الوصيف خالد: نَفَس

William Eggleston, Untitled (c. 1973). Source: cnn.com

أرنب ذاك. يمد قائمتيه الأماميتين ليلتقط عشبة. لا. سحابتان توشكان على الالتحام، فمتى ينزل المطر؟
هكذا كان يفكر، متأملًا مساحاتٍ سوداء كُشطت من طلاء قائمة سريره المعدنية، بيضاء اللون. بياض قد انطفأ منه البياض فوق سرير رخيص، لا يكف عن الاهتزاز وإصدار الصرير.
ينقل بصره بين القائمة ومروحة السقف. أَلِف إزعاجها ويئس أن تخفف عنه شيئًا من حرارة يوليو. فقط يؤنسه دورانها. ليس ثمة ما يتحرك بالعنبر سواها. على حواف “ريشاتها” الثلاث وفوقها كم هائل من التراب. لو انتثر في الهواء لكانت بهجة، ولكنه سيموت عندها. رئته مسدودة.

استمر في القراءة

Ali Lateef: Two Libyan Folktales

Tripoli coffee house by Domenico Tumiati, 1911. Source: theculturetrip.com

The brightest sun

Storyteller: Salima Abd Alsadeg Abu Khasheem

May God curse the devil, and keep us safe from his schemes.

There is a man who is married to two young women. One is white, the other black. The white woman ridicules the other for her color and constantly reminds her, You are only a servant.

Each one of them had a daughter. When the black woman sends food to the white woman, she doesn’t let her daughter eat it, or even taste it; when she gets it, she tosses it away for the dogs and says, Beware of her food, it makes you sick.

When the white daughter visits the black woman, she gives her candy and lets her play with her own daughter. But when the black daughter visits the white woman, she strikes her and throws her out. The white woman tells people bad things about the black woman, and as the saying goes, Two wives wreck a man’s home.

Continue Reading

أحمد فؤاد الدين: سيموت الآن

Lyle Ashton Harris, “Blue Field”, 2010. Source: artsy.net

 

“نموت.. ننام.. وما من شيء بعدها
أبهذه النومة ننهي لوعة القلب؟”
هاملت، شكسبير
سأموت الآن. أقود سيارتي وقد تسرب النوم إلي حتى استحوذ عليٌ، لا أشعر بحركتها، لابد أنها تحافظ على سرعتها العالية، فقدت السيطرة على قدمي لكني أشعر بها تضغط على دواسة البنزين. يداي قابضتان على المقود ورأسي مستقر عليه، وآلة التنبية معطلة، ربما أنقذتني لو كانت تعمل، أحاول عبور الحد الفاصل بين النوم والإفاقة فالآن هو الحد الفاصل بين الموت والحياة، الموت يرحب بي وينتظرني، أما الحياة فتبدو بعيدة المنال كسراب شاهدته صباحًا يغمر طريق العودة تحت أشعة الشمس. أحاول وأحاول مرة بعد أخرى أن أفيق مما أنا فيه، لست مستعدًا للموت، لكني لا أملك أي إرادة. لا أعرف كم مر من الوقت، ربما جزء من الثانية منذ بدأت أنت القراءة، ربما ساعة.
سيموت الآن، أو ربما بعد دقائق، سيتركني أرملة بعد عامين فقط من الزواج، سأصير مثلًا لسوء الحظ، لا أزال صغيرة في السن، لم ننجب أطفالًا، سأحوذ لقبًا لم أتصوره. سيموت الآن تاركًا فراغًا لا يمكن ملؤه، ويتركني أرملة لا يمكن لها أن تعترف بما اقترفه أبدًا، ستجن أمه وتبكي، سيجمع أصدقاؤه صوره ويعلقونها في كل مكان، سيغيب ويترك أثرًا باقيًا في كل موضع عشنا فيه يومًا.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: جنة عدن… قريبا

