ثلاثة خواتم: قصة ريونوسكيه أكوتاعاوا ترجمة ميسرة عفيفي

Hiroshige Utagawa, Shrine Gate Pass at Rokusozan in Kazusa Province, 1852. Source: ukiyo-e.org

(١) [1]
في قديم الزمان، كان متسول ينام أمام مسجد في بغداد. وفي ذلك الوقت انتهت الخطبة فبدأ المصلون يخرجون من المسجد، ولكن ما من أحد منهم حاول أن يعطي ذلك المتسول فلساً واحداً. ثم خرج من المسجد أخيراً رجل على شاكلة التُجّار، وعندما رأى المتسولَ وضع يده في جيبه وأخرج مالاً فأعطاه له. وعندها قام المتسول فجأة وقال: “شكراً لك يا مولاي، حماك الله ورعاك” لم يأبه له ذلك التاجر ومضى لحال سبيله، ولكن أوقفه المتسول وقال له: “توقف يا مولاي! عندي حديث لك” وعندها التفت الرجل الذي على شاكلة التجار وقال: “إنني لست مولاك” فقال له المتسول: “كلا، ولكن يبدو أنك يا مولاي ستلاقي في المستقبل مصاعب في هذه الدنيا، سترعى الإبل وتجلب الماء من الآبار. إنني منذ الفجر وأنا أستجدي الناس هكذا، ولكن لم يعطني منهم رجل واحد شيئاً. ورداً لجميلك يا مولاي سأعطيك خاتماً. لقد صَنع هذا الخاتم جنّي عربي، فإن حاول أحدهم أن يسمّك يا مولاي، سيتحوّل هذا الحجر الأحمر المُزيّن به الخاتم إلى لون أزرق” ثم وضع الخاتم في كف التاجر المندهش واختفى من أمامه وكأنه تبخّر في الهواء.

استمر في القراءة

هيا المويل: شلون

Aleppo, 1919. Source: Wikipedia

شلون يعني؟ قال الأب بعد أن قطب حاجبيه وفغر فمه. تن .. تن .. تيرن، تن .. تن .. تيرن. بدأت شارة mission impossible  من التلفزيون الذي خلفه. تيرا رااا، تيرا رااا، تيرن. ضحكتْ فزم شفتيه وأغلق التلفزيون ليسحبها إلى جدية الموقف.
شلون بتعملي شي من دون ما تقوليلي؟ ولا بعرف بس يجوا ياخدوكي؟
تلاشى كل الكلام الذي حضرتْه وحفظتْه لكسب الحوار. وقالت أول ما تبادر إلى ذهنها:
بابا الموضوع من برا ببين أكبر مما هو عليه.
يعني إذا عرفوا بصفقولك؟ كتّف الأب يديه وأمال جذعه تجاهها، ما أربكها: شلون يعني أكبر وأصغر؟ اتفضلي اشرحيلي.
يعني أنت لو بتكون هنيك …
أنا ما بطلع لأنو بعرف العواقب. صاح الأب وصمت صمتًا بدا عميقًا جدًا.
يا بابا أنا ما قصدي أنك تطلع، قصدي أنو الأمور أبسط مما منتخيلها. جملة ضعيفة، لا القصص المروية بهمس، ولا الأصوات الصاخبة التي بدأت تُسمَعُ حديثًا في حلب تؤيد ذلك، فكرتْ والغضب ينمو بداخلها كصبارة.

استمر في القراءة

معن أبو طالب: رجل حذر

Benjamin Lowy. From

Benjamin Lowy. From “Run Hard: The NYC Marathon for Sports Illustrated”, source: benlowy.com

‘الهريبة ثُلثين المراجل’
مثل شعبي
.
لم يترك لي أبي رحمه الله من متاع الدنيا سوى الحذر. وهو بهذا قد ترك لي ثروة لا تفنى ولا تتبدد ولا يأتي عليها ظرف ولا امرأة ولا خمر.
بدأ تاريخ عائلتنا الحكيم في اتخاذ الحذر منهجاً في الأشهر التي سبقت النكبة، عندما رفض جدي عاصم رحمه الله الانضمام إلى باقي رجال القرية في مقاومة الصهاينة. كنت أسمع من جدتي أنه كان متقلباً في قراره هذا وأن ضميره قضّ مضجعه ليال كثيرة. كما أنه عانى الأمرّين كل يوم في القرية عندما كان الناس يُسمعونه كلاماً بخصوص امتناعه عن المشاركة. فكانوا يقولون “ما سمّعتنا صوتها للمحروسة يا أبو أمين” مشيرين إلى بندقيته التي كان يعلّقها في الدكان ولم يستخدمها قط. وأحياناً أخرى “وإنا إليه راجعون، ولا إنت شايف غير هيك يا أبو أمين”؟ ولكنه تحمّل وثبت، وأنا أميل للاعتقاد أنه لم يعان من قراره كما وصفت جدتي، بل أنه كان واثقاً وغير مكترث، وأن صمته وتجنبه لأهل القرية في تلك الأيام لم يكن إلا من سنة الحذر نفسها والتزامه بها.
بانت حكمة جدي ونفاذ بصيرته عندما دخل الصهاينة على القرية ذات يوم وجمعوا جميع رجالها. تقول جدتي إن جدي كان بينهم، وإنهم أخذوهم جميعاً إلى أحد قصور العوائل الكبيرة المدَمّرة ووضعوهم في ساحة القصر معصوبي الأعين، مكبلين، ومقابلين سوراً في صفين متوازيين. عندما حان وقت أن يرفع المجندين رشاشاتهم، وأعطاهم القائد الإسرائيلي أمر الاستعداد لإطلاق النار، قال أحد الضباط “مين … فيكُن … آسيم أويس؟” صاح جدي بأنه هو، وتقدم منه جندي وفكّ عصبته ووثاقه، ثم ركله على مؤخرته. تقول جدتي إن جدّي “حمل كل شبشب بإيد، وركد متل الطلأ. حتى صوت الرشاشات ما لحّؤه”.

استمر في القراءة

No more posts.