محمد هاني: تحليق اضطراري

Coney Island Loop the Loop Roller Coaster Patent Poster. Source: allposters.com

من أين تقلع كوابيسنا؟ لماذا تصلنا؟ وإن صادفتنا في يقظة بعد غفلة، هل هناك رسالة يجب قراءتها؟ أم أنها نبوءة ذاتية التحقق؟
محاولا إجابة سؤال عن ماهية خوفي من المرتفعات، إن كان أثرًا ممتدًا لحادث، أم انعكاسًا لقلق دفين شق طريقه إلى سطح السلوك على هيئة هلع داخلي فصل صاحبه عن كل ما قد يجري حوله لو انتبه لموقفه والمسافة بينه وبين أرض مستقرة فوق هوة عميقة. ظل ترتيب الأحداث مخادعا، وتضاءلت ثقتي في الذاكرة، لكن شيئا واحدا استقر بأحلامي وهو تحديق الهاوية بي، وأحيانا إحكام قبضتها علي وابتلاع جسمي المنهار استسلاما بإحدى شرفتي منزل عائلتي.

استمر في القراءة

حسين فوزي: مشروع التخرج

Patrick Pietropoli, “Android 2021”. Source: artsy.net

يوم نتيجة التنسيق، دخل الطالب محمد أحمد والشهير على فيسبوك بـ محمد الجامد جدا، على أهله وقال: أنا اتخصصت ميكاترونكس، هصمم روبوتات وهقضي بقية حياتي مع المكن وحاجات زي كدا. مبتهجي الأسارير، ترك والديه، ثم عاد لغرفته حيث دفن نفسه في مضجعه وبكى ترمًا كاملا. سخر بعدها من الأمر. عندما يسأله أصدقاؤه أين كان طوال المدة الماضية، معتمدًا على عدم قابلية الموضوع للتصديق وسخافته سيرد: كنت بعيط في أوضتي.
الآن في سنته الأخيرة بالكلية، متأخرا عن دفعته بستة أشهر، كان يعمل على مشروع تخرجه.
يتكون المشروع من ماكيت معماري استعاره من صديق له، حذف منه تفاصيلَ كثيرة لينتهي إلى حجرتين. الحجرة الأولى خاصة بالنموذج ذكر وتتشكل من سرير ومصلى، والحجرة الثانية الخاصة بالنموذج أنثى ١، وفي ضيافتها نموذج أنثى ٢، خالية سوى من كنبة وطاولة عليها موبايل لعبة وشنيور مصغر. زرع الجامد البيانات في كل شخصية من الثلاثة عن طريق لوح إلكتروني أزرق يحتوي على شريحة متصلة بكمبيوتر برمج منه المعلومات التي من خلالها تدور أحداث القصة.

استمر في القراءة

مهدي محسن: بُرْتُقال فِي اَلمعِدة

Justin Favela, “Wrapped Orange”, 2022. Source: artsy.net

يَمُر اَلغُبار مُرْتفِعًا فَوْق المباني المتراصَّة فلَا يَتَحرَّك شَيْء سِوى الملابس الممزَّقة، على زُجَاج المطْعم اَلمُغبر مِن الدَّاخل اِلتصَقتْ ذُبَابَة مَيتَة، مِن الخارج يَنقُرها عُصْفُور، مِنْقاره يَرِن على الزُّجَاج.
على الواجهة أيْضًا لَوحَة بِلاسْتيكيَّة لِلْعروض على الوجبات، مُثَبتَة بِحبال زَرْقاء نَحِيلَة، رَبطها بِهويَان بارْمَان مِن دَكَّا، سليل عَائِلة مُحترمَة، اَلأُم تَنَام مُتَأخرَة، اَلأَب يَنَام مُبَكرا، اَلأُخت اِنْخرَمتْ يَدهَا اَليُسرى فِي مَصنَع اَلنسِيج، اَليَد المحنّاة، الخالية مِن المعاضد، بِهويَان اَلذِي أكل عدسًا أَصفَر بِدون ملح وأرْزًا أَبيَض، رَبْط اللَّوْحة بَعْد أن تَمخَّط بِيَده، عليْهَا صُوَر لِمأْكولات لَهَا أَلوَان وليْس لَهَا رَائِحة، اللَّوْحة طُولَهَا مِتْر وَعَرضهَا مِتْر ، مَخلُوعة مِن الجانب الأيْسر، كُلمَا عَبرَت مِنهَا الرِّيح صفّرت.