Jaco van Schalkwyk, “Welcome to Paradise”, 2021. Source: artsy.net

برز إعلان في لوحة عملاقة تتلوى أضواؤه في غنج:
خايف من النار؟ جنة عدن… قريبا!
أدركت باستسلام أني ميت. وكنت خائفا من النار، تحديدا بسبب ذلك الإعلان المريب. لم يبد أن هناك طرقًا أخرى يمكن أن أسلكها، لهذا كان عليّْ أن أتقدم – مضطرا – إلى الجنة.
أهكذا يكون الموت إذن؟ سيرًا بلا إرادة في مسار بلا خيارات. قلت: كحياتي. الشيء الرائع في الموت، أنك تكتسب البصيرة، لكنك لن تعرف ما الذي تفعله بها.
على جانبي الطريق شموس خفيفة اللهب معلقة في أعمدة إنارة، حجارة، خلاء مرصوف بالأسفلت، كثبان من الرمال تنتظر الأسمنت والألمونيوم، أعمدة كهرباء ومصارف، ظلمة بيضاء، بيوت قليلة متناثرة بلا سكان لها عزلة الكوخ والقصر دون هيبتهما وبأبواب موصدة لا يمكن ولوجها، شاحنات عمياء بلا سائقين تمر من حين لآخر، براميل ومزيد من البراميل. يشبه الطريق إلى بيتي. أهذا حقا كل ما نراه خلف حجاب الموت؟ فقط ما عشته في الدنيا مكثفا وقاتما كأبخرة سوداء زنخة، مع لمسة شيطانية بعض الشيء لا تكاد تبين.

استمر في القراءة

محمد درغام: الدنيا بدأت بالنسيان

Kees van Bohemen, Train Station, 1983. Source: artnet.com

عبر ماسورة طويلة صدئة، قطر فتحتها بطول قامة شخص عادى، يستوقف المسافرين منظر ساحر لتلال وبحيرات ساخنة، فيدخلون.
يمشون لعندها على الحصى المبلل لما يشكل قنطرة تنتظرهم على ناحيتها الأخرى بترحاب حار: “الست”. تقودهم بالغناء حتى تغمسهم فى المياه الساخنة. إنها تقلد أم كلثوم، فى هيئتها المعتادة بالنظارة السوداء والمنديل، لكنها ليست أم كلثوم. أو هذا ما أعرفه، إنها بنت هذه الوديان الخضراء، ربما كانت أول قاطنيها، لا أحد يعلم تحديداً، لكنها ترعانا جميعاً. لولاها لتهنا وضعنا بين التلال بلا أمل. نحن مشوشون، نوعاً ما، جمال الوديان يدعو للسير أبعد وشفافية البحيرات الساخنة تدعو دائماً للاستحمام. وغناء الست ينبهنا بين الأبخرة الكثيفة.

استمر في القراءة

أودرا: محجوب يوم الابلونج

Joris Hoefnagel, “Mira Calligraphiae Monumenta”, late 16th century. Source: getty.edu

استطراد وجيز عما دار بعد زرعة محجوب
كنت قد رأيت ما كتبه يائيل عني وزرعتي منذ فترة، بعدها بقليل أتى إخوته يسحبونني إلى أحد بيوت أبيهم، وجدتني اليوم متسائلا أين ذهب يائيل وهو معي أبدًا كما رهنه لي أبوه، وجدته أمامي فورا حين يقظت وقد قضيت العام الفائت كله في سهو.
قفز يائيل إلى حصان بجواره فور أن لاحظ نورًا ظنه نوره – في مصباح مطفأ، وَسْط ظُلْمَة الغرفة التي كان فيها. نظر طويلًا إلى الحصان متسائلًا إن يراه هو وأجمَعَهم حولنا، يصيح به “هل أنت ميِت هل أنا نائم؟”.
اعتاد يائيل مؤخرا النوم على الأرض دون فراش، كان قد خرج من مخبئه مؤخرًا بعد أن غزَته الفئران. هجر سريره بعد أن غادرته القطط حَمقًا منه، تلتهم الفئران إليه فورًا؛ ربما كان كل ما يشغله هو الانفلات، لا من الفئران لكن من السرير الخاوي وما تلاه من حيرة، أو هذا ما قدّرته أنا؛ يصادق الفئران، أو هذا ما رأيته طوال عيشنا معًا، ربما لم يلحظ أنّي لست فأرًا وإن أحاطني بهم.

