أمنية منصور: والدنيا هس هس

Mohamed Nassef, Cairo, March 2019. Courtesy of the artist.

من أجل أن نلتقي في المدينة التي لا تنام. هذه القاهرة. لا تنعس حتى، أو تغمض جفنيها. عيناها على اتساعهما كل لحظة، ترصد الأفق وكأنه مبسوط فلا يحجب رؤيتها لا زحمة ولا تراص أبنية ولا فضاء. في كل الاتجاهات تُلاحق ببصرها أناسًا جالسين وقططًا حائمة. لا تغفل عن شيء. يقظتها فاتكة تعضّ ما تراه، تهشّمه أسنانها حتى تبتلعه. ظننا أن الملاذ من مراقبة القاهرة في حَوارٍ ضيقة ودهاليزَ مظلمة ولكن كيف وحتى ما يحدث في الغرف المغلقة لا يخص أصحابها بل يداوي مقلتيها الحمراوين. لا ينقطع دأبهما قط.

استمر في القراءة

علي لطيف: حمرا

Sohrab Hura (schizophrenic mother with her dog), India, 2008. Source: newyorker.com

أنا من أصول يونانية، هذا على الأقل ما قالته لي ماما. ماما لا تعرف من هو والدى. أول مرة قالت لي أنه مات بإحدى المعارك الأهلية قبل ولادتي، ثم تراجعت عن هذه الرواية قبل أسابيع من موتها، وأخبرتني أن والدى هو قطيع ذئاب. أجل، هذا ما قالته. مجنونة، صح؟
في آخر أيامها كانت كذلك. انزلقت في الليمبو. كانت تجلس على الشرفة بشقتنا المطلة على ساحة كوردوزيو لساعات، وتحدق في الناس. تصرخ أحياناً وتشتم المارين والطيور القبيحة، وفي مرات تركض عارية للشارع وراء البوليس صارخةً: سالفامي! سالفامي!
كانت تبدو فزعة كأن الشيطان بلحمه يلاحقها.
لم أستطع الاعتناء بها كما يجب على ابنة العائلة، ولم أملك المال الكافي لاستخدام ممرضة تسهر على رعايتها، كان عليّ أن أعمل طوال الوقت، ثلاثة حصص يومياً، ما عدا السبت. عليكِ أن تفهمِ أنه لم يكن لدي خيار.

Continue Reading

نذير عبد الله: عيادة الأدب الرديء

Nan Goldin, Guido on the Dock, Venice. Source: christies.com

(١)
حالما أنهيتُ تلخيص حياتي في الفترة الأخيرة له، سَلّمَ أنّني، في الواقع، بحاجة حقيقيّة إلى برنامج علاجي، ثمّ سألني إذا ما راودتني أفكارٌ انتحاريّة. لا، أجبت، الموت لا يثير اهتمامي1 – ميشيل ويلبيك – Seretonin

(١) هل تُطيقُ وداعًا أيّها الرّجلُ 
لم أبكِ حين رأيتُ جسدها يتدلّى من السّقف، لم أجزع، لم تصبني نوبة هلع. كنتُ هادئًا تمامًا، انتظمت ضربات قلبي، وحين نظرتُ في مرآة الخزانة عن يميني بدا أنّ ابتسامة ترتسم ببطء على شفتيّ. جلستُ على السّرير، وأخذتُ أفكّر في حفلة بيلي آيلِش التي شاهدناها سويّة في هلسنكي العام الفائت، حيث كانت تلبس بيجامة خضراء مخطّطة برسومات لم أتبيّنها من موقعنا البعيد.  قرابة منتصف الحفلة غنت “ادفن صديقًا”، وأخذت تقفز يمنة ويسرة بخفّة طفلة غفل أهلها عنها. حين نبت صوتها وسط جموع المردّدين “ماذا تريد منّي؟ لماذا لا تهرب منّي؟” شعرتُ بحاجة إلى سيجارة، فنظرتُ إلى سارة التي انحسر حجابها عن مقدّمة رأسها قليلًا بفعلِ تحريك اليدين المستمرّ إلى أعلى وإلى الوراء، اقتربتُ كثيرًا منها كي تسمعني:
– سارة، بدّي أطلع أدخّن سيجارة
– ما تروح، خلّيك
– بس…
– ما في تروح.
أمسكت ذراعي اليمين وشدّتني إليها، وضعت يديها أعلى حوضي، وقفت على رؤوس أصابعها وقبّلتني “هاي بدل السيجارة”، ثمّ أعادت تثبيت حجابها.