استمر في القراءة

مالك رابح: عزف منفرد

André Kertész, “Violin Shop”, 1984. Source: artsy.net

أجد في نفسي ميلًا أن أغشى الأماكن بلا رفقة. لا أقطع وحدتي، أستكملها وسط غرباء. قبل أسبوعين اتصل بي صديق قديم من أيام الجندية ودعاني إلى زفافه. كان يعيش في مكان آخر، وفقط تقابلنا مرتين منذ رجعنا إلى الحياة المدنية. ثمة أصدقاء مشتركون. قلة. اثنان أو ثلاثة، عاشوا أيضًا في أماكن أخرى، ونسيت أن أسأل إن كانوا سيأتون. يوم السبت. من أربعة لسبعة. قال سيرسل لي الموقع بالتحديد. قلت ألف مبروك، ربما لعاشر مرة، ووعدته بالحضور.
وصلت هناك مبكرًا؛ كان تقديري للمسافة أكبر مما يلزم. ترجلت في بقعة أبعد. انحرفت عن الطريق الرئيسي وتجولت في الجوار. كان النيل قريبًا، لكن حجبته قاعة زفاف بعد قاعة زفاف بعد قاعة زفاف. كدت أختنق، ووقت رجعت إلى الطريق الرئيسي أحسست فوق ذلك بالتيه. سألت شابيّن كانا يلوحان بالذرة المشوية للسيارات المسرعة. كانا لطيفين، أعطياني توجيهات دقيقة، أوصلتني إلى لافتة مضيئة وحارس عجوز وقف جوار كرسي. ملت أتحقق من الأشياء بالداخل: ناس قليلة وحركة أقل. الساعة تخطت الرابعة بالكاد. وكنت لا أزال مبكرًا.

استمر في القراءة

محمد الدناصوري: كاتب الظل

The Ghost Writer, 2010. Source: cineimage.ch

حتى الآن، لا نعلم كيف وصلت إلينا هذه الأوراق، رغم العزلة التي كانت مضروبة حول صاحبها، ولا نعلم أيضاً ما إذا كانت حقيقية أم هي مجرد وهم صنعه خيال كاتبها؟ رغم ما تردد مؤخراً حول فضيحة الكاتب الشهير الذي نحت رواية كلاسيكية مشهورة بنفس أحداثها ونسبها لنفسه. على العموم، الأوراق بين أيدينا الآن وننشرها كما هي، ونتحمل توابع كل ما جاء فيها إخلاصاً فقط لنسبة – ولو كانت ضئيلة – في كونها حقيقية. وليحدث الله أمراً كان مفعولاً.
ننشر هذه الأوراق بناءاً على طلب صاحبها وعلى مسؤوليتنا.

استمر في القراءة

كلب ملوكي: قصة من كتاب أحمد كامل القادم

(من ليالي ألف ليلة)

Stephen Mackay, “Dog”, 2021. Source: artsy.net

أبي كلبٌ في البلاط الملكيّ، ومن بعده فأنا على أهبة كي أكون، ومن قبلنا أبوه كان كذلك، أمّا جدّي البعيد فكان قرداً، يتقافز بين يدي سلطانه. وكلامي ليس مجازية، صدقاً هو الواقع، كما جرى، وكما آملُ في قادمي أن يجري.
إن سيرة عائلتي تردُ في حكاية من ألف ليلة، وإن اختلطت ببعض التحريف، المقصود؛ في محاولة للاستئثار بكنزنا، الذي تعثّر صدفةً به، أوّلُ السلالة.
تذكرُ الحكايةُ جدّي البعيد بوصفه حطاباً معدماً، مدّ يوماً خطاه إلى البريّة في زمن كساد، متوغلاً أزيد مما اعتاد، إلى أن ألفى خميلة فأتى منها شجرةً وأزال عن جدارها الترابَ، وإذ بفأسه تصطك في حلقةٍ نحاسية مدغمة في لوح خشب. رفع اللوح فبان من أسفله درج، يغور في باطن الأرض. وهبط عبره فوجد عند آخره باباً يؤدي إلى قصرٍ متين البنيان، وفي أروقته صبية كالدرّة السنية، ينزع مرآها من القلب كلَّ همٍّ وبليّة. فسألته: “أيا هذا ومن تكون؟ أأنسيّ أم جنّي! إني هنا منذ عشرين سنة وما لمحتُ أثناءها أحداً من الإنس”. وأخبرته أنها سليلة ملوك في الأصل، لكن عفريتاً مغرماً اختطفها ليلة عرسها، ولخاطرها شيّد هذا القصر، وفيه يزورها كلّ ليالٍ عشر، فيمكث ليلةً واحدة. كما جعل لها قبةً منقوشة بطلاسم تلمسها كلما عرضت لها حاجة، وحينئذٍ يحضر العفريت ملبّياً من فوره.

استمر في القراءة

محمود حمدي: ساباتو والهذيان

Ernesto Sábato. Source: elperroylarana.gob.ve

لا أفكار حاضرة، ومع ذلك، برغم توحش الصفحة البيضاء ونفوري مما ينطوي عليه فراغها، أجدني مدفوعًا إلى الكتابةٍ.
أنتظرُ ميعادًا، يفصل بيننا وقتٌ كثير. كنت في صمت الإنتظار، أجعلُ الوقتَ أداة استجوابٍ لنفسي، كيف لي أن أبقى طافيًا في هذا الفلك؟، بمجرد أن حُدِدَ الميعاد وقتًا ومكانًا صارَ مركزًا، وصرتُ جُرمًا في فلكه. تتلاشى الهوايات والغايات في سبيل إنجازٍ وحيد، فأبلغ نفسي: فقط تخطى هذا الميعاد وأنت من بعده حرٌ كطير. أما الآن، مسلسلٌ في زنزانة الوقت.
ألم يحن بعدُ الميعادُ؟

استمر في القراءة

سلطان محمد: العاشق الأعسَر

Paulo Bruscky, Letters Held by Left Hand, 1995. Source: artsy.net

لست بالشخص المميز، طبعًا. ولم أكن في يوم من الأيام، ولا أظنني سأكون كذلك يومًا ما. أعرف قدري جيدًا ومتصالح معه. عرفت هذا منذ تفتح إدراكي وتماشيت مع الأمر. أعمل موظفًا بسيطًا، وأهم ما لدي أن صحتي جيدة وصحة أمي وأبي وأخي وأختي، أن عائلتي الصغيرة باختصار، طيبون وسعداء بالحد المعقول. لم أفهم مرة ما الذي يعنيه الطموح والتوق إلى المكانة. بالطبع أعرف أن هذا المسمى بالطموح رغبة تنتاب بعض الناس، الغالبية العظمى كما يظهر، لكن يبدو أنني من استثناءات القاعدة القليلة. ذات يوم أخبرني أحد أصدقائي بأنني رجل خامل. وعرفت فيما بعد أن العرب قديمًا كانت تقول عن الرجل خاملًا إذا لم يُذكر ولم يكن ذا صيت، بالنسبة لهم كانت هي المعنى النقيض لمشهور أو خالد أو ما شابه. والحق أن معرفتي بالفروق بين هذه المعاني ليست جيدةً، كما يعرف رجل أن السليق عبارة عن رز وماء وحليب ولحم لكنه لا يعرف أيهم يأتي قبل الآخر في الطبخة وكمية المقادير. لكن “خامل” صديقي لها معنى مختلف، معنى معاصر. أن تكون خاملًا يعني أنك لا تسعى لتحقيق طموح ما، رغبة في مكاسب وفيرة أو مكانة مرموقة. بمعنى الساعي، الطَّمُوح. وبصراحة فالرجل على حق. أنا خامل. فليكن! لكنه أزعجني ذلك اليوم وهو يحكي لي عن خمولي وأن هذا الخمول عطب خطير في شخصيتي. كل هذا قاله وكأنما هو خلفية لكلامه السابق عن طموحه في أن يصير محاميًا قد الدنيا. لا أدري هل كلامه صائب بالفعل .أم أنه مجرد ردة فعل على ردة فعلي تجاه ثرثرته عن طموحاته إذ لم أكن أقول أكثر من “حلو… ممتاز… آها.. بالتوفيق”. كنت حينها أقلّب في جوالي وهو يحكي وأشاهد فيديوهات لخطاطين. في تلك الليلة، وبعد كلام صديقي، كنت أبحث في فيديوهات عن الطموح وتطوير الذات.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: أخي الكبير

