الوصيف خالد: من بقايا مفكرة محترقة

The Art Journal Illustrated Catalogue: The Industry of All Nations, 1851. Source: getty.edu

مقتطف رقم (١):
كل مسطح ممدود، وليس كل ممدود مسطحًا.

ربما كنت أُمًّا لولدٍ في مثل عمره لو تزوجت في عمر مناسب، كما البنات. سعيدات الحظ أقصد. بعضهن وُهبن حسنًا ورثنه، وبعضهن وهبن مالًا أو نفوذًا لعائل. إرادة الله اقتضت. ليس في القرب مني ما يُطلب لذاته فلا نفع يُرجى، ومن ثم لا حب.
يحبني. الولد يحبني. يدرك حاجته إليَّ واهتمامي به. لا يعرف أن مصير الأطفال، بالاستغناء مع مضي العمر، محرّم عليه، ولن يعرف. لن يعرف هاجري أيضًا أن تتبُّع جديد مدونته الملقاة في الفراغ، مجهولة بلا زائرين ولا تفاعل، بات زاد يومي.

استمر في القراءة

مالك رابح: خمسة نصوص

Yann Mingard, from “Everything is up in the air, thus our vertigo”. Source: 1000wordsmag.com

الوقوع من على أغصان الشجر

 

كُنت صبيًا شقيًا، لكن هذا ليس متداولًا في أحاديث العائلة. تبهت شقاوتي مقارنةً بأخي الأصغر الذي، رغم بعدنا عن تلك الأيام، لا يزال إلى الآن يتم تذكيره بما كان عليه، بينما تشير إليَّ الأصابع، المتغضنة والمرتجفة، بوصفي الابن الأكثر وداعةً وهدوءًا والذي يسهل الضحك عليه، للدرجة التي يصير لزامًا علينا – أنا وهو – تقبل الأمر: أنا بهزة رأس خفيفة، متقمصًا الوداعة والهدوء المذكورين، وهو، ليثبت أنهم أيضًا يسهل الضحك عليهم، بابتسامة صغيرة معطوبة، تحمل قدرًا من الشفقة اللعوب والمفارقة؛ فبينما خرجت أنا صاغًا سليمًا من عفار شقاوتي، لسوء الحظ تركت التجارب والمغامرات ندوبًا وغرزًا في وجه أخي. كنتُ حذرًا وأذكي قليلًا، لم يجرفني التيار ولم تأسرني اللحظة فأقع من على أغصان الشجر، لكن أكثر الأشياء أهمية لا يتعلق بي بل بأخي؛ كان أكثر براءةً مني ودائمًا يوافق حين أخبره، بالخوف والقلق الذي لا بد يحل من السماء على أولئك الواقفين في أول الصف، أن عليه أن يسمع كلامي، بصفتي الأخ الأكبر، ويجرب هو أولًا.

 

استمر في القراءة

بلال حسني: تمشية من كليوباترا لكليوباترا حمامات

David Hockney, “The Shop Window of a Tobacco Store” (Alexandria), 1966. Source: tate.org.uk

ليس كل عام يقتل رجل من عائلتي، يقتل مسموما، هذا هو الخال الكبير. عاما بعد عام وفي المناسبات، كانت عائلتي تطور من حكاياتهم عن الموتى، بترديد نكاتهم ومواقف الخزيان والبطولة. تضيف وتحذف وتكشف عن تفاصيل جديدة، نعوش متجددة للميت الواحد، كنقش كعك العيد، العفوي والفوضوي والمتأني، إلا ذكرهم عن خالي الكبير، كان أشبه بتجفيف الفواكه ليلا بعد نوم الجميع، أي خطأ أو تحريف لا يحتمل. لا قصة هنا تحكي لك، هرب خالك من البيت بحثاً عن الفتاة التي هجرته، وحين عثر عليها، قامت بتسميمه، حتى يكف عن مطاردته لها، وحدث ذلك في بلد غريب.
لذا انقضت فترة طفولتي بين حي القصعي وغيط العنب، على معدة تتلوى من أهون قطرة ماء، أسميها متلازمة الخال الكبير. تذكرته الآن وأنا على وشك ترك حي كليوباترا، حي الشباب، وقبل أن أهجر المكان على أن أحرقه بأكمله وسط الزيطة، ليس بأكمله تماما، تحديداً من قهوة الخان مرورا بألبان الوادي السعيد والسندويتشات الحلوة ومحل تريكو السعادة وكشك السجائر وبائعي الحشيش وحلواني مرزوق ومحل تصليح السجاد والسيبرات وصالات الجيم الضيقة حتى باب منزل جارنا خالد سعيد، والذي قامت ثورة يناير من أجله.