استمر في القراءة

أحمد ناجي: أختي

Isabela Castelan, Karma, 2016. Source: lauraiartgallery.com

١
لم أسمع نداءه لأن السماعات  في أذني. لم أشعر به إلا وباب الغرفة يفتح بعنف، يقتحم حجراتنا مثلما يداهم الأوكار في مهام عمله. 
وقف في فرجة الباب يرتدي بنطالا قطنيا أبيض، وفوقه فانلة داخلية حملات ابتلت في أجزاء منها بعرقه، وشعر صدره الغزير – أحمد الله لم أرثه منه – يطل من الفانلة.
نزعت السماعات من أذني، متوقعاً فاصل من الشتيمة المعتادة، ودون انتظار ما سيرمينى به قلت ملتجلجاً “بتنده عليا، سهران بذاكر مسمعتش.”
عكس توقعي، أتى صوته هادئاً، وجهه خال من الانفعال “البس هدومك، احنا رايحين لأختك” ثم انصرف من الحجرة دون شرح أو تفصيل.
أنا أصلاً لا أعرف لما هو في المنزل هذا المساء؟
نظرت للساعة في الموبايل، الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. ماذا نفعل عند أختي في هذا الوقت؟

استمر في القراءة

كمطرقة: فلاش الفخراني

Chant Avdedissian, “Cities of Egypt/Greetings from Masr”. Source: sothebys.com

العدل
من يجرؤ على اتهام فكرة نبيلة كالعدل؟
لا أحد
لذا
وبخبث تام
نتهم الرومانتيكا
فالعدل في جوهره قضية رومانتيكية.

استمر في القراءة

ثلاثة خواتم: قصة ريونوسكيه أكوتاعاوا ترجمة ميسرة عفيفي

Hiroshige Utagawa, Shrine Gate Pass at Rokusozan in Kazusa Province, 1852. Source: ukiyo-e.org

(١) [1]
في قديم الزمان، كان متسول ينام أمام مسجد في بغداد. وفي ذلك الوقت انتهت الخطبة فبدأ المصلون يخرجون من المسجد، ولكن ما من أحد منهم حاول أن يعطي ذلك المتسول فلساً واحداً. ثم خرج من المسجد أخيراً رجل على شاكلة التُجّار، وعندما رأى المتسولَ وضع يده في جيبه وأخرج مالاً فأعطاه له. وعندها قام المتسول فجأة وقال: “شكراً لك يا مولاي، حماك الله ورعاك” لم يأبه له ذلك التاجر ومضى لحال سبيله، ولكن أوقفه المتسول وقال له: “توقف يا مولاي! عندي حديث لك” وعندها التفت الرجل الذي على شاكلة التجار وقال: “إنني لست مولاك” فقال له المتسول: “كلا، ولكن يبدو أنك يا مولاي ستلاقي في المستقبل مصاعب في هذه الدنيا، سترعى الإبل وتجلب الماء من الآبار. إنني منذ الفجر وأنا أستجدي الناس هكذا، ولكن لم يعطني منهم رجل واحد شيئاً. ورداً لجميلك يا مولاي سأعطيك خاتماً. لقد صَنع هذا الخاتم جنّي عربي، فإن حاول أحدهم أن يسمّك يا مولاي، سيتحوّل هذا الحجر الأحمر المُزيّن به الخاتم إلى لون أزرق” ثم وضع الخاتم في كف التاجر المندهش واختفى من أمامه وكأنه تبخّر في الهواء.

استمر في القراءة

نهال الهجين: الساعة

1315 rendition of “Design for the Water Clock of the Peacocks” from the Book of the Knowledge of Ingenious Mechanical Devices by Badi al-Zaman ibn al-Razzaz al-Jazari (1136–1206). Source: metmuseum.org

كان بيليق على أمي الذهب علشان بشرتها بيضاء، وأنا بيليق عليا الفضة أكتر علشان طالعة سمراء لأبويَ. جبت لها ساعات كتير في مناسبات ياما، بس فضلت عايزة تاخد الساعة الفضي بتاعتي لأنها عاجباها أكتر من كل الساعات الذهبي اللي عندها. علمًا بأن الساعة دي كانت هدية من طنط چيهان، صاحبتها اللي نافستها من غير قصد على مكانة الأمومة في حياتي.

استمر في القراءة

هيا المويل: شلون

Aleppo, 1919. Source: Wikipedia

شلون يعني؟ قال الأب بعد أن قطب حاجبيه وفغر فمه. تن .. تن .. تيرن، تن .. تن .. تيرن. بدأت شارة mission impossible  من التلفزيون الذي خلفه. تيرا رااا، تيرا رااا، تيرن. ضحكتْ فزم شفتيه وأغلق التلفزيون ليسحبها إلى جدية الموقف.
شلون بتعملي شي من دون ما تقوليلي؟ ولا بعرف بس يجوا ياخدوكي؟
تلاشى كل الكلام الذي حضرتْه وحفظتْه لكسب الحوار. وقالت أول ما تبادر إلى ذهنها:
بابا الموضوع من برا ببين أكبر مما هو عليه.
يعني إذا عرفوا بصفقولك؟ كتّف الأب يديه وأمال جذعه تجاهها، ما أربكها: شلون يعني أكبر وأصغر؟ اتفضلي اشرحيلي.
يعني أنت لو بتكون هنيك …
أنا ما بطلع لأنو بعرف العواقب. صاح الأب وصمت صمتًا بدا عميقًا جدًا.
يا بابا أنا ما قصدي أنك تطلع، قصدي أنو الأمور أبسط مما منتخيلها. جملة ضعيفة، لا القصص المروية بهمس، ولا الأصوات الصاخبة التي بدأت تُسمَعُ حديثًا في حلب تؤيد ذلك، فكرتْ والغضب ينمو بداخلها كصبارة.

استمر في القراءة

وثائق تاركوفسكي: مرتضى كربلائي لو، ترجمة فرزدق الأسدي

Tarkovsky’s “Stalker”, 1979. Source: bfi.org.uk

لو لم يكن تحذير وزارة الطاقة لتفريغ الفيلا كان من المستبعد أن يخطر على بال معصومة وعائلتها أن يدعوا أحداً إلى فيلاهم. الفيلا التي وفقاً لقرار الوزارة يجب أن يتم إخلاؤها قبل نهاية الشهر لم تكن تعد سوى مشروعاً مهدوراً كان من السهل التظاهر بالسخاء بشأنه. بهكذا فيلا كان بإمكان عائلة معصومة أن يتظاهروا بالمضايفة مكتسبين بذلك شعبية لدى القريب والبعيد. وبعد انتقالهم إلى الفيلا الجديدة كان بإمكانهم العودة إلى انطوائيتهم والتعالي على الآخرين.
كلنا كنا خريجي فرع السينما، وتقبلنا دعوة معصومة بحيرة، وبالرحب والسعة طبعا. الفيلا كانت في قعر واد معشوشب نضر، وكما تصفها معصومة كانت أصوات البلابل وهدير النهر تجعل أجواءها في الليالي تجنن.

استمر في القراءة

محمود حمدي: نافذة مضادة للوحشة

Jonas Bendiksen, Uzbekistan, 2002. Source: magnumphotos.com

(١)
منذ سكني في هذه الشقة، لم أع يومًا فُتحت فيه النافذة الموازية في المبنى المقابل. كنت قد اعتدتُ انغلاقها الكئيب، الغبارَ الذي يكسو ضلفتيها الخشبيتين. وكآبة محياها في نفسي. لكن مرةً في الليل وعندما كنتُ استعيد أحداث يومي على أطلال أم كلثوم، مع كوب شاي، أبصرت النافذة مشرعةً ذراعيها للفضاءِ من حولها، وكقلبٍ عاوتده الحياة، انتفضت أحشاؤها يالحركة. كانت قريبةً للدرجةِ التي تسمحُ لي باصطياد من في داخلها لتحيته.

استمر في القراءة

خالد الشورى: قصتان

Vittore Belliniano, Portrait of Two Young Men, 1515. Source: artsandculture.google

بيلا

لمّا أنهيت المرحلة الثانوية، انتقلت مرغمًا للعيش وحدي في شقةٍ صغيرةٍ تابعةٍ للسكن الجامعي.
كانت الشقة واحدةً من شققٍ صغيرةٍ أخرى متماثلةٍ في المساحة والمميزات، بُنِيت خصيصًا للطلاب في بنايةٍ عديدة الأدوار لا تتميّز بشيءٍ سوى موقعها القريب من الجامعة، بالإضافة لمنظر أشجار الغابة البديع التي تحيطها من كل الجهات.
كلُّ دورٍ يتضمن عددًا زوجيًا من الشقق، وكلُّ شقةٍ لها سريرها ومكتبها ودولابها ونافذتها ومطبخها، لكنها تشارك الحمام مع الشقة المجاورة.

استمر في القراءة

مُو مصراتي: ضرس العَقل

Gina Phillips, “Sentimental Tooth: Cornstalk”, 2011. Source: ginaphillips.org

ضرسي يؤلمني. أتحسّس الفراغ فيه بلساني فتلسعني صعقة تئن في رأسي. أبعدُ لساني عنه وأحلف أن هذه كانت أخر مرة ألمسه فيها. أنسى ذلك لمّا أتحدث مع زبون يسأل عن كتاب ما. أقبضُ يدي كي لا ألكمه، وأفكر: القليل من الكلام، لا أكل على الاطلاق، حبّتي كودايين، جغمة ماء والكثير من السوائل. أفعل ما استطعت منها وأنشغلُ في مهمة اليوم: إعداد قائمة كتب بميزانية ألف دولار.
وصلت صبح اليوم شُحنة كتب جديدة من شركة الاحتكار التي يُعتبر هذا المحل فرعًا في سلسلتها؛ تحتوي على مائة نسخة عربية من كتاب كفاحي، ومائة أخرى لكتاب الأمير، والباقي نسخ عديدة ومتنوّعة لكتب في التنميّة البشرية والروايات الأكثر مبيعًا.

استمر في القراءة

خالد الشورى: البقرة

Lincoln Red Cow by William Albert Clark (1880–1963). Source: artuk.org

معروفٌ عن سعيد زوج فردوس أنه ثورٌ غشيمٌ بحق. من فحولته كان حيل زوجته ينهدُّ قبله بسرعة، ويخرُّ جسدها هامدًا تحته بعد أن يدعكه دعكًا، فيتركها ويخرج في عزّ الليل إلى الحظيرة ليكمل دعكه في النعجات والأبقار. كذا مرة كانت فردوس تستيقظ في الصباح وتفجع بجثمانٍ ميت لنعجة صغيرة لم تحتمل فحولة زوجها الجامحة.
حين سمع أول مرةٍ عن إتيان سعيدٍ للبهائم من أحد أصحابه، وأكد الحكاية أصحابٌ آخرون تجمعهم بسعيد صلةٌ ما، سواء من قريب أو من بعيد، بدت له حكايةً منفرةً ومثيرةً للقرف، يشعر مع سماعها بحموضةٍ حارقةٍ تتصاعد من معدته إلى فمه. ولكن مع تكرر السيرة، وبعد أن وجد فِعلة سعيد مألوفةً بالنسبة للكثير من أهل القرية فقد تكررت لاحقًا على مسامعه حكاياتٌ أخرى مشابهةٌ صار لا يستغرب فعلته، بل ويفاتح بالحديث عنها من يعرف عنهم فحش اللسان.

استمر في القراءة

مينا ناجي: نَذوب مثل لحظةٍ في تَاريخ الزَمَن

Roy Andersson, Train Station, 2019. Source: artsy.net

وأنا ذاهب إلى المحطة، رجَّحتُ أنها تسير خلفي. لم أرد أن أنظر، نزلتُ وقطعتُ التذكرة، لم يصبني التوتر بعد. وأنا واقف، رأيتها من بعيد بالفعل. بُعد المسافة جعل الموقف كأنه مشهد من فيلم رومانسي. بدَتْ من بعيد كامرأة مَشْغولة. فكرتُ أن أذهب إليها لكن تصورتُ قلقها من أن تظن أنني أتتبعها. هذا طريق رجوعي، لكن ظنها لن يكون خطًأ. أصابني التوتر كما توقعت، تراكم سنوات لم أركب فيها المترو. فكرتُ أن أصعد مرّة أخرى، كانت مُنهمكة في هاتفها، لكن المترو جاء سريعًا. يقترب الموقف من مشهد فيلم رُعب. لم أفكر في حقيقة أنها تركب بعد عدّة عربات، فكرتُ فقط أني لا أصلح لشيء. لكن سرعان ما أخرستُ نفسي. قلتُ ربما سأراها حين أخرج المحطة التالية، وتدربتُ سريعًا في ذهني على كيفيّة تمثيل المفاجأة، والجملة الذكية التي يمكن أن أقولها فتضحك. خرجتُ ولم أرها، وقفتُ أنتظر المواصلة الأخرى في الشارع، تشجّعتُ وأرسلتُ إليها عبارات غزل. كنتُ غاضبًا، وأتذكر أمي. لا أعرف لماذا أتذكر أمي في المواصلات، حتى أني كنتُ أبكي في البداية. متحابان صغيران يجلسان أمامي في المينيباص. لفت نظري أني أبدو لهما كرجل كبير الآن. تخيلتها مكان الفتاة وأنا مكان الفتى. فشلتُ في تخيل سيناريو لطيف. رجعتُ البيت وغيَّرتُ سريعًا، ردّت على مغازلتي بابتسامة خجلى. اشتريتُ بعض الأشياء وأخذتُ مواصلة لأصدقائي. أسقطوا لي المفاتيح وحين لم يفتح واحد منهم اتصلتُ وصببتُ غضبي عليهم. تفاجئوا من غضبي غير المبرَّر وغير المعتاد. قالوا لي إنه باب العمارة المجاور. فكرتُ جديًا إن لم يفتح فسأعود أدراجي، لكنه فتح فصعدتُ. قضيتُ ليلة شواء وموسيقى وشرب ورقص وضحك. قلت لهم إنها إحدى لحظات حياتي الجميلة. صمتوا ولم يعلِّقوا. كنتُ قد عاهدتُ نفسي أن أقول ذلك بوضوح، فذلك ينفعني في الليالي السوداء. سألني صديقي إن كنتُ قد حسمتُ أمري في تركي العمل. قلتُ إن الأمر رغم خوفي منه منذ شهور تقرّر اليوم ببساطة وأنا أعبر الشارع. أثق في حدسي. مع ذلك، سألتهم في نهاية السهرة كخائب في الموضوع الذي يشغلني من بدايتها. أغلب الآراء كانت ألا أرسل شيئًا وأنتظر.

أحمد كامل: أجمل حذاء في العالم

Vincent Van Gogh, “Shoes”, 1886. Source: gallery30.ru

لا أذكر من يومي الأول في ورشة الأسطى خليل، سوى سؤالي له: “ما هو أجمل حذاء فصّلته يا أسطى؟” لا أعرف لماذا انزلق مني سؤال كهذا؛ ربما بسبب رؤيتي طيلة اليوم لتشكيلات محدودة تتسم نوعاً ما بالقبح، من جلود الفُندي (وجه الحذاء) التي يطبِّعها الصنايعية بمسامير فوق القوالب الخشبية، قبل التعريش واللصق على النعال باستخدام الكُلّة الحمراء.
كنا في آخر الليل، الصنايعية غادروا، والشارع قبالنا مظلم بلا قدم، والرائحة الصافية لجلود الحيوانات تضرب أنفي بعد زوال غبار النهار وعرقه، فيما أتنقل مقرفصاً فوق بلاطات منقورة باهتة؛ مهزومة بفعل الزمن والأحذية، أفرز مخلفات اليوم، أنتقي ما يصلح لإعادة استخدامه، وأكوّم التالف في جوال من خيش.
كان الأسطى جالساً على كرسي خشبي، عند عتبة الدكان، تحت كلوب يشع بضوء خفيف أصفر، يتزاحم حوله ناموس وعثث، يرتشف من كوب شاي تتصاعد أبخرته، يستقر بين أصابعه المعبَّأة بالصبغة وبكدمات سوداء في أظافره الشائهة، التي تعدني بمستقبل مماثل حال الترقي في الصنعة.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: معطف المعجزات

Isidor Kaufmannc, “Man With Fur Hat”, 1910. Source: Wikipedia

على مشجب رأسه علق أملا، لكن في قرارة نفسه كان يعلم أنه أمل ضعيف وباهت، وأن ما يحتاجه حقا هو معجزة.
رافقه ذلك الشعور طيلة الطريق إلى العزاء، لكن صوت وردة، المنبعث رائقا من كاسيت سيارة الأجرة مكيفة الهواء، أنعش مزاجه وألقى في روعه أن كل شيء جيد، كل شيء قابل للحدوث، وأن الكارثة التي على وشك الوقوع، جحيم الخواء، اليأس، آلاف النسخ المكرورة منه والمحشورة في زحام الأتوبيسات والمترو والشوارع هي أشياء خارج العالم، يحجبها عنه زجاج أسود كثيف.
سرحت أغنية  لولا الملامة يا هوى لولا الملامةفي شرايين دماغه، فدندنها بصوت مرتفع رغم بهجتها التي لا تتناسب مع وجهته.

استمر في القراءة

حسين فوزي: نهاية العالم مرة أخرى

Christ’s Descent into Hell by a follower of Hieronymus Bosch, 16th century. Source: metmuseum.org

قرأت على موقع اليوم السابع الخبر: الكرة الأرضية غدا فى الحضيض. مفاد التفاصيل كان أن كرة الأرض بدأت في التهاوي بعد أن عجزت قوة الجاذبية عن الاستمرار في مواكبة أعداد المواليد والتي لم تعد في حالة توازن مع أعداد الوفيات اليومية. ليست الكارثة ناجمة عن اصطدام، بل السرعة التي تبدأ الاشتعال والتآكل البطيء المستمر.
للصدفة، بدأ التآكل بشكل غير ممنهج دون خضوع لما يمكن وصفه في معادلات خاضعة للثوابت الرياضية والفيزيائية، في أكثر المناطق انعزالا والتي لا يصل منها لغالبية السكان أخبارا: جزيرة القيامة بتشيلي، جزائر تريستان دا كونا المطلة على جنوب المحيط الأطلسي، مدينة إيتوكورتيرمايت الواقعة في جرين لاند والتي تجاهل ذكرها معظم المواقع الإخبارية نتيجة اسمها المعقد والمستحيل تقريبا على النطق والذي يبعث في نفوس القراء الشعور بالبضان.