استمر في القراءة

الوصيف خالد: من بقايا مفكرة محترقة

The Art Journal Illustrated Catalogue: The Industry of All Nations, 1851. Source: getty.edu

مقتطف رقم (١):
كل مسطح ممدود، وليس كل ممدود مسطحًا.

ربما كنت أُمًّا لولدٍ في مثل عمره لو تزوجت في عمر مناسب، كما البنات. سعيدات الحظ أقصد. بعضهن وُهبن حسنًا ورثنه، وبعضهن وهبن مالًا أو نفوذًا لعائل. إرادة الله اقتضت. ليس في القرب مني ما يُطلب لذاته فلا نفع يُرجى، ومن ثم لا حب.
يحبني. الولد يحبني. يدرك حاجته إليَّ واهتمامي به. لا يعرف أن مصير الأطفال، بالاستغناء مع مضي العمر، محرّم عليه، ولن يعرف. لن يعرف هاجري أيضًا أن تتبُّع جديد مدونته الملقاة في الفراغ، مجهولة بلا زائرين ولا تفاعل، بات زاد يومي.

استمر في القراءة

مالك رابح: خمسة نصوص

Yann Mingard, from “Everything is up in the air, thus our vertigo”. Source: 1000wordsmag.com

الوقوع من على أغصان الشجر

 

كُنت صبيًا شقيًا، لكن هذا ليس متداولًا في أحاديث العائلة. تبهت شقاوتي مقارنةً بأخي الأصغر الذي، رغم بعدنا عن تلك الأيام، لا يزال إلى الآن يتم تذكيره بما كان عليه، بينما تشير إليَّ الأصابع، المتغضنة والمرتجفة، بوصفي الابن الأكثر وداعةً وهدوءًا والذي يسهل الضحك عليه، للدرجة التي يصير لزامًا علينا – أنا وهو – تقبل الأمر: أنا بهزة رأس خفيفة، متقمصًا الوداعة والهدوء المذكورين، وهو، ليثبت أنهم أيضًا يسهل الضحك عليهم، بابتسامة صغيرة معطوبة، تحمل قدرًا من الشفقة اللعوب والمفارقة؛ فبينما خرجت أنا صاغًا سليمًا من عفار شقاوتي، لسوء الحظ تركت التجارب والمغامرات ندوبًا وغرزًا في وجه أخي. كنتُ حذرًا وأذكي قليلًا، لم يجرفني التيار ولم تأسرني اللحظة فأقع من على أغصان الشجر، لكن أكثر الأشياء أهمية لا يتعلق بي بل بأخي؛ كان أكثر براءةً مني ودائمًا يوافق حين أخبره، بالخوف والقلق الذي لا بد يحل من السماء على أولئك الواقفين في أول الصف، أن عليه أن يسمع كلامي، بصفتي الأخ الأكبر، ويجرب هو أولًا.

 

استمر في القراءة

بلال حسني: تمشية من كليوباترا لكليوباترا حمامات

David Hockney, “The Shop Window of a Tobacco Store” (Alexandria), 1966. Source: tate.org.uk

ليس كل عام يقتل رجل من عائلتي، يقتل مسموما، هذا هو الخال الكبير. عاما بعد عام وفي المناسبات، كانت عائلتي تطور من حكاياتهم عن الموتى، بترديد نكاتهم ومواقف الخزيان والبطولة. تضيف وتحذف وتكشف عن تفاصيل جديدة، نعوش متجددة للميت الواحد، كنقش كعك العيد، العفوي والفوضوي والمتأني، إلا ذكرهم عن خالي الكبير، كان أشبه بتجفيف الفواكه ليلا بعد نوم الجميع، أي خطأ أو تحريف لا يحتمل. لا قصة هنا تحكي لك، هرب خالك من البيت بحثاً عن الفتاة التي هجرته، وحين عثر عليها، قامت بتسميمه، حتى يكف عن مطاردته لها، وحدث ذلك في بلد غريب.
لذا انقضت فترة طفولتي بين حي القصعي وغيط العنب، على معدة تتلوى من أهون قطرة ماء، أسميها متلازمة الخال الكبير. تذكرته الآن وأنا على وشك ترك حي كليوباترا، حي الشباب، وقبل أن أهجر المكان على أن أحرقه بأكمله وسط الزيطة، ليس بأكمله تماما، تحديداً من قهوة الخان مرورا بألبان الوادي السعيد والسندويتشات الحلوة ومحل تريكو السعادة وكشك السجائر وبائعي الحشيش وحلواني مرزوق ومحل تصليح السجاد والسيبرات وصالات الجيم الضيقة حتى باب منزل جارنا خالد سعيد، والذي قامت ثورة يناير من أجله.

