كأنّ مدينة توجد: قصائد الموسم من مهاب نصر

Patrick Rapati, from “Eight Drawings for Invisible Cities”, 2017. Source: maritimeartlist.com

(١)
لا يمكنني أن أتعلم
وأنتم، هل يمكنكم؟
يتحسن مزاجي لسبب آخر
أن أحكي قصة لشخص ينام على ذراعي
هل شعرتم بهذا التنميل الخفيف من قبل؟
هل اعتبرتم يوما أن ذراعا واحدة
تكفي لحمل الأصابع التي تقلب الصفحات؟

استمر في القراءة

ياسر عبد اللطيف: التوقيع في دفتر الجحيم

Olivia Arthur, Mumbai, 2018. Source: magnumphotos.com

غادرنا المدينة. غادرنا الماكينات. غادرنا الموظفين والدفاتر. وأقمنا في الضواحي. عُدنا إلى الطبيعة. بعد أن غادرناها على عتبات المراهقة عُدنا إليها. وبعد أن بلغنا الحلم على الأرصفة العقلانية، تحت حديد الزهر، والزجاج يعكس السماء على واجهة البنك. زبد القهوة الإيطالية فوّار كالصابون. حليبها لا يحمل زَنَخ الضروع مبستر من كل سوء. ابن مدير سينما أوديون قاض وحاكم. يُمسك بالعصا صولجانًا مشهورًا في وجه الرعاع. جئنا إلى هناك من قُرى بعيدة. نائية في الأحلام قبل أن نستيقظ. كنّا في تلك القرى نحلم بالميلاد حلمًا داخل الحلم. نحلم بالحرب. بأن تغلق المدرسة إلى أجل غير مسمى. بأبٍ يُصلح سيارته في جراج للقطاع العام. وبأم عالق ثوبها بالماضي. بالحلم الأول نعود إليه من الحلم الثاني. وها نحن نترك كل هذا لنعود إلى الطبيعة ونحاول إيهام روحنا أن الحلم انقشع مرتين، فتقشّرت البيضة عن طبقة وسطى  نظيفة الأظافر. وبيت على أطراف الحقول أنيق.

يسير ابن آدم على البسيطة في خط مستقيم، والأفق أمامه. يُصلي ويشكر نعمة الأنفاس والروتين والتكرار. ويحصي عمره بملاعق القهوةوبأنابيب معجون الأسنان، وبأرغفة الخبز التي تنفد كلّما اشتراها. ويقول هذا من فضل ربي، رزقنا نعمة التكرار لنتأملَ في حكمة الضجر. عندها تظهر الحيّةُ وتُلهمه أن يترك أفيون الحياة ليجرِّب حشيشة المعرفة. ومع أول نفس سيتصدّع الغلاف كما سقطت ورقة التوت عن عورة أبيه. حديد الزهر بزواياه المستقيمة يسيل في خرير زئبقي، وسقف السوق ظهرُ جملٍ أعرج. الملك نائم على البحيرة والفيل إلى الجوار. وشيخ أصم لا يسمع أسئلة التلميذ فيبتسم له عاجزًا عن قراءة حركة شفتيه. ليأتي النادل بفاتورة الحساب، فيتحسس ابن آدم محفظته، ويخرج بطاقة ائتمان تعود لقرون خلت. فيقول النادل: ما عُدنا نقبل بهذه العملات على موائدنا. عليك أن تدفع بسنوات من عمرك.

استمر في القراءة

دينا ربيع: على أعقابهم ينكصون

Shakir Hassan Al Said, The Victorious, 1983. Source: barjeelartfoundation.org

البيت شاجٍ. أهله أطفال لا يلعبون، وشباب لا يعرفون شقوة الحب ولا سكرته، وعجائز جرت أعمارهنّ إكسبريسَ في بلاد تصرف حكوماتها على البنية التّحتيّة ما يحفظ ماء الوجوه.
على الحوائط ذكريات عنف وزعيق ونحيب وسكّين يتبادلها طرفا خناقة هزليّة. يعرف الطّرفان والشّاهدون والحوائط وكرسيّ الصّالون الذي يهامس أخاه بعد أن ينام ساكنو البيت أن أحدهما لن يذبح الآخر بها، لأنّ ليلة كهذه لا تخلص إلى نهاية كتلك، ولا تحسن سكّين المطبخ القِتلة، غير أنّهما يطيلان التّناوش بها ليزيدا على المشهد القبيح قبحا، ويخرّبا أعصاب الصّغار أبدا. 