استمر في القراءة

طارق الجارد: لا أحد يستدل على الطريق في شينجوكو

M. C. Escher, “Relativity”, 1953. Source: .justcolor.net

الحياة، إن كان ثمة بداية فعلية لحياة المدينة، لا تبدأ في طوكيو قبل العاشرة. إلا أن الناس تستيقظ باكرا لتسعى في المدينة. وهو ما يعني أن لدي فسحة من صباح أصرفها في شرب القهوة والقراءة، قبل أن أبدأ جدولي السياحي في طوكيو.
كالمتردد، قضيت الثلاث صباحات الأولى على الطرف القصي من محطة ميترو وقطارات “شينجوكو” في طوكيو، وبالأحرى في مقهى “القنينة الزرقاء”.
اليوم الرابع كان فارغا، والحقيقة أن ذلك لم يكن مجرد خيار مسبق فحسب، بل ضرورة. فالأفكار التي تراودني عن “الصياد غراخوس” لكافكا، كانت تسعى في عقلي، حتى لم تعد هناك شهية في ذلك الصباح لسعي آخر. غراخوس، الصياد الذي مات، ما زال يهيم في سفينة الموت داخل تابوته في بحارنا، وسفينته تنزل أحيانا على موانئ المدن ليلا، وتغادرها صباحا. وفي تلك الليالي النادرة، تتسنى له لحظات من الحياة يخرج فيها من التابوت، لكنه لا يستطيع إلا أن يعود له، حينما يصيح بوق الباخرة قبل الفجر. لا يعلم لماذا لا يموت مطلقا، ولماذا لا يعيش مطلقا، وأنا أيضا لا أعلم. لكنني أود جدا لو أعلم، إن كان تراخوس قد مر بميناء طوكيو البارحة ولم ألتقه. و إلا ماذا كان بوق الباخرة الذي أيقظني فجرا؟

استمر في القراءة

محمود حسني: وهم البحر

J. M. W. Turner, “Stormy Sea Breaking on the Shore”, 1840-45. Source: Wikipedia 

المكان مختنق، كما سيكون دوما. ونحن صغار جدا، كأسماك صغيرة، سريعة الحركة، تملأ شتاء خليج هذه المدينة الصغيرة. صغارا كنا، لا يتوقفون عن الحركة، تُلوِّح وجوههم شمس قوية تطل من جهة الخليج الضيق وتسقط وراء الجبل الداكن.
كنا أطفالا ينتظرون نهاية الأسبوع ليهرولوا إلى شاطئ الخليج. خليج صغير، يستريح إلى سفح جبل ناري، تركن إليه السفن الضخمة، ملتقطة أنفاسها، قبل أن تحبو ببطء في ممر القناة الضيق. خليج تتراكم الصخور على شاطئه، تنحسر عنه المياه أغلب الوقت، فنُشمِّر سراويلنا، نتلمّس بأطراف أقدامنا رماله المُشبّعة بالماء والملح مُلتقطين القواقع والمحار. نمشي في واديه الجاف خمسين مترًا، مائة، مائتين، حتى تصل أقدامنا إلى دفء مياهه الهادئة، ثم نعود راكضين، صارخين فرحا بما أعطانا.

استمر في القراءة

سلمى الداني: شاهد رقيق

Moises Saman, Japan, 2017. Source: magnumphotos.com

تجلس على أريكة مخملية متأملة حوضًا صغيرًا من السيراميك ذا زخارف يبدو أنها أندلسية، لا تستطيع تمييز جميع ألوان زخارفه بسبب رغوة الصابون، تأخذ رشفة من الشاي الذي مدته لها أخصائية المساج، وكعادتها تتساءل بينها وبين نفسها وهي لا تنتظر إجابة ما: هل هو بطعم البابونج مع العسل؟ فترتشف رشفة أخرى، ثم تنتبه أن روبها يبدو مرتخيًا حتى بدا صدرها؛ لكنها لا تبالي. تمد قدميها بحذر وهي تدخلهما في الحوض، وتُرجع ظهرها باسترخاء على الأريكة راجية أن ستستطيع النوم بشكل عمي بعد هذا المساج.   
تخرج قدميها من الحوض، وتخلع الروب الحريري عن جسدها، تتردد في خلع القلادة الفضية فتتركها مكانها؛ وتتبع تعليمات المدلكة بأن تنام على بطنها، وتضع وجهها داخل فتحة مجوفة في طرف السرير. الإضاءة الخافتة؛ ورائحة الشموع العطرية؛ والموسيقى الخلفية الداعية للاسترخاء؛ تزيد من حدة توترها، لم تستغرب هذا التوتر فهي تدرك أن ردود فعلها المغايرة أمر طبيعي. لا تهتم بما تشعر به في تلك اللحظة

استمر في القراءة

No more posts.