August Sander, Brothers, 1920. Source: spenceralley.blogspot.com

لم أنس أبدا نظرة أخي الأكبر المكسوة بضباب من الدهشة والحزن والتي رمقني بها قبل أن يستدير بإباء ملك نبيل مهزوم مغادرا الغرفة، ومن يومها لم يعثر له أحد على أثر.
أجبرت بغيابه أن أصير أخا أكبر لأشقائي وأن أتحمل إرثه كقدوة وناسخ أكواد العائلة وحامل صلبان أعرافها. فما لا ينسونه أبدا بشأنك كأخ أكبر حتى بعد أن يكفوا بميلاد أشقائك عن معاملتك كزهرة نادرة، هو أن عليك أن ترث عهد مملكة لا وجود لها إلا في أذهانهم، فتُختزل حياتك وحضورك في شيء واحد: أن تثبت فكرة. رغم أن الأخ الأكبر في النهاية ليس إلا خاسر مساحات.

استمر في القراءة

أودرا: نجوى

Source: facebook.com/BellyDancerNagwaFouad

-١-
يجلس منفردًا على كرسيه الخشبي الوحيد في البيت. تليفونه المحمول ملقى أمامه على السرير. يمعن النظر فيه، في خط اللمعان الخفيف على حافته. يحاول تمرير الوقت بحصر العوامل التي تسببت في وجود اللمعان بهذا الشكل بالذات: الخامة، زاوية الإضاءة، وضع المحمول، مكانه هو في هذه اللحظة. قضى مدة كافية للراحة قبل البدء في تنفيذ القرار الذي اتخذه صبيحة هذا اليوم. أولًا: العالم مُسيّر، فيزياء، حقيقة. نوعًا ما. وفي يده الآن منشور وجده أمام الباب يدّعى أن نجوى فؤاد بإمكانها منحك قدر كافٍ من حرية الإرادة لتحديد مصيرك في اللحظات الحرجة. فقط عليك أن تدعوها إلى العشاء في أحد المطاعم. هامش: وإن كنت انطوائيًا لا بأس، لا تزال أمامك الفرصة، “اطلبلها ديليفري”.
بدأت ظاهرة نجوى، مانحة حرية الإرادة، منذ مدة ليست ببعيدة بين مرتادي قهوة حمّالة الحطب. كانت امرأة أبي لهب على علاقة وطيدة بنجوى فؤاد لسبب ما لا يعلمه إلا الله. تقول الإشاعة أن نجوى كانت تشتكي لامرأة أبي لهب من صعوبة المعيشة الآن وأن “الرقص معادش جايب همّه”، طالبةً نصيحتها كامرأة أخرى مغضوب عليها وصامدة رغم ذلك. أخبرتها حمّالة الحطب بثقة العارفين: “بصي يا نجوى، المسد اللي في جيدي ده بيوكّلني دهب، دوَّري على مَسَدك اللي في جيدك”.

استمر في القراءة

موت بلون الذهب: ميسرة عفيفي يترجم جونئتشيرو تانيزاكي

Jun’ichirō Tanizaki by Shigeru Tamura. Source: Wikipedia

(١)
كان أوكامورا صديقي منذ الطفولة. فقد بدأتُ التردد على المدرسة الابتدائية التي لا تبعد كثيرًا عن بيتنا في شينكاوا في بداية شهر أبريل الذي بلغتُ فيه السابعة من العمر، وكان أوكامورا وقتها يأتي إلى المدرسة مع خادمة ترافقه. كنا نجلس متجاورين دائمًا، يلتصق تمامًا مكتبانا الصغيران. ليس هذا فقط، بل كنا نتشابه في العديد من الصفات.
وقتها كانت أسرتي تعمل في بيع الخمور، وكانت التجارة تزدهر يومًا بعد يوم، وتحقق نموًا مستمرًا. جعلت واجهة المحل الممتلئة بالحيوية دائمًا، قلبي أنا الطفل الصغير يشعر بفرحة واطمئنان حتى وإن كان ذلك في إطار غامض. لم يسبق لي أن ارتديت كيمونو رخيصًا من القطن لا أثناء الذهاب إلى المدرسة، ولا وقت وجودي في البيت. وعلاوة على ذلك، كنتُ متفوّقًا دراسيًّا، أختزن معلومات جميع المواد الدراسية سواء كانت قراءة أو حساب بسهولة شديدة في رأسي. كنتُ أحفظ في ذاكرتي كل ما أسمعه بوضوح تام بدون أي مجهود يذكر وكأنه يُكتب بالحبر الصيني على صفحة بيضاء. وكنتُ لا أفهم سبب استصعاب الكثير من التلاميذ للحفظ.