استمر في القراءة

أحمد كامل: سير هادئ في أقصى اليمين

Tara Todras-Whitehill. Source: scoopempire.com

يصلح جسده كبرهان على مقولة: “طول بعرض مثل باب”.  وأعتقدُ أن هذا ما زاد الطين بلّة، إذ لفت صوبه الأنظار أكثر جاعلاً منه محطّ سخرية، خلال عبوره الطريق أمام سيارة أجرة مسرعة مُقبلة، وقد تجلى فزعه وكأنه نملة محصورة بين تدفق من خيوط مياه.
كنتُ أقود سيارتي، الأجرة كذلك، باتجاهه، ولكنني هادئ كما عادتي. وليس تسكعي هذا حذو الطوّار وقتياً أو بحثاً فقط عن زبونٍ ألتقطه، قدر ما هو سلطان تربية رشيدة. فأنا، من سلالةٍ امتهنت نقل الناس إلى كلّ شبرٍ في هذه المدينة، وقد تفرعنا جميعاً، في الأساس، من سائق حنطور.

استمر في القراءة

مالك رابح: العرس

Tasneem Alsultan, Wedding Party, 2015. Source: artsy.net

كان المشهد ليروق لك لو رأيته. ساعة بالكاد مرت على عودتنا – لم يستقر الغبار على البلاط، ولم يُفرد جديد الأغطية والملاءات، ونقر الباب، وأعلنت الغرابة عن حضورها: “محسوبكم رمضان الحدق آسف لو طبّيت عليكم من غير ميعاد، ألا تتذكرونني؟” صرختْ في مظهره لكنّا لم نستطع تحديد من أين؛ أهي ربطة العنق فاقعة اللون أم الوردة الصناعية المشبوكة في سترة البذلة الضيقة؟ قال لم ألبس هذه العفريتة منذ زفافي. سألناه على المناسبة السعيدة التي كانت تنتظره بعد زيارتنا فاضطجعت الحيرة بين حاجبيه – ربما كان تدلّي رأسه إلى صدره حين يتكلم. ربما هي ابتسامته التي رقصت على السلم بين الصدق والخبث؛ تجادلنا بعد ذهابه، هل كانت الوردة الصناعية هناك في حفل الزفاف أم سحبها قبل مجيئه من مزهرية ثم بتر ساقها؟ “ألا تتذكرونني، اعتدتُ اللعب في طرقات هذا البيت؟ أمكم كانت كويّسة معي، قالت لي خليك في المدرسة، وكانت تقدم لي الينسون دائمًا”.
لم نتذكره. الينسون كان أول شئ حطّت عليه الأيادي في كيس المشروبات، قلنا لازم يكذب، لو وقعت أيادينا على شاي أخضر أو بلا أزرق لقال الشئ نفسه. “لا بد أنكم تتذكرونني”. كان مرتاحًا، يقرع الطاولة بقعر الكوب بعد كل رشفة، ويلمس الجدار بأنامله في الطريق للباب. “لو احتجتم أي خدمة أنا موجود”. لبس حذاءه وقال: “لا تفهموني خطأً، ما كان ينبغي أن تعودوا إلى المكان (أشار إلى ممسحة الأحذية) ابن الوسخة هذا”. ضحكنا، ثم لاحقًا، ونحن نحدد من تعيس الحظ الذي سينام في سرير الأب والأم، تذكرنا ما قاله دون ضحك.

استمر في القراءة

باسم زكريا السمرجي: رقