أحمد ناجي: أختي

Isabela Castelan, Karma, 2016. Source: lauraiartgallery.com

١
لم أسمع نداءه لأن السماعات  في أذني. لم أشعر به إلا وباب الغرفة يفتح بعنف، يقتحم حجراتنا مثلما يداهم الأوكار في مهام عمله. 
وقف في فرجة الباب يرتدي بنطالا قطنيا أبيض، وفوقه فانلة داخلية حملات ابتلت في أجزاء منها بعرقه، وشعر صدره الغزير – أحمد الله لم أرثه منه – يطل من الفانلة.
نزعت السماعات من أذني، متوقعاً فاصل من الشتيمة المعتادة، ودون انتظار ما سيرمينى به قلت ملتجلجاً “بتنده عليا، سهران بذاكر مسمعتش.”
عكس توقعي، أتى صوته هادئاً، وجهه خال من الانفعال “البس هدومك، احنا رايحين لأختك” ثم انصرف من الحجرة دون شرح أو تفصيل.
أنا أصلاً لا أعرف لما هو في المنزل هذا المساء؟
نظرت للساعة في الموبايل، الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. ماذا نفعل عند أختي في هذا الوقت؟

استمر في القراءة

أخيلة الظل: منصورة عز الدين | فصل من الرواية الأخيرة

Marc Riboud, the former Imperial city of Hue, after the American bombing, May 1968. Source: magnumphotos.com

ربما كان في درسدن وقوات الحلفاء تمطرها بالقنابل شديدة الانفجار، أو في بغداد بينما تُدَّك بصواريخ كروز والتوماهوك الجاهلة بهول ما تفعل، أو في مدينة مخترَعة لحظة فنائها.
لا يهم اسم مدينته أو موقعها، فكل المدن المنكوبة، أثناء تعرضها لخطر الزوال، مدينة واحدة.
لم يكن واقفًا حين بدأ القصف، بل على أطرافه الأربعة، في وضع أقرب للسجود على أرض المكتبة. لا يعرف أكان يستبق المأساة، أم أنه كالحيوانات يمكنه التنبؤ بالخطر! لا يتذكر أنه سمع صفارات إنذار تحذر من غارة وشيكة، لكن أصوات الانفجارات المتتالية اخترقت أذنيه وترسخت في ذاكرته.
آلاف الأطنان من القنابل الحارقة أُلقيت على مدينته. مئات المباني والمنشآت صارت رمادًا. البيوت تحولت إلى قبور لساكنيها. الانفجارات المزلزلة فرّغت الفضاء المحيط بها من الهواء، خاصة أن الحرائق اشتعلت في كل جانب، مكونةً عاصفة نارية، التهمت ما تبقى من أكسجين. بعض من لم تقتلهم القنابل، اختنقوا وهم يتسولون أنفاسهم عبثًا، أو احترقوا من الحرارة اللاهبة. هناك من رموا أنفسهم في النهر، ليُفاجَأوا بأن مياهه تكاد تغلي. الناجون القلائل لم يفعلوا شيئًا سوى الاستلقاء في أماكنهم، منتظرين نهايتهم، داعين ألّا تتأخر، قبل أن يغرقوا في ظلام دامس. استسلامهم هذا كان من بين أسباب نجاتهم التي تلخصت في الحظ والصدفة وما بينهما. أو هكذا على الأقل كان الأمر في حالته.

استمر في القراءة

No more posts.