استمر في القراءة

حسين فوزي: الأوض الورانية

James de Leon, from “The Invisible Strings”, 2017. Source: thephotographicjournal.com

يُقال إن العالم الذي نعيش فيه لم يُبرمج بالكامل بعد. لذلك يقوم المبرمج الأعظم طوال الوقت بتنزيل التحديثات باستمرار كلما أمكن. 
مثلا حينما تصطدم بالحائط، الطبيعي أن ترتد عنه. لكن حائطًا آخر غير مكتمل الأكواد، تصطدم به فتخترقه، وبعيدا عن الخريطة تضيع في الفراغ.
البعض، مثلي، ينتبه لتلك الحواجز ممكنة الاختراق. كتجنب حائط يبدو أدكن من الحوائط المحيطة به، أو باب تتيقن أنه ما من شيء وراءه، إن فتحتَه تلج بدون شعور مكانا لا يحق لك الوجود فيه.
لكن فاتورة ساذجة، مثلك، تتعامل مع الموضوع بكل براءة، دون دراية بما سينتج عن هذه الفعلة.

استمر في القراءة

أمجد الصبان: مصارع الأحلام

Karishma D’Souza, “Dream creature – What none spoke of”, 2018. Source: artsy.net

كانت الأحلام تكرهه حقًا، تذهب إليه من أجل لقمة العيش فقط.
عندما يجدون اسمه على قائمة الحالمين لهذه الليلة، يرتعدون خوفا> تصلي الأحلام كلها حتى لا تكون من نصيبه. ومن يقع عليه الدور منها  يربتون على ظهره بمحبة ممزوجة بالشفقة. يقول الضحية “لم أر مثل هذا الخراب الذي بداخله، أدخل حلمًا سعيدًا وأخرج ملطخًا بالدم  أو بشيء ممزوج  بالدموع. ادعوا لي أن لا أتحول إلى كابوس”. أو بحذر: “إذا عدتُ قليل الأدب، أرجوكم اشعروا بما مررت به”، يجيبونه بشفقة “لا تقلق”
كان في الثالثة والثلاثين من عمره، عاطلا عن العمل، بدون تجربة عاطفية، لا يفيق من ظلمات الغرفة أو أحيانًا عاملا، يمر بتجربة عاطفية، لا يمكث في غرفته قط.

استمر في القراءة

توجيهات البداية: راضي النماصي يترجم دانيَل أوروزوكو

Source: amazon.com

المكاتب هناك والحجرات هنا، وتلك حجرتي وهذه حجرتك. هذا هاتفك. لا تجب على الهاتف أبدًا، دع نظام الرد الآلي يجيب عليه. هذا دليل استخدام نظام الرد الآلي. المكالمات الهاتفية الشخصية ممنوعة، لكننا نسمح بها في حال الطوارئ، وإذا اضطررت للقيام بمكالمة شخصية طارئة، فاطلب الإذن من المشرف عليك أولًا. وإن لم تستطع العثور على المشرف، فاطلبه من فيليب سبيرز الجالس هناك. سيتحقق من الأمر مع كلاريسا نيكس الجالسة هناك. إن قمت بمكالمتك الهاتفية الطارئة دون إذن فقد تُفصَل. هذان صندوقاك للوارد والصادر. على كل نماذج العمل في صندوق الوارد لديك أن تكون مسجَّلة بالتاريخ الظاهر في الزاوية اليسرى العليا، وموضوعًا عليها أول حرفين من اسمك الأول واسم العائلة في الزاوية اليمنى العليا، وموجودة لدى محلل التوزيع ذي الاسم المشفَّر بالأرقام في الزاوية اليسرى السفلى، أما الزاوية اليمنى السفلى فتُترك خالية. هنا “دليل أرقام محللي التوزيع”، وهنا نسختك من “دليل إجراءات صياغة النماذج”.