استمر في القراءة

أحمد كامل: سير هادئ في أقصى اليمين

Tara Todras-Whitehill. Source: scoopempire.com

يصلح جسده كبرهان على مقولة: “طول بعرض مثل باب”.  وأعتقدُ أن هذا ما زاد الطين بلّة، إذ لفت صوبه الأنظار أكثر جاعلاً منه محطّ سخرية، خلال عبوره الطريق أمام سيارة أجرة مسرعة مُقبلة، وقد تجلى فزعه وكأنه نملة محصورة بين تدفق من خيوط مياه.
كنتُ أقود سيارتي، الأجرة كذلك، باتجاهه، ولكنني هادئ كما عادتي. وليس تسكعي هذا حذو الطوّار وقتياً أو بحثاً فقط عن زبونٍ ألتقطه، قدر ما هو سلطان تربية رشيدة. فأنا، من سلالةٍ امتهنت نقل الناس إلى كلّ شبرٍ في هذه المدينة، وقد تفرعنا جميعاً، في الأساس، من سائق حنطور.

استمر في القراءة

مالك رابح: العرس

Tasneem Alsultan, Wedding Party, 2015. Source: artsy.net

كان المشهد ليروق لك لو رأيته. ساعة بالكاد مرت على عودتنا – لم يستقر الغبار على البلاط، ولم يُفرد جديد الأغطية والملاءات، ونقر الباب، وأعلنت الغرابة عن حضورها: “محسوبكم رمضان الحدق آسف لو طبّيت عليكم من غير ميعاد، ألا تتذكرونني؟” صرختْ في مظهره لكنّا لم نستطع تحديد من أين؛ أهي ربطة العنق فاقعة اللون أم الوردة الصناعية المشبوكة في سترة البذلة الضيقة؟ قال لم ألبس هذه العفريتة منذ زفافي. سألناه على المناسبة السعيدة التي كانت تنتظره بعد زيارتنا فاضطجعت الحيرة بين حاجبيه – ربما كان تدلّي رأسه إلى صدره حين يتكلم. ربما هي ابتسامته التي رقصت على السلم بين الصدق والخبث؛ تجادلنا بعد ذهابه، هل كانت الوردة الصناعية هناك في حفل الزفاف أم سحبها قبل مجيئه من مزهرية ثم بتر ساقها؟ “ألا تتذكرونني، اعتدتُ اللعب في طرقات هذا البيت؟ أمكم كانت كويّسة معي، قالت لي خليك في المدرسة، وكانت تقدم لي الينسون دائمًا”.
لم نتذكره. الينسون كان أول شئ حطّت عليه الأيادي في كيس المشروبات، قلنا لازم يكذب، لو وقعت أيادينا على شاي أخضر أو بلا أزرق لقال الشئ نفسه. “لا بد أنكم تتذكرونني”. كان مرتاحًا، يقرع الطاولة بقعر الكوب بعد كل رشفة، ويلمس الجدار بأنامله في الطريق للباب. “لو احتجتم أي خدمة أنا موجود”. لبس حذاءه وقال: “لا تفهموني خطأً، ما كان ينبغي أن تعودوا إلى المكان (أشار إلى ممسحة الأحذية) ابن الوسخة هذا”. ضحكنا، ثم لاحقًا، ونحن نحدد من تعيس الحظ الذي سينام في سرير الأب والأم، تذكرنا ما قاله دون ضحك.

استمر في القراءة

باسم زكريا السمرجي: رقصة القمصان اللبنية

John Pomora, Interactive Reality, 2014. Source: artsy.net

-١-
ﺗﻣﺗد اﻟردھﺔ أﻣﺎﻣﻲ. ﺗﺗداﻋﻰ ﺣواﺋطﮭﺎ اﻟﺑﯾﺿﺎء ﻋن ﻣﺳﺎﺣﺎت زﺟﺎﺟﯾﺔ ﻛﺑﯾرة ﺗﺑوح ﻋن اﻷﺧﺿر اﻟواﻗﻊ ﺧﺎرج اﻟﺑﻧﺎﯾﺔ ﻋن اﻟﯾﻣﯾن، واﻷﺧﺿر اﻟﻣزروع ﻓﻲ اﻟداﺧل -ﻣﺣﺎﻛﯾًﺎ أﺧﺿر ﺧﺎرج اﻟﻘﺎرة ﺑﺄﻛﻣﻠﮭﺎ- ﻋن اﻟﯾﺳﺎر. ﺗﻌﺗرض ﻣﻧظر اﻣﺗداد اﻷﺧﺿر ﻋن اﻟﯾﻣﯾن واﻟﯾﺳﺎر ﻏرف ﯾﻐﻠب ﻋﻠﻰ ﺣواﺋطﮭﺎ اﻟزﺟﺎج اﻟداﻛن، ﻛﻲ ﺗﺣﻔظ ﺧﺻوﺻﯾﺔ ﺳﺎﻛﻧﯾﮭﺎ دون أن ﺗﺗﺧﻠﻰ ﻋن اﻟﺗﺄﻛﯾد ﻋﻠﻰ اﻟرﺣﺎﺑﺔ ﻟﻠﻣﺎرﯾن ﺧﺎرﺟﮭﺎ. ﺗﻣﺗد اﻟﺣواﺋط اﻟزﺟﺎﺟﯾﺔ ذات اﻟﻘواﺋم اﻟﻣﻌدﻧﯾﺔ اﻟﺑﯾﺿﺎء ﻟﺗﻛﺷف ﻓﻲ دأب ﻋﻣﺎ ھو ﺧﺎرﺟﮭﺎ، ﻟﺗﺻر ﻋﻠﻰ إﻧﻛﺎر ﺣﻘﯾﻘﺔ أن ﻻ ﻧواﻓذ ﺗﻧﻔﺗﺢ ﻓﯾﮭﺎ وأن اﻹﻧﺳﺎن إن أراد أن ﯾﺧطو ﺧطوة ﺧﺎرﺟﮭﺎ ﻋﻠﯾﮫ أن ﯾﻐذي ﻧظﺎم اﻷﻣن اﻹﻟﻛﺗروﻧﻲ ﺑﮭوﯾﺗﮫ ﻣرﺗﯾن ﻋﻠﻰ اﻷﻗل ﻟﯾﺗﯾﺢ ﻟﮫ اﻟﻣرور. ﺗﻧﺗﮭﻲ اﻟردھﺔ ﺑﺣﺎﺋط أﻣﺎﻣﻲ ﯾﻧﻔﺗﺢ زﺟﺎﺟﮫ ﻋﻠﻰ ﻣﻧظر ﻏﺎﺑﺔ ﻛﺛﯾﻔﺔ اﻷﺷﺟﺎر ﻏﯾر أن إﺣﻛﺎم إﻏﻼق اﻟزﺟﺎج ﯾﺿﻣن أﻻ ﯾﺗﺳﻠل ﻋﺑره أي ﺟزيء ﻣن ﺟزﯾﺋﺎت اﻷﻛﺳﺟﯾن اﻟﻧﺎﺗﺞ ﻣن ﻋﻣﻠﯾﺔ اﻟﺗﻣﺛﯾل اﻟﺿوﺋﻲ ﻟﻠﻐﺎﺑﺔ. ﻓﺎﻟﺗﻧّﻔس ھﻧﺎ ﻻ ﯾﻣﻛن أن ﯾﺧﺿﻊ ﻟﻧزوات اﻟﺑﺷر اﻟطﻔوﻟﯾﺔ ﻓﻲ اﺳﺗﻧﺷﺎق اﻟﮭواء ﺑﺷﻛل ﻣﺑﺎﺷر ﻣن اﻟﺷﺑﺎك ﻟﻣﺎ ﯾﻣﻛن أن ﯾﺗوﻟد ﻋﻧﮫ ﻓﺗﺢ اﻟﻧواﻓذ وﻏﻠﻘﮭﺎ ﻣن أﺿرار أﻣﻧﯾﺔ أو ﺗﻘﻧﯾﺔ ﻗد ﺗﺗﺳﺑب ﻓﻲ ﺗﺂﻛل اﻹطﺎر اﻟﻣطﺎطﻲ اﻟﻔﺎﺻل ﺑﯾن اﻟﺣواﺋط اﻟزﺟﺎﺟﯾﺔ واﻟﻘواﺋم اﻟﻣﻌدﻧﯾﺔ، ﻓﯾﺗﺳﻠل ﺗﯾﺎر اﻟﮭواء اﻟذي ﻛﺎن ﯾﺗﺳرب ﻗدﯾﻣًﺎ ﻣن ﺑﯾن ﺷﻘوق اﻟﻧواﻓذ اﻟﺧﺷﺑﯾﺔ ﻓﯾﻘدح ذﻟك اﻟﺗﯾﺎر اﻟﮭواﺋﻲ اﻟﻣﺗﺳّرب ﻓﻲ ﻗدرة اﻹﻧﺳﺎن ﻋﻠﻰ إﻧﺟﺎز اﻟﺳﯾطرة اﻟﻣطﻠﻘﺔ ﻋﻠﻰ اﻟطﺑﯾﻌﺔ اﻷﺳطورﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﻻ ﯾﻌﺗرﺿﮭﺎ ﻋﺎرض. ﻟذا، ﻓﺣﺎﺟﺔ اﻟﺑﺷر ﻟﻸﻛﺳﺟﯾن ﻣﺣﺳوﺑﺔ ﺣﺳﺎﺑًﺎ دﻗﯾﻘًﺎ، ﻣﺎ أدى إﻟﻰ ﺗﺻﻣﯾم ﻓﺗﺣﺎت ﺗﮭوﯾﺔ ﺗﺿﻣن إﻧﻔﺎذ ﺟزﯾﺋﺎت اﻷﻛﺳﺟﯾن اﻟﻼزﻣﺔ ﻟﻠﺣﻔﺎظ ﻋﻠﻰ ﺣﯾﺎة اﻷﻓراد وﻧﺷﺎطﮭم. ﺗﺗوارى ﻓﺗﺣﺎت اﻟﺗﮭوﯾﺔ ﺗﻠك، وﻻ يُسمح ﻟﻘﺎطﻧﻲ اﻟﺑﻧﺎﯾﺔ اﻟﺗﺣﻛم ﻓﯾﮭﺎ وﻻ رؤﯾﺗﮭﺎ، ﻓﻛﻔﺎءة اﻟﺗﺻﻣﯾم ﺗﻘﺿﻲ ﺑﻌدم إطﻼق ﯾد اﻟﺑﺷر ﻟﻠﻌﺑث ﻓﻲ اﺳﺗﮭﻼك اﻟطﺎﻗﺔ. ﻟﻧﺑﻘﻲ ﺳﻠطﺔ اﻟﺑﺷر ﻓﻲ اﻟﻣﺑﻧﻰ ﻋﻠﻰ اﺳﺗﮭﻼك اﻟطﺎﻗﺔ ﻣﻘﺻورة ﻋﻠﻰ ﺗﺷﻐﯾل اﻷﺟﮭزة اﻟﻛﮭرﺑﺎﺋﯾﺔ واﻹﻟﻛﺗروﻧﯾﺔ اﻟﻼزﻣﺔ ﻟﻛﻲ ﯾﺗﻌرّف ﺳﻛﺎن اﻟﺑﻧﺎﯾﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻣوﺟودات ﺧﺎرﺟﮭﺎ، وﻟﻧﻔرّغ ﻏرﻓﺗﯾن ﻣن ﻛل ﺗﻠك اﻟﻣوﺟودات، ﺣﺗﻰ ﻣن ﻣﺻدر اﻹﺿﺎءة ﻟﻛﻲ ﯾﻧﻔرد ﺑرﺑﮫ ﻣن أراد ﻓﻲ أي ﻣﻧﮭﻣﺎ، ﺳواء أراد اﻟﺻﻼة أو ﻣﻣﺎرﺳﺔ اﻟﯾوﺟﺎ.

