طعم الوصول | سامح فوزي: طعم الثلج

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Massachusetts Pictorial Map, 1946. Source: mapsandart.com

ثمة..
رجل غريق
يشكو من
برد هائل
يخرج زاحفا
من البحر.
(سيلفيا بلاث)
في المقطع الأخير من قصيدتها الشهيرة المعنونة “حياة”، رأت “سيلفيا بلاث” المستقبل، نورس طاعن في السن، يرعاه -علي حد استعاراتها- الخَرَف والخوف ممرضتين. كم أفزعتنى رؤيتها تلك، تلك القسوة في أن ذاك المشهد تحديدًا سيكون أول ما سيراه الرجل عند خروجه من البحر وربما المشهد الوحيد الباقي إلى النهاية. ثمة شيء ما يجمعني و ذاك الغريق.

استمر في القراءة

آدم: ضرس

Ian Ingramو Castle of the Tooth Fairy, 2017. Source: artsy.net

سبع عجائز يشربن الشاي ويقرضن الفصفص ويتفلنه نحو أبعد مسافة، لعبتهن المعتادة كل ليلة. صوت تشويش يأتي من راديو بعيد يبث أغنية بحرية لإحدى الفرق الشعبية المنقرضة. القمر نازل مضيء بقوة، يكاد يجلس معنا ويشرب الشاي. نجلس في المزرعة قرب البيت الطيني ذي الإضاءة الخافتة، الخارجة من الفوانيس المعلقة في كل مكان، نهيق حمار وأصوات أبقار في الحظيرة وحمحمة حصان في الإسطبل. أنا الذكر الوحيد، ابن أمي المستندة على الشجرة ورأسي في حضنها، بلغتُ الثالثة عشرة قبل عدة أيام. ذكرت إحدى العجائز المرتعشات حكايتي وهي تضحك مبديةً أسنانها المنخورة. تقول إنّها تتذكر أنّني – في الفترة التي راحت تحُكّني فيها لثتي وقد أوشكت أسناني على الخروج – عضضتُ ساق أمي، ثم عضضتُ مؤخرة الكلب الدمية وبكيت كثيرًا لأنه لم يتألم أو يهوهو مثل الكلاب في التلفاز.

استمر في القراءة

البودكاست، مع مينا وإسلام🎙: (٢٢) الحلقة الأخيرة



Book cover courtesy of the translator

في الحلقة الثانية والعشرين والأخيرة من بودكاست (مينا وإسلام)، يلتقي الاثنان عبر زووم بمترجم كتاب جوزيف كامبل “البطل بألف وجه” الكاتب محمد جمال ومعه الكاتبين باسم عبد الحليم وأحمد زناتي ليتحدثوا عن الكتاب الشهير وعلاقته بالأدب والسينما والروحانيات. يبدأ جمال بحديثه عن المصادفات التي حكمت علاقته بالكتاب، لينتقل الحديث إلى زناتي عن علاقة الكتاب بحياته الشخصية وكتابته، وبأفكار يونج عن الأنماط الأصلية والخيمياء، ثم يتكلم عبد الحليم عن مدى رجاحة فكرة استخدام القالب الجاهز للحبكة في كتابة السيناريو والرواية المبني على مراحل الرحلة التي وضعها كامبل في الكتاب. تنتقل دفة الحوار بعد ذلك إلى محاولة الإجابة على سؤال هل انتهت الأساطير في الحداثة أو أن لها أساطيرها الخاصة المعاصرة.

 

بودكاست ختم السلطان هو إنتاج وتنسيق مينا ناجي وإسلام حنيش. هما من يختاران الضيف، ويحددان الأسئلة، ويديران الجوانب التنسيقية والتقنية. وليس للموقع فضل ولا عليه لوم غير استضافة البرنامج