استمر في القراءة

عزيزة وعبده: مهاب نصر عن التحريم والجسد والسياسة

Lalla Essaydi, Les Femmes du Moroc: Harem Beauty 1. Source: lallaessaydi.com

اخترت هذا العنوان ليس لأنه يحكي قصة حقيقية، بل هو يشبه أحد عناوين القصص التي قدمها إليّ منذ سنوات بائع كتب قديمة، أقرب إلى أن يكون صديقا. بادرني: “شوف ده”. كان كشكولا عاديا، لكن على غلافه رسما يدويا بدائيا، وثمة عنوان كبير يقطع الغلاف على هيئة هلال بالقلم الجاف الأزرق “عزيزة وعبده”. الرسم لامرأة مملتئة الشفتين ذات نهدين بارزين، ورجل في أسفل الغلاف. قصة جنسية طويلة كتبت بخط اليد.كان واضحا من الأسلوب والمفردات، رغم فصاحتها أحيانا، أنها ليست منقولة أو مترجمة. خيال شعبي خالص بنفس ريفي. لم يكن هذا هو الكشكول الوحيد لدى صديقي، بائع الكتب، الذي كان يعير هذه الروايات بجنيهات قليلة. لكن المدهش أن بعضها كان قصص “محارم”، وجميعها تدور في وسط بيتيّ أليف. وعلى النقيض من أفلام البورنو فإن الألفة “البدائية، إذا صح التعبير، هي ما كان ينسج الرغبة. لا مشهد يقدَّم على أنه غريب أو شاذ، أو محطم للتابوهات.
إن عالم الرغبة الجنسية هنا يفيد من حالة “ما قبل التحريم”. لكنه ليس عودة للحيوانية مثلا كما يتبادر للوهلة الأولى. بل استثمار لخيال يفيد من مواقع القرابة، دون أن يمثل تحديا متعمدا للتحريم. جو يخلو من الصراع، ويترك نفسه لكل الممكنات بما فيها الممارسة المثلية.

استمر في القراءة

دينا ربيع: الشيطان الذي أحبّه

SpinolaDeath

Deathbed Scene and Office of the Dead in the Spinola Hours, about 1510–20, Master of James IV of Scotland. Source: blogs.getty.edu

يصدر الصوت عن الصندوق صافيا رغم الخسشخشة، قريبا مهيبا كأن الميت قد بُعث منتصبا بين أذنيّ، يقول قائل: “آه، دا وصَل.” ويقول آخر: “يابا هي جلابية واحدة اللي حيلتي، أهي.” ثم في حركة درامية يشقها إلى نصفين.
يأخذهم الرجل بحنان البدايات، يبدو الناس مهيئين من قبل أن يقول الرجل شيئا، ظنّهم الظانّ مدفوعين بحسنة، أو روبوتات مسجلة أصواتها مسبقا كأصوات الضحك في “سِتْكُم” لولا أنْ قال الرجل ثلاثة أحرف، لا كالحروف. “ماحدش قال كدا أبدا”.

استمر في القراءة

مهاب نصر: قصائد جديدة

Cairo, 1934: Library of Congress image. Source: mashable.com

ماسح الأحذية
لا يقف الرجال الآن مرتكزين على ساق واحدة
بينما تلمع أحذيتهم
فوق صندوق خشبي محوط بالأصباغ.
الرجال فقط، كان يمكنهم قراءة جريدة
إشعال سبجارة
إلقاء نظرة على ميدان
حيث كان الضجر نوعا من الرفاهية
“المساواة” أطاحت بالصندوق فقط.
اليدان المشغولتان بالخدمة
والجذع المحني ليصنع كرامة
والوجه الذي لم نره أبدا
هو الآن يقطع الميدان بالتماعة عيني قاتل
لن تجرؤ على إيقافه
أقدامنا جميعا على الأرض
مفلطحة كديدان
السجائر ممنوعة هنا
لكن الدخان فوق المدينة كلها
.

استمر في القراءة

رؤيا شعبان: ليس كل من يأتي من إنكلترا يحبُ الروك أند رول

Rolling Stones cover art by Andy Warhol. Source: recordart.wordpress.com

كنتُ أحب تدخين السجائر مع صديقي عباس، كُنا نحب السجائر والموسيقى الجيدة. أدخنّ في الخفاء، لم يكن مسموحًا لي بالتدخين لأني فتاة ولأني من عائلة مُحافظة. لا تسألوني ما علاقة التدخين بكون الفتاة شريفة، فأنا أيضًا لا أعلم، لكن أخي عبد القاسم ينعت كل مُدخِنة بالعاهرة. كان عباس هو من يجلب لي السجائر، يتستر عليّ، يشاركني تلك البهجة العابرة.

استمر في القراءة

عائلة جادو: أحمد الفخراني | فصل من الرواية الجديدة

Lincoln Agnew, “Marx’s Lesson for the Muslim Brothers”. Source: nytimes.com.

لم أمت ولم أحيَ. أفقت على ضوء شديد السطوع فكان والظلام سواء. أشعر بأنفاسي. قلبي ينبض. رقبتي سليمة، ولا أثر للنحر إلا من ألم خفيف يداعب الرقبة، كأني جرحت أثناء الحلاقة لا مقتولا على يد جلاد. لا أثر للدم الذي كان واحدا من شهود قتلي الصامتين. أتضور شوقا إلى التدخين. ألا يبطل الموت الشوق إلى ما نحب؟
تحسست ما حولي في ظلمة النور العاتية. أهذا قبري؟ أدفنت بشكل لائق أم صرت عويلا إضافيا لروح مغدورة. قمت من مرقدي، كنت قادرا على تحريك ذراعي كحي. لكني أدركت علامة موتي. ساقاي تحركتا بلا إرداة مني نحو خيط من الظلمة انشق وسط النور. أهكذا يكون الموت إذن؟ سير بلا إرداة في مسار بلا خيارات. هذا لا يحسم أي شيء، فقد كان ذلك علامة حياتي السابقة.
وصلت إلى خيط الظلمة، أزحته كستار. فرأيت طريقا مستقيما، على جانبيه شموس خفيفة اللهب معلقة في أعمدة إنارة، وحجارة، خلاء الطريق المرصوف بالأسفلت، خلاء الرمال التي تنتظر الإسمنت والألمونيوم. مصارف، ظلمة بيضاء، وبيوت قليلة متناثرة لها عزلة الكوخ والقصر دون هيبتهما. شاحنات عمياء تمر من حين لآخر، براميل قمامة. أتذكر هذا الطريق، ففيه دفنت لويس. دفنت الحقيقة. أهذا جحيمي؟ أن أسير في نفس طريق جريمتي بلا توقف؟ لماذا وحدي أتحمل عبء دمه؟ لو كانت أنفاسه تحملت قليلا، لصار تحفتي الفنية، لربما صار مصارعا أقوى من عبد المولى أو جمرة إغواء نادرة. ألم يقتلك من أرسلك؟ أين هو الآن؟ في جنة الكوميونة أم يستكمل جحيمه؟ الدين أفيون الشعوب، هذا لا يرضي تجار الأفيون. يقولون إن في الجنة قصورا لمن جمعوا الحسنات، أما الفقراء إليها الذين لم يجمعوا إلا حطب الخطايا، فسيوقدون بها. وأنت تقطع البحر من بلادك المترفة كي تخبر العمال في النهاية أن ماركس حي. لو كنت معه في الجنة، هل ستطلبان نساء وقصورا أم العدل؟ هل ستحتجون من أجل الخطاة ضد إقطاعي الحسنات؟

