدي إلى الوفاة. وقال وزير الداخلية، حسين العمري، لبي بي سي إن وحدات خاصة تحاصر الموقع الذي يعتقد أن هذا النوع من الخمر يصنع فيه. وأضاف أن الوحدات مستعدة لاستخدام القوة إذا لم يلتزم أصحاب الموقع بأوامر إخلائه. ويهرب الخمر إلى ليبيا من تونس والجزائر ومالطا.

استمر في القراءة

No more posts.