شريف بهلول: بالطو ماما

James McNeill Whistler, Arrangement in Grey and Black No.1 (Whistler’s Mother), 1871. Source: Wikipedia

كأننا على المسرح.
ينفرج ستار الذكرى عن مشهد مضاء بقوة الحنين وحده، يسطع على بؤرته نور كثيف ومركّز، وهّاج ومكتوم معاً، نور كأنه ليس من هذا العالم، وهو كل ما يبقى لنا من العالم حقا، فيما تغيب أركانه في الظلال، أشبه بلوحة لرمبرانت. ضوء الذاكرة المعتم. كيارُسكورو.
كنا في أواخر مارس، وأواخر السبعينات، وقد بدأ اليوم ربيعياً دافئ النسمات، سماوي الزرقة، كما يندر نشهد الربيع في قاهرة أيامنا هذه الشعثاء المترامية المتروكة ـ بما يشبه اليأس ـ لغبارها وأدران قذاها الذي لا يني يتراكم تحت قشرة سماء رمادية كالحة كأنها تتستر على جمرة انطفأت وماتت وبقيت تنفث صهدها الرازح الوخيم. أذّن العصر منذ سويعات، واقترب المغرب، وتوفّزت متحمسا حين قالت لي أن ألبس لأننا سنخرج. سنذهب إلى المحامي، الذي يتولى عن أبي قضية ميراث وأطيان، في مكتبه في تلك المنطقة الجديدة البعيدة صعبة المواصلات المسماة بالمهندسين. ولأن أبي ليس هنا، ليس في مصر كلها، ولأنها ستقابل رجلا غريباً ولو في مكتبه، ولأنها قد تتأخر، قد تعود بعد أن تظلم السماء، فإن عليها أن تصطحب معها رجلها الآخر، الذي هو أنا، ابنها الأكبر، الواقف على عتبة المراهقة، لكنه أطول منها بسنتيمترات قليلة، هل كنت في الثالثة عشرة أم الرابعة عشرة؟ هل كان عيد الأم قد جاء ومضى، أم لم يأت بعد؟ هل يأتي عيد الأم أبدا؟
يضطرب تيار الذكرى ويختلط، أجوس في أطراف المشهد المكتنفة بالظلال فلا ينفذ بصري فيها، كأنها قُدت من مادة مقاومة للنظر. فلعله من عمل الذاكرة أن تستعين بالمخيلة، وأن يتحول كيارسكورو رمبرانت، شيئا فشيئاً، إلى صفاء لوحة من مونيه المتأخر، يسبح في إنارة رائقة ورقراقة، يتشربها كل شيء.

استمر في القراءة

طعم الوصول | ياسر عبد اللطيف: كلّ الناس مسافرة

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Edmonton, Cairo / 1948. Source: raremaps.com

وصلتُ كندا في آخر أيام عام ٢٠٠٩. وكانت هجرة عادية لا يقف خلفها أي ظرف سياسي أو اجتماعي طارد. في القاهرة كنتُ أعمل في وظيفتين: مُعدًا للبرامج بالتلفزيون الحكومي، ومُحررًا للأخبار بوكالة الأنباء الإسبانية. عملي بالتلفزيون كان يتطلًّب المداومة مرتين في الأسبوع. مرةً أذهب للاستوديو في مدينة الإنتاج الإعلامي، ومرة أخرى لإدارة القناة في مبنى ماسبيرو لاستيفاء الأوراق والإداريات الخاصة بالبرنامج الذي أُعده، فيما أداوم خمسة أيام دوامًا كاملًا في الوكالة… وكنت أرى أصدقائي المقربين مساء كل أربعاء… أسبوعي كان مشغولاً بالكامل ومرهِقًا. جدول صاخب وضاج بالناس وبإيقاع القاهرة العنيف. الانتقال لكندا أحدث قطعًا حادًا مع هذا. بقيت هنا  سنوات أعملُ من البيت. أكتب لبعض المواقع حينًا وأترجم أعمالًا  أدبية؛ أو أبحاثا وأوراق مؤتمرات لبعض المؤسسات عن طريق وكالة ترجمة في المغرب. لا أرى إلا زوجتي وإبني هادي. وبينما تعمل زوجتي في مدرسة ابتدائية، كنتُ في البيت طوال النهار مع هادي منذ عمر عام ونصف حتى دخل المدرسة في الخامسة، مع كل الطقوس المنزلية اللازمة لمصاحبة طفل صغير.  أعمل على مكتبي بينما هو يلهو بالليجو أمامي على البساط. شاهدتُ الثورة المصرية متلفزة على الإنترنت وانجرفت عاطفيًا بالكامل معها طوال الشهور العصيبة في ٢٠١١، وفقدت حماسي مع بداية حشرها في صناديق الاستفتاء والانتخابات.