استمر في القراءة

كريم محسن: اليوم الأول في العمل

David Reinfeld, “About Face #5”, 2018. Source: artsy.net

-١-
أمام البوتجاز، أقف مرتديا فانلة قطنية بيضاء يحتضنها بعناية بوكسر كحلي، وشراب أسود اللون يخنق قصبة ساقي. ذقني الحليقة تجعل وجهي ضخم وأبله، مما يليق بدوري الجديد كموظف تخرج منذ ثلاثة شهور فقط من الجامعة. رائحة الصابون تفوح مني وتثير داخلي قرفًا محتملًا، تناسيته مع رائحة البن المحوج التي تحتل فضاء المطبخ. سيجارة ميريت أصفر بين شفتي، وأصابع يدي تتأهب لكنكة القهوة حتى لا تفور وتفسد صباح يومي الأول في العمل. قطرات عرق في سباق مستمر على جبيني، بلا قواعد أو خط نهاية محدد: تمتزج قطرتان مع بعضهما وتشكلان قطرة كبيرة، تسقط في النهاية على الفانلة وتصنع بقعة شفافة ضخمة، سرعان ما تجف. قطرة صغيرة ينتهي مصيرها عند حواجبي الكثيفة. بعض القطرات تفضل النهايات الدرامية، فتسلك طريقها باتجاه عيني قبل أن أقضي عليها بمنديل.
سكبتُ القهوة في الفنجان، وضعتها على السفرة، اتجهت للحمام، غسلت وجهي بالماء وجففته معلنًا نهاية سباق قطرات العرق، وبداية سباق جديد: اللحاق بأتوبيس العمل بعد نصف ساعة.

استمر في القراءة

فيء ناصر: يسنين وبنت عمتي

Bertien van Manen Novokuznetsk (Funeral), 1991. Source: robertmorat.com

لم أجرؤ على دخول الغرفة المخصصة لعزاء النساء كما فعلت أمي، مشيت خطوات حذرة فوق الأحذية والنعالات السود المبعثرة خارج الغرفة، وقادني الممر القصير إلى باحة الدار التي تتوسطها شجرة نبق والتي تحاط تربتها وجذعها بسياج دائري واطئ من صفين من الطابوق، وحوله تنتشر أحذية النساء ونعالاتهن أيضا.  شجرة النبق تهيمن على الدار بعلوها الخفيض وتتأمل مشهد الموت كاملا، كأنها تمتص الصراخ الحاد، تنشر أغصانها في كل الاتجاهات وتجثو كالكوابيس على المستيقظ المفزوع تواً، بينما تتساقط ظلالها وأوراقها الصغيرة الصفراء على ارضية الباحة ذات الطابوق الطيني، ويختلط مع ظلال عباءات النساء وثيابهن السود أثناء مرورهن من المطبخ إلى غرفة عزاء النساء. جلستُ على السياج المحيط بشجرة النبق أتفحص الدار التي تعج بالفوضى والعويل، نساء في المطبخ يتولين الإشراف على الطبخ وإعداد حلوى التمر مع الخبز والشاي ثوابا على روح الميتة. صغار يلعبون حول الشجرة كأنهم يستثمرون الصراخ العالي لزيادة صخبهم، ونسوة كثيرات يدخل صراخهن قبلهن من الباب الحديدي المشرّع. مرّ ابن عمتي مسرعا، تحت إبطه كتاب ذو غلاف لامع يختلط به الأزرق مع الأبيض، رماه عليّ قائلا:”خليه عندك، عليّ أن أحمل صينية الشاي إلى الرجال”.

استمر في القراءة

مينا ناجي في عيد ميلاده: مُصالحة خَاسر جيّد

By Youssef Rakha

— في بداية كلامي أحب أن أؤكد على شيءٍ. مهما بدا الأمر فأنا لم أُرد أن أوجِّه لكِ تلك الأشياء التي قُلتها. كنتُ مجرَّد أحمق بنسبة ذكاء أتوبيس نهري. وكانت تلك أول مرّة أدخل فيها هذا المول. مرّة قبل سنوات دخلتُ ‘سيتي ستارز’ مع صديق ليبي وهَاله منظري. المهم، حين وصلتُ يوم الجمعة المُشمِس على غير المتوقع إلى المول، كنتِ باردة معي. أتيتُ متأخرًا لأني أوصلت بابا إلي هايبر-ماركت جديد وتركته هناك ليرجع وحده. صعدنا على عجل، وحدث أن السلم الكهربائي كان مُعطلاً، وعلينا الصعود بالمصعد، وأنتِ تعرفين أني لا أحب المصاعد. اندفعتُ خارجًا لما تردّد الباب في الانغلاق وطلعت على السلم المُعطل ليوبخني عمال الصيانة. تجاهلت الأمر لوقتٍ لاحق. كان الفيلم الكوميدي سخيفًا وساذجًا بشكل غريب. لم أضحك ولا مرة. فقط ابتسمت مرتين أو ثلاثا، وأنتِ تضحكين بشعور خفيف بالذنب جانبي وما زالت باردة. في الاستراحة تحجّجتُ بأني أريد أن أرى طلاء أظافرك الجديد ولكنك سحبتِ يدكِ بحزم وبان عليك الضيق أكثر من الخجل. تحمَّلتُ إلى ما ظننته نهاية الفيلم ونزلت متجمدًا من هواء التكييف المبالغ فيه لتمكثي نصف ساعة أخرى بالداخل.

استمر في القراءة

حيدر صادق: اسم الكاتب مستعار

Untitled, 2021 by Youssef Rakha

عطش
قبل أشهر من الحادثة رأيت في منامي أني أسحب زجاجة العصير من جانب الفراش وأشرب منها ما يسد رمقي وفجأة يتبين لي أن في الزجاجة بول حار، شعرت بالجحيم في حلقي وكدت أتقيأ لكني استيقظت من الكابوس وصحوت من نومي فزعاً لأتحسس زجاجة العصير بجانبي وهي مليئة بسوائلي القذرة. شعرت بالاطمئنان كونها مملوءة، وكون ما حصل في الكابوس لم يتجاوز حدوده إلى الواقع، فعدت إلى نومي عطشان ولكن كان الأهم عندي أن مريئي خال من اليوريا وهذا أمر جيد من شأنه أن يعيدني إلى نومي مطمئنا رغم ظمئي، فالعطش شر أرتضيه لساعات محدودة ما دام الصباح يعد بماء وفير.

استمر في القراءة

مالك رابح: الخيط الأبيض السميك

Still from “The White Ribbon” (2009). Source: evanerichards.com

عيد الأم. انتهى اليوم الدراسي بعد ثلاث حصص. قرع البواب الجرس المعدني ونزلنا إلى الحوش الواسع. كان الجو خانقًا وكنت عطشانَ. في الحقيبة زمزمية لم أرد أن أخرجها وسط كل هؤلاء. أجلسونا كيفما اتفق على الرمل الساخن. فصلنا يحوي ثلاثة وأربعين طالبًا والمدرسة خمسة أدوار وفي كل دور ثلاثة فصول، على يساري صف من طلبة الصف الثالث وعلى يميني أحدهم يجلس القرفصاء، يحيط الذباب بفمه المفتوح، يبتسم ويسيل منه اللعاب. الرقع على قميصه الأصفر وبنطاله البنّي مصممة بخيط أبيض سميك، شعرت بالقرف. يتدافع الطلبة فأصطدم به. رائحته بشعة.

استمر في القراءة

أمنية منصور: حتى في الجنة تَنفَق الغربان

Mark Rothko, Blue, Green, and Brown, 1952. Source: mark-rothko.org

وجدتني في مصعد بأربعة أبواب، باب على كل جانب. صعد بي دون أن أضغط زرًا. يختار هو الطابق ويترك لي اختيار باب أخرج منه. توقف. أنا لا أعرف أين أنا فربما عليّ اختيار أكثر الاحتمالات وضوحًا. نزلت من الباب المواجه لي. أحسست جسدي يصطدم بلوح زجاجي لم أره، فارتددت إلى الخلف واقعة.
أحرق عيني لثوانٍ خضارٌ مشع امتد تحتي. أرسلتهما بعيدًا فوجدته يغطي كل شيء على امتداد الأفق. تضاريس برزت عن الأرض، وحفر. كأنه بساط فرشه كائن عملاق وألصقه بغراء. مر أمامي زوجان، مشيا ناظرين أمامهما كغريبين على رصيف ضيق جمعتهما وجهة واحدة. قطعا الطريق وما إن أشحت بنظري عنهما حتى اختفيا، ليظهر في البعيد أشخاص آخرون. رأيت بعضهم يستلقي على البساط، والبعض الآخر يستحم في بركة خضراء هي الأخرى. الضوء هنا ليس أبيض، وليس ساطعًا يعكس الألوان. فقط خضارٌ مُشع.

استمر في القراءة

آدم: ضرس

Ian Ingramو Castle of the Tooth Fairy, 2017. Source: artsy.net

سبع عجائز يشربن الشاي ويقرضن الفصفص ويتفلنه نحو أبعد مسافة، لعبتهن المعتادة كل ليلة. صوت تشويش يأتي من راديو بعيد يبث أغنية بحرية لإحدى الفرق الشعبية المنقرضة. القمر نازل مضيء بقوة، يكاد يجلس معنا ويشرب الشاي. نجلس في المزرعة قرب البيت الطيني ذي الإضاءة الخافتة، الخارجة من الفوانيس المعلقة في كل مكان، نهيق حمار وأصوات أبقار في الحظيرة وحمحمة حصان في الإسطبل. أنا الذكر الوحيد، ابن أمي المستندة على الشجرة ورأسي في حضنها، بلغتُ الثالثة عشرة قبل عدة أيام. ذكرت إحدى العجائز المرتعشات حكايتي وهي تضحك مبديةً أسنانها المنخورة. تقول إنّها تتذكر أنّني – في الفترة التي راحت تحُكّني فيها لثتي وقد أوشكت أسناني على الخروج – عضضتُ ساق أمي، ثم عضضتُ مؤخرة الكلب الدمية وبكيت كثيرًا لأنه لم يتألم أو يهوهو مثل الكلاب في التلفاز.

استمر في القراءة

محمد سعيد احجيوج: البحث عن إدمون عَمران المالح

Bruno Barbey, Tangiers, 1995. Source: magnumphotos.com

١- أفعى تلتهم ذيلها
ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية. يمكنك مثلا، كما يقول أوسكار ذو طبل الصفيح، أن تبدأ القصة من الوسط ثم تسير بها متقدما إلى الأمام أو تعود إلى الخلف لتخلق ما تشاء من حيرة وارتباك. يمكنك أن تكون حداثيا، أو بالأحرى ما بعد حداثي، وتلغي كل الإشارات إلى الزمان والمكان، ثم تعلن أنك قد حللت معضلة الزمكان. يمكنك أن تقول إنه ما عاد بالإمكان كتابة الرواية، فقد قيل كل ما يمكن أن يقال، ثم تُخرج، على غفلة، من قبعتك السحرية رواية سحرية ستكون آخر الروايات العظيمة ولن يأتي أحد بعدك بأفضل منها. ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية التي يسودها الغموض ويدثرها الجنون وتموت فيها الأحلام. إحداها تبدأ كما تبدأ القصص البوليسية. التحري الخاص يتلقى مكالمة هاتفية، أو زيارة عمل، من عميل يأتي إليه بقضية مستعجلة. لكنني لست تحريا خاصا، أنا كاتب سلسلة من الروايات بطلها رجل تحر. كان م.س يعلم ذلك حين جاءني بقضيته. أخبرته وأعدت التأكيد بأنني كاتب ولست تحريا. “لكنك تكتب عن رجل تحر، ورواياتك البوليسية محكمة الحبكة،” قال لي وجفف العرق عن جبينه، ثم تنهد ورفع كتفيه. “أنت أقرب من يمكنني الحصول عليه من رجال التحري.”

استمر في القراءة

أمنية منصور: والدنيا هس هس

Mohamed Nassef, Cairo, March 2019. Courtesy of the artist.

من أجل أن نلتقي في المدينة التي لا تنام. هذه القاهرة. لا تنعس حتى، أو تغمض جفنيها. عيناها على اتساعهما كل لحظة، ترصد الأفق وكأنه مبسوط فلا يحجب رؤيتها لا زحمة ولا تراص أبنية ولا فضاء. في كل الاتجاهات تُلاحق ببصرها أناسًا جالسين وقططًا حائمة. لا تغفل عن شيء. يقظتها فاتكة تعضّ ما تراه، تهشّمه أسنانها حتى تبتلعه. ظننا أن الملاذ من مراقبة القاهرة في حَوارٍ ضيقة ودهاليزَ مظلمة ولكن كيف وحتى ما يحدث في كنف الغرف المغلقة لا يخص أصحابها بل يداوي مقلتيها الحمراوين. لا ينقطع دأبهما قط.

استمر في القراءة

علي لطيف: حمرا

Sohrab Hura (schizophrenic mother with her dog), India, 2008. Source: newyorker.com

أنا من أصول يونانية، هذا على الأقل ما قالته لي ماما. ماما لا تعرف من هو والدى. أول مرة قالت لي أنه مات بإحدى المعارك الأهلية قبل ولادتي، ثم تراجعت عن هذه الرواية قبل أسابيع من موتها، وأخبرتني أن والدى هو قطيع ذئاب. أجل، هذا ما قالته. مجنونة، صح؟
في آخر أيامها كانت كذلك. انزلقت في الليمبو. كانت تجلس على الشرفة بشقتنا المطلة على ساحة كوردوزيو لساعات، وتحدق في الناس. تصرخ أحياناً وتشتم المارين والطيور القبيحة، وفي مرات تركض عارية للشارع وراء البوليس صارخةً: سالفامي! سالفامي!
كانت تبدو فزعة كأن الشيطان بلحمه يلاحقها.
لم أستطع الاعتناء بها كما يجب على ابنة العائلة، ولم أملك المال الكافي لاستخدام ممرضة تسهر على رعايتها، كان عليّ أن أعمل طوال الوقت، ثلاثة حصص يومياً، ما عدا السبت. عليكِ أن تفهمِ أنه لم يكن لدي خيار.

استمر في القراءة

نذير عبد الله: عيادة الأدب الرديء

Nan Goldin, Guido on the Dock, Venice. Source: christies.com

(١)
حالما أنهيتُ تلخيص حياتي في الفترة الأخيرة له، سَلّمَ أنّني، في الواقع، بحاجة حقيقيّة إلى برنامج علاجي، ثمّ سألني إذا ما راودتني أفكارٌ انتحاريّة. لا، أجبت، الموت لا يثير اهتمامي1 – ميشيل ويلبيك – Seretonin

(١) هل تُطيقُ وداعًا أيّها الرّجلُ 
لم أبكِ حين رأيتُ جسدها يتدلّى من السّقف، لم أجزع، لم تصبني نوبة هلع. كنتُ هادئًا تمامًا، انتظمت ضربات قلبي، وحين نظرتُ في مرآة الخزانة عن يميني بدا أنّ ابتسامة ترتسم ببطء على شفتيّ. جلستُ على السّرير، وأخذتُ أفكّر في حفلة بيلي آيلِش التي شاهدناها سويّة في هلسنكي العام الفائت، حيث كانت تلبس بيجامة خضراء مخطّطة برسومات لم أتبيّنها من موقعنا البعيد.  قرابة منتصف الحفلة غنت “ادفن صديقًا”، وأخذت تقفز يمنة ويسرة بخفّة طفلة غفل أهلها عنها. حين نبت صوتها وسط جموع المردّدين “ماذا تريد منّي؟ لماذا لا تهرب منّي؟” شعرتُ بحاجة إلى سيجارة، فنظرتُ إلى سارة التي انحسر حجابها عن مقدّمة رأسها قليلًا بفعلِ تحريك اليدين المستمرّ إلى أعلى وإلى الوراء، اقتربتُ كثيرًا منها كي تسمعني:
– سارة، بدّي أطلع أدخّن سيجارة
– ما تروح، خلّيك
– بس…
– ما في تروح.
أمسكت ذراعي اليمين وشدّتني إليها، وضعت يديها أعلى حوضي، وقفت على رؤوس أصابعها وقبّلتني “هاي بدل السيجارة”، ثمّ أعادت تثبيت حجابها.

استمر في القراءة

أحمد ناجي: أختي

Isabela Castelan, Karma, 2016. Source: lauraiartgallery.com

١
لم أسمع نداءه لأن السماعات  في أذني. لم أشعر به إلا وباب الغرفة يفتح بعنف، يقتحم حجراتنا مثلما يداهم الأوكار في مهام عمله. 
وقف في فرجة الباب يرتدي بنطالا قطنيا أبيض، وفوقه فانلة داخلية حملات ابتلت في أجزاء منها بعرقه، وشعر صدره الغزير – أحمد الله لم أرثه منه – يطل من الفانلة.
نزعت السماعات من أذني، متوقعاً فاصل من الشتيمة المعتادة، ودون انتظار ما سيرمينى به قلت ملتجلجاً “بتنده عليا، سهران بذاكر مسمعتش.”
عكس توقعي، أتى صوته هادئاً، وجهه خال من الانفعال “البس هدومك، احنا رايحين لأختك” ثم انصرف من الحجرة دون شرح أو تفصيل.
أنا أصلاً لا أعرف لم هو في المنزل هذا المساء؟
نظرت للساعة في الموبايل، الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. ماذا نفعل عند أختي في هذا الوقت؟

استمر في القراءة

كمطرقة: فلاش الفخراني

Chant Avdedissian, “Cities of Egypt/Greetings from Masr”. Source: sothebys.com

العدل
من يجرؤ على اتهام فكرة نبيلة كالعدل؟
لا أحد
لذا
وبخبث تام
نتهم الرومانتيكا
فالعدل في جوهره قضية رومانتيكية.

استمر في القراءة

ثلاثة خواتم: قصة ريونوسكيه أكوتاعاوا ترجمة ميسرة عفيفي

Hiroshige Utagawa, Shrine Gate Pass at Rokusozan in Kazusa Province, 1852. Source: ukiyo-e.org

(١) [1]
في قديم الزمان، كان متسول ينام أمام مسجد في بغداد. وفي ذلك الوقت انتهت الخطبة فبدأ المصلون يخرجون من المسجد، ولكن ما من أحد منهم حاول أن يعطي ذلك المتسول فلساً واحداً. ثم خرج من المسجد أخيراً رجل على شاكلة التُجّار، وعندما رأى المتسولَ وضع يده في جيبه وأخرج مالاً فأعطاه له. وعندها قام المتسول فجأة وقال: “شكراً لك يا مولاي، حماك الله ورعاك” لم يأبه له ذلك التاجر ومضى لحال سبيله، ولكن أوقفه المتسول وقال له: “توقف يا مولاي! عندي حديث لك” وعندها التفت الرجل الذي على شاكلة التجار وقال: “إنني لست مولاك” فقال له المتسول: “كلا، ولكن يبدو أنك يا مولاي ستلاقي في المستقبل مصاعب في هذه الدنيا، سترعى الإبل وتجلب الماء من الآبار. إنني منذ الفجر وأنا أستجدي الناس هكذا، ولكن لم يعطني منهم رجل واحد شيئاً. ورداً لجميلك يا مولاي سأعطيك خاتماً. لقد صَنع هذا الخاتم جنّي عربي، فإن حاول أحدهم أن يسمّك يا مولاي، سيتحوّل هذا الحجر الأحمر المُزيّن به الخاتم إلى لون أزرق” ثم وضع الخاتم في كف التاجر المندهش واختفى من أمامه وكأنه تبخّر في الهواء.

استمر في القراءة

No more posts.