باسم زكريا السمرجي: رقصة القمصان اللبنية

John Pomora, Interactive Reality, 2014. Source: artsy.net

-١-
ﺗﻣﺗد اﻟردھﺔ أﻣﺎﻣﻲ. ﺗﺗداﻋﻰ ﺣواﺋطﮭﺎ اﻟﺑﯾﺿﺎء ﻋن ﻣﺳﺎﺣﺎت زﺟﺎﺟﯾﺔ ﻛﺑﯾرة ﺗﺑوح ﻋن اﻷﺧﺿر اﻟواﻗﻊ ﺧﺎرج اﻟﺑﻧﺎﯾﺔ ﻋن اﻟﯾﻣﯾن، واﻷﺧﺿر اﻟﻣزروع ﻓﻲ اﻟداﺧل -ﻣﺣﺎﻛﯾًﺎ أﺧﺿر ﺧﺎرج اﻟﻘﺎرة ﺑﺄﻛﻣﻠﮭﺎ- ﻋن اﻟﯾﺳﺎر. ﺗﻌﺗرض ﻣﻧظر اﻣﺗداد اﻷﺧﺿر ﻋن اﻟﯾﻣﯾن واﻟﯾﺳﺎر ﻏرف ﯾﻐﻠب ﻋﻠﻰ ﺣواﺋطﮭﺎ اﻟزﺟﺎج اﻟداﻛن، ﻛﻲ ﺗﺣﻔظ ﺧﺻوﺻﯾﺔ ﺳﺎﻛﻧﯾﮭﺎ دون أن ﺗﺗﺧﻠﻰ ﻋن اﻟﺗﺄﻛﯾد ﻋﻠﻰ اﻟرﺣﺎﺑﺔ ﻟﻠﻣﺎرﯾن ﺧﺎرﺟﮭﺎ. ﺗﻣﺗد اﻟﺣواﺋط اﻟزﺟﺎﺟﯾﺔ ذات اﻟﻘواﺋم اﻟﻣﻌدﻧﯾﺔ اﻟﺑﯾﺿﺎء ﻟﺗﻛﺷف ﻓﻲ دأب ﻋﻣﺎ ھو ﺧﺎرﺟﮭﺎ، ﻟﺗﺻر ﻋﻠﻰ إﻧﻛﺎر ﺣﻘﯾﻘﺔ أن ﻻ ﻧواﻓذ ﺗﻧﻔﺗﺢ ﻓﯾﮭﺎ وأن اﻹﻧﺳﺎن إن أراد أن ﯾﺧطو ﺧطوة ﺧﺎرﺟﮭﺎ ﻋﻠﯾﮫ أن ﯾﻐذي ﻧظﺎم اﻷﻣن اﻹﻟﻛﺗروﻧﻲ ﺑﮭوﯾﺗﮫ ﻣرﺗﯾن ﻋﻠﻰ اﻷﻗل ﻟﯾﺗﯾﺢ ﻟﮫ اﻟﻣرور. ﺗﻧﺗﮭﻲ اﻟردھﺔ ﺑﺣﺎﺋط أﻣﺎﻣﻲ ﯾﻧﻔﺗﺢ زﺟﺎﺟﮫ ﻋﻠﻰ ﻣﻧظر ﻏﺎﺑﺔ ﻛﺛﯾﻔﺔ اﻷﺷﺟﺎر ﻏﯾر أن إﺣﻛﺎم إﻏﻼق اﻟزﺟﺎج ﯾﺿﻣن أﻻ ﯾﺗﺳﻠل ﻋﺑره أي ﺟزيء ﻣن ﺟزﯾﺋﺎت اﻷﻛﺳﺟﯾن اﻟﻧﺎﺗﺞ ﻣن ﻋﻣﻠﯾﺔ اﻟﺗﻣﺛﯾل اﻟﺿوﺋﻲ ﻟﻠﻐﺎﺑﺔ. ﻓﺎﻟﺗﻧّﻔس ھﻧﺎ ﻻ ﯾﻣﻛن أن ﯾﺧﺿﻊ ﻟﻧزوات اﻟﺑﺷر اﻟطﻔوﻟﯾﺔ ﻓﻲ اﺳﺗﻧﺷﺎق اﻟﮭواء ﺑﺷﻛل ﻣﺑﺎﺷر ﻣن اﻟﺷﺑﺎك ﻟﻣﺎ ﯾﻣﻛن أن ﯾﺗوﻟد ﻋﻧﮫ ﻓﺗﺢ اﻟﻧواﻓذ وﻏﻠﻘﮭﺎ ﻣن أﺿرار أﻣﻧﯾﺔ أو ﺗﻘﻧﯾﺔ ﻗد ﺗﺗﺳﺑب ﻓﻲ ﺗﺂﻛل اﻹطﺎر اﻟﻣطﺎطﻲ اﻟﻔﺎﺻل ﺑﯾن اﻟﺣواﺋط اﻟزﺟﺎﺟﯾﺔ واﻟﻘواﺋم اﻟﻣﻌدﻧﯾﺔ، ﻓﯾﺗﺳﻠل ﺗﯾﺎر اﻟﮭواء اﻟذي ﻛﺎن ﯾﺗﺳرب ﻗدﯾﻣًﺎ ﻣن ﺑﯾن ﺷﻘوق اﻟﻧواﻓذ اﻟﺧﺷﺑﯾﺔ ﻓﯾﻘدح ذﻟك اﻟﺗﯾﺎر اﻟﮭواﺋﻲ اﻟﻣﺗﺳّرب ﻓﻲ ﻗدرة اﻹﻧﺳﺎن ﻋﻠﻰ إﻧﺟﺎز اﻟﺳﯾطرة اﻟﻣطﻠﻘﺔ ﻋﻠﻰ اﻟطﺑﯾﻌﺔ اﻷﺳطورﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﻻ ﯾﻌﺗرﺿﮭﺎ ﻋﺎرض. ﻟذا، ﻓﺣﺎﺟﺔ اﻟﺑﺷر ﻟﻸﻛﺳﺟﯾن ﻣﺣﺳوﺑﺔ ﺣﺳﺎﺑًﺎ دﻗﯾﻘًﺎ، ﻣﺎ أدى إﻟﻰ ﺗﺻﻣﯾم ﻓﺗﺣﺎت ﺗﮭوﯾﺔ ﺗﺿﻣن إﻧﻔﺎذ ﺟزﯾﺋﺎت اﻷﻛﺳﺟﯾن اﻟﻼزﻣﺔ ﻟﻠﺣﻔﺎظ ﻋﻠﻰ ﺣﯾﺎة اﻷﻓراد وﻧﺷﺎطﮭم. ﺗﺗوارى ﻓﺗﺣﺎت اﻟﺗﮭوﯾﺔ ﺗﻠك، وﻻ يُسمح ﻟﻘﺎطﻧﻲ اﻟﺑﻧﺎﯾﺔ اﻟﺗﺣﻛم ﻓﯾﮭﺎ وﻻ رؤﯾﺗﮭﺎ، ﻓﻛﻔﺎءة اﻟﺗﺻﻣﯾم ﺗﻘﺿﻲ ﺑﻌدم إطﻼق ﯾد اﻟﺑﺷر ﻟﻠﻌﺑث ﻓﻲ اﺳﺗﮭﻼك اﻟطﺎﻗﺔ. ﻟﻧﺑﻘﻲ ﺳﻠطﺔ اﻟﺑﺷر ﻓﻲ اﻟﻣﺑﻧﻰ ﻋﻠﻰ اﺳﺗﮭﻼك اﻟطﺎﻗﺔ ﻣﻘﺻورة ﻋﻠﻰ ﺗﺷﻐﯾل اﻷﺟﮭزة اﻟﻛﮭرﺑﺎﺋﯾﺔ واﻹﻟﻛﺗروﻧﯾﺔ اﻟﻼزﻣﺔ ﻟﻛﻲ ﯾﺗﻌرّف ﺳﻛﺎن اﻟﺑﻧﺎﯾﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻣوﺟودات ﺧﺎرﺟﮭﺎ، وﻟﻧﻔرّغ ﻏرﻓﺗﯾن ﻣن ﻛل ﺗﻠك اﻟﻣوﺟودات، ﺣﺗﻰ ﻣن ﻣﺻدر اﻹﺿﺎءة ﻟﻛﻲ ﯾﻧﻔرد ﺑرﺑﮫ ﻣن أراد ﻓﻲ أي ﻣﻧﮭﻣﺎ، ﺳواء أراد اﻟﺻﻼة أو ﻣﻣﺎرﺳﺔ اﻟﯾوﺟﺎ.
أﻧﻌطف ﯾﻣﯾﻧًﺎ ﺑﺎﺗﺟﺎه ﻏرﻓﺔ اﻟﻣﻛﺗب ﻷﻟﻘﻰ ﻓﻲ اﻟردھﺔ اﻟﻔرﻋﯾﺔ أول ﻣن أﻟﻘﻰ “ﻣﺎرك”، ﯾرﺗدي ﻣﺛﻠﻲ ﻗﻣﯾﺻًﺎ ﻟﺑﻧﯾًﺎ، ﻓﻧﺑدأ معًا أداء ﺷﻌﺎﺋر اﻟﻧﻛﺗﺔ، واﻟﺗﻲ ﺗﺗﻛرر ﻣرﺗﯾن أو ﺛﻼﺛًﺎ ﻓﻲ اﻷﺳﺑوع: ﻧﻧدھش ﺳوﯾًّﺎ، وأﻗول ﻟﮫ ﻻ ﺑد ﻟﻧﺎ ﻣن أن ﻧوﺣّد اﻟزي ﻓﻲ اﻟﻣﺑﻧﻰ، ﻓﯾﺧﺑرﻧﻲ أن نحو ٧٠٪ ﻣن ﻗﻣﺻﺎن اﻟرﺟﺎل ﺗﺄﺗﻲ ﺑﺎﻟﻠون اﻟﻠﺑﻧﻲ، وﻟﻠﻣرة اﻟﺛﺎﻧﯾﺔ ھذا اﻷﺳﺑوع أﻧدھش ﺛم أوﻣﺊ ﺑرأﺳﻲ ﻓﻲ ارﺗﯾﺎح، ﻓﺎﻵن ﻓﺳر ﻟﻲ “ﻣﺎرك” ازدﺣﺎم واﺟﮭﺎت اﻟﻣحال ﺑﻛل ﺗﻠك اﻟﻘﻣﺻﺎن اﻟﻠﺑﻧﯾﺔ، واﻟﺗﻲ ﺗﺗﻘﺎﻓز ﺻورًا ﻓﻲ ذاﻛرﺗﻲ. أظن أﻧﻧﻲ أﻛﺛر ﺣظًﺎ ﻣن أرﺷﯾﻣﯾدﯾس، ﻓﺑﯾﻧﻣﺎ وھﺑﺗﮫ اﻟﺣﯾﺎة “أورﯾﻛا” واﺣدة، أﺣﺻل أﻧﺎ ﻋﻠﻰ “أورﯾﻛﺎ” ﻣرﺗﯾن أو ﺛﻼث  ﻓﻲ اﻷﺳﺑوع. ﻻ ﯾﻣﻛن أن أﻧﻛر أن ﺗﻛرار اﻟﻧﻛﺗﺔ أﻓﻘدھﺎ اﻟﻣﻔﺎرﻗﺔ، ﻏﯾر أﻧﻲ أدﻋوك ﻟﺗﺻور أن اﻟﻧﺎس ﺟﻣﯾﻌﮭم اﻣﺗﻧﻌوا ﻋن أداء اﻟطﻘوس ﻣﺗﻰ ﺗوﻗﻔت ﻋن إﻧﺗﺎج اﻟﻣﻌﻧﻰ، ﻣﺎذا ﺳﯾﺑﻘﻰ ﻟﮭم ﻟﯾﺟﺗﻣﻌوا ﻋﻠﯾﮫ؟! ﺗﺧﯾل ﻣثلًا أن اﻟﻣﺻّﻠﯾن اﻣﺗﻧﻌوا ﻋن اﻟﺻﻼة ﻣﺗﻰ اﻓﺗﻘدوا اﻟﺧﺷوع؟! ﻛم ﻣﺻٍّل ﺳﯾﺑﻘﻰ ﻓﻲ ﺟﻣﺎﻋﺔ اﻟﻣﺻّﻠﯾن؟ أم ھل ﺳﺗﺑﻘﻰ ﻟﻠﻣﺻّﻠﯾن ﺟﻣﺎﻋﺔ؟ رﺑﻣﺎ راودﻧﻲ ﻣرة أو اﺛﻧﺗﯾن ﻓﻲ اﻟﺳﻧﺗﯾن اﻟﻣﺎﺿﯾﺗﯾن أن أﻟﻔت ﻧظر اﻟﻌزﯾز “ﻣﺎرك” إﻟﻰ ﻣﺳﺄﻟﺔ اﻟﺗﻛرار ﺗﻠك، ﻏﯾر أﻧﻲ أﺧﺷﻰ أن ﯾُﻘطّﻊ ذﻟك أواﺻر اﻷﻟﻔﺔ اﻟﺗﻲ ﺣﺎﻛﮭﺎ اﻟدأب ﻓﻲ ﻣﻣﺎرﺳﺔ طﻘوس اﻟﻧﻛﺎت اﻟﻣﺗﻛررة ﻋن اﻟﻘﻣﺻﺎن اﻟﻠﺑﻧﯾﺔ واﻟطﻘس السيئ.
*
إن ﻛﺎن ﻣﺎ ﯾﻠزﻣﻧﻲ ﻹﺗﻣﺎم اﻻﻧدﻣﺎج ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻣﻲ اﻟﺟدﯾد اﻟﻌﻧﺎﯾﺔ ﺑﺗﻠك اﻷواﺻر اﻟﻐﺿﺔ، ﻓﻼ ﻣﺎﻧﻊ ﻣن اﻟرﻛون إﻟﻰ اﻟطﻘوس اﻟﺗﻲ ﺗﺟﻣﻌﻧﻲ ﺑﺎﻟﻧﺎس ﻋﻠﻰ اﻻﺳﺗﺳﻼم ﻟﻧزق اﻟﺑﺣث ﻋن ﻣﻌﻧﻰ ﻓردي.