استمر في القراءة

طعم الوصول | بيسان عدوان: وحدة قياس المسافة بين جسدينِ

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Istanbul, London / 1840. Source: Wikipedia

عزيزي،
فتّشتُ بشغفٍ لانهائي في صفحاتِ الأخبارِ الرّقميةِ والموسوعاتِ الرّقميةِ وحتى المذياع على أملٍ يعيدُ التّدفقَ في المشهدِ في اسطنبول، ولكن كانَ عليّ حين أغلقُ نوافذَ الحكايةِ، وأُلملمُ أطيافَ العابرينَ خلسةً في نصوصي القديمةِ كي يأتي النّهار، كان عليّ أنْ أتقُنَ فنَّ العبورِ بنفسي، فإذا بها رحلتي الأولى إلى مدنِ الالهةِ الأولى ونقاط الوصلِ بينَ عالمينِ ومتنٌ يؤنس براحاً بات ضرورياً للحياة، لذا أُخبركَ مِن رحلةِ الكلامِ التي رتّبتُها بإتقانٍ غير عابرٍ.
صباح الخير، في اسطنبول، وفي اللّيالي الماضية التي كادت تقتلُ روحي، أدركتُ الشيء الذي جمعَ العربَ والتّركمان والاكراد والافغانَ والفرسَ واليونانيينَ والمغاربة في هذه المدينةِ الظّالمةِ… البعضُ ممن سبقوني إلى بلادِ الثّلجِ هُزِمَ إما بالانتظارِ، أو بالاندماج، أو بالتّنصلِ عن هُويتهِ. المصائرُ تتشابهُ، وأنتَ مَنْ أخبرني يوماً: عليكِ أنْ تختاري مَنْ تكونين؟ وماذا تريدينَ؟

استمر في القراءة

طعم الوصول | عماد فؤاد: لم يكن خطأً يا آدم

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Brussels, London / 1746. Source: raremaps.com

لو سألني أحد عن معنى كلمة فن، فسوف أجيب: “يد أمّي وهي تطبخ”
ولو طُلب منِّي أن أقول شِعراً، لرفعت ملعقة وقلت: “تذوَّق”
أوّل رائحة علقت بأنفي فصرت أتشهّاها مذ كنت طفلاً، كانت صدر أمي، تحملني على بطنها بيد، لتنحني قاطفة باليد الأخرى ثمر الطماطم من أرض خضراء في ظهيرة مشمسة، كانت تقيني حر الشمس بطرحتها المفرودة على رأسي، وأنفي يتشمم في الظل رائحة حلوة لثمر يانع
اليوم، وأينما كنت، لا أنتظر العودة إلى البيت حتى أفتح كيس الطماطم أو علبته بعد خروجي من أي سوبر ماركت، أتناول عنقود الثمر وأتشمم الرائحة، وحين أجدها غامرة أغمض عيني وأنا أتنفسها طويلاً. وحين لا أجدها، ألعن التمدّن الذي أوصلنا إلى ثمر بلا طعم ولا رائحة

استمر في القراءة

طعم الوصول | كارول صنصور: خمي

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Athens, London / 1832. Source: raremaps.com

أنا في رحلتي الرابعة. رحلتي الكبرى الرابعة. أحط في عالم جديد آخر. هذه المرة لا أعرف فيه لغة او بشر. ينتابني فرح عظيم مؤجل. وخوف النهايات. محطتي الرابعة أثينا. اليونان. قريبة بشكل كاف لفلسطين. وبعيدة بشكل كاف عنها. أوروبية. شرقية. لا يمكن قول هذا علانية هنا. كذب. يمكن قول كل شيء علانية هنا. أفكر كثيراً في الأساطير الإغريقية. وأرى حولي أحفاد الآلهة. لغتهم تشبه العبري في أذني. وهم يشبهونني. أبحث كدجاجة واثقة عن مكان إقامتي. خمي الذي سيحميني في هذه المرحلة. أتذكر أنني أشبه بقطة من دجاجة. لن أدخل في هذه التفاصيل الآن. أرقب جميع خطاي. وخطى الاخرين. لأتعلم. monkey see. monkey do. أفكر في أصدقائي. وأصدقائي الذين استقروا في أوطان بديلة. لا أريد فلسفة الهجرة. أو التهجير. أو الغربة. والاغتراب. أبحث عن تفاصيل الحياة اليومية. عن الفرص. التحديات. أريد أن أسالهم عن كتاباتهم. عن إبداعهم في مكانهم الجديد. على حافة سنتي الثانية. أقرر أن أستنطق الآخرين. أسألهم عن قلبهم. أين تركوه. أم يحملونه معهم. عن عقلهم. جسمهم. عن أي شيء. لأحصل على وصفة. وصفة سحرية تسد حفرة ما. وبينما هم يجاوبون. على أقل من مهلهم. أقرر أنا. سأحب خمي الجديد. حتى ولو من طرف واحد.

١٠ × ١٠: يوسف رخا يعمل إزعاجاً

(١) الكتابة

أرى الكتابة كلها نوعاً من المعرفة، أراها معرفة أو تواؤماً مع الواقع كما أن كل معرفة تواؤم وإن لم تكن مصالحة ولا حتى بالضرورة فهماً. الفهم مجرد جزء من المعرفة. لكن الكتابة أيضاً منطق في الحياة أو طريقة بالمعنى الصوفي، وبهذه الصفة – بلا مبالغة أو تحوير – أنت تدخر لها كل شيء عن طيب خاطر، لأنها تمنح حياتك معنى أو جدوى بمعزل عن كل أسباب التحقق خارج النص، مادية أكانت أو معنوية. هي لا تغنيك عن الحياة من أجل تحقق مادي أو معنوي، لكنها تمنح السعي إليهما معنى وتجعل المعرفة غايته. كل الناس تعيش بالكلمات، الفرق أنك تصير واعياً بذلك. تعرف أنك تعرف. ولعل هذه ثورة في حد ذاتها: تلك المواجهة مع الكلمات والتي أظن أكثر الناس يتحاشونها بكل طاقتهم لأنها مؤلمة ومخيفة، لكن الكتابة تمكّنك من استمتاع معذّب بخوضها حتى وأنت تدفع ثمن متعتك من استغراب واستياء الآخرين ممن تكتب عنهم أو تفقدهم بمرور الوقت.

 

استمر في القراءة

حليمة الدرباشي: عزلةٌ خاليةٌ من العزلةِ

Alex Majoli, Covid 19 in Sicily, April, 2020. Source: magnumphotos.com

فرصةٌ هبطت من السّماء، فرصةٌ تاريخيّةٌ لن تتكرر، وكأنّي قُذفت من نافذة قطارٍ سريع، انقطع التّيارُ الكهربائيُّ فخرجت من خلّاط، انتشلتني يدٌ خفيّةٌ من بين موجتين متلاطمتين؛ فارتطم الجسدُ المهشّمُ بجذع شجرةٍ فهوى على الرّأس فُتاتُ الطّبيعة.
أَرعى زوج حمامٍ حطّ على كتف النّافذة، أُنصُت طويلًا إلى موسيقى الطّبيعة الّتي انداحت في الفراغ الّذي خلّفناه، أَتتبّعُ سرب نمل يتبختر في الأرض الّتي عادت له، فأنسحبُ على مهل؛ مُطأطأةَ الرّأس، خجلى من هول الدّمار الّذي ألحقه الإنسانُ الوحشُ بهذا الكوكب، وأَعودُ إلى الفرصةِ الّتي هبطت من السّماء…