استمر في القراءة

قصيدتان لأبولينير ترجمة صلاح باديس

9e23990bb4904ad77f8a09148aa6b480

First page of Appollinaire’s “Calligrammes” with a portrait of the artist by Picasso. Source: sothebys.com

دائمًا
دائمًا
نذهب بعيدًا ولا نتقدم أبدًا
ومن كوكب إلى كوكب
من سديم إلى سديم

استمر في القراءة

مينا ناجي: صباح الجمعة

Susan Bein, from "Night Park". Source: lensculture.com

Susan Bein, from “Night Park”. Source: lensculture.com

صباح صامت جداً. رغبة متكررة في القيء دون نتيجة. لا شئ يخرج من الجوف إلا عُصارة. أدخّن سيجارةً لأن أحداً لن يأتي. القطة تخاف من الدخان ورائحة الحريق الصغير لطبق الفوم بسبب إطفاء السيجارة، لم يحتمل الطبق الهش وثُقب كمعدتي. أبحث في رأسي عن سبب للثقب المتوهم والرغبة في القيئ غير الوحدة. أتوقف أمام جملة “أنا أشكي للنسيان” في أغنية ساذجة. إذا شكوتُ للنسيان ماذا سيفعل لي، سيحضر؟ وإذا حضر، ألن يزيدني وحدة ويوسِّع الخرم بداخلي كما حدث للطبق؛ ببطء وثبات وسط بياض الفوم؟ أبحث عن أحدٍ أقول له: أنا طبق لكَ، لما صددته؟ لا أجد. أعود للبحث الأول، تخْمين: بدلاً من نوبة الفزع، تضطرب أمعائي. أرحِّب بالعَرَض الجسدي، بل أشجع العصارة على جلب المزيد. لازال الطبق فارغاً بثقوب النسيان.

بخير لكن ليس كما تعتقد: جواب محمود المنيراوي من السويد

i12

Anna Reivilä, from “Bond”. Source: phroommagazine.com

أنت هناك تعتقد أني بخير

وأنا بخيرٍ لكن، لستُ كما تعتقد

آكلُ بمواعيد

وأبحثُ عن قطعِ السكرِ عند الأصدقاء
أبول من الكسلِ في حوضِ المغسلةِ في غرفتي الصغيرة
ولا انترنت يسمح لي بسماعِ أغنية

استمر في القراءة

إسلام حنيش: رائحة الموت

screen-shot-2011-07-12-at-14-16-17

Daido Moriyama. Source: enkster.com

نتسكع في الشوارع والأزقة،
ونطارد السيارات ككلاب مسعورة
نحاول أن نروي عطشنا ونلعق البخار على الفتارين وواجهات المقاهي
نشم رائحة الموت عند كل ناصية،
وتمتلئ رئاتنا بالدم
فنبدأ في أكل أنفسنا قطعة قطعة.
نتقيأ الصبر على قارعة الطريق
ينهرنا عسكري المرور
بتهمة ارتكاب الحزن وتعطيل السير.
نسير كـ”الزومبيز” في مشهد سينمائي
نستحضر الوجع ونجلد أنفسنا،
ونعض على ألسنتنا،
ونكوي مراكز الحس.
ثم نلف ما تبقى منا في سجائر
ندخنها لنقتل الوقت.

صلاح باديس: عيد ميلاد في مول باب الزوار

fotofest-2014-international-biennial-6

Samer Mohdad, Ghadames, Libya, 1994. Source: gessato.com

عشرون عاما (ع ع)
هكذا كتب على الأوراق الادارية في محفظته
عيد ميلادك العشرون زارك وحيدا
حيث تعمل في مول مفتوح 24/ 24
لم يكلمك حتى لا تنزعج مديرتك
– جلس ينتظر-
فأمضيت اليوم تعمل حتى نسيته
ونسيت أن تهنأ
جسدك الذي يطوف بك منذ سنين/ ولم يعد جديدا
روحك المتعلقة بأشخاص عاشوا في زمان بعيد
لن نتكلم عن قلبك
لنتكلم عن المول

استمر في القراءة

No more posts.