أﺣﻣل ﻣﻌﻲ اﻟﻧﻛﺗﺔ وأدﻟف إﻟﻰ اﻟﻐرﻓﺔ اﻟﺗﻲ ﺗﺟﻣﻌﻧﻲ ﺑﺧﺎﻟد، اﻟذي اﻧﺿم ﻟﻧﺎ ﻣﻧذ أﺳﺎﺑﯾﻊ ﻗﻠﯾﻠﺔ، وﺳﺎرة اﻟﺗﻲ اﻓﺗﺗﺣت ﻣﻌﻲ اﻟﻐرﻓﺔ ﻣﻧذ ﻋﺎﻣﯾن، أرى ﺧﺎﻟد ﯾرﺗدي أﯾﺿًﺎ ﻗﻣﯾﺻًﺎ ﻟﺑﻧﯾًّﺎ، ﻓﺄﻟﻘﻲ إﻟﯾﮫ ﺑطرف اﻟﺧﯾط ﻟﯾﺷﺎرﻛﻧﻲ ﺷﻌﺎﺋر ﻧﻛﺗﺔ اﻟﻘﻣﺻﺎن اﻟﻠﺑﻧﯾﺔ، ﻓﯾﺗﺣﻣس ﻟﮭﺎ ﻛﺛﯾرًا، وﺣﯾن أﻧﮭﯾﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺎﻟﻲ وأﻓﺻﺢ ﻟﮫ ﻋن ﺳﺑب ازدﺣﺎم واﺟﮭﺎت اﻟﻣﺣﺎل ﺑﺎﻟﻘﻣﺻﺎن اﻟﻠﺑﻧﯾﺔ ﯾﻧﻔﺗﺢ ﻓﻣﮫ ﺑﺣرف “واو” ﻣﻣﺗدًا، وﺗﺗﺳﻊ ﻋﯾﻧﺎه ﺣﺗﻰ أﺷﻔق ﻋﻠﯾﮫ أن ﯾﻧﻔﺟر وﺟﮭﮫ، ﺛم ﯾﮭدأ ﻓﻲ اﻟﻠﺣظﺔ اﻟﻣﻧﺎﺳﺑﺔ ﻟﯾﻘول ﻟﻲ “إﻧﮫ أﻣر ﻣﺛﯾر ﺟدًا”. ﯾﺑدو أن ﺧﺎﻟدًا ﺳﻌﯾدٌ ﺑـ”أورﯾﻛﺎ” ﺧﺎﺻﺗﮫ ﺣﻘًﺎ. ﻟطﯾف ﺧﺎﻟد؛ ﯾﺣﺗﻔظ ﺑﺑراءﺗﮫ اﻷوﻟﻰ اﻟﺗﻲ ﺗﺟﻌﻠﮫ ﻗﺎدرًا ﻋﻠﻰ ﻣواﺻﻠﺔ اﻻﻧدھﺎش ﻣن ﻛل ﺷﻲء وﻋﻠﻰ أن ﯾﻧﻔﺗﺢ ﻗﻠﺑﮫ ﻟﻛل ﺻورة. وﻻ ﻋﺟب ﻟدي، ﻓﻣﺗﻰ ﻧﺷﺄ اﻹﻧﺳﺎن ﻓﻲ أﺳرة ﻗﺎدرة ﻋﻠﻰ إداﻣﺔ إﻣداده ﺑﻛل ذﻟك اﻟﻘدر ﻣن اﻟﺗدﻟﯾل، ﯾﻧﺣدر ﻟﮫ اﻟﻌﺎﻟم ﻋﻧد ﻋﺗﺑﺎت أﻗداﻣﮫ، ﺑﻌد ﺗﻧﻘﯾﺗﮫ ﻣن ﻛل اﻟﺷواﺋب، ﻓﯾﺗﺟﻠﻰ ﷲ ﻟﮫ ﻓﻲ ﻛل ﺻورة وﯾﺻﺑﺢ اﻟﺣب اﻟﻣﺟرد ﻟﯾس ﻧﻔﯾًﺎ ﻟﻠﻛراھﯾﺔ وإﻧﻣﺎ ھو ﻣﺎ ﯾﺟﻣﻊ ﻛل ﺿﻌﻔﺎء اﻟﻌﺎﻟم؛ ﻓﺑﻣﻌﻧﻰ ﻣﺎ، ﻛﻠﻧﺎ ﺿﻌﻔﺎء ﻓﻘراء إﻟﻰ ﻋطف ﻣوﻻﻧﺎ اﻟﻛرﯾم. ﯾﻌود ﺧﺎﻟد إﻟﻰ ﺳﻣﺎﻋﺎت أذﻧﮫ واﻟﺗﻲ ﻻ ﯾﻛﻔﻲ ﻣﺎ ﯾﺗﺳّرب ﻣﻧﮭﺎ ﻟﺗﺑﯾﺎن اﻟﻠﺣن ﺑوﺿوح ﻏﯾر أن اﻟظن ﯾﻐﻠﺑﻧﻲ أن ﺗﻠك اﻟﺷظﯾﺎت اﻟﻣﺗطﺎﯾرة ھﻲ ﻟﻠﺣن ﯾﻧﺗﻣﻲ ﻟﺗراﻧﯾم اﻟﻛﻧﯾﺳﺔ اﻟﻘﺑطﯾﺔ، واﻟﺗﻲ ﻛﺎﻧت -إﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ أﻧﺎﺷﯾد اﻟﻣدّاﺣﯾن اﻟﺻوﻓﯾﺔ- ﻣن ﺑواﻗﻲ اﻟﻣﺣّﺑﺔ اﻟﺗﻲ أﺻر ﺧﺎﻟد ﻋﻠﻰ ﺣﻣﻠﮭﺎ ﻣﻌﮫ ﻓﻲ رﺣﻠﺔ اﻟﮭروب ﻣن اﻟﻛراھﯾﺔ.
أﻓﺗﻘد ﺳﺎرة، واﻟﺗﻲ ﻋﺎدة ﻣﺎ ﺗﺣﺿر ﻗﺑﻠﻲ. وﺑﯾﻧﻣﺎ أرﺗب أﻏراﺿﻲ ﯾﻧدﻓﻊ اﻟﺑﺎب ﺑﻐﺗﺔ ﻟﺗظﮭر ﺳﺎرة ﻣن وراﺋﮫ. أﻏراﻧﺎ دﺧول ﺳﺎرة اﻟﻣﻔﺎﺟﺊ ﻟﺑﺎب اﻟﻐرﻓﺔ أن ﻧﻠﺗﻔت ﺻوﺑﮭﺎ ﻋﻠّﻧﺎ ﻧﺟد اﻧﻘﺑﺎﺿًﺎ ﻓﻲ ﻣﻼﻣﺣﮭﺎ، ﻏﯾر أﻧﮭﺎ ﻛﻣﺎ ﻟو ﻛﺎﻧت ﺗﻘرأ أﻓﻛﺎرﻧﺎ ﻓﻲ ﺗﻠك اﻟﻣﺳﺎﻓﺔ ﺑﯾن ﻓﺗﺢ اﻟﺑﺎب وظﮭورھﺎ ﻣن وراﺋﮫ؛ ﻓﻣﺎ ظﻧﻧت أﻧﮭﺎ ﻓﻘدﺗﮫ ﻣن رﺑﺎطﺔ ﺟﺄش وھﻲ ﺗﻔﺗﺢ اﻟﺑﺎب اﺳﺗﻌﺎدت اﻹﻣﺳﺎك ﺑﮫ ﻓور أن اﻧﻔﺗﺢ اﻟﺑﺎب، ﻟﺗﺣﯾﯾﻧﺎ ﺗﺣﯾﺔ اﻟﺻﺑﺎح اﻟﻣﻌﺗﺎدة ﺑﺎﺑﺗﺳﺎﻣﺔ ﻣُدّرﺑﺔ ﻋﻠﻰ اﻹﺷراق. ﻟم أﻓﻠﺢ أﺑدًا ﻓﻲ أن أﻗﺑض ﻋﻠﻰ ﻟﺣظﺔ ﻣرﺗﺑﻛﺔ ﻟﺳﺎرة رﻏم ﻣﺎ ﺗﺗﺣﻣل ﻣن ﺑﺄس اﻟﺣﯾﺎة، ﻛﺄم ﻋزﺑﺎء ﻟطﻔل ﻣﺷﺎﻛس ھرﺑت ﺑﮫ إﻟﻰ ھﻧﺎ ﻣن زوج اﻋﺗﺎد اﻻﻋﺗداء، وأھل أﻋﺎﻧوه ﻋﻠﯾﮭﺎ، ﺑﺗﻠﻘﯾﻧﮭم إﯾﺎھﺎ أﻧﺎﺷﯾد اﻟﺻﺑر وﺣﺳن اﻟﻣﻌﺎﺷرة. ﺗﻘﺎرﺑت وﺳﺎرة أﺣﯾﺎﻧًﺎ وﺗﺑﺎﻋدﻧﺎ ﻏﺎﻟﺑًﺎ، ﻏﯾر أﻧﮫ، ﺣﺗﻰ ﻓﻲ أﺷد اﻷوﻗﺎت اﻟﺗﻲ اﻗﺗرﺑﻧﺎ ﻓﯾﮭﺎ، ورﻏم ﺧﺑرة ﺑﺎﻟﻧﺎس ﺻﻘﻠﺗﮭﺎ اﻟﺳﻧﯾن، ﻛﺎﻧت ﻛل ﻣﺣﺎوﻻﺗﻲ ﻹﯾﺟﺎد ﺛﻐرة أﻣد ﻣﻧﮭﺎ ﯾد اﻟﻌون تُقتل ﻓﻲ ﻣﮭدھﺎ. ﻣﺎ إن ﺟﻠﺳت ﺳﺎرة ﻋﻠﻰ اﻟﻛرﺳﻲ ﺣﺗﻰ ﺑدأت ﻓﻲ اﻟﺗﺣدث ﻣﻊ “ﺧﺎﻟد” ﺑﻠﻐﺔ ﻻ أﻓﮭﻣﮭﺎ ﻋن أﻣور ﻻ ﺗﺑدو أﻧﮭﺎ ﻣﮭﻣﺔ. ﺗﺻر ﻋﻠﻰ اﻟﺣرﻛﺔ أﺛﻧﺎء اﻟﺣدﯾث وأﺗﺎﺑﻌﮭﺎ ﺑﺑﺻري ﻣﻌﺟﺑًﺎ ﺑﻘوام ظل ﻣﻣﺷوق وﻓﺗﻧﺔ ﺑدا ﻟﻲ أن ﺗﻔﻠّﺗﮭﺎ اﻟﻣﺗﺄﺧر ﻣن اﻹﯾذاء ﻓﺟّرھﺎ ذاﻛرة ﻓﺗﺎة ﻓﻲ ﺟﺳد اﻣرأة. ﺑدا ذﻟك ﻓﻲ اﺧﺗﯾﺎرھﺎ ﻟﻣﻼﺑﺳﮭﺎ، اﻟﺗﻲ ﯾﺗﻧﺎزﻋﮭﺎ رﻏﺑﺔ اﻟﻔﺗﺎة ﻓﻲ اﺳﺗﻛﺷﺎف ﺟﺳد داراه اﻹﯾذاء قبلًا، وﺣرص اﻟﺳﯾدة أﻻ ﺗﺑوح ﺑﺄﻛﺛر ﻣﻣﺎ ﯾﻧﺑﻐﻲ. ﯾﺧﻠف ذﻟك اﻟﺗﻧﺎزع ﻓﺗﻧﺔ ﺗﻧﺳﻛب ﻓﻲ اﻟﺧﯾﺎل ﺑﻘدر ﻣﺎ ﺗﻣﺗﻧﻊ ﻋﻠﻰ اﻟﻧظر. ﯾزﻋﺟﻧﻲ ﺣدﯾث ﺳﺎرة وﺧﺎﻟد -أو ﺑﺎﻷﺣرى ﺣدﯾث ﺳﺎرة ﻟﺧﺎﻟد ﺣﯾث إن ﺣظ اﻷﺧﯾر ﻣن اﻟﻛﻼم ﻟم ﯾﻛن ﺳوى إﯾﻣﺎءات ﻣواﻓﻘﺔ ﻋﻠﻰ ﻛﻼﻣﮭﺎ- ﺑﻠﻐﺔ ﻻ أﻓﮭﻣﮭﺎ ﻋن ﻣواﺿﯾﻊ ﻻ أﻛﺎد أﻟم ﺑﺄطراﻓﮭﺎ. أﺗﻌﺟب ﻣن اﺳﺗطﺎﻋﺔ ﺳﺎرة اﻻﻧﻐﻣﺎس ﻓﻲ ﺣدﯾث ﺗﻛون ﻓﯾﮫ ھﻲ اﻟطرف اﻟﻣﺗﻛﻠم، ﻓﻘد اﻗﺗﺻرت إﺳﮭﺎﻣﺎﺗﮭﺎ ﻓﻲ ﺣواراﺗﻧﺎ -ﻗﺑل أن ﯾﻧﺿم إﻟﯾﻧﺎ ﺧﺎﻟد- ﻋﻠﻰ إﯾﻣﺎءات، أو إﺷﺎرات ﺗﺣﻣﻠﮭﺎ أﻧﺻﺎف ﺟﻣل. أﻛﺎد أﺟزم أﻧﻧﻲ ﻟم أﺳﻣﻊ ﺻوت ﺳﺎرة ﺑدﻗﺔ ﻣن ﻗﺑل، وإﻻ ﻛﯾف ﻟم أﻧﺗﺑﮫ ﻟﻧﺑراﺗﮭﺎ اﻟﺣﺎدة ﺗﻠك وﻛﺄن اﻟﻛﻠﻣﺎت ﺣﯾن ﺗﺧرج ﻣﻧﮭﺎ ﺗﺟﺗرح ﻟﻧﻔﺳﮭﺎ طرﯾﻘًﺎ ﻓﻲ ﺣﻠق أﺻﺎﺑﮫ طول اﻟﺻﻣت ﺑﺎﻟﯾﺑوس، ﻓﺗﺧرج ﻣﻧﮫ ﻣﺟروﺣﺔ ﻣﺧﺗﻧﻘﺔ، ﺗﻌﻠن ﻋن ﻧﻔﺳﮭﺎ ﺑﺻﺧب وﻛﺄﻧﮭﺎ ﺣﯾواﻧﺎت ﻣﻔﺗرﺳﺔ اﻧﻔﻛّت ﻟﻠﺗوّ ﻣن ﻋﻘﺎل. ﺗﺗﺣرك ﺳﺎرة ﻓﻲ اﻟﻐرﻓﺔ ﻣوزّﻋﺔ ﻧﺑرات ﺻوﺗﮭﺎ اﻟﻣدﺑﺑﺔ ﻓﻲ اﻷﻧﺣﺎء ﺣﺗﻰ ﺗﺣﺎﺻرﻧﻲ ﺗﻠك اﻟﻧﺑرات اﻟﻣدﺑﺑﺔ ﻣن ﻛل اﺗﺟﺎه، ﻓﺄﺗوﺟﮫ إﻟﻰ اﻟﻣﺑوﻟﺔ ﻛﻲ “أﻓك ﺣﺻرة”.
-٢-
ﻛم أﻓﺿّل اﻟﻣﺑوﻟﺔ ھﻧﺎ ﻓﻲ اﻟﻣﺑﻧﻰ ﻋﻠﻰ ﻏﯾرھﺎ ﻣن اﻟﻣﺑﺎول ﺧﺎرﺟﮫ، واﻟﺗﻲ ﻋﺎدة ﻣﺎ ﺗﺟﺎور ﻣﺑﺎول أﺧرى ﻛﺎﻟﺣﻣﺎﻣﺎت اﻟﻌﻣوﻣﯾﺔ. أﻣﺎ ھﻧﺎ ﻓﺎﻟﻣﺑوﻟﺔ، ﻣﺛﻠﮭﺎ ﻣﺛل ﻣﻘﻌد اﻟﺗواﻟﯾت، ﯾﻧﻐﻠق ﻋﻠﯾﮭﺎ ﺑﺎب ﻓﺗﻣﻛﻧﻧﻲ ﻛرﺟل ﻣن اﻟﺗﺑول واﻗﻔًﺎ دون اﻟﻘﻠق ﻣن أن اﻻﺳﺗﻔﺎدة ﻣن ﺗﻠك اﻟﻣﯾزة اﻟﺑﯾوﻟوﺟﯾﺔ ﻗد ﺗﻠوّث ﻗﺎﻋدة اﻟﺗواﻟﯾت، ﻛﻣﺎ ﺗﺟﻧﺑﻧﻲ اﻟﺗوﺗر اﻟذي ﯾﻠزم ﻟﻠﺣﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺑﻧطﻠون ﻓﻲ ﻣﺳﺗوى ﻣﻌﯾن لا يجوز أن ﯾﻧزل ﻋﻧﮫ. اﻵن أﻏﻠق اﻟﺑﺎب وأﺑول واﻗﻔًﺎ ﻣﺳﺗرﺧﯾًﺎ ﻛﺎﺷﻔًﺎ ﻋن ﻣؤﺧرﺗﻲ ﻋﻣدًا، ﻓﻼ ﻣﺎرة ﺧﻠﻔﻲ أﻗﻠق ﻣن ﺗﻠﺻﺻﮭم ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻗد ﯾﺗﻛﺷّف ﻣﻧﻲ اﻵن. أﻧﺗﮭﻲ ﻣن اﻻﺣﺗﻔﺎل ﺑﺎﺧﺗراع اﻟﻣﺑوﻟﺔ اﻟﻣﻧﻔﺻﻠﺔ وأﻋﯾد ﺗﻌدﯾل ھﻧداﻣﻲ. أﻧظر إﻟﻰ ﻧﻔﺳﻲ ﻓﻲ اﻟﻣرآة وأﻧﺎ أﻏﺳل ﯾدي وأﻧﺛر ﻗطرات اﻟﻣﯾﺎه اﻟطﺎھر ﻋﻠﻰ ﺑﻧطﺎﻟﻲ، ﻓﺈن ﻟم أﻓﻌل ﯾﻘدح رذاذ اﻟﺑول اﻟﻣﺗطﺎﯾر ﻓﻲ طﮭﺎرﺗﻲ وﻣن ﺛَم ﻓﻲ ﻗﺑول ﺻﻼﺗﻲ. أﻟﻘﻲ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺳﻲ ﻧظرة أﺧﯾرة ﻓﻲ اﻟﻣرآة، أﺗﺄﻛد ﻣن ﺗﻣﺎم اﻧﺗﺻﺎب ظﮭري، ﺛم أدور ﻋﻠﻰ ﻋﻘﺑﻲّ ﻋﺎﺋدًا إﻟﻰ اﻟﻐرﻓﺔ.
بينما أﻗﺗرب ﻣن اﻟﻐرﻓﺔ أﺳﻣﻊ ﺻوت ﺳﺎرة وﺧﺎﻟد ﯾﺗﺣدﺛﺎن، وﺳﺎرة ﺗﺿﺣك ﺿﺣﻛﺔ راﺋﻘﺔ ﺗﺟﻌﻠﻧﻲ أﺣث اﻟﺧطﻰ ﻛﻲ أﻟﺣق ﺑطرف ﻣﻧﮭﺎ، ﻓرﺑﻣﺎ ﺗﻛون ﺗﻠك اﻟﺿﺣﻛﺔ ھﻲ اﻟﺛﻐرة اﻟﺗﻲ أﻧﻔذ ﻣﻧﮭﺎ إﻟﻰ اﻟﺣدﯾث اﻟداﺋر ﺑﯾن اﻻﺛﻧﯾن. ﻣﺎ إن ﻓﺗﺣت اﻟﺑﺎب ﺣﺗﻰ ﯾﻧﻘطﻊ اﻟﻛﻼم وﺗﺗوﻗف اﻟﺿﺣﻛﺎت، وﯾﺗظﺎھر اﻻﺛﻧﺎن ﺑﺎﻟﺗﻠﻘﺎﺋﯾﺔ، ﺑﯾﻧﻣﺎ ﯾﻌود ﻛل ﻣﻧﮭﻣﺎ إﻟﻰ رﻛﻧﮫ ﻓﻲ اﻟﻐرﻓﺔ. أﺗﺟﺎھل ھواﺟﺳﻲ اﻷﻛﯾدة أﻧﮭﻣﺎ ﻛﺎﻧﺎ ﯾﺗﺣدﺛﺎن ﻋﻧﻲ وأذھب ﻟرﻛﻧﻲ ﻓﻲ اﻟﻐرﻓﺔ. ﺑﯾﻧﻣﺎ ﻧﻧﮭﻲ ﺟﻣﯾﻌًﺎ اﺳﺗﻌداداﺗﻧﺎ ﻟﻛﻲ ﻧﺑدأ، ﯾﻌطس ﺧﺎﻟد ﻋطﺳﺔ ﻗوﯾﺔ ﯾرﺗﺞ ﻟﮭﺎ ﺟﺳده اﻟﻣﻣﺗﻠﺊ، وﺗﻘﻔز ﻧظﺎرﺗﮫ اﻟطﺑﯾﺔ ﻣن ﻋﻠﻰ وﺟﮭﮫ، وﯾﺳﯾل ﺧط ظﺎھر ﻣن اﻟﻣﺧﺎط ﻣن أﻧﻔﮫ. ﯾﻠﻣﻠم ﺧﺎﻟد ﻧﻔﺳﮫ طﺎﻟﺑًﺎ ﻣﻧﺎ اﻟﻣﻌذرة، ﺛم ﯾﻧدﻓﻊ ﺧﺎرﺟًﺎ ﻣﻐطﯾًﺎ ﻓﻣﮫ وأﻧﻔﮫ ﺑﯾده. ﻻ ﯾﻛﺎد ﯾﺻل إﻟﻰ اﻟﺑﺎب ﺣﺗﻰ ﯾﻔﺗﻘد ﻧظﺎرﺗﮫ ﻓﯾﻌود ﻟﯾﻠﺗﻘطﮭﺎ ﺑﯾﺳراه دون أن ﯾﻧزع ﯾﻣﻧﺎه ﻋن ﻓﻣﮫ وأﻧﻔﮫ.
ما إن ﯾﻐﻠق ﺧﺎﻟد اﻟﺑﺎب، وﯾﺑﺗﻌد ﺻوت اﺣﺗﻛﺎك ﻓﺧذﯾﮫ ﺑﺑﻧطﺎﻟﮫ، اﻟﻣﻣﯾز ﻟﺧطوﺗﮫ اﻟﺳرﯾﻌﺔ، ﺣﺗﻰ أﻓﺗّش ﻓﻲ ذاﻛرة اﻟﺻﻣت ﺑﯾﻧﻲ وﺑﯾن ﺳﺎرة ﻋن ﻣوطئ ﻗدﻣﻲ اﻟﻘدﯾم. أﺳﺄﻟﮭﺎ -وأﻧﺎ ﻣﺎ زﻟت أﻓﻛر في اﻟﻣﺑوﻟﺔ- “ھل ﻓﻛرتِ أﺑدًا ﻓﻲ ﻛﺎﻣﯾرات اﻟﻣراﻗﺑﺔ اﻟﻣﺣﯾطﺔ ﺑﻧﺎ دوﻣًﺎ ھﻧﺎ ﻓﻲ ھذه اﻟﺑﻼد، ظﺎھرة ﻓﻲ اﻟﺷوارع ﻋﻧد اﻟﺗﻘﺎطﻌﺎت، وﻣﺳﺗﺗرة ﻓﻲ اﻟﻣﺑﻧﻰ ھﻧﺎ ﺑﯾن ﺛﻧﺎﯾﺎ اﻟﺳﻘف واﻷرﻛﺎن؟”. ﺗﺟﯾﺑﻧﻲ ﺳﺎرة أﻧﮭﺎ ﻻ ﺗﻧﺷﻐل ﻛﺛﯾرًا ﺑﻛﺎﻣﯾرات اﻟﻣراﻗﺑﺔ، ﻓﻘد ﺗرّﺑت ﻋﻠﻰ أﻧﮭﺎ دوﻣًﺎ ﻓﻲ ﺻﺣﺑﺔ ﻣراﻗﺑﯾن اﻓﺗراﺿﯾﯾن ﯾﺗﺣﯾﻧون ﻧﺳﻣﺔ ھواء ﺧﻔﯾف ﺗﻠﮭو ﺑرداء ﯾﻛﻧس اﻷرض ﻣن ورائھﺎ، ﺣﺗﻰ أن اﻟﺗﺻق طرف اﻟرداء ﺑﺳﺎﻗﯾﮭﺎ اﺳﺗﺣﻘت اﻟﻌﻘوﺑﺔ اﻟﺗﻲ ﯾراھﺎ ھؤﻻء اﻟﻣراﻗﺑون ﻣﻧﺎﺳﺑﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻔور؛ ﺣﺗﻰ أن ﺳﺎرة ﺗﺧﺑرﻧﻲ أﻧﮭﺎ ﻗد ﺗﻌّودت أن ﺗﻔﺿّل رطوﺑﺔ اﻟﺻﯾف اﻟﺧﺎﻧﻘﺔ ﻋﻠﻰ أن ﺗﻔاﺟئھﺎ ﻧﺳﻣﺔ ﺧﻔﯾﻔﺔ ﺗﻔﺳﺢ ﻓﻲ ﺛﻘل اﻟرطوﺑﺔ ﺛواني ﻟﻠﺗﻧﻔس، ﺑﯾﻧﻣﺎ ﺗﺿﻊ ﺟﺳدھﺎ ﺗﺣت طﺎﺋﻠﺔ اﻟﻌﻘوﺑﺔ. أﺳﺗﻣﻊ ﻟﺳﺎرة ﺑﺎﻧﺗﺑﺎه ﻟم أﻋﺗده ﻣن ﻧﻔﺳﻲ ﻛﻣﺎ ﻟم أﻋﺗد ﻣﻧﮭﺎ إطﻼق اﻟﻌﻧﺎن ﻟذاﺗﮭﺎ وذاﻛرﺗﮭﺎ، ﺗﻧﺿﺢ ﺑﮭﻣﺎ اﻟﻛﻠﻣﺎت ﻣﺛﻠﻣﺎ ﺗﻔﻌل اﻵن. ﺗﻧﮭﻲ ﺳﺎرة ﻛﻼﻣﮭﺎ ﻓﯾﺗوﻟﻰ اﻟﺻﻣت اﻟﺗﺄﻛﯾد ﻋﻠﻰ ﻗﺳوة أن ﯾﺻﺑﺢ اﻟﺗﻧﻔس ﻓﻌﻼ ﺗﻣﺎرﺳﮫ ﺗﺣت اﻟﺗﮭدﯾد! أﻧﻔض اﻟﺻﻣت ﻋﻧﻲ وأﺳﻌﻰ ﻟﻠﺗﺳﻠل ﻣن ﺗﺣت أﻧﻘﺎض ﻗﺳوة اﻟﻣراﻗﺑﯾن اﻻﻓﺗراﺿﯾﯾن وأھز ﻛﺗﻔﻲّ ﻗﺎﺋﻼ ﺑﺳﺧرﯾﺔ: “ﻣﺎذا ﻟو ﻛﺎﻧوا ﯾزرﻋون ﻛﺎﻣﯾرات اﻟﻣراﻗﺑﺔ ﻓﻲ اﻟﺣﻣﺎﻣﺎت ھﻧﺎ؟” ﺗﺟﯾب دون ﺗردد ﻣﺎزﺣﺔ، وھﻲ ﺗﻣد ﻧﮭدﯾﮭﺎ اﻟﻣﻣﺗﻠﺋﯾن إﻟﻰ اﻷﻣﺎم وﺗﺷﯾر إﻟﻰ ﺟﺳدھﺎ ﻓﻲ ﻓﺧر؛ أن ﻻ ﻣﺷﻛﻠﺔ ﻓﻠﯾس ﻟدﯾﮭﺎ ﻣﺎ ﺗﺧﺟل ﻣﻧﮫ، وﻟوﻻ ﺑرودة اﻟﺟو ﻟﻛﺎﻧت رﻗﺻت ﻓﻲ اﻟﺷوارع ﻋﺎرﯾﺔ. ظﻠت ﺻورة ﺳﺎرة ﺗرﻗص ﻋﺎرﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﺷﺎرع ﺛﺎﺑﺗﺔ أﻣﺎم ﻋﯾﻧﻲ، ﻟم تبددها طﻘوس اﻟﺿﺣﻛﺎت اﻟﻘﺻﯾرة اﻟﺗﻲ ﺗﻌﺑر ﺑﻧﺎ اﻟﺑرزخ ﺑﯾن اﻟﻛﻼم واﻟﺻﻣت.
ﻟم ﺗﻛن ﺻورة ﺳﺎرة ﻋﺎرﯾﺔ ﺟدﯾدة ﻋﻠﻰ ﻣﺧﯾّﻠﺗﻲ، ﻏﯾر أﻧﮭﺎ ﻛﺎﻧت داﺋﻣًﺎ ﺗﺷﯾﺢ ﻋﻧﻲ ﻗﻠﯾﻼً، وﺗﺗﺧذ زواﯾﺎ ﺑﻌﯾﻧﮭﺎ ﺣﺗﻰ ﺗداري ﻋﻧﻲ ﻧدوﺑًﺎ ﺧﻠّﻔﮭﺎ إﯾذاء زوﺟﮭﺎ اﻟﺳﺎﺑق. ﻛﺎﻧت ﺗﻠك اﻟﻧدوب ﻋﻠﻰ ظﮭرھﺎ وﻛﺗﻔﮭﺎ اﻷﯾﺳر داﺋﻣًﺎ ﺗﻔﺗﺢ ﻟﻲ ﺛﻐرات ﻓﻲ ﺟﺳد ﺳﺎرة أﻣد ﻣﻧﮭﺎ ﯾدي ﻣطﺑﺑًﺎ، وﺗﻔﺗﺢ ﻟﻲ أﯾﺿًﺎ ﺛﻐرات ﻓﻲ ذاﻛرﺗﮭﺎ أﻣد ﻓﯾﮭﺎ ﻣن ﺣﻛﻣﺗﻲ ﻣواﺳﯾًﺎ. اﻵن؛ ﺗرﻗص ﺳﺎرة ﻋﺎرﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﺷﺎرع وﻟم ﺗﺗﺣول ﺗﻠك اﻟﻧدوب إﻟﻰ ﻓراﺷﺎت، أو إﻟﻰ ﺧطوط ﻣن ﻧور، ﺑل اﺧﺗﻔت ﺗﻣﺎﻣًﺎ ﺑﻼ أﺛر. اﻧدﻣﻠت ﺑﺷرة ﺳﺎرة ﻟﺗﺻﯾر ﺳطﺣًﺎ أﻣﻠس ﻣﺗوھﺟًﺎ ﻻ ﻧﺗوء ﻓﯾﮫ، واﻧﻐﻠﻘت ﻋﻧﻲ ذاﻛرﺗﮭﺎ ﺣﯾن اﺳﺗﺣﺎﻟت ﺛﻐراﺗﮭﺎ إﻟﻰ دﻗﺎت إﯾﻘﺎع ﺗرﻗص ﻋﻠﯾﮫ ﺟﺳدًا ﻋﺎرﯾًﺎ ﯾﺗﻣﺎﯾل ﻛﺎﺷﻔًﺎ ﻋن ﻛل ﺗﺿﺎرﯾﺳﮫ ﻓﻲ اﻟﺷﺎرع، وﺣﺗﻰ ﻓﻲ ﻣﺧﯾّﻠﺗﻲ أﻧﺎ اﻵن ﻓﻘط أﺷﺎھد ﺟﺳد ﺳﺎرة اﻟﻌﺎري ﻣن ﺑﻌﯾد.
بينما أﺗﻘﮭﻘر إﻟﻰ اﻟﺻﻣت أﻣد ﯾدي ﻷﺗﺣﺳس ﻣﻛﺎن اﻟﻧدوب اﻟﻘدﯾﻣﺔ ﻓﻲ ﺟﺳد ﺳﺎرة، أﻓﺗش ﺑدﻗﺔ أﻛﺛر ﻋن أﻣﺎﻛن اﻟﺛﻐرات اﻟﻘدﯾﻣﺔ، ﻓﺄﻧزﻟق ﻋﻠﻰ ﺳطﺢ ﺑﺷرة ﻧﺎﻋﻣﺔ وأﻧﺳﻛب ﺑﯾن ﺗﺿﺎرﯾس ﻓﺎﺋرة ﺗﺑﻌﺛرﻧﻲ ﺑﯾن أﻧﺣﺎﺋﮭﺎ. أﺳﺗﺟﻣﻊ ﻧﻔﺳﻲ. ﻣﺎ أﻓﻛّر ﻓﯾﮫ اﻵن إﻧﻲ أﺣﺳدھﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺂﺳﯾﮭﺎ، ﻓﺗﻠك اﻟﻣﺂﺳﻲ اﻟﺗﻲ اﺳﺗﺑدت ﺑﮭﺎ ﻣﻧذ اﻟطﻔوﻟﺔ ھﻲ ﻣﺎ ﻗطﻌت اﻟﺳﺑل ﺑﯾﻧﮭﺎ وﺑﯾن اﻹﻟﮭﺎءات. وﻟم ﯾﻌد ﺑﯾﻧﮭﺎ وﺑﯾن اﻟوﻗوع ﻓﻲ ھوة ﺳﺣﯾﻘﺔ ﺳوى أن ﺗﺳﻌﻰ ﻓﻘط ﻟﻸﻣﺎم، ﺗراﻛم ﻧﺟﺎح ﻓوق اﻵﺧر، ﻓﻛل ﺗﻠك اﻟﻌﯾون اﻟﺗﻲ ﺗﻼﺣﻘﮭﺎ ﻣﻧﺗظرة ﺳﻘوطﮭﺎ وﻛل ﺗﻠك اﻷﯾﺎدي اﻟﺗﻲ ﺗﻔﺗش ﻋن ﺛﻐرة ﻟﺗﻣد ﻟﮭﺎ ﯾد اﻟﻌون -اﻟﺻﺎدﻗﺔ أﺣﯾﺎﻧًﺎ واﻟﻛﺎذﺑﺔ ﻏﺎﻟﺑًﺎ- ﻟم ﺗﺳﻣﺢ ﻟﺳﺎرة ﺑﻠﺣظﺔ رﻛون ﻟﻠدﻋﺔ. ﺣﺗﻰ إن ﻛﻔرت بالله، ﻓﻠرﺑﻣﺎ أراد ﷲ أن ﯾﺧﻠﺻﮭﺎ ﻣن اﻹﯾﻣﺎن ﺑﺎﻟﻐﯾب ﺣﺗﻰ ﺗﺧﻠص ﻓﻲ إﻧﺟﺎز اﻟﻧﺟﺎح اﻟﻣﺎدي ﻓﻲ اﻟﺣﯾﺎة، ﻓﻠرﺑﻣﺎ ﻛﺎن ذﻟك ھو ﻣراد ﷲ ﻣﻧﮭﺎ. ﻛم أﻧتِ ﻣﺣظوظﺔ ﺑﺑؤﺳك ﯾﺎ ﺳﺎرة!
يقترب ﺧﺎﻟد ﻣن اﻟﻐرﻓﺔ. أﺳﻣﻊ ﺻوﺗﮫ ﻓﻲ اﻟﻣﻣر ﻣﺎزﺣًﺎ ﻣﻊ ﺟﯾراﻧﻧﺎ ﻓﻲ اﻟﻐرف اﻟﻣﺟﺎورة، ﻓﻘد اﺳﺗطﺎع ﺧﺎﻟد أن ﯾﻛوّن ﺻداﻗﺎت ﺳرﯾﻌﺔ ﻣﻊ ﺟﯾراﻧﻧﺎ. ﯾﻠزﻣﮫ ﺑﻌض اﻟوﻗت ﻟﯾﻌرف ھؤﻻء اﻟﺟﯾران ﻋﻠﻰ ﺣﻘﯾﻘﺗﮭم وﯾﻛف ﻋن اﻟﻛﻼم ﻣﻌﮭم، وﻟﯾس اﻟﻣزاح ﻓﻘط. ﯾدق ﺧﺎﻟد اﻟﺑﺎب ﺛم ﯾدﺧل ﻣﺗﺣرّﺟﺎ ﻛﻌﺎدﺗﮫ، ﻓﻠم أره ﯾدﺧل اﻟﻐرﻓﺔ أﺑدًا إﻻ ﻣﺗﺣرّﺟﺎ. ﺗﻠﻘﻲ ﺳﺎرة ﻣزﺣﺔ ردﯾﺋﺔ ﻋﻠﻰ إﺻرار ﺧﺎﻟد ﻋﻠﻰ اﻟدق ﻋﻠﻰ اﻟﺑﺎب ﻗﺑل اﻟدﺧول، ﺛم ﺗدﻋوه ﻟﻣﺷﺎرﻛﺗﻧﺎ ﺣدﯾث اﻟﻛﺎﻣﯾرات، ﻓﺗﻘول ﻟﮫ ﻣﺎزﺣﺔ إﻧﻲ أﺧﺷﻰ إن ﻛﺎﻧوا ﯾﺛﺑﺗون ﻛﺎﻣﯾرات ﻟﻠﻣراﻗﺑﺔ ﻓﻲ اﻟﺣﻣﺎﻣﺎت، وﺗﺳﺄﻟﮫ إن ﻛﺎن ھو ﯾﺧﺷﻰ ذﻟك. ﯾﺟﯾﺑﻧﺎ أﻧﮫ ﻟم ﯾﻔﻛر ﻓﻲ اﻷﻣر، وﻟم ﯾﮭﺗم ﺑﮫ، غير أﻧﮫ اﻵن – وھو ﯾﻔﻛر ﻓﻲ اﻷﻣر- ﻻ ﯾﺧﺷﻰ ﺳوى ﻋﻠﻰ ذﻟك اﻟﻣﺳﻛﯾن اﻟذي ﻗﺎده ﺣظﮫ اﻟﺗﻌس أن ﺗﻛون وظﯾﻔﺗﮫ ھﻲ ﻣراﻗﺑﺔ ھذا، ورﺑت ﻋﻠﻰ ﻛرﺷﮫ اﻟﻣﺗﮭدل ﺿﺎﺣﻛًﺎ. ﻗطﻊ ﺧﺎﻟد اﻟﺿﺣك وﺗوﺟّﮫ إﻟﻲّ ﺑﺎﻟﺳؤال ﻣﺳﺗﻔﮭﻣًﺎ ﻋن ﻟﻣﺎذا ﻗد أﺧﺷﻰ ﻣن أن ﺗُﺛﺑّت ﻛﺎﻣﯾرات اﻟﻣراﻗﺑﺔ ﻓﻲ اﻟﺣﻣﺎم.
-٣-
ﻟم أﻋﺗد أن أﻓﺻﺢ ﻋن ﻣﺧﺎوﻓﻲ ﻣﻧذ ﻓﺗرة ﻟﯾﺳت ﺑﺎﻟﻘﺻﯾرة، وﻟم أﻋﺗد أن ﯾطﻠب ﻣﻧﻲ أﺣدھم اﻟﺣدﯾث ﻋن ﻧﻔﺳﻲ، ﺑل ﻛﺎن داﺋﻣًﺎ ﻣﺎ ﯾﺗوﺟﮫ ﺣدﯾﺛﻲ ﻟﻶﺧرﯾن ﻋﻧﮭم. وﻓﻲ ﺗﻠك اﻟﻣرات اﻟﻘﻠﯾﻠﺔ اﻟﺗﻲ ﺗﺣدﺛت ﻟﻠﻧﺎس ﻋﻧﻲ ﻛﻧت ﻓﻘط أﺷﺎرﻛﮭم ﻣن ﺗﺟﺎرب ﺣﯾﺎﺗﻲ ﻣﺎ ﻗد ﯾﺳﺗﻌﯾﻧون ﺑﮫ ﻣن ﺧﺑرات ودروس ﻓﻲ ﺣﯾواﺗﮭم. ﻟﯾس ﺑﻲ رھﺑﺔ ﻣن ﻣﺷﺎرﻛﺔ ﻣﺎ أﺧﺷﺎه ﻣﻊ اﻟﻧﺎس، ﺑل ﻛل ﻣﺎ ﻓﻲ اﻷﻣر أن اﻟﺣﯾﺎة أﻓﺻﺣت ﻋن ﻣﻛﻧوﻧﮭﺎ، ﻓﺗﺑدّت ﻟﻲ أﻗرب ﻟﻠﺑداھﺔ اﻟﻌﻘﻠﯾﺔ ﻣﻣﺎ ﯾﺗﺻّور ﻣﻌظم اﻟﻧﺎس اﻟذﯾن ﯾﺳﻠّﻣون أﻧﻔﺳﮭم ﻟﺗﻼطم اﻟﻣﺷﺎﻋر اﻟﺗﻲ ﻻ ﻣﺑرر ﻋﻘﻠﻲ ﻟﮭﺎ. ھﻛذا ﺻرت أﺷﻌر ﺑم أﻓﻛر ﻓﯾﮫ ﻓﻘط، أﺣب ﻣﺎ ﯾرﺗﺎح ﻟﮫ ﻋﻘﻠﻲ وأﻛره وﺟود ﻣﺎ ﻻ ﻣﻧطق ﻟوﺟوده. ﻛذﻟك ﺻﺎرت ﻣﺧﺎوﻓﻲ ﻣن اﻟﺑداھﺔ ﺑﻣﻛﺎن ﺣﯾث ﻟم ﺗﻌد ﻣوﺿوﻋًﺎ ﻟﻠﺣدﯾث اﻟﺷﯾق؛ ﻓﺄﻧﺎ ﻣﺛﻼ أﺧﺷﻰ اﻟﻧﺎر ﻷﻧﮭﺎ ﺗﺳﺑب اﻷﻟم، وأﺧﺷﻰ أن ﯾﻛون ھﻧﺎك ﻣن ﯾﺗﻠﺻص ﻋﻠﻲّ ﺧﻠﺳﺔ وأﻧﺎ ﻓﻲ اﻟﺣﻣّﺎم ﻷﻧﮫ أﻣر ﻻ ﯾﺻﺢ. ﺣﺎوﻟت اﻟﺗﮭرّب ﻣن ﺳؤال ﺧﺎﻟد غير أﻧﻲ ﻟم أرد أن أﺣﺑط ﻧظرات ﺳﺎرة، اﻟﺗﻲ ﺑدت ﻟﻲ ﻣﻧﺗظرة ﺟواﺑﻲ. رﺗﺑت ﺣﺟﺟﻲ اﻟﻌﻘﻠﯾﺔ ﻓﻲ ﻣراﻓﻌﺔ ﺑﻠﯾﻐﺔ ﻋن ﻓﺿل اﻻﻋﺗﻧﺎء ﺑﺎﻟﺣﺷﻣﺔ، وﻣﺎ إن ھﻣﻣت ﺑﺎﻟﺣدﯾث ﺣﺗﻰ رنّ ھﺎﺗف ﺧﺎﻟد ﻣﺻدرًا اﻟﺻوت اﻟﻣﻣﯾز ﻻﺳﺗﻼم رﺳﺎﺋل ﻋﻠﻰ ﺗطﺑﯾق اﻟواﺗﺳﺎب. ﺗﻠﻘﻰ ﺧﺎﻟد اﻟرﺳﺎﻟﺔ ﺑدھﺷﺔ ﻻﻣﺳت أطراف اﻟﮭﻠﻊ، ﺣﺗﻰ ﻗطﻌت ﺣدﯾﺛﻲ ﻗﺑل أن أﺑدأه، واﻧﺗﺑﮭتُ ﻟﺳﺎرة وﻗد ﻛﺎد اﻟﻔﺿول ﯾﻠﻘﻲ ﺑﮭﺎ ﺧﺎرج ﺣدود اﻟﻠﯾﺎﻗﺔ ﻟﺗﺳﺄل ﺧﺎﻟد ﻋن ﻓﺣوى اﻟرﺳﺎﺋل. أﻣﺳك ﺧﺎﻟد ﺑﺣدود اﻟﻠﯾﺎﻗﺔ ﺗﻠك وأزاﺣﮭﺎ ﻗﻠﯾﻼ ﺣﯾث دﻋﺎﻧﺎ ھو ﻻﺳﺗﻛﺷﺎف ﻓﺣوى اﻟرﺳﺎﺋل. ﺳﻌدت ﺑدﻋوة ﺧﺎﻟد ﺗﻠك، ﻓﻘد أﻧﻘذﺗﻧﻲ ﻟﻠﺗو ﻣن أن أرﺗﺑك أﻣﺎم ﺳﺎرة ﻣرﺗﯾن ﻓﻲ ﻧﺻف ﺳﺎﻋﺔ. ﺗﻛّوم ﺛﻼﺛﺗﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺧﺎﻟد ﻟﻧﺟد أﻧﻔﺳﻧﺎ ﻧطﺎﻟﻊ ﺻورًا ﻟﺷﺎب ﺑﯾن اﻟﺧﺎﻣﺳﺔ ﻋﺷر واﻟﻌﺷرﯾن ﻣن اﻟﻌﻣر؛ ﻣﻌﺟﺑًﺎ ﺑﺑروز ﻋﺿﻼﺗﮫ، ﻻ ﯾرﺗدي ﺳوى ﻟﺑﺎس ﺑﺣر ﻗﺻﯾر ﻛﺎﺷﻔًﺎ ﻋن ﻧﺻﻔﮫ اﻟﻌﻠوي وﻣﻌظم ﻓﺧذه. ﻧﺗﺳﺎءل ﻣﺗﺷﻛﻛﯾن ﻋن ﻣن ﯾﻛون ذﻟك اﻟﺷﺧص ﻓﻲ اﻟﺻور، ﻓﯾؤﻛد ﺧﺎﻟد إﻧﮫ ھو ﻣﻧذ ﻋﺷر ﺳﻧوات أو أﻛﺛر. ﻻ أﺳﺗطﯾﻊ اﻟﻘول ﺑﺄﻧﻧﻲ ﻛﻧت أﺗوّﻗﻊ ﻟﺧﺎﻟد ﻣﺎﺿﯾًﺎ رﯾﺎﺿﯾًﺎ، ﻏﯾر أﻧﻧﻲ ﻟم أﻧدھش، ﻓﺗﻘﻠب اﻟزﻣﺎن أﺣﺎطﻧﻲ ﺑﺄﺧدود ﻋﻣﯾق ﺗﺗﺳﺎﻗط ﻓﯾﮫ اﻷﺷﯾﺎء اﻟُﻣدھﺷﺔ ﻗﺑل أن ﺗﺻل إﻟﻲّ.
تساءلت ﺳﺎرة ﻋن ﻣﺎ ﺣدث ﺑﻧﺑرة ﻟم ﺗﺳﺗطﻊ أن ﺗﺧﻔﻲ إﺷﻔﺎﻗًﺎ ﻣﺳﺗﺗرًا، ﻓﺎﻧطﻠق ﺧﺎﻟد ﺣﺎﻛﯾًﺎ ﻋن ﻣﺎﺿﯾﮫ اﻟذي ﻗﺿﺎه ﻓﻲ اﻟﭼﯾم، ﺣﺗﻰ ﺻﺎر أﻗرب ﻣﺎ ﯾﻛون ﻟﺗﻣﺛﺎل إﻟﮫ إﻏرﯾﻘﻲ. ﺗﺗﺣﻣس ﺳﺎرة وﺗﺳﺗﻔّزه ﻟﯾﺣﻛﻲ ﻣﻐﺎﻣرات ذﻟك اﻹﻟﮫ ﻣﻊ اﻟﻣُﻌﺟﺑﺎت، ﻓﯾﺧﺑرﻧﺎ أن ﻋﻼﻗﺗﮫ ﻣﻊ اﻟﻔﺗﯾﺎت اﻧﺣﺻرت ﻓﻲ أﻧﮫ ﻟم ﯾﻛن ﺳوى ﺻدﯾق اﻟﺑطل، أو اﻟﺑطل اﻟﺻدﯾق، ﺣﯾث ﻛﺎن ﯾﺻطﺣﺑﮫ رﻓﺎﻗﮫ ﻓﻲ ﻟﻘﺎءاﺗﮭم اﻟﺗﻲ ﺟﻣﻌﺗﮭم ﺑﺎﻟﻔﺗﯾﺎت، ﻓﺎﻧﺿﻣﺎم ﺷﺎب ﭼﯾم ﻟﻠرﻓﺎق ﯾﺟذب اﻟﻔﺗﯾﺎت ﻟﻠﺷﻠﺔ ﺑﺷﻛل ﻋﺎم، ﯾﺗوزﻋون ﻋﻠﻰ أﻋﺿﺎﺋﮭﺎ ﻣن اﻟﻔﺗﯾﺎن ﻛﯾﻔﻣﺎ اﺗﻔق. ﯾﺗﺑدّى اﻹﺷﻔﺎق ﻓﻲ ﺻوت ﺳﺎرة أﻛﺛر وھﻲ ﺗدﻋوه ﺣﺎﻧﯾﺔ ﻻﺳﺗﺋﻧﺎف ﻣﺎﺿﯾﮫ اﻟرﯾﺎﺿﻲ ﻣﻌﮭﺎ، وﻣﻊ آﺧرﯾن ﻣن ﺳﻛﺎن اﻟﻣﺑﻧﻰ ﻟم ﯾﺳﺗطﯾﻌوا اﻟﺗﻧﻔس ﻓﯾﮫ ﺳوى ﻣن ﺧﻼل اﻟﯾوﺟﺎ، واﻟرﻗص، وﻣﻣﺎرﺳﺔ اﻟرﯾﺎﺿﺔ ﺑﺷﻛل ﻋﺎم. ﯾﻧزﻋﺞ ﺧﺎﻟد ﻣن إﺻرار ﺳﺎرة ﻋﻠﻰ اﻟﺷﻔﻘﺔ ﺑﮫ، ﻟﯾﺧﺑرﻧﺎ أﻧﮫ ﻟم ﯾﺗوﻗف ﻋن اﻟرﯾﺎﺿﺔ ﺗﻛﺎﺳﻼ ﺑل ﺑﻘرار واعٍ. ﺗﺗﺣول ﻣﻼﻣﺢ ﺧﺎﻟد ﻟﻠﺟدﯾﺔ، وﯾﻧﻔض ﻋن ﻧﻔﺳﮫ اﻟﺗﻠﻌﺛم، وﺑﻌض اﻟﺷﺣوم اﻟزاﺋدة ﻟﯾﺷﺗﻌل ﻓﺟﺄة ﺑذﻟك اﻟوھﺞ اﻟذي اﻋﺗﺎدت “أﺛﯾﻧﺎ” أن ﺗﻠﻘﯾﮫ ﻋﻠﻰ “أودﯾﺳﯾوس” ﻓﻲ رﺣﻠﺔ ﻋودﺗﮫ إﻟﻰ “إيثاكا”، ﺛم ﯾﻧطﻠق ﻣﺣﺎﺿرًا إﯾﺎﻧﺎ ﻋن ﺗﺎرﯾﺧﮫ اﻷﺳري. ﯾﺧﺑرﻧﺎ ﻋن ﻗﺳوة واﻟدﯾﮫ ﻣﻌﮫ، واﻟﺗﻲ رﻏم ﺧﻠوّھﺎ ﻣن اﻹﯾذاء اﻟﺑدﻧﻲ، إﻻ أﻧﮭﺎ أﻧﺟزت ﻣﮭﻣﺗﮭﺎ إذ ﺣﻔرت ﻓﻲ وﻋﯾﮫ ﺧطوطًﺎ ﺣﻣراء ﻟﮭوﯾّﺔ ﻣُﺳﺑﻘﺔ ﯾﺷﻛل ﻓﻲ ﺣدودھﺎ ذاﻛرﺗﮫ؛ رﺳﻣت ﺗﻠك اﻟﺧطوط ﺣدودًا واﺿﺣﺔ ﺗﻔﺻل ﺑﯾن اﻟﻧﺟﺎح واﻟﻔﺷل، ﻛﺳطﺣﯾن أﻣﻠﺳﯾن ﻻ ﻧﺗوء ﻓﻲ أي ﻣﻧﮭﻣﺎ، ﻓﺎﻟﻧﺎﺟﺢ ﻧﺎﺟﺢ ﻓﻲ ﻛل ﺷﻲء واﻟﻔﺎﺷل ﻓﻲ ﺷﻲء ﻓﺎﺷل ﻓﻲ ﻛل ﺷﻲء؛ وﺧﺎﻟد وﻟدﻧﺎ ﻧﺎﺟﺢ ﻓﻲ ﻛل ﺷﻲء ﻗطﻌًﺎ. ھﻛذا ﺻﺎر ﺧﺎﻟد ﻣﺿرب اﻷﻣﺛﺎل ﺑﯾن ﻓﺗﯾﺎن اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ ﻓﻲ اﻟﺗﺣﺻﯾل اﻟرﯾﺎﺿﻲ واﻟدراﺳﻲ، ﻻ ﯾﻌرف ﻟﺟﺳده ﺷﮭوة وﻻ ﻟﻌﻘﻠﮫ ﻧزوة. ﺣﺗﻰ ﺣﯾﻧﻣﺎ ﺣﺎوﻟتُ اﺳﺗﻔزازه ﻟﺗذﻛر ﻟﺣظﺔ ﺗﻣرّد ﻣراھق -وﻗت اﻛﺗﺷف ﻓﯾﮫ ﺷﮭوﺗﮫ- ﺗﻣﻧّﻌت اﻟذﻛرى ﻋﻠﯾﮫ، ﯾﻘول إﻧﮫ ﯾﺗذﻛر ﺑﻌض اﻟﺗوﺗر ﺑﺷﻛل ﺿﺑﺎﺑﻲ، وﻛﺄن ذاﻛرﺗﮫ طردت ﻛل ﻟﺣظﺎت اﻟﻧزق ﻣن ﺗﺎرﯾﺧﮫ. ﻟم أﺗوﻗﻊ اﺧﺗﺑﺎر ﻗﺳوة اﻷھل ﻣن ﺧﺎﻟد، ﻏﯾر أﻧﻲ ﻻ أﺳﺗﻐرﺑﮭﺎ ﻓذﻟك اﻟﺗدﻟﯾل ﻻ ﯾُﻣﺎرس ﻣﺟﺎﻧًﺎ ﻓﻌﺎﺋﻼت اﻟﺷراﺋﺢ اﻟﻌﻠﯾﺎ ﻣن اﻟطﺑﻘﺔ اﻟﻣﺗوﺳطة ﺗﺣب أن ﺗرى أﺛر ﻣﺎ ﯾﻧﻔﻘوﻧﮫ ﻓﻲ أﺑﻧﺎﺋﮭم، وھم ﻋﻠﻰ ﻋﻛس أھﺎﻟﯾﻧﺎ اﻟﺑﺳطﺎء، ﯾﺳﺗطﯾﻌون ﺑﯾﻧﮭم وﺑﯾن أﻧﻔﺳﮭم أن ﯾﺟدوا ﻣﺑررات ﻗوﯾﺔ لادﻋﺎء ﻣﻠﻛﯾﺔ ﻋﻠﻰ ھوﯾﺎت أﺑﻧﺎﺋﮭم.
ازداد ﺗوھّﺞ ﺧﺎﻟد وھو ﯾﺣﻛﻲ ﻋن ذﻟك اﻟﯾوم اﻟذي ﻗرر ﻓﯾﮫ أن ﯾﺗوﻗف ﻋن اﻟذھﺎب إﻟﻰ اﻟﭼﯾم، ﻓﻔﻲ ﯾوم ھدﺗﮫ اﻟﺻدﻓﺔ ﻟﺗﺳﺟﯾل ﻓﯾدﯾو ﻟﺟﻠﺳﺔ ﻣدﯾﺢ ﺻوﻓﻲ. ﻟم ﯾﻧﺗﺑﮫ ﻛﺛﯾرًا ﻟﻠﻛﻼم اﻟﻣُﻐﻧّﻰ، ﻏﯾر أﻧﮫ اﻧﺟذب ﻟﻺﯾﻘﺎع وﻟﻣﻧظر ﺻﻔوف اﻟﺣﺿور وھم واﻗﻔون يتمايلون ﻋﻠﻰ اﻹﯾﻘﺎع ﻣﺳﻠّﻣﯾن أﻧﻔﺳﮭم ﻟدﻗﺎﺗﮫ. ﺗﺳرّب اﻹﯾﻘﺎع إﻟﻰ ﺟﺳد ﺧﺎﻟد، ﺣﺗﻰ إذا ھم ﺑﺎﻟﺗﻣﺎﯾل ﻣﻌﮭم أﻋﺎﻗﮫ ﺗوﺗر ﻋﺿﻼﺗﮫ واﻧﺗﺻﺎﺑﮭﺎ ﻓوق ﺑﻌض، ﻓﺎﻣﺗﻧﻊ ﻋﻠﯾﮫ اﻟﺣﺎل اﻟﺗﻲ ﯾﻔﻘد ﻓﯾﮭﺎ اﻟﺷﻌور ﺑذاﺗﮫ. ﻛره ﺧﺎﻟد ﺣﯾﻧﮭﺎ ﺗﻠك اﻟﻌﺿﻼت اﻟﺗﻲ ﺗﻛﺑّل روﺣﮫ داﺧل ﺻورة ﺟﺳده، ﻓﺎﻣﺗﻧﻊ ﻋن اﻟذھﺎب إﻟﻰ اﻟﭼﯾم. ھﻧﺎ ﺗوﻗف ﺧﺎﻟد ﻋن اﻟﻛﻼم. ﻗﺑل دﻗﺎﺋق ﻛﺎن ﺧﺎﻟد “ﻏﻠﺑﺎن، ﻣﺗدﻟﻊ، ﻗﻠﯾل اﻟﺧﺑرة” أﻣﺎ اﻵن ﻓﮭو ذﻟك اﻟﻣﻔوّه طﻠﯾق اﻟﻠﺳﺎن اﻟذي ﻟو ﻟم ﯾﺗوﻗف ﻋن اﻟﻛﻼم ﻟﻛﻧﺎ ﺳﻧﺗﻣﺎﯾل ﻋﻠﻰ إﯾﻘﺎع ﻛﻠﻣﺎﺗﮫ ﻛﻣﺎ ﺗﻣﺎﯾل ھو ﻋﻠﻰ إﯾﻘﺎع اﻟﻣداح.
ران اﻟﺻﻣت ﻋﻠﯾﻧﺎ، ﺣﺗﻰ ﻗطﻌﺗﮫ ﺳﺎرة ﺑﻌد أن ﺑذﻟت ﺟﮭدًا ﻣﺿﻧﯾًﺎ ﻟﺗﻌﺎود اﻹﻣﺳﺎك ﺑﺻوﺗﮭﺎ. ﻟم ﺗﺳﺗطﻊ أن ﺗﻔﻠّت ﺧﯾط اﻟﺷﻔﻘﺔ ﻋﻠﻰ ﺧﺎﻟد ﻣن ﯾدھﺎ، ﻓﺄﺧﺑرﺗﮫ أﻧﮫ إن ﻛﺎن ﻗد ﺗﺻّوف، ﻓﻼ ﻣﺎﻧﻊ ﺑﯾن ذﻟك وﺑﯾن أن ﯾﻌﺗﻧﻲ ﺑﺻﺣﺗﮫ. ﻟم ﯾﻧﺗﺑﮫ ﺧﺎﻟد، ﻓﻲ ﺗوھّﺟﮫ اﻹﻟﮭﻲ، إلى إﻧﻛﺎر أﺳﺑﺎب ﺷﻔﻘﺔ ﺳﺎرة، ﺑل أﺟﺎب ﺑﺎھﺗﻣﺎم أﻧﮫ ﻣﻧذ أن “ﺗدرْوش” وھو ﯾﺟد ﻧﻔﺳﮫ متصلًا ﺑﺎﻟﻔﻘراء واﻟﺿﻌﻔﺎء واﻟﻣﮭﻣّﺷﯾن، واﻗﻌًﺎ ﻓﻲ ﻏرام ﻛل ﻣﺎ ھو ﻏﯾر ﻣﻛﺗﻣل؛ ﯾﻔﺻﺢ ﺧﺎﻟد ﻋن ﺣﺑﮫ ﻟﻠﻐﻧﺎء اﻟﻘدﯾم ﻟﯾس ﺑﺎﻟﺿرورة ﻟﺧﺑرة ﺑﮫ، وﻟﻛن ﻟﺣﺑﮫ ﻟﺻوت اﻟﺧﺷﺧﺷﺔ. ﯾﺣب اﻟﺑﺣث ﻋن ﻓﻧﺎن ﻣﺟﮭول ھﻧﺎ، وﻓﯾﻠﺳوف ﻟم ﯾﻛﺗب ﺷﯾﺋًﺎ ﻣﺷﮭورًا ھﻧﺎك ﻟﯾﻘﯾﻧﮫ اﻟﺗﺎم أن ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑل ﻛل ﻧﺟم ﻻﻣﻊ ﻗد ﻧﺟد أﻟﻔًﺎ أﻛﺛر ﻟﻣﻌﺎﻧًﺎ ﻏﯾر أن اﻟظروف ﻟم ﺗﺳﻧﺢ ﻟﮭم ﻟﯾﺑرزوا. اﻧزاﺣت اﻟﮭﺎﻟﺔ اﻟﻣﺣﯾطﺔ ﺑﺧﺎﻟد ﺑﻐﺗﺔ وھو ﯾﺗﺣدث ﻓﻌﺎد ﻟﺗﻠﻌﺛﻣﮫ اﻷول، وﻣﻌﮫ اﺳﺗﻌﺎد اﻟﺷﺣوم اﻟﺗﻲ ﻛﺎن ﻗد ﻓﻘدھﺎ قبل ﻗﻠﯾل، ﻟﯾﻣﺳك ﺑﮭﺎ ﺳﺎﺧرًا ﻣؤدﯾًّﺎ أﻣﺎﻣﻧﺎ ﻣﺷﮭدًا ﯾﺗﺣدث ﻓﯾﮫ ﻣﻊ ﺷﺣوﻣﮫ ﻣﺗﺣﯾّرًا، ﻓﻣﺛل اﻟﻌﺿﻼت اﻟﻣﺗوّﺗرة ﻛﺑﻠﺗﮫ اﻟﺷﺣوم اﻟﻣﺗﮭدﻟﺔ ﻋن اﻟﺣرﻛﺔ. ﯾﺧﺑرﻧﺎ ﺧﺎﻟد ﺑﺎﻟﻛﺷف اﻟذي ﺗﺟﻠّﻰ ﺑﮫ ﻣؤﺧرًا وھو أن اﻟﺟﺳد ﻛﻠﮫ ﺗﻛﺑﯾل ﻟﻠروح، وﯾﻔﺻﺢ ﻋن رﻏﺑﺗﮫ ﻓﻲ اﻟﺗﺧﻠص ﯾوﻣًﺎ – ﯾودّه ﻗرﯾﺑًﺎ – ﻣن ذﻟك اﻟﺛﻘل اﻟﺟﺳدي ﻟﺗﻧﺟﻠﻲ ﻓﯾﮫ روﺣﮫ. ﯾﺑدد ﺧﺎﻟد ﺳﺣﺎﺑﺔ اﻟوﺟوم ﺳرﯾﻌًﺎ ﻓﯾﺣوّل اﻟﺣدﯾث ﻟﻧﺎ داﻋﯾًﺎ إﯾﺎﻧﺎ أن ﻧﺷﺎرﻛﮫ ﻗﺻص ﻣﺎﺿﯾﻧﺎ.
-٤-
رﻏم أن ﺧﺎﻟد ﻛﺎن ﻗد وﺟّﮫ ﻟﻲ ﺳؤاﻟﮫ اﻷﺧﯾر، إﻻ أن ﺳﺎرة ﻣزﻗت ﺧط اﻟﻧظر ﺑﯾﻧﻲ وﺑﯾﻧﮫ ﺑﻧﺑراﺗﮭﺎ اﻟﺣﺎدة، ﻓﺗدﺧّﻠت ﺑﻣﺷﺎرﻛﺔ ﻗﺻﺔ إﯾذاء زوﺟﮭﺎ. ھﺎ ھﻲ ﺳﺎرة ﺗﺧﺑر ﺧﺎﻟد ﻋن ﷲ اﻟذي اﻋﺗﺎدت أن ﺗﺷﻛو إﻟﯾﮫ ﻓﻠم ﯾزدھﺎ إﻻ ﺻﺑرًا ﻋﻠﻰ اﻟﺑﻼء، دون أن ﯾرﻓﻌﮫ. ﺛم ﺗﺣﻛﻲ ﻋن اﻟﻠﯾﻠﺔ اﻟﺗﻲ ﻗررت ﻓﯾﮭﺎ أﻧﮭﺎ ﺳﺗﺗوﻗف ﻋن اﻟﺻﺑر وﺳﺗرد اﻟﺿرﺑﺔ ﺿرﺑﺎت. ﻟﻣﻠﻣت ﺳﺎرة ﻣﺗﺎﻋﮭﺎ وﻣﺗﺎع اﺑﻧﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﻠﯾل. ﻓﻲ اﻟﯾوم اﻟﺗﺎﻟﻲ، ﺗﻌﻣّدت أن ﺗُﻔﺳد اﻟﻣﻠﺢ ﻓﻲ وﺟﺑﺔ اﻟﻐداء، وﺑﯾﻧﻣﺎ ﯾﮭم زوﺟﮭﺎ ﺑﺿرﺑﮭﺎ ﺑﺎﻟﺣزام، ﻋﺎﺟﻠﺗﮫ ﺑﺎﻟزھرﯾﺔ ﻓﻲ رأﺳﮫ. ﻓﻘد اﻟرﺟل وﻋﯾﮫ؛ ﺗﺄﻛدت أﻧﮫ ﯾﺗﻧّﻔس، ﺛم ﺣﻣﻠت ﺳﺎرة ﻣﺗﺎﻋﮭﺎ وﻣﺗﺎع اﻟطﻔل وھرﺑت ﻋﻧد ﺻدﯾﻘﺔ ﻟﮭﺎ أﺧﻔﺗﮭﺎ ﻋن اﻟﻧﺎس ﺣﺗﻰ أﺗﻣت ﺳﺎرة ﺗﺟﮭﯾزات اﻟﺳﻔر، وﺳﺎﻓرت ﺑﺎﻟﻔﻌل ﺑﻌد ﺗﻠك اﻟواﻗﻌﺔ ﺑﺄﺳﺑوﻋﯾن. أﻋﺎدت ﺳﺎرة ﺗﻠك اﻟﻘﺻﺔ ﻣرات وﻣرات ﺧﻼل اﻟﻌﺎﻣﯾن اﻟﻔﺎﺋﺗﯾن. ﻓﻲ ﻛل ﻣرة ﻛﻧت أﺗرﻗّب أن ﺗﻐﯾّر ﺗﻔﺻﯾﻠﺔ ﻣﺎ، ﻛﺄن ﺗﺳﺗﺑدل ﺑﺎﻟﺣزام ﺧرطوﻣًﺎ أو ﺑﺎﻟزھرﯾﺔ منفضة ﺳﺟﺎﺋر. ﻏﯾر أﻧﮭﺎ اﻟﺗزﻣت اﻟرواﯾﺔ نفسها اﻟﺗﻔﺎﺻﯾل نفسها وﻛﺄﻧﮭﺎ ﺗﺳﺗذﻛرھﺎ ﻛل ﻟﯾﻠﺔ ﻗﺑل أن ﺗﻧﺎم. أﺗﻘﻧت ﺳﺎرة ﺣﻛﺎﯾﺗﮭﺎ ﺗﻣﺎﻣًﺎ ﺣﺗﻰ ﺗطﺎﺑﻘت ﻣواﺿﻊ اﻟﺳﻛﺗﺎت واﻟوﻗﻔﺎت ﻓﻲ اﻟرواﯾﺔ وﻟﯾس ﻓﻘط ﺗﻔﺎﺻﯾل ﻣﺎ ﺣدث. ﻟم ﯾﺗﺷﻛك ﺧﺎﻟد ﻓﻲ اﻟﺣﻛﺎﯾﺔ، ورﻏم ﺳﻣﺎﻋﮫ إﯾﺎھﺎ أول ﻣرة ﻟم ﯾﻘﻔز إﻟﻰ رأﺳﮫ اﻟﺳؤال اﻟذي ﻟم ﯾﻔﺎرﻗﻧﻲ، وھو ﻛﯾف ﯾﻣﻛن ﻟﺳﺎرة إﻧﺟﺎز ذﻟك اﻟﺗﺣول اﻟﺣﺎد ﺑﯾن ﯾوم وﻟﯾﻠﺔ؟ ﻣﺎ إن اﻧﺗﮭت ﺳﺎرة ﻣن ﺣﻛﺎﯾﺗﮭﺎ ﺣﺗﻰ وﻗف ﺧﺎﻟد ﻣﺻﻔﻘًﺎ ﻣﺣﯾﯾًﺎ إياها ﻋﻠﻰ ﺷﺟﺎﻋﺗﮭﺎ، ﺑﻣﺎ ﺑدا ﻟﻲ أن ﺧﺎﻟد أراد أن ﯾﺳﻛت ﺳﺎرة، ﻓﺄﻋطﺎھﺎ ذروة اﻟﺗﻘدﯾر اﻟذي إن ﺟﺎوزﺗﮫ ﺻﺎر ﻛﻼﻣﮭﺎ إﺳراﻓًﺎ. اﻟﺗﻔت إﻟﻲّ ﺧﺎﻟد ﻣﺷﺟّﻌﺎ ﻋﻠﻰ أن أﺷﺎرﻛﮭم ﻗﺻص “ﺷﻘﺎوة” اﻟﻣﺎﺿﻲ، ﻓﻘﻠت ﻟﮭم أن ﻻ ﺷﻘﺎوة ﻟﻲ، ﻓﺄﻧﺎ اﻋﺗدت ارﺗداء اﻟﻘﻣﯾص واﻟﺑﻧطﻠون ﻣﻧذ أن ﻛﻧت طﻔﻼ، وأﻛﺎد أﺟزم أن ﻻ ﺻورة ﻟﻲ أﺑدًا ﺑﺎﻟﺷورت. وﻷدﻟل ﻋﻠﻰ ذﻟك أرﯾﺗﮭم ﺻورة ﻟﻲ وأﻧﺎ طﻔل رﺿﯾﻊ أرﺗدي ﺑدﻟﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﺑرﺑطﺔ ﻋﻧق. ﺣﺗﻰ اﻟذﻗن، ﺗﻘول ﻟﻲ أﻣﻲ إﻧﻧﻲ وﻟدت بشعيرات ﺧﻔﯾﻔﺔ ﻧﺎﺑﺗﺔ ﻋﻠﻰ وﺟﮭﻲ.
أﻋﻠم ﻣﺎ ﺗﻔﻛرون ﺑﮫ، ﻓﻣﺎ اﻟذي ﻗد أھرب ﻣﻧﮫ؟ وأﻧﺎ اﻟذي اﺗّﺧذت طرﯾﻘًﺎ ﻣﺳﺗﻘﯾﻣًﺎ طوال ﺣﯾﺎﺗﻲ؟ ﻓﻲ اﻟﺣﻘﯾﻘﺔ أﻧﻧﻲ أﻛﺛر اﻟﮭﺎرﺑﯾن؛ ﻓﺑﯾﻧﻣﺎ ھرب ﻛل ﻣﻧﻛم ﻣن ﺷﻲء ﺑﻌﯾﻧﮫ ھرﺑت أﻧﺎ ﻣن ﻛل اﻷﺷﯾﺎء اﻟﺗﻲ ھرﺑﺗم ﻣﻧﮭﺎ ﻣُﺟﺗﻣﻌﺔ. ﻓﻘد ﻟﻌﺑت اﻟرﯾﺎﺿﺔ ﻏﯾر أﻧﻲ ھرﺑت ﻣن اﻟﺣﺻول ﻋﻠﻰ اﻟﺟﺳد اﻟﻣﺛﺎﻟﻲ واﻟذي ﯾﺳﺗدﻋﻲ اﻟﺗزاﻣًﺎ ﺻﺎرﻣًﺎ ﻟﻠﺣﻔﺎظ ﻋﻠﯾﮫ. ﻗرأت اﻟﻔﻠﺳﻔﺔ واﻷدب وﻣﺎرﺳت اﻟﺳﯾﺎﺳﺔ، ﻏﯾر أﻧﻲ ھرﺑت ﻣن اﻟﺷك واﻟﺗﻣرّد اﻟذي ﻗد ﯾﺗوﻟّد ﻋﻧﮭﻣﺎ. ﻋرﻓت ﷲ ﻟﻛﻧﻲ ھرﺑت ﻣن أن أﺣﻣﻠﮫ ﺳﯾﻔًﺎ ﻋﻠﻰ رﻗﺎب اﻟﺧﻠق. أدرﻛت ﻣﺎ ﯾُﻔﺿﻲ إﻟﯾﮫ ﻛل طرﯾق ﺛم اﺧﺗرت أن أﻗف ﻓﻲ ﻣﻧﺗﺻف ﻛل اﻟطرق. ﺧطوة أﺧرى ﻓﻲ ھذا اﻻﺗﺟﺎه أو ذﻟك ﻛﺎﻧت ﺗﻌﻧﻲ ﺧَﺻﻣًﺎ ﻣن اﺳﺗﻘﻼﻟﻲ واﻧﻐﻣﺎﺳًﺎ ﻓﻲ ﺷﻲء ﻣﺎ أﻋﻠم أﻧﮫ ﻟن ﯾﺧﻠو ﻣن اﻟﻣﻧﻐﺻّﺎت. ھرﺑت ﻣن ﺻﯾف ﺧﺎﻧق وﺷﺗﺎء ﻏﺎرق ﻓﻲ اﻟوﺣل إﻟﻰ ﻣﺑﻧﻰ زﺟﺎﺟﻲ أﺷﺎھد ﻣﻧﮫ ﺗﻘﻠﺑﺎت اﻟطﺑﯾﻌﺔ أﯾًّﺎ ﻣﺎ ﻛﺎﻧت؛ ﺻﺣﯾﺢ أن ﺣواﺋطﮫ اﻟزﺟﺎﺟﯾﺔ ﺗﻌﺗﺻرﻧﺎ، ﻏﯾر أﻧﻲ أﻧﺳلّ ﻣﻧﮭﺎ إﻟﻰ ﷲ ﻓﻲ ﻏرﻓﺔ اﻟﺻﻼة إن أردت. ﺻﺣﯾﺢ أن ﺗﻠك اﻟﻌﯾون اﻟﺗﻲ ﻛﺎﻧت ﺗﺗﺑﺟﺢ ﻓﻲ ﻣﻼﺣﻘﺗﻧﺎ ھﻧﺎك اﺳﺗﺑدل بها ھﻧﺎ ﻛﺎﻣﯾرات ﺗﺗﺧﻔﻰ ﻓﻲ اﻷرﻛﺎن، ﻏﯾر أﻧﻲ أﻋﻠم أن ﻻ ﻛﺎﻣﯾرات ﻓﻲ اﻟﺣﻣّﺎم، وأن اﻟﻣﺑوﻟﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﺎب”. ﺗﻌﺎﻟت ﺿﺣﻛﺎت ﺧﺎﻟد ﻋﻧد ذﻛر اﻟﻣﺑوﻟﺔ، ﻓﺷﺎرﻛﺗﮫ اﻟﺿﺣك ﻋﺎﻟﯾًﺎ، فقفزت ﺳﺎرة ﻋﻠﻰ ﻓﺎﺻل اﻟﺿﺣك اﻟﻣﺷﺗرك ﺑﯾﻧﻲ وﺑﯾن ﺧﺎﻟد ﻟﺗﺳﺄﻟﮫ ﻋن ﺣﺿرات اﻟذﻛر، وھل أﻓﻠﺢَ ﻓﻲ إﯾﺟﺎد أيّ ﻣﻧﮭﺎ ھﻧﺎ، ﻓﺄﺟﺎب ﺧﺎﻟد إﻧﮫ ﻣﻧذ اﻧﺗﻘل ﻣﻌﻧﺎ إﻟﻰ اﻟﻣﺑﻧﻰ اﻓﺗﻘد اﻟﺣﺿور ﻓﻲ ﺟﻠﺳﺎت اﻟذﻛر، ﻓﻣﻣرات اﻟﻣﺑﻧﻰ اﻟﻣﺣﺎطﺔ ﺑﺎﻟﻣﻌدن واﻟزﺟﺎج ﻣﻧﻌت روﺣﮫ ﻣن اﻟﺗﺣﻠﯾق ﻣﻊ اﻟﺣﺿرات، ﻓﺎﻟﺗﺟﺄ إﻟﻰ اﻟرﻗص واﻟذي ﻛﺎن أﺗﻘﻧﮫ ﺑﺷﻛل ھﺎوٍ ﻗﺑل أن ﯾﺄﺗﻲ إﻟﯾﻧﺎ، ﻓﺻﺎرت ﺟﻠﺳﺎت اﻟﺳﺎﻟﺳﺎ واﻟﺗﺎﻧﺟو ھﻲ اﻷوﻗﺎت اﻟﻘﻠﯾﻠﺔ اﻟﺗﻲ ﯾﺷﻌر ﻓﯾﮭﺎ ﺑﺧﻔﺔ ﺟﺳده، إذ ﯾؤدي ﺧطوات اﻟرﻗﺻﺔ ﺑﺷﻛل ﺗﻠﻘﺎﺋﻲ ﻋﻠﻰ اﻹﯾﻘﺎع. ﺗﺣدﺛت ﺳﺎرة ﻋن ﺣﺑﮭﺎ ﻟﻠرﻗص أﯾﺿًﺎ وﻣﻣﺎرﺳﺗﮭﺎ إﯾﺎه، ﺛم أوﻣﺄت ﻟﻲ وھﻲ ﺗﻘول ﻻھﯾﺔ وﻋﻠﻰ ﺷﻔﺗﯾﮭﺎ اﺑﺗﺳﺎﻣﺔ ﺳﺎﺧرة، ﻣﻠﻣّﺣﺔ إلى أﻧﻧﻲ اﻟوﺣﯾد ﻓﻲ اﻟﻐرﻓﺔ اﻟذي ﻻ ﯾﺳﺗطﯾﻊ اﻟرﻗص، ﻓﻠرﺑﻣﺎ ﻛﺎن اﻟرﻗص ﺧطوة ﻣن ﺗﻠك اﻟﺧطوات اﻟزاﺋدة اﻟﺗﻲ أﺗﮭﯾّﺑﮭﺎ. ﯾﺳﺗﻔّزﻧﻲ ﺗﺣدي ﺳﺎرة اﻟﻣﺳﺗﻣر ﻟﻲ اﻟﯾوم ﻓﺄﺟﯾب: “ﻟﯾس اﻷﻣر أﻧﻲ ﻻ أﻗدر ﻋﻠﻰ اﻟرﻗص، ﺑل أﻗدر إن أردت”، ﻗﺎطﻌﺗﻧﻲ ﺳﺎرة ﻣﺷﯾرة ﻟﺧﺎﻟد وأﺧﺑرﺗﻧﻲ أن ﻟدي اﻟﻔرﺻﺔ اﻵن ﻷﺟرب، ﻓﻠدﯾﻧﺎ ھﻧﺎ راﻗص ﻣﺎھر. اﺳﺗﺟﺑت ﻻﺳﺗﻔزاز ﺳﺎرة ﻋﻠﻰ اﻟﻔور، ﻓﺎﻟﺗﻔﺗت ھﻲ ﻟﺧﺎﻟد وأﺧﺑرﺗﮫ ﺿﺎﺣﻛﺔ أن ﯾﺑدأ ﻣﻌﻲ ﺑﺎﻟﺳﺎﻟﺳﺎ ﻛﻲ ﻻ ﺗﺗﮭﺷم ﺗﻠك اﻟﻌﺿﻼت اﻟﻣﺗﯾّﺑﺳﺔ. دﻓﻌﻧﻲ اﻟﺗﺣدي إﻟﻰ اﻟوﻗوف أﻣﺎم ﺧﺎﻟد، أﺣﺎطﻧﻲ ﺑﯾﻣﯾﻧﮫ وأﻣﺳك ﯾﻣﯾﻧﻲ ﺑﯾﺳراه، وﻛﺎﻧت ﺗﻠك أول ﻣرة ﯾﺗﻼﻣس ﻛﻔّﺎﻧﺎ. ﻟدھﺷﺗﻲ وﺟدت ﻟﮫ ﻛﻔًّﺎ ﺧﺷﻧًﺎ ﯾﻠﯾق ﺑﻣُزارع ﻻ ﺑﻔﺗﻰ ﻣدﻟل. ﺑدأت اﻟﻣوﺳﯾﻘﻰ، وﺑﯾﻧﻣﺎ ﯾﻘوم ﺧﺎﻟد ﺑﺗوﺟﯾﮫ ﺧطواﺗﻲ وﺟدﺗﮫ وﻗد اﺳﺗﻌﺎد ﻣن اﻟوھﺞ اﻟذي أﺣﺎط ﺑﮫ ﺣﯾن ﻛﺎن ﯾﺣﻛﻲ ﻋن ﻗﺳوة أﺳرﺗﮫ. ﻟم أﺳﻣﻊ اﻟﻣوﺳﯾﻘﻰ ﺟﯾدًا، وﻟم أﻧﺗﺑﮫ ﻟﺗوﺟﯾﮭﺎت ﺧﺎﻟد أﯾﺿًﺎ، وﻻ ﺿﺣﻛﺎت ﺳﺎرة اﻟﺳﺎﺧرة اﻟﺗﻲ ﻟم أﺳﻣﻌﮭﺎ ﻟﻛﻧّﻲ ﻗد اﺳﺗﻧﺗﺟﺗﮭﺎ. ﻛل ﻣﺎ ﻛﻧت أﻓﻛر ﻓﯾﮫ ﻛﺎﻧت ﺗﻠك اﻟﮭﺎﻟﺔ اﻟﻣُﺣﯾطﺔ ﺑﺧﺎﻟد وﻛﯾف ﯾﻣﻛن أن ﯾﻔﻘدھﺎ وﯾﺳﺗﻌﯾدھﺎ ﺑﺗﻠك اﻟﺳﮭوﻟﺔ. ﯾﺑدو أن وﻗﺗًﺎ ﻣرّ وﺧﺎﻟد ﯾﺣﺎول أن ﯾﻠﻔت اﻧﺗﺑﺎھﻲ ﻟﺗﻌﺛر ﺧطواﺗﻲ، وأﻧﺎ ﻻ أﺳﻣﻊ ﺷﯾﺋًﺎ. ﻟم أﻧﺗﺑﮫ إﻻ ﺣﯾﻧﻣﺎ ﺗدﺧﻠت ﺳﺎرة ﺑﺗﺻﻔﯾق ﺗﺣﯾﯾﻧﺎ ﺑﮫ، ﺛم أوﻗﻔت اﻟﻣوﺳﯾﻘﻰ وأﺧﺑرﺗﻧﺎ أﻧﮭﺎ ﻗد ﺗﻔﺎﺟﺄت ﺑﻘدرﺗﻲ ﻋﻠﻰ ﺗﻌﻠم اﻟﺧطوات ﺑﺳرﻋﺔ، ﻓﺣﺟزت ﻟﻲ وﻟﺧﺎﻟد اﻵن ﻓﻲ ﻓﺻل ﻟﺗﻌﻠﯾم رﻗص اﻟﺳﺎﻟﺳﺎ ﯾﺑدأ اﻷﺳﺑوع اﻟﻣﻘﺑل. ﺛم اﺳﺗدرﻛت -دون أن ﺗﺑذل ﻣﺟﮭودًا ﻛﺑﯾرًا ﻓﻲ إﺧﻔﺎء ﺗﺣدّﯾﮭﺎ إﯾﺎي- ﻟﺗﺧﺑرﻧﻲ أﻧﻧﻲ ﻣن اﻟﻣﻣﻛن أن أﻟﻐﻲ اﻟﺣﺟز إن أردت. اﻟﺗﻔتّ ﻟﺧﺎﻟد وﻗﻠت: “ﻻ ﻣﺎﻧﻊ ﻟدي إن ﻛﺎن ﻻ ﻣﺎﻧﻊ ﻟدى ﺧﺎﻟد”. ﻓﺄﺟﺎب ﺑﺎﻟﻣواﻓﻘﺔ.
ﺳﺄذھب إذن ﻣﻊ ﺧﺎﻟد اﻷﺳﺑوع المقبل ﻟﻧرﻗص اﻟﺳﺎﻟﺳﺎ. ﻻ ﻣﺷﻛﻠﺔ. ﻋدت إﻟﻰ رﻛﻧﻲ ﻓﻲ اﻟﻐرﻓﺔ، وﻛذﻟك ﺧﺎﻟد ﺑﻌد أن اﺳﺗﻌﺎد ﺗﻠﻌﺛﻣﮫ ﻋﺎد ﻟرﻛﻧﮫ ﻓﻲ اﻟﻐرﻓﺔ وھو ﯾﺗﺻﺑب ﻋرﻗًﺎ، ﻟﻧﺑدأ ﻣﻣﺎرﺳﺔ طﻘوس ﯾوﻣﻧﺎ. ﻏﯾر أﻧﻲ ﻟم أﺳﺗطﻊ أن أﻗﺎوم ﺗﻠك اﻟرﻏﺑﺔ ﻓﻲ اﺳﺗراق اﻟﻧظرات ﻟﺧﺎﻟد، ﺗﺣت ﺣراﺳﺔ ﺳﺎرة. ظﻠﻠت أﺳﺗرق ﻟﺧﺎﻟد ﻧظرات طوﯾﻠﺔ ﻣﺗﺳﺎﺋﻠﺔ ﻟم أدِر ﻋﻣﺎ ﺗﻔّﺗش، أﻋني ﻣﺎ ﯾﺳﺗﺗر ﻣن ﺧﺎﻟد ﺧﻠف ذﻟك اﻟطﻔل اﻟﻣدﻟل اﻟﻣﺗﻠﻌﺛم اﻟﺑﺎدي ﻋﻠﻰ اﻟﺳطﺢ، أم ﻛﻧت أﻓّﺗش ﻋن ﻣﺎ ﯾﺳﺗﺗر ﻣﻧﻲ ﻓﯾﮫ؟
فازت هذه القصة بالمركز الأول في مسابقة “يوماً ما” التي نظمها موقع مدى مصر بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي سنة ٢٠١٩

 

آدم: ضرس

Ian Ingramو Castle of the Tooth Fairy, 2017. Source: artsy.net

سبع عجائز يشربن الشاي ويقرضن الفصفص ويتفلنه نحو أبعد مسافة، لعبتهن المعتادة كل ليلة. صوت تشويش يأتي من راديو بعيد يبث أغنية بحرية لإحدى الفرق الشعبية المنقرضة. القمر نازل مضيء بقوة، يكاد يجلس معنا ويشرب الشاي. نجلس في المزرعة قرب البيت الطيني ذي الإضاءة الخافتة، الخارجة من الفوانيس المعلقة في كل مكان، نهيق حمار وأصوات أبقار في الحظيرة وحمحمة حصان في الإسطبل. أنا الذكر الوحيد، ابن أمي المستندة على الشجرة ورأسي في حضنها، بلغتُ الثالثة عشرة قبل عدة أيام. ذكرت إحدى العجائز المرتعشات حكايتي وهي تضحك مبديةً أسنانها المنخورة. تقول إنّها تتذكر أنّني – في الفترة التي راحت تحُكّني فيها لثتي وقد أوشكت أسناني على الخروج – عضضتُ ساق أمي، ثم عضضتُ مؤخرة الكلب الدمية وبكيت كثيرًا لأنه لم يتألم أو يهوهو مثل الكلاب في التلفاز.

استمر في القراءة

طعم الوصول | عماد فؤاد: لم يكن خطأً يا آدم

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Brussels, London / 1746. Source: raremaps.com

لو سألني أحد عن معنى كلمة فن، فسوف أجيب: “يد أمّي وهي تطبخ”
ولو طُلب منِّي أن أقول شِعراً، لرفعت ملعقة وقلت: “تذوَّق”
أوّل رائحة علقت بأنفي فصرت أتشهّاها مذ كنت طفلاً، كانت صدر أمي، تحملني على بطنها بيد، لتنحني قاطفة باليد الأخرى ثمر الطماطم من أرض خضراء في ظهيرة مشمسة، كانت تقيني حر الشمس بطرحتها المفرودة على رأسي، وأنفي يتشمم في الظل رائحة حلوة لثمر يانع
اليوم، وأينما كنت، لا أنتظر العودة إلى البيت حتى أفتح كيس الطماطم أو علبته بعد خروجي من أي سوبر ماركت، أتناول عنقود الثمر وأتشمم الرائحة، وحين أجدها غامرة أغمض عيني وأنا أتنفسها طويلاً. وحين لا أجدها، ألعن التمدّن الذي أوصلنا إلى ثمر بلا طعم ولا رائحة

استمر في القراءة

نهال الهجين: الساعة

1315 rendition of “Design for the Water Clock of the Peacocks” from the Book of the Knowledge of Ingenious Mechanical Devices by Badi al-Zaman ibn al-Razzaz al-Jazari (1136–1206). Source: metmuseum.org

كان بيليق على أمي الذهب علشان بشرتها بيضاء، وأنا بيليق عليا الفضة أكتر علشان طالعة سمراء لأبويَ. جبت لها ساعات كتير في مناسبات ياما، بس فضلت عايزة تاخد الساعة الفضي بتاعتي لأنها عاجباها أكتر من كل الساعات الذهبي اللي عندها. علمًا بأن الساعة دي كانت هدية من طنط چيهان، صاحبتها اللي نافستها من غير قصد على مكانة الأمومة في حياتي.

استمر في القراءة

أمجد الصبان: اللسان

albino-children-tanzania

Tony Karumba (Getty), albino children in Tanzania, 2009. Source: newsweek.com

بعد منتصف الليل، استيقظت فجأة. رفعت رأسي قليلا عن المخدة، ونظرتُ إلي. الساعة التي تشع لونا أخضر في الظلام، كانت العقارب تشير إلي الرابعة فجرًا، قلت لنفسي ” هانت”، مجرد ساعتين وتتوفى جدتي، ثم تتغير حياتي عقبًا على رأس.
كنت أتلهف إلي لحظة وفاتها، وهي من خلقت هذه اللهفة. أخبرتني في لحظة صفاء منها، ولحظة إحباط ومعانأة شديدة مني، إنها عندما تموت سيصاب جميع أفراد العائلة باللعنة، وحينها أستطيع أن آخذ كل النقود والذهب المرصوص في بيت العائلة وأهرب بعيدًا. ثم أضافت بحب ” تستاهل إنتَ وأمك، تعبتوا كتير”.

استمر في القراءة

المرأة اليابانية: ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة ميسرة عفيفي

Hiroshige Utagawa, Good-tempered (Otonashiki), from the series “Money Trees for Virtuous Women”, 1847-52. Source: ukiyo-e.org

١
هذا كتابٌ في منتهى التشويق. عنوان الكتاب “Japan​” (اليابان)، وقد صدر عام ١٨٥٢. مؤلفه يدعى تشارلز ​ماكفارلين، ولم يسبق للمؤلف زيارة اليابان أبدًا، ولكنه يحمل اهتمامًا شديدًا للغاية باليابان. أو على الأقل يدَّعي هو ذلك. وفي كتاب “Japan” جمَّع المؤلف المقالات والأجزاء التي تتعلق باليابان في الكتب باللغات اللاتينية والبرتغالية والإسبانية والإيطالية والفرنسية والهولندية والألمانية والإنجليزية … إلخ، وألف منها هذا الكتاب الضخم. وقد جمع الكتب التي صدرت في الفترة ما بين عام ١٥٦٠ وعام ​١٨٥٠، ويذكر المؤلف أنه بدأ الاهتمام الشديد بهذا الموضوع، أي بالشأن الياباني بفضل الجنرال جيمس ​دروموند. وذكر أن دروموند هذا كان يعمل في شبابه بالتجارة والمشروعات، ورغم أن دروموند إنجليزي الأصل، إلا أنه عاش في اليابان لعدد من السنين متخفيًّا باسم هولندي. وقد قابل المؤلفُ ماكفارلين الجنرالَ دروموند في مدينة برايتون وأطلعه دروموندُ على مقتنياته من الكتب والمؤلفات النادرة التي تتعلق باليابان. ولم يقتصر دروموند على إعارة تلك الكتب للمؤلف بل زاده بأحاديث عديدة ومتنوعة عن أحوال اليابان. قام المؤلف بجعل تلك الأحاديث أحد مراجعه في الانتهاء من تأليف كتابه “Japan”. وأضاف المؤلف أن دروموند متزوج من حفيدة الروائي المشهور ​سموليت، وكانت زوجته من كبار العاشقين للأدب والكتب.
وبسبب ظروف تأليف هذا الكتاب السالفة الذكر، فهو ليس دقيقًا في محتواه كالدقة التي في كتب الرحالة الذين زاروا اليابان وعرفوها بالفعل. وفي الواقع عدم الدقة يصل لدرجة أنه عند وضع الرسومات التوضيحية التي تتخلل الكتاب، تظهر اللوحات الخاصة بكوريا على أنها من اليابان. ومع ذلك، لا يمنعنا هذا نحن المعاصرون الآن من الاهتمام بهذا الكتاب. فعلى سبيل المثال، لابد من القول إن كون الكتاب يقول جدياً إن إمبراطور اليابان يملك أعدادا كبيرة من غليون التبغ وأنه يستخدم واحدة مختلفة منها كل يوم لتدخين التبغ هو أمر في غاية الفكاهة والظرف.

استمر في القراءة

مينا ناجي: في الموت لا يوجد شهور وقرون

Elliott Erwitt, New York City, 1953. Source: magnumphotos.com

“كيف يمكن تهدئةُ ظِلِّ الموت الذي بلا حراك؟”
– جويس منصور
١
لنرجع إلى الحقائق الواقعة:
شاب سمين يتبول على قارعة الطريق.
أنا مأكول بالحزنِ واستولى عليّ الغضب،
لأنها من المؤكد ليست أنتِ
ولا يمكن أن تكون.
الأشياء المادية حزينة،
وكذلك فوق المادية.
أمشي على الأسى بقدميّ الاثنتين،
ولا أعرف عن البركة شيئاً.

استمر في القراءة

إلى حد اعتقادنا أن الفِناء سماء: شِعر حازم يحيى

Statue inside the Kom El Shoqafa catacombs (AFP image). Source: middleeasteye.net

مقبرة يونانية قديمة
في طفولتي،
دارت بي السماء فهويت إلى الأرض
على مستوى نظري تجاويفُ في الحائط
قبورٌ سريرية لعائلة قديمة
قدم هذه المدينة
ألهث والعرق يغطي جبيني
تهرع أمي بحبات بن لتَلأم الجرح.
في كهولتي،
دارت بي السماء فهويت إلى الأرض
هرعت أمي لتضع باقة زهور على قبري.