محمد سعيد احجيوج: البحث عن إدمون عَمران المالح

Bruno Barbey, Tangiers, 1995. Source: magnumphotos.com

١- أفعى تلتهم ذيلها
ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية. يمكنك مثلا، كما يقول أوسكار ذو طبل الصفيح، أن تبدأ القصة من الوسط ثم تسير بها متقدما إلى الأمام أو تعود إلى الخلف لتخلق ما تشاء من حيرة وارتباك. يمكنك أن تكون حداثيا، أو بالأحرى ما بعد حداثي، وتلغي كل الإشارات إلى الزمان والمكان، ثم تعلن أنك قد حللت معضلة الزمكان. يمكنك أن تقول إنه ما عاد بالإمكان كتابة الرواية، فقد قيل كل ما يمكن أن يقال، ثم تُخرج، على غفلة، من قبعتك السحرية رواية سحرية ستكون آخر الروايات العظيمة ولن يأتي أحد بعدك بأفضل منها. ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية التي يسودها الغموض ويدثرها الجنون وتموت فيها الأحلام. إحداها تبدأ كما تبدأ القصص البوليسية. التحري الخاص يتلقى مكالمة هاتفية، أو زيارة عمل، من عميل يأتي إليه بقضية مستعجلة. لكنني لست تحريا خاصا، أنا كاتب سلسلة من الروايات بطلها رجل تحر. كان م.س يعلم ذلك حين جاءني بقضيته. أخبرته وأعدت التأكيد بأنني كاتب ولست تحريا. “لكنك تكتب عن رجل تحر، ورواياتك البوليسية محكمة الحبكة،” قال لي وجفف العرق عن جبينه، ثم تنهد ورفع كتفيه. “أنت أقرب من يمكنني الحصول عليه من رجال التحري.”

استمر في القراءة

مهاب نصر: صبيحة القيامة

Hieronymus Bosch, The Seven Deadly Sins And The Last Four Things, 1500-1525. Source: Wikipedia

صبيحة القيامة
كانت الأغلال مابرحت تطوق معصميّ
ولا أقوى على النهوض بسبب الأفكار
أو بسبب فكرة واحدة
أو لا شيء
وكان هذا يؤلمني
كما لو كنت أرى جسدا يتألم
ولا أستطيع أن أقول: اصمت حتى نعبر
ولا أصدق أن العبور صار وراءنا
والآن أثرٌ فقط

استمر في القراءة

Beirut’s Just a Place: Robin Moger Translates “Beirut Shi Mahal” (An Extract)

“A sea breeze bearing the sound of a car as it passes down the Corniche: enough to make you feel you knew these roads once, before the wars, before the city changed and became what it came to be.”

Rabie Jaber

 

The plane still pitching forward like a bullet as my head rattles and jars to words I once composed on another journey: “Let the days go by, just set your heart on the nearest table and wait.” It’s not the landing that scares me so much as this wild careen across the tarmac, as though the danger’s only real to me when it submits to gravity.

Years since I’ve returned to Cairo this way.

“Not a drop of rain fell tonight. To go away with no goodbyes: I’ve no regrets.”

In the passport queue I remember when these lines had come to me: in transit between Egypt and England, a university student, miserable most of the time, my life like a dream, transient and insubstantial against the solid reality of airports. Not poems I had expended any great time on, and maybe I’d never have thought of them again had they not rattled back into my head on the runway. Mind you, though: when they were published, several people had told me they were the strongest thing I’d written. It was only by (almost) pure chance that they had been published at all, and in Beirut, from where I’m returning.

No response to my greeting from the customs officer at his window and I’m hunched over the conveyor belt, waiting in agony for my bags. An agonising need to piss. This was one of the most exhausting trips I’ve ever taken, but it had certainly had its uses.

Has mother sent a man to wait for me among the drivers with their signs?


 

Continue Reading

أمنية منصور: والدنيا هس هس

Mohamed Nassef, Cairo, March 2019. Courtesy of the artist.

من أجل أن نلتقي في المدينة التي لا تنام. هذه القاهرة. لا تنعس حتى، أو تغمض جفنيها. عيناها على اتساعهما كل لحظة، ترصد الأفق وكأنه مبسوط فلا يحجب رؤيتها لا زحمة ولا تراص أبنية ولا فضاء. في كل الاتجاهات تُلاحق ببصرها أناسًا جالسين وقططًا حائمة. لا تغفل عن شيء. يقظتها فاتكة تعضّ ما تراه، تهشّمه أسنانها حتى تبتلعه. ظننا أن الملاذ من مراقبة القاهرة في حَوارٍ ضيقة ودهاليزَ مظلمة ولكن كيف وحتى ما يحدث في كنف الغرف المغلقة لا يخص أصحابها بل يداوي مقلتيها الحمراوين. لا ينقطع دأبهما قط.

استمر في القراءة

Youssef Rakha: The Bad Lens Files

The way the world looks through my broken phone camera:

Antoine d’Agata says, “Photographers have to accept they can just convey fragments of illusory realities and relate their own intimate experience of the world. In this process of fictionalising an unreachable truth, it’s up to them to impose their doubts about any photographic truth, or accept being impotent pawns in the mediatic game.”

I’m interested in imposing my doubts about photographic truth. These photos are small fictions that draw on and use reality. They are documents in the equivocal sense of artefacts that can evoke responses.

علي لطيف: حمرا

Sohrab Hura (schizophrenic mother with her dog), India, 2008. Source: newyorker.com

أنا من أصول يونانية، هذا على الأقل ما قالته لي ماما. ماما لا تعرف من هو والدى. أول مرة قالت لي أنه مات بإحدى المعارك الأهلية قبل ولادتي، ثم تراجعت عن هذه الرواية قبل أسابيع من موتها، وأخبرتني أن والدى هو قطيع ذئاب. أجل، هذا ما قالته. مجنونة، صح؟
في آخر أيامها كانت كذلك. انزلقت في الليمبو. كانت تجلس على الشرفة بشقتنا المطلة على ساحة كوردوزيو لساعات، وتحدق في الناس. تصرخ أحياناً وتشتم المارين والطيور القبيحة، وفي مرات تركض عارية للشارع وراء البوليس صارخةً: سالفامي! سالفامي!
كانت تبدو فزعة كأن الشيطان بلحمه يلاحقها.
لم أستطع الاعتناء بها كما يجب على ابنة العائلة، ولم أملك المال الكافي لاستخدام ممرضة تسهر على رعايتها، كان عليّ أن أعمل طوال الوقت، ثلاثة حصص يومياً، ما عدا السبت. عليكِ أن تفهمِ أنه لم يكن لدي خيار.

استمر في القراءة

نذير عبد الله: عيادة الأدب الرديء

Nan Goldin, Guido on the Dock, Venice. Source: christies.com

(١)
حالما أنهيتُ تلخيص حياتي في الفترة الأخيرة له، سَلّمَ أنّني، في الواقع، بحاجة حقيقيّة إلى برنامج علاجي، ثمّ سألني إذا ما راودتني أفكارٌ انتحاريّة. لا، أجبت، الموت لا يثير اهتمامي1 – ميشيل ويلبيك – Seretonin

(١) هل تُطيقُ وداعًا أيّها الرّجلُ 
لم أبكِ حين رأيتُ جسدها يتدلّى من السّقف، لم أجزع، لم تصبني نوبة هلع. كنتُ هادئًا تمامًا، انتظمت ضربات قلبي، وحين نظرتُ في مرآة الخزانة عن يميني بدا أنّ ابتسامة ترتسم ببطء على شفتيّ. جلستُ على السّرير، وأخذتُ أفكّر في حفلة بيلي آيلِش التي شاهدناها سويّة في هلسنكي العام الفائت، حيث كانت تلبس بيجامة خضراء مخطّطة برسومات لم أتبيّنها من موقعنا البعيد.  قرابة منتصف الحفلة غنت “ادفن صديقًا”، وأخذت تقفز يمنة ويسرة بخفّة طفلة غفل أهلها عنها. حين نبت صوتها وسط جموع المردّدين “ماذا تريد منّي؟ لماذا لا تهرب منّي؟” شعرتُ بحاجة إلى سيجارة، فنظرتُ إلى سارة التي انحسر حجابها عن مقدّمة رأسها قليلًا بفعلِ تحريك اليدين المستمرّ إلى أعلى وإلى الوراء، اقتربتُ كثيرًا منها كي تسمعني:
– سارة، بدّي أطلع أدخّن سيجارة
– ما تروح، خلّيك
– بس…
– ما في تروح.
أمسكت ذراعي اليمين وشدّتني إليها، وضعت يديها أعلى حوضي، وقفت على رؤوس أصابعها وقبّلتني “هاي بدل السيجارة”، ثمّ أعادت تثبيت حجابها.

استمر في القراءة

الصالون، مع إيمان علي – الحلقة الرابعة: الأعمال الكاملة لوديع سعادة

؏

بودكاست الصالون إنتاج وتنسيق وتقديم إيمان علي، تحرير صوتي: محمود علي. وليس للموقع فضل ولا عليه لوم غير استضافة البرنامج. 