استمر في القراءة

هرمس: يوميات الوباء

Julian Schnabel, “Formal Painting and His Dog”, 1974. Source: julianschnabel.com

لقد مضت حوالي الخمسة أسابيع على بداية هذا المكان الغريب الذي وُضِعَ فيه العالم، وإن وضعنا بالحسبان الركود الاجتماعي السابق لهذه الأسابيع صار مجموع أيام الحظر النفسي والاجتماعي هنا في الولايات المتحدة إلى شهر ونصف الشهر. أمشي يوميا في فترة الصباح إلى بحيرة مشجن، منفقا التبغ والقنب والخمر، أنا عاطل عن العمل، وهنا في شكاجو وتحديدا في ضاحيتها الشمالية آفنستن، مسألة البطالة وضع نادر، وفي أمة كبيرة ومتقدمة مثل الأمة الأميركية، فإن قيمة العمل العام والخاص قيمة كبيرة، الاجتماعيون في أميركا اليوم يرثون لانسحاب برني سندرز من الانتخابات أمام دونلد ترمب…

استمر في القراءة

أفضل عصابة: في عيد ميلاده السابع والستين نص لم يُتَرجم لروبرتو بولانيو، هدية مو مصراتي

A young Roberto Bolaño from the late writer’s family albums. Source: lavanguardia.com

لو اضطررتُ للسطو على أشدّ البنوك حراسة في أوروبا وكان بإمكاني اختيار شركائي في الجريمة، فإنّي سأختار عصابة من خمسة شعراء لا محالة. خمسة شعراء حقيقيون، أبولونيون وأدونيسيون، لكنّهم بالفعل حقيقيون، ومستعدّون لأن يحيوا وأن يموتوا كشعراء. لا يوجد في هذا العالم من هو أشجع من شاعر. لا أحد في الدنيا يُقابل كارثة بذات المفهومية وعزّة النفس. قد يبدون ضعفاء، هؤلاء الّذين يقرأون “غيدو كافالكانتي” و”آرنو دانييل”، قرّاء “أرشيلوشوس” الصحراوي الذي اختار دربًا عبر حقول من العظام. انّهم يعملون في عدمية المُفردة، كروّاد فضاء تقطّعت بهم الكواكب نحو طريق مسدود، في صحارى لا يوجد فيها قرّاء ولا ناشرون، تراكيب لغويّة وبَس، أو أغان بلهاء لا يغنّيها البشر، بل الأشباح. في جامعة الكتّاب هم الجوهرة الأعظم والأقل رواجًا. لمّا يقرر طفل عنجهي في السادسة عشر أو السابعة عشر أن يصير شاعرًا، فإنّها دون شك مأساة عائلية. يهودي مِثلي، نصفه أسود، ونصفه بَلشفي: صربيا منفى الشاعر جالب العار لأهله. لا يستهوي قرّاء بودلير المدرسة الثانوية، ولا زملائهم، والحال أقلّ بكثير مع أساتذتهم. لكنّ هشاشتهم خادعة، وكذلك فكاهتهم وهواهم. خلف هذه الواجهات المظلّلة، قد تجد أقوى الناس في العالم، وبالطبع أشجعهم. ليس من العدم أنّهم انحدروا من سلالة “أورفيُوس”، وأنّهم أطفاؤا “أرغوناتس” ومضوا باتجاه الجحيم ثمّ ولّوا من جديد، أقل حياة من ذي قبل، لكنهم أحياء. لو أضطررتُ للسطو على أكثر البنوك تحصينًا في أمريكا، سأختار عصابة من خمسة شعراء. من المحتمل أن تنتهتي المحاولة بكارثة، لكنّها ستبدو جميلة.