استمر في القراءة

الوصيف خالد: نَفَس

William Eggleston, Untitled (c. 1973). Source: cnn.com

أرنب ذاك. يمد قائمتيه الأماميتين ليلتقط عشبة. لا. سحابتان توشكان على الالتحام، فمتى ينزل المطر؟
هكذا كان يفكر، متأملًا مساحاتٍ سوداء كُشطت من طلاء قائمة سريره المعدنية، بيضاء اللون. بياض قد انطفأ منه البياض فوق سرير رخيص، لا يكف عن الاهتزاز وإصدار الصرير.
ينقل بصره بين القائمة ومروحة السقف. أَلِف إزعاجها ويئس أن تخفف عنه شيئًا من حرارة يوليو. فقط يؤنسه دورانها. ليس ثمة ما يتحرك بالعنبر سواها. على حواف “ريشاتها” الثلاث وفوقها كم هائل من التراب. لو انتثر في الهواء لكانت بهجة، ولكنه سيموت عندها. رئته مسدودة.

استمر في القراءة

Ali Lateef: Two Libyan Folktales

Tripoli coffee house by Domenico Tumiati, 1911. Source: theculturetrip.com

The brightest sun

Storyteller: Salima Abd Alsadeg Abu Khasheem

May God curse the devil, and keep us safe from his schemes.

There is a man who is married to two young women. One is white, the other black. The white woman ridicules the other for her color and constantly reminds her, You are only a servant.

Each one of them had a daughter. When the black woman sends food to the white woman, she doesn’t let her daughter eat it, or even taste it; when she gets it, she tosses it away for the dogs and says, Beware of her food, it makes you sick.

When the white daughter visits the black woman, she gives her candy and lets her play with her own daughter. But when the black daughter visits the white woman, she strikes her and throws her out. The white woman tells people bad things about the black woman, and as the saying goes, Two wives wreck a man’s home.

Continue Reading

أحمد فؤاد الدين: سيموت الآن

Lyle Ashton Harris, “Blue Field”, 2010. Source: artsy.net

 

“نموت.. ننام.. وما من شيء بعدها
أبهذه النومة ننهي لوعة القلب؟”
هاملت، شكسبير
سأموت الآن. أقود سيارتي وقد تسرب النوم إلي حتى استحوذ عليٌ، لا أشعر بحركتها، لابد أنها تحافظ على سرعتها العالية، فقدت السيطرة على قدمي لكني أشعر بها تضغط على دواسة البنزين. يداي قابضتان على المقود ورأسي مستقر عليه، وآلة التنبية معطلة، ربما أنقذتني لو كانت تعمل، أحاول عبور الحد الفاصل بين النوم والإفاقة فالآن هو الحد الفاصل بين الموت والحياة، الموت يرحب بي وينتظرني، أما الحياة فتبدو بعيدة المنال كسراب شاهدته صباحًا يغمر طريق العودة تحت أشعة الشمس. أحاول وأحاول مرة بعد أخرى أن أفيق مما أنا فيه، لست مستعدًا للموت، لكني لا أملك أي إرادة. لا أعرف كم مر من الوقت، ربما جزء من الثانية منذ بدأت أنت القراءة، ربما ساعة.
سيموت الآن، أو ربما بعد دقائق، سيتركني أرملة بعد عامين فقط من الزواج، سأصير مثلًا لسوء الحظ، لا أزال صغيرة في السن، لم ننجب أطفالًا، سأحوذ لقبًا لم أتصوره. سيموت الآن تاركًا فراغًا لا يمكن ملؤه، ويتركني أرملة لا يمكن لها أن تعترف بما اقترفه أبدًا، ستجن أمه وتبكي، سيجمع أصدقاؤه صوره ويعلقونها في كل مكان، سيغيب ويترك أثرًا باقيًا في كل موضع عشنا فيه يومًا.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: جنة عدن… قريبا

Jaco van Schalkwyk, “Welcome to Paradise”, 2021. Source: artsy.net

برز إعلان في لوحة عملاقة تتلوى أضواؤه في غنج:
خايف من النار؟ جنة عدن… قريبا!
أدركت باستسلام أني ميت. وكنت خائفا من النار، تحديدا بسبب ذلك الإعلان المريب. لم يبد أن هناك طرقًا أخرى يمكن أن أسلكها، لهذا كان عليّْ أن أتقدم – مضطرا – إلى الجنة.
أهكذا يكون الموت إذن؟ سيرًا بلا إرادة في مسار بلا خيارات. قلت: كحياتي. الشيء الرائع في الموت، أنك تكتسب البصيرة، لكنك لن تعرف ما الذي تفعله بها.
على جانبي الطريق شموس خفيفة اللهب معلقة في أعمدة إنارة، حجارة، خلاء مرصوف بالأسفلت، كثبان من الرمال تنتظر الأسمنت والألمونيوم، أعمدة كهرباء ومصارف، ظلمة بيضاء، بيوت قليلة متناثرة بلا سكان لها عزلة الكوخ والقصر دون هيبتهما وبأبواب موصدة لا يمكن ولوجها، شاحنات عمياء بلا سائقين تمر من حين لآخر، براميل ومزيد من البراميل. يشبه الطريق إلى بيتي. أهذا حقا كل ما نراه خلف حجاب الموت؟ فقط ما عشته في الدنيا مكثفا وقاتما كأبخرة سوداء زنخة، مع لمسة شيطانية بعض الشيء لا تكاد تبين.

استمر في القراءة

أودرا: محجوب يوم الابلونج

Joris Hoefnagel, “Mira Calligraphiae Monumenta”, late 16th century. Source: getty.edu

استطراد وجيز عما دار بعد زرعة محجوب
كنت قد رأيت ما كتبه يائيل عني وزرعتي منذ فترة، بعدها بقليل أتى إخوته يسحبونني إلى أحد بيوت أبيهم، وجدتني اليوم متسائلا أين ذهب يائيل وهو معي أبدًا كما رهنه لي أبوه، وجدته أمامي فورا حين يقظت وقد قضيت العام الفائت كله في سهو.
قفز يائيل إلى حصان بجواره فور أن لاحظ نورًا ظنه نوره – في مصباح مطفأ، وَسْط ظُلْمَة الغرفة التي كان فيها. نظر طويلًا إلى الحصان متسائلًا إن يراه هو وأجمَعَهم حولنا، يصيح به “هل أنت ميِت هل أنا نائم؟”.
اعتاد يائيل مؤخرا النوم على الأرض دون فراش، كان قد خرج من مخبئه مؤخرًا بعد أن غزَته الفئران. هجر سريره بعد أن غادرته القطط حَمقًا منه، تلتهم الفئران إليه فورًا؛ ربما كان كل ما يشغله هو الانفلات، لا من الفئران لكن من السرير الخاوي وما تلاه من حيرة، أو هذا ما قدّرته أنا؛ يصادق الفئران، أو هذا ما رأيته طوال عيشنا معًا، ربما لم يلحظ أنّي لست فأرًا وإن أحاطني بهم.

استمر في القراءة

الوصيف خالد: من بقايا مفكرة محترقة

The Art Journal Illustrated Catalogue: The Industry of All Nations, 1851. Source: getty.edu

مقتطف رقم (١):
كل مسطح ممدود، وليس كل ممدود مسطحًا.

ربما كنت أُمًّا لولدٍ في مثل عمره لو تزوجت في عمر مناسب، كما البنات. سعيدات الحظ أقصد. بعضهن وُهبن حسنًا ورثنه، وبعضهن وهبن مالًا أو نفوذًا لعائل. إرادة الله اقتضت. ليس في القرب مني ما يُطلب لذاته فلا نفع يُرجى، ومن ثم لا حب.
يحبني. الولد يحبني. يدرك حاجته إليَّ واهتمامي به. لا يعرف أن مصير الأطفال، بالاستغناء مع مضي العمر، محرّم عليه، ولن يعرف. لن يعرف هاجري أيضًا أن تتبُّع جديد مدونته الملقاة في الفراغ، مجهولة بلا زائرين ولا تفاعل، بات زاد يومي.

استمر في القراءة

No more posts.