Shadi Rohana: Cervantes and the Arabs (Don Quixote in Translation)

This is the text of a paper given at the the Humanities Institute of the University of California at Santa Cruz on 22 May 2019

The Aljamiado Manuscript, a Qur’anic exegesis (tafsir) manuscript from 16th-century Arévalo written in Castilian using the Arabic alphabet. Source: ballandalus.wordpress.com

The story which I’m about to tell you today is the history —or, rather, la historia, which in the Spanish language means both story and history— of how Miguel de Cervantes’ novel El ingenioso hidalgo don Quijote de la Mancha, or, in English, The Valorous and Witty Knight-Errant Don Quixote of the Mancha, was translated into Arabic.

Two weeks ago, after I finished writing this first paragraph in my study room in Mexico City, I began reading it out loud to myself to test how it may sound to you. However, back then in Mexico City, as I reached the written word “Quixote,” how it is written in English —Q U I X O T E— my reading was interrupted by the silence of the following question: How am I to pronounce to you, in English, the name of our world-famous caballero? Am I going to pronounce it, here in Santa Cruz, as دون كيهوتِ, as some of my north-American friends do —with an “h” sound in the middle— or the Anglicized دون كْويكْسوتِ, the way many English-language speakers in Britain, to my surprise, still do?[1]

Continue Reading

𝐹𝑜𝓊𝓃𝒹 a young woman with child and a young man in love with her

I’d rather think about a young woman with child and a young man in love with her even though he’s not the father of her child, the two of them are the only ones in the world, and he, the young man, is thinking that the young woman makes him so happy that even though he isn’t the father of the child she’s carrying he has to help her, they have to find a place where she can give birth, the young man thinks, and then the two of them, the man and the woman, go off to find a place somewhere and someone who can help, but as they’re walking it starts to rip and tear inside the young woman’s body and then they’re at a farm, they go up and knock on the door but no one opens up, so either there’s no one home or else no one wants to open the door for them, but the house is dark so probably there’s no one there, so they go into the hay barn, there are some cows in the stalls, some sheep walking around in the main part of the barn, and it’s probably the heat that the animals are giving off that makes it less cold in the barn than it is outside, so the girl lies down in the straw and there she gives birth to a baby and she says that an angel has told her she would give birth to a baby boy so it must be a boy, she says, and she says that the angel told her not to be scared because God was with her and the young man sees that a light is coming from the child, an incomprehensibly beautiful light, and then the young woman takes her breast and she gives it to the baby and the boy falls silent, and he sucks, he sucks, the young man thinks, and everything about it is unbelievable because there’s such a strange light shining from the baby lying there at the young woman’s breast, then she looks up at the young man and she smiles at him and the young man thinks that this, this light, no, he can’t understand it, because this light from the child in the darkness

— from The Other Name: Septology I-II by Jon Fosse, translated by Damion Searls

1995-99 (2019)

Yumna Kassab: Taxi

Beirut taxi by The Monocle. Source: cdn.shopify.com

When my father was younger, he said he would learn English. It is the language of the world, it is the future here.

 He took us out of our school and enrolled us in another. Arabic, English, a little French, and this would let us be citizens of the world.

How was he to learn English as an adult man? There were no courses in the village, he could not read at a level to enter university. His one choice was to read over our shoulders and for us to teach him the words. He put a satellite dish on the roof and we only ever watched English shows night and day. He had the TV turned to children’s shows because they spoke slowly and he could understand.

Continue Reading

البودكاست، مع مينا وإسلام🎙: (٢١) مترجم سوبر ستار: مقابلة مع إيمان أسعد



Portrait of Eman Assaad courtesy of the subject

في الحلقة الحادية والعشرين من بودكاست ختم السلطان، يلتقي مينا عبر زووم بإيمان أسعد، الروائيّة والمترجمة الأردنيّة المقيمة بالكويت، ويبدأ حوارهما بالحديث عن العلاقة بين البرمجة والترجمة، وحضور المترجمين على السوشيال ميديا وتأثيره على المهنة، ثم ينتقل إلى معايير قبول النصوص، وفائدة الملل في عملية الترجمة. تشرح إيمان الفرق بين الترجمة الأدبية وأنواع الترجمة الأخرى، وكيفية الالتزام بصوت الكاتب في النص، والتعامل مع النصوص المختلفة بحسب القواعد التي تفرضها على المترجم، ثم تختم الحوار بالإشارة إلى ضرورة وجود رؤية ودراسات نقديّة أوسع لأعمال المترجمين العرب.

 

بودكاست ختم السلطان هو إنتاج وتنسيق مينا ناجي وإسلام حنيش. هما من يختاران الضيف، ويحددان الأسئلة، ويديران الجوانب التنسيقية والتقنية. وليس للموقع فضل ولا عليه لوم غير استضافة البرنامج

مهاب نصر: قبل الارتطام بثانية

Sebastián Gordín, Poets don’t write books, 2016. Source: galleryrosenfeld.com

 
اكتب كأنك محاصَر، وستُطفأ الأنوار حالا
كأنك تسمع طقطقة المحول الكبير
تحت سيل مفاجئ
عرقل الزحف
وجرف الليل باتجاه البيوت
والبيوت باتجاه أحلام اليقظة
للعالقين في الشرفات
وجرف العالقين باتجاه الميازيب
ماءٌ في كل بقعة

استمر في القراءة

شريف بهلول: بالطو ماما

James McNeill Whistler, Arrangement in Grey and Black No.1 (Whistler’s Mother), 1871. Source: Wikipedia

كأننا على المسرح.
ينفرج ستار الذكرى عن مشهد مضاء بقوة الحنين وحده، يسطع على بؤرته نور كثيف ومركّز، وهّاج ومكتوم معاً، نور كأنه ليس من هذا العالم، وهو كل ما يبقى لنا من العالم حقا، فيما تغيب أركانه في الظلال، أشبه بلوحة لرمبرانت. ضوء الذاكرة المعتم. كيارُسكورو.
كنا في أواخر مارس، وأواخر السبعينات، وقد بدأ اليوم ربيعياً دافئ النسمات، سماوي الزرقة، كما يندر نشهد الربيع في قاهرة أيامنا هذه الشعثاء المترامية المتروكة ـ بما يشبه اليأس ـ لغبارها وأدران قذاها الذي لا يني يتراكم تحت قشرة سماء رمادية كالحة كأنها تتستر على جمرة انطفأت وماتت وبقيت تنفث صهدها الرازح الوخيم. أذّن العصر منذ سويعات، واقترب المغرب، وتوفّزت متحمسا حين قالت لي أن ألبس لأننا سنخرج. سنذهب إلى المحامي، الذي يتولى عن أبي قضية ميراث وأطيان، في مكتبه في تلك المنطقة الجديدة البعيدة صعبة المواصلات المسماة بالمهندسين. ولأن أبي ليس هنا، ليس في مصر كلها، ولأنها ستقابل رجلا غريباً ولو في مكتبه، ولأنها قد تتأخر، قد تعود بعد أن تظلم السماء، فإن عليها أن تصطحب معها رجلها الآخر، الذي هو أنا، ابنها الأكبر، الواقف على عتبة المراهقة، لكنه أطول منها بسنتيمترات قليلة، هل كنت في الثالثة عشرة أم الرابعة عشرة؟ هل كان عيد الأم قد جاء ومضى، أم لم يأت بعد؟ هل يأتي عيد الأم أبدا؟
يضطرب تيار الذكرى ويختلط، أجوس في أطراف المشهد المكتنفة بالظلال فلا ينفذ بصري فيها، كأنها قُدت من مادة مقاومة للنظر. فلعله من عمل الذاكرة أن تستعين بالمخيلة، وأن يتحول كيارسكورو رمبرانت، شيئا فشيئاً، إلى صفاء لوحة من مونيه المتأخر، يسبح في إنارة رائقة ورقراقة، يتشربها كل شيء.

استمر في القراءة

أحمد ناجي: أختي

Isabela Castelan, Karma, 2016. Source: lauraiartgallery.com

١
لم أسمع نداءه لأن السماعات  في أذني. لم أشعر به إلا وباب الغرفة يفتح بعنف، يقتحم حجراتنا مثلما يداهم الأوكار في مهام عمله. 
وقف في فرجة الباب يرتدي بنطالا قطنيا أبيض، وفوقه فانلة داخلية حملات ابتلت في أجزاء منها بعرقه، وشعر صدره الغزير – أحمد الله لم أرثه منه – يطل من الفانلة.
نزعت السماعات من أذني، متوقعاً فاصل من الشتيمة المعتادة، ودون انتظار ما سيرمينى به قلت ملتجلجاً “بتنده عليا، سهران بذاكر مسمعتش.”
عكس توقعي، أتى صوته هادئاً، وجهه خال من الانفعال “البس هدومك، احنا رايحين لأختك” ثم انصرف من الحجرة دون شرح أو تفصيل.
أنا أصلاً لا أعرف لم هو في المنزل هذا المساء؟
نظرت للساعة في الموبايل، الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. ماذا نفعل عند أختي في هذا الوقت؟

استمر في القراءة

Karim Zidan: Gabriel

The angel Jibreel from “The Wonders of Creation and the Oddities of Existence”,
Egypt/Syria, c.1375-1425. Source: mimirstudios.tumblr.com

The angel came down to earth bearing a message of peace. He swept over the pyramids of Giza and landed in the heart of Cairo. People gathered around to witness the heavenly being, capturing the moment through the camera lenses on their phones. The world watched this miracle unfold — taking in the angel’s magnificent wings, which arched off his back in a graceful curve. His skin glistened in the sun like fine copper while his hair fell below his shoulders in flowing locks like unkempt wool. And when he spoke, the people listened, for his voice was like the song of a nightingale bearing the promise of a brighter future. The angel spoke of love and peace, of fear and hatred, of humanity and the eternal light. His words reached the ear of the president, who feared his own stardom would be diminished. He ordered his intelligence agencies to act, and so they did. The angel made the evening news — they called him a criminal, an anarchist, a troublemaker, an outcast. They said he fled from Heaven under a cloud of shame, with the goal of chaos and war. They censored his speeches and erased his online presence. And still the angel stood in the heart of Cairo and called for freedom while the people listened with open hearts. In his growing fear, the president deployed the army, which surrounded the angel and took aim at his chest. The angel smiled for he knew the battle had been won. He removed a single daffodil from his pocket and planted it in the cement beneath his feet. He then spread his resplendent wings and took off, ascending the heavens, his purpose achieved.

طعم الوصول | ياسر عبد اللطيف: كلّ الناس مسافرة

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Edmonton, Cairo / 1948. Source: raremaps.com

وصلتُ كندا في آخر أيام عام ٢٠٠٩. وكانت هجرة عادية لا يقف خلفها أي ظرف سياسي أو اجتماعي طارد. في القاهرة كنتُ أعمل في وظيفتين: مُعدًا للبرامج بالتلفزيون الحكومي، ومُحررًا للأخبار بوكالة الأنباء الإسبانية. عملي بالتلفزيون كان يتطلًّب المداومة مرتين في الأسبوع. مرةً أذهب للاستوديو في مدينة الإنتاج الإعلامي، ومرة أخرى لإدارة القناة في مبنى ماسبيرو لاستيفاء الأوراق والإداريات الخاصة بالبرنامج الذي أُعده، فيما أداوم خمسة أيام دوامًا كاملًا في الوكالة… وكنت أرى أصدقائي المقربين مساء كل أربعاء… أسبوعي كان مشغولاً بالكامل ومرهِقًا. جدول صاخب وضاج بالناس وبإيقاع القاهرة العنيف. الانتقال لكندا أحدث قطعًا حادًا مع هذا. بقيت هنا  سنوات أعملُ من البيت. أكتب لبعض المواقع حينًا وأترجم أعمالًا  أدبية؛ أو أبحاثا وأوراق مؤتمرات لبعض المؤسسات عن طريق وكالة ترجمة في المغرب. لا أرى إلا زوجتي وإبني هادي. وبينما تعمل زوجتي في مدرسة ابتدائية، كنتُ في البيت طوال النهار مع هادي منذ عمر عام ونصف حتى دخل المدرسة في الخامسة، مع كل الطقوس المنزلية اللازمة لمصاحبة طفل صغير.  أعمل على مكتبي بينما هو يلهو بالليجو أمامي على البساط. شاهدتُ الثورة المصرية متلفزة على الإنترنت وانجرفت عاطفيًا بالكامل معها طوال الشهور العصيبة في ٢٠١١، وفقدت حماسي مع بداية حشرها في صناديق الاستفتاء والانتخابات.

استمر في القراءة

No more posts.