مصعب الزيات: المالديف بلد العاشقين

Muir Vidler, Malé, The Maldives, 2010. Source: artsy.net

المالديف بلد للعاشقين. يجلس المحبون على الطاولات في المطعم القريب من المطار. في الغالب هم راحلون. بقاء الحب حتى نهاية الرحلة دليل عليه. هناك في النفس ما يزول بفعل الحب، أو أشياء تستبدل بأخرى تملأ القلب. في صالة وصول الركاب، تلامُس خفيف. فتاة تقبل فتاها على شفتيه برقة وأخرى تمسح شعر حبيبها. والمحبون مستسلمون لهذا الحنان المكشوف. بداخلي شيء يخجل من التعبير عن الحب في الأماكن العامة. الخطوة الأولى في الاقتراب من فتاة حتى ولو على سبيل الصداقة دائما مؤجلة. ليس لأن أحدا يمنعني لكن هذا التصالح مع الحب واستقباله خاضع للشعور بالرقابة من الجميع ولا أحد. عند الوصول يجلس خلف المكاتب فتيات ترتدين الحجاب ورجال بلحى. بينما يؤدون عملهم كضباط أو موظفين في الجمارك يبدو غريبا أن من يمنح الإذن بممارسة الحب في الجزر المتناثرة من يتمسكون بانضباط أخلاقي يمنعه عنهم هم. كأن هناك مسارات مفتوحة في جسد كل من القادم والمانح.

استمر في القراءة

مهاب نصر: نحن لا نُغلَب في ملعب الحب.. لأننا نسرع بالفرار

Walid Ebeid, “Parting Carols”, 2018. Source: artsy.net

هذا ما قررته إذن.. بسبب العمل المنهك فقط، لا سبب آخر.
لا أشكو، أصارحكِ، على العكس، إن الجهد المضني بلا طائل يجعلني متيقظا دائما، كذبابة يطير وراءها أحدهم بمذبة. حين أغادر إلى البيت لا أكون راغبا في قضاء بقية الوقت نائما، هكذا أستثمر في الأحلام. عادة قديمة. الأحلام تجلعني يقظا أثناء النوم. لا تناقض أبدا. المذبة هنا أيضا. وكلما ظنوني ميتا، سُمع الطنين نفسه، فوق أنف أحدهم أو عند جبهته. غير مؤذ كالعادة. لم أكتب إليك من أجل هذا، بل لأنني تساءلت أيمكن أن يُصنع شيء حقيقي من حلم؟.. فكرة مثلا.. حياة حقيقية؟ أتخيفك الأحلام، هل تفقدك توازنك في النهار، هل تطن فوق أنفك كذبابة؟ أهي قادرة على إيذائك؟
كتبت هذا إليك لأنها أصبحت طريقتي للتحقق من أفكار معينة. بعض الفقرات كانت تضحكني حتى قبل أن أبدأ. لا يحدث هذا مع الكتابة فقط. بل الأحلام أيضا، أعني تذكري للأحلام التي أحكيها لنفسي.

استمر في القراءة

ميسرة عفيفي: ياسوناري كاواباتا بقلم يوكيو ميشيما

Kyōdō Tsūshinsha, Yukio Mishima congratulating Yasunari Kawabata on his Nobel, October 1968. Source: redguitarrr.tumblr.com [1]

١
ربما لا يناسب السيد ياسوناري كاواباتا أن أستعير كلمات نيتشه للحديث عنه. ولكن العبارة التالية التي ذُكرت في كتاب نيتشه “ضد ڤاغنر” ويصف نيتشه بها ڤاغنر تنطبق على أدب كاواباتا انطباقا يثير العجب.
“إنه في الواقع أستاذ عظيم في دقائق الأمور.”
ويكمل نيتشه كلامه كما يلي:
“بل إن من صفاته أن يحب الجدران الضخمة واللوحات الجدارية الجريئة الكبيرة. ولكنه (أي ڤاغنر) لا يريد أن يكون كذلك.”
ولكن الفقرة الأخيرة هي على العكس تماما من أدب كاواباتا. فالسيد كاواباتا – بخلاف ڤاغنر – على العكس “يحب أن يكون كذلك” ومن صفاته أنه يكره “الجدران الضخمة واللوحات الجدارية الجريئة الكبيرة” ولا يحب التصميم الضخم بلا فائدة.

استمر في القراءة

هرمس: الدخان

Julian Schnabel, “The Student of Prague”, 1983. Source: guggenheim.org

١
في النهار الغائم الذي وجد فيه محمد ذكرياته، كانت السماء قريبةً، والطقس أبرد من المعتاد. إن الخريف إلى زوال، والشتاء القادم قد يحمل له أكثر من عقبة. نظرةٌ إلى القمر منذ عدة أسابيع ذكرته، أو بدأت تدوير دولاب الذكريات. كانت حياته الرتيبة تتكسر ببطء، وهو بعد أن جرّب الروتين، نسي أيام صعلكته دون نظام يذكر. بحث عن الروتين في ثمانية مشافٍ نفسية، بين الأطباء والممرضات، ولم يجده؛ القيمة الأصلية عنده كانت أن يتحلى الناس بالذوق، والذوق هو أن تجرّب بذاتك، أي أن تنغمس بنفسك في التجربة، وبين الأعوام جلس يفكر؛ ها هي الأيام تمضي به، وصل لأمريكا أخيرًا، والجو باردٌ والوجوه باردة، الشجر الشهير عارٍ، والسماء مكسوة بغلالة سميكة من الركام.

استمر في القراءة

أمينة جاد: أ، ب، ج

Youssef Rakha, Fatherhood in Yellow, 2017

حين ترعى طفلاً عليك أن تجيد دفن أوجاعك عميقاً جداً وأن تجلب عوضاً عنها الأفراح الملونة، أن تتعلم الضحك وتنشره كواجب يومي سيتحول مع الوقت لعادة مبهجة.
أن تبدل ألوانك المفضلة التي اعتدت أن تكون غامقة إلى ألوان مبهرجة وكأنك تقيم في حديقة غناء.
عليك أن تسخر جسدك لراحته، أن تسهر لا لتقرأ أو لتكتب أو تشاهد فيلمك المفضل بل لتكون قربه كل مرة يستيقظ باكياً فتمنحه الأمان وقبلة هادئة.
عليك أن تتعلم كيف تغني بفرح، أن تخبئ كل تلك الأغنيات التي تحيل صوتك إلى مأتم.
عليك أن تتعلم كيف تكون مهرجاً، راقصاً، حيواناً أليفاً، قارع طبول، أن تكون كل الأشياء التي يريدها حتى وإن أرهقتك، فكل هذا التعب سيذوي ما أن يبتسم كملاك، ابتسامة هي قُبلة حقيقة لقلبك، تقطب كل جراح روحك.

استمر في القراءة

ريونوسكيه أكوتاغاوا عن الكتب، ترجمة ميسرة عفيفي

Hiroshige Utagawa, Pilgrimage to the Cave Shrine of Benzaiten, 1850. Source: ukiyo-e.org

تاريخ المسرح في دول العالم

 

لأنني أحب الكتب، فسأكتب عن الكتب قليلًا. من بين ما أملك من كتب، ثمة كتاب عجيب عن تاريخ المسرح، يُفتح على الطريقة الغربية[1]. وصدر هذا الكتاب بتاريخ ١٦ يناير ١٨٨٤ م. ويبدو أن المؤلف أحد أفراد عائلة ساموراي في طوكيو، يُسمّى تيتسو ناغاي يعمل في مديرية شرطة العاصمة. وعند النظر إلى خاتم الملكية في الصفحة الأولى، فقد كان هذا الكتاب على ما يبدو من ممتلكات إيكّو إيشيكاوا في الماضي. وفي الديباجة، ذُكر ما يلي:
“إن المسرح هو أسرع وسيلة لإزالة الجهل بتاريخ الدول الحي. ولهذا السبب في الدول الأوربية المتقدمة، تحترم طبقات المجتمع العليا من النبلاء والصفوة المسرحَ. ثم وراء الوصول إلى تلك النهضة وذلك الازدهار، هو ظهور علماء مشاهير في روما واليونان قاموا بعمل إصلاحات كبيرة في ذلك المجال. ولكن العلماء في بلادنا يحتقرون عالم مسرح الكابوكي (كما في الأصل[2]) منذ قديم الزمان، وبدون النظر إلى الاستثناءات، فالكتب التي تسجل ذلك ليست كثيرة حتى الآن. وبمعنى أنه يجب القول إنه أمر ينقص من أدوات التحضر السريع. (حذف) وثمة أماكن كثيرة هنا تعطينا إحساسا. عندما أحصل على لحظة فراغ بسيطة، أقرأ بتمعّن الكتب الفرنسية والأمريكية غيرها ثم أترجم النقاط الأساسية ترجمة بتصرف، وأصنع منها كتيب يدوي. وبالتالي أُسمّي ذلك الكتاب تاريخ المسرح في دول العالم”

استمر في القراءة

فصل التعب (فصل من كتاب “مذكرات أب لا يجيد الحكايات”): بهيج وردة

Heba Khalifa, from “Homemade”. Source: arabdocphotography.org

كلما وصلت إلى ذروة الغضب من تصرفات جنى – تبلغ من العمر سنة ونصف – اللامسؤولة (كيف تتوقع من طفلة في منتصف عامها الثاني أن تكون مسؤولة، يا إلهي!) والمضيّعة للوقت، أتذكر كلامي لنادين (زوجتي) ومعاتبتي لها، كيف أنها لم تنجح باستغلال الوقت في شيء مفيد.
وحين أسألها عن وقت نوم جنى (كان يمتد لساعتين غالباً) كنت أظن أنها تتحجج بالغسيل والتنظيف وترتيب المنزل، في الوقت الذي كنت أعتبر هذا الوقت رفاهية لإنجاز قصة أو تحرير ما خططته في الليلة السابقة، أو أي شيء له علاقة بالكتابة أو المراسلة بالحد الأدنى، إلا أني كنت أستعيد كل كلمة (تفوهت بها بحماقة)، وأنا أقضي النهار مع جنى!.

استمر في القراءة

من أجل اتخاذ شكل واضح: ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة ميسرة عفيفي

Hiroshige Utagawa, “The Storehouse of Loyal Retainers (Chûshingura Act 7) – Reading Letter”, 1849-50. Source: ukiyo-e.org

إلى السيد ناكامورا،
كما ترى ها أنا ذا أكتب تلبية لما طلبتَ مني كتابته بعد أن عجزتُ عن رفض طلبك. ولكنني ليس لدي مجال لترتيب حالتي الذهنية من أجل الإجابة على أسئلتك. وكنتُ قد وضعتُ الرسالة التي أرسلتَها لي بين صفحات كتاب كنتُ أقرأه وقتها، ومنذ ذلك الوقت فقدتها فلا أعرف أين ذهبت. ولذلك فطبيعة القضية الذي أجيب عليها أصبحت غامضة غموضا شديدا.
ولكنني أتذكرُ فقط أن سؤالك كان على الأرجح محتواه: “ما هو غرضك من كتابة قصص روائية؟” وطلبت أن أذكر ذلك الغرض على أن يكون غرضا مباشرا عمليا واقعيا. وإن كان الأمر كذلك ستكون إجابتي في غاية البساطة هي: “أكتب لأنني أريد أن أكتب”. وليس هذا على سبيل التواضع ولا المبالغة. والقصة الروائية التي أكتبها الآن، الغرض المؤكد منها أنني أكتبها لأنني أريد فعلا كتابتها. لا أكتب من أجل الحصول على المال، ولا أكتب من أجل الناس في هذا العالم.

استمر في القراءة

كارول صنصور: بيت نينا

في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، بينما كان الفلسطينيون يعيشون الانتفاضة الأولى ثم تشكل السلطة الفلسطينية، كانت الناس أخلاقها عالية.

في مدينتي الصغيرة بيت جالا، تمكنت امرأة تدعى نينا من أن تجد نفسها شخصًا غير مرغوب فيه على الرغم من قوتها وعلاقاتها المتينة بالمدينة وشيوخها والعديد من كبار المسؤولين الفلسطينيين والإسرائيليين.
تقول القصة إن نينا كانت تدير بيتا للدعارة في قلب المدينة (حرفيًا بجوار البلدية والبنك الإسرائيلي الوحيد لؤمي، والكنيستين الأورثوذكسية واللاتينية، ومكتب البريد ومطعم الدجاج الشهير قعبر ومدرستي).
عندما كنتُ طفلة كنت أسمع دائما النساء والرجال يذكرونها بتكتم ويلعنون اسمها وحضورها في المدينة: “إنها مصدر للعار والقذارة”. وكنت كثيرا ما أسرق النظرات عندما أمر من أمام بيتها متمنية رؤيتها على الشرفة في طريقي إلى المدرسة.

استمر في القراءة

إسلام حنيش في عيد الفطر: من سيرة آل حنيش

From Islam Henaish’s family archives, courtesy of the author

البداية كانت من هناك، تحديداً من المطبخ. بالتأكيد. من صوت ملامسة البيض للطاسة، ورائحته، وطعم عصير الليمون اللاذع في الصباح. أمي في قميصها الأبيض المبتل بفعل العرق. درجة حرارة المطبخ تختلف عما تعلنه هيئة الأرصاد الجوية.
صوت الصباح يسير على مهلٍ من الراديو بالخارج نحو أرجاء البيت راكبًا بخات الماء التي يطلقها أبي أثناء كي الملابس بفانلة بيضاء نصف كم، وبنطلون بيجامة خفيف. ستظل هذه هي صورة أبي الأحب لي لوقت طويل. ستظل هي الصورة التي تذكرني بتلك الأوقات، وبأبي أثناءها.
البداية من بيتنا القديم، في الغرفة البحرية البرحة، التي تشاركتها وأخي العزيز، والتي اتسعت لخزين أحلامنا. مكتب رمادي يخصه، بمكتبة طولية، يتصدرها لوح أركيت يحمل صورة بالألوان المائية لتوم وجيري، مهداة إليّ منذ عمر الخامسة (إلى صديقي إسلام – محمود تيمور – سبتمبر ١٩٩٢). ما زلت أحفظ ذكراها كأنه الأمس.

استمر في القراءة

محمد عبد النبي: قال وددت

Le Pho, “Young Girl with Rose”, 1941. Source: blisssaigon.com

ذات صباحٍ، كان قد قالَ، قبل سنوات: وددتُ لو أُنسَى، وددتُ لو أُترَك لأتعفّن تحت أغطية فراشي، أغطية الخمول والتراخي. كان قد استيقظ متأخرًا عن موعد العَمل في شركة الترجمة، فهَبَّ يتجهّز للخروج على عجل. يكتشفُ وردةً بلدية حمراء في حقيبة أوراقه، فيتركها في مطرحها ويمضي إلى الشوارع بلا أي حماس ولكن بحُكم العادة والإذعان لأكل العِيش.
كان يعمل ثماني ساعات كل يوم، مقابل ملاليم كل أوّل شهر، يُخصَم منها ما يُخصَم، وإذا أراد أن يُحسّن دخله عليه أن يأخذ كتاب معه إلى البيت ليترجمه بمكافأة منفصلة عن الراتب، وهكذا لم يكن يفوّت فرصة حينما يسكر لكي يبكي على الأيام التي تتسرب دون قراءة أو كتابة أو شيء له معنى. سلوك نموذجي متكرر، لم يعد من العسير عليه أن يرصده، دون أي حاجة للرجوع إلى دفاتره القديمة.

استمر في القراءة

No more posts.