استمر في القراءة

واحد ناقص واحد: قصة كولم تويبين ترجمة محمد هاني

Colm Tóibín by Phoebe Ling. Source: colmtoibin.com

يطلّ القمر من قرب على تكساس. القمر هو أمي. هي مكتملةٌ الليلة، وأكثر سطوعًا من أسطع مصباح نيون؛ هناك تعاريج من الأحمر في لونها العنبري المنبسط. ربما كانت قمر حصاد، قمر كومانتش، لا أعلم. لم أر أبدا قُمْرة بهذا القرب، وحريصة لهذه الدرجة على بريقها العميق. الليلة، ستكون أمي قد توفيت منذ ست سنوات، وأيرلندا على بعد ست ساعات وأنت نائم.
أسير. لا أحد يسير سواي. من الصعب عبور شارع جودالوب؛ تمرق السيارات مسرعة. في متجر الجُملة للسلع الغذائية كلنا مرحب بنا، تسألني الفتاة عند المخرج إن كنت أود الحصول على عضوية المتجر. لو دفعت سبعين دولاراً، عضويتي لن تنقضي كما تقول، وسأحصل على سبعة في المئة خصم على كل المشتريات.
ست سنوات. ست ساعات. سبعون دولاراً. سبعة في المئة. أقول لها إني هنا لبضعة أشهر فقط، تبتسم وتقول مرحبا بك. أبتسم بالمقابل. مازلت أستطيع أن أبتسم. لو اتصلت بك الآن، ستكون الثانية والنصف صباحا؛ على الأرجح ستكون مستيقظا. 

استمر في القراءة

الثورة بجد: قصائد مختارة ليوسف رخا

Rakha, Iford Delta 3200 Negative, 2003

Youssef Rakha, Iford Delta 3200 Negative, 2003


رسالة إلى صديقي*

 

أكتب لكَ والمنافض أهرام من الأعقاب.
الشيء الذي حذّرتَني من دَوَامِه توقّف.
وصداع النوم المُمَزَّق يجعل الدنيا خاوية. أنت فاهم.
في جيوب الحياة ننقّب عن عملة من عصور سحيقة،
عملة صدئة وربما قبيحة لكنها سارية في سوق الأبدية.
نصبح ملائكة حين نعثر عليها. نجترها حتى نتأكد
أنها لا تشتري البقاء.
؎

استمر في القراءة

خالد الشورى: أسنان

Goerge Tiemann and Co’s Surgical Instruments. Source: pinterest.com/tedgioia

بوادر ضوء الصباح تنسل من نافذة الحمام… ضوءٌ شحيح ولكنه يكفي للرؤية.
يقف الولد أمام المرآة محدقًا في انعكاسه، شاعرًا بشفقةٍ يشوبها اشمئزازٌ تجاه نفسه.
دون أن يحيد نظره عن المرآة، يُدير مقبض الصنبور فيتدفق الماء إلى التجويف المستقر في قعر الحوض. يفتح فمه على اتساعه ويرى: هناك فراغاتٌ قبيحة، بعض أسنانه غير موجودة في محلها. يلعق لثته بطرف لسانه مكان الفراغ، طعمٌ مالحٌ وملمس لزج، كأنه يلعق حلزونًا.
يمسك في يده اليمنى كماشة معدنية، كالتي كان يستعملها والده في صيانة مواسير الحمام أو المطبخ عندما تعطب. يحوّل نظره من المرآة إلى الكماشة. لقد طالها الصدأ وتراكمت عليها الأوساخ حتى صار لونها غامقًا.
يشرد ذهنه، وتفيق ذكرى بعيدة في مكان ما داخل رأسه.

استمر في القراءة

أمل السعيدي: غشيه شعور عميق  بأنه يعرف كل شيء

Pieter Claesz, Still Life with Stoneware Jug, Wine Glass, Herring, and Bread, 1642. Source: 1642

كان يتمشى في مزرعة والده، يوزع نظره على الحقل المحروث تواً، ناعساً راح يفكر أنه لم يزرها منذ زمن بعيد. أشجار السفرجل الثلاث، في الزاوية الشمالية القصوى، تحوطها أوراقها التي طوحتها ريح الأيام الماضية. كان يجلسُ هنا كثيراً، لعلمه أن الجميع يجدون المكان بعيداً عن المنزل وعن المكان الذي ينوعون فيه الإنتاج الزراعي طوال العام. هنا كوكب آخر، فلا يمكن إدراك نوافير الري الطويلة من هذه الزاوية. لا شيء سوى أشجار مانحو ضخمة تحول بينه وبين الجميع، لكنه لم يعد يأتي إلى هنا كثيراً، يريد ذلك ويقرر فعلاً أن يعود لمرات ومرات كلما كان هنا، لكنه ما إن يبتعد قليلاً حتى لا يعود يفكر في هذا المكان.
يعمل موظفاً في أكبر شركة اتصالات في البلاد. يعود في تمام الساعة السادسة إلى شقته الصغيرة، في عمارة مميزة، ذلك لأنها تحتوي سطحاً، وسلالم داخلية تؤدي إلى السطح. يركن سيارته في قبو ضيق ورطب، ويشعر بقطرات العرق تسيلُ على ظهره في المسافة الفاصلة بين القبو والغرفة. تعود ألا يطفئ تكييف غرفته، تفادياً للحرارة الخانقة في هذا الفصل من العام. يخلع ملابسه، ولا يحتفظ إلا ببوكسر علامة كالفن كلاين، ويلقي بنفسه على الفراش. عندما تلامس أصابع قدمه برودة لحاف السرير، يحسُ بالراحة أخيراً من عناء اليوم. لا ينام، لا يتقلب، يسجّي جسده هناك طامحاً في الذوبان في شبح التراخي الضخم الذي شعر دوماً بالانتماء الحقيقي له. لكنه تلقى الآن مكالمةً من أمه. مات أبوه، وسيدفنونه هذا المساء.

استمر في القراءة

إيمان عبد الرحيم: العلامة

larger

Jock Sturges, Misty Dawn and Jeremy; Northern California, 1989. Source: artsy.net

“فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
سورة البقرة، آية ٢٥٩

 

“تاكسي! مصر الجديدة؟”
يركن التاكسي على جانب الشارع لتركب، وتنظر للساعة الرقمية فوق العداد لتجد أنها الثامنة والنصف.
في أول إشارة مرور تقابلهم في الشارع على كورنيش “المعادي”، تشرع في التأفف مللاً من الزحام، ثم إن السائق يستمع على كاسيت السيارة إلى المطرب “مصطفى كامل” بصوته القميء، في أغنية “نادم”، والتي لا يتوقف فيها عن الندب. تلوم نفسها على كونها نسيت أن تحضر معها “الإم بي فور“ وكتاب ما، لتتسلى بقتل الوقت معهما في مثل هذه السكة الطويلة.
 تذكرت أن معها ”الأيبود” ذا البطارية شبه الفارغة، لا بأس، يمكن على الأقل أن تمضي بعض الوقت بلعب فيديو جيم “كاندي كراش”. فصل شحن “الأيبود” سريعاً كما توقعت، فقررت أن تركز في الطريق. كانا قد وصلا إلى شارع “صلاح سالم”، ناحية “عين الصيرة”. الطريق بشكل عام جيد، خالي من الاختناقات المرورية، حمدت الله، وواست نفسها بوصول قريب للبيت. عند “القلعة” فوجئت بسيارات ترجع عكس اتجاه السير رغم خواء الشارع، سألت السائق متعجبة، فأجاب بأنه لا بد أن هناك شيئاً ما يحدث في مقدمة الطريق، نظرت إلى الشارع أمامها، فوجدت الشارع خاليًا من أي اختناق على مدى بصرها.

استمر في القراءة

محمود عاطف في عيد ميلاده: المسيح زائد عامين

Courtesy of Mahmud Atef

لم أكن ولدًا للرّغبة، ولم تلدني أمّي تحت شجرة، قالت العادة كن فكنت.
أهلي ساروا في طريقٍ نسوا عليه فؤوسهم من بعد خطوات “الزعيم الخالد”؛ وكلما نضجت جلود الأفندية تدفن الحقول خجلها في بذور الزرع ولا تطرح سوى الحنين*. حائرون من غير سؤال عن معنى الحيرة*، لكنّي صُنعتُ على أعينهم بين أسوار التقاليد المدينية لطبقة الموظفين، ولم أعرف براح الانعتاق طفلًا إلا عند الفلّاحين. لم تكن “أخلاق القرية” سُلواني، إنما إفلات الحبل على الغارب بلا رقابة ولا تكدير؛ هذا مع أن بيت العائلة، حيث تعيش الجدة التي قاربت التسعين من عمرها وحدها، ليس فيه سوى المشّ والعسل الأسود وبيضات فرخاتها والبتّاوي، وكل ذلك كانت تعافه شهية الفتى “أبو نضارة” بعد أيام قليلة من إقامته عند أم أبيه. حُبًّا في الحرية أمكث، وحينما يأتي الليل ألعن الوحدة ونقيق الضفادع، وتُسكِن روعي قليلًا قنوات التليفزيون الأولى والثانية.

استمر في القراءة

إسلام حنيش: طقوس العري

Peggy Washburn, “Calculating Distance”, from “Entropy”. Source: lensculture.com

أحيانًا يطيب لي أن أترك الأمر دفعة واحدة،
كالتخلص من ضغط مثانة ممتلئة،
أو كبصقة على الطريق
ثم أكمل السير باعتيادية.
الفكرة تبتسم لي
كثمرة “يوستفندي” طازجة
يموج المكان برائحتها
إلى أن يباغتني السؤال كزوار الليل،
كلافتة في الصحراء
ترفض الإقامة،
“هل السعادة هنا؟”

استمر في القراءة

إسلام حنيش: بمجرد أن يعبر الوقت

Qusair, 2007. By Youssef Rakha

لم يكن أحدٌ يعلم
ولا هي نفسها
فلم يتخذوا استعداداتٍ ضخمةً نحو أي شيء
بدا الأمرُ نزهةً
قالوا: ستعود بمجردِ أن يعبرَ الوقتُ الشارعَ
الأمرُ سهلٌ كإطعامِ الدجاجاتِ

استمر في القراءة

أمجد الصبان: الأوراق

Untitled-1

Christina de Middel, from “This Is What Hatred Did”, 2015. Source: imaonline.jp

كان فايز يتطلع إلي أعلى، إلى لافتة زرقاء تتدلى بسرعة من أعلى المبني وتضرب في الهواء بقوة قبل أن تقف عند نهاية الطابق الأول، معلنة بعد استقرار اهتزازها عن جمعية “معا” للخدمات الإنسانية. انتبه فايز إلي أحد موظفيه يقدم له مقصًا كي يقطع الشريط الشفاف. كان يتوقع بعد قطع الشريط أن يسمع ضجة كبيرة من الجماهير التي تحيط بالمكان، لكن صوت نقيق الضفدع كان أقرب إليه حتى من أصوات الموظفين المهنئة. شعر بحزن لعدم تواجد أي من الجماهير أو الإعلام على الرغم من المجهود الكبير الذي بذل في الحملة الإعلانية.
تأسست الجمعية مصادفة. كان فايز يغرق دومًا في أحلام اليقظة. ومكافأة على ذلك، أصبح كلما انخرط في حلم يجد الحلم مكتوبًا على ورقة. فرح فايز بتلك الموهبة، حتى أنها أصبحت مصدر دخله. كان يذهب إلي أحد المقاهي، يتعرف على الرواد، ثم يدخل معهم في رهان بأنه يستطيع أن يغرق المكان بالورق: ورق أزرق ينزل من السماء، وأحيانا يخرج من باطن الأرض. تحول فايز إلى نجم تتسابق إدارات المقاهي على إغرائه بالنقود كي يقيم مراهناته حصريًا في مقاهيها. 

استمر في القراءة

علي لطيف: طبيب عائلة الشامخ

Gabriel Grun, La Pequeña Aracné. Source: macabregallery.com

لا أعرف لماذا تذكرت ليلة الإثنين قبل ما يبدو كأنه الأمس، عندما أنزلتُ جسد أمي المعلق من السقف المهترئ. كنت أفكر، عندما رأيت شفتي ابن عم باسل تتحركان وتنقلان نبأ الموت قبل خمسة أعوام، بأنني في الحقيقة لا أريد الاستمرار في العيش لكنني لا أريد أن أموت.
***
لا أبالغ إذا قلت إن باسل باسل الصديق ليس رجلاً بمعنى الكلمة، ولا يرتقي حتى لمرتبة كلب. كان مع أخيه محفوظ بوابة أغرب حدث مر في حياتي منذ ليلة الإثنين تلك.
عندما أتى باسل إلى العيادة التي بدأت في العمل بها أول ما قدمت للمدينة عام ١٩٩٦ وطلب مني الكشف عليها، لم أمانع. في اليوم التالي كنت أمام منزله منتظرًا أن يفتح لي الباب.

استمر في القراءة

أمجد الصبان: حكايتان

the-king-of-cats-1935

Balthus, The King of Cats, 1935. Source: wikiart.org

حكاية الأخ العائد والأم التي أصبحت قطة
عندما رن جرس الباب، كنا نجهز طاولة الطعام. قلنا في صوت واحد:من؟فلم يجب أحد، وتوجهنا جميعًا إلي الباب. وعندما فتحناه، ارتمى على الأرض فتى بجسد نحيل. وأثناء حمله عن الأرض ووضعه علي الكنبة الحمراء المجاورة لباب الشقة، سمعنا صوت ماما يأتي من المطبخ تسأل عمّا يحدث في الخارج.
بعدها كانت تقف علي عتبة المطبخ وفي يدها سمكة كبيرة. قالت:
ده ابن كلب ، خرّجوه بره.
ثم قذفته بالسمكة، واتجهتْ إلى غرفتها.
التقط الفتى السمكة بفمه وراح يأكلها. لكنه حين لاحظ وقفتنا المتسمرة ونحن نتطلع إليه في صمت بصق ما في فمه، وعادت ملامح التعب إلى وجهه ثم حكى إنه أخونا، أي نعم، أخونا الذي تُوُفي منذ سبعة وعشرين عامًا وكان عمره حينها ستين دقيقةً فقط. وإنه بعد وفاته ظل يعمل بجهد بالغ في شق الأنهار وتجميع الحطب وإضرام النار حتي ينال لقب العامل المثالي والذي من ضمن جوائزه تذكرة عودة إلى الأرض بأي شكل يحبه. وقال بحزن إنه استنكر معاملة أمه التي جاء من أجل أن يرمم قلبها المكسور عليه.

استمر في القراءة

أمجد الصبان: لصوص النوم

By Youssef Rakha

By Youssef Rakha

كان يومي يبدو اعتياديا، كأيام كثيرة قبله. قضيته في العمل، أرتشف القهوة باستمتاع، أنظر من نافذتي إلي النيل، أفكر في فراغي العاطفي وخططي المسقبلية. لكن حين عدتُ إلي المنزل، تبدل الأمر كليا، كانت عادتي حين أصعد سُلم الطوابق الخمسة في البناية، أن أستند بذراعي علي الحائط مستجمعا أنفاسي ثم أطرق الباب. هذه المرة قبل أن أستند، جُذب الباب إلي الخلف مرة واحدة، ظهرت أختي علي يسار الباب بجسدها النحيل ونتوء حملها الذى بلغ الشهر الثامن ثم أمي البدينة في الوسط وجدتي القصيرة تتكئ علي عصاها وتبعد عن أمي قليلا علي اليمين. في نهاية الصالة، كان هناك مصباحا ضعيفا لا ينير ظلمة حجرة الجلوس. صاحت أختي: “أنا عرفت إنك سرقت النوم من صالح”، تبعتها “أنا كمان” من أمي بصوت أكثر انخفاضًا ثم صوت جدتي لا يسمع. نظرتُ إلي الأرض وحاولت تجاوزهن سريعا، إلا أنهن أحطنني ثلاثتهن، كانت رائحتهن واحدة، تشبه الأكل السليق، كن يضربن بأطراف أصابعهن علي جبتهي، ومع كل ضربة كنتُ أبتسم في نفسي كأن الضربة ستعيد لصالح نومه. قلت بغل: “مساكين”، وبخشونة  تملصتٌ منهن، وذهبتُ إلي غرفتي.

استمر في القراءة

No more posts.