ميسرة عفيفي: ياسوناري كاواباتا بقلم يوكيو ميشيما

Kyōdō Tsūshinsha, Yukio Mishima congratulating Yasunari Kawabata on his Nobel, October 1968. Source: redguitarrr.tumblr.com [1]

١
ربما لا يناسب السيد ياسوناري كاواباتا أن أستعير كلمات نيتشه للحديث عنه. ولكن العبارة التالية التي ذُكرت في كتاب نيتشه “ضد ڤاغنر” ويصف نيتشه بها ڤاغنر تنطبق على أدب كاواباتا انطباقا يثير العجب.
“إنه في الواقع أستاذ عظيم في دقائق الأمور.”
ويكمل نيتشه كلامه كما يلي:
“بل إن من صفاته أن يحب الجدران الضخمة واللوحات الجدارية الجريئة الكبيرة. ولكنه (أي ڤاغنر) لا يريد أن يكون كذلك.”
ولكن الفقرة الأخيرة هي على العكس تماما من أدب كاواباتا. فالسيد كاواباتا – بخلاف ڤاغنر – على العكس “يحب أن يكون كذلك” ومن صفاته أنه يكره “الجدران الضخمة واللوحات الجدارية الجريئة الكبيرة” ولا يحب التصميم الضخم بلا فائدة.

استمر في القراءة

أمل السعيدي: غشيه شعور عميق  بأنه يعرف كل شيء

Pieter Claesz, Still Life with Stoneware Jug, Wine Glass, Herring, and Bread, 1642. Source: 1642

كان يتمشى في مزرعة والده، يوزع نظره على الحقل المحروث تواً، ناعساً راح يفكر أنه لم يزرها منذ زمن بعيد. أشجار السفرجل الثلاث، في الزاوية الشمالية القصوى، تحوطها أوراقها التي طوحتها ريح الأيام الماضية. كان يجلسُ هنا كثيراً، لعلمه أن الجميع يجدون المكان بعيداً عن المنزل وعن المكان الذي ينوعون فيه الإنتاج الزراعي طوال العام. هنا كوكب آخر، فلا يمكن إدراك نوافير الري الطويلة من هذه الزاوية. لا شيء سوى أشجار مانحو ضخمة تحول بينه وبين الجميع، لكنه لم يعد يأتي إلى هنا كثيراً، يريد ذلك ويقرر فعلاً أن يعود لمرات ومرات كلما كان هنا، لكنه ما إن يبتعد قليلاً حتى لا يعود يفكر في هذا المكان.
يعمل موظفاً في أكبر شركة اتصالات في البلاد. يعود في تمام الساعة السادسة إلى شقته الصغيرة، في عمارة مميزة، ذلك لأنها تحتوي سطحاً، وسلالم داخلية تؤدي إلى السطح. يركن سيارته في قبو ضيق ورطب، ويشعر بقطرات العرق تسيلُ على ظهره في المسافة الفاصلة بين القبو والغرفة. تعود ألا يطفئ تكييف غرفته، تفادياً للحرارة الخانقة في هذا الفصل من العام. يخلع ملابسه، ولا يحتفظ إلا ببوكسر علامة كالفن كلاين، ويلقي بنفسه على الفراش. عندما تلامس أصابع قدمه برودة لحاف السرير، يحسُ بالراحة أخيراً من عناء اليوم. لا ينام، لا يتقلب، يسجّي جسده هناك طامحاً في الذوبان في شبح التراخي الضخم الذي شعر دوماً بالانتماء الحقيقي له. لكنه تلقى الآن مكالمةً من أمه. مات أبوه، وسيدفنونه هذا المساء.

استمر في القراءة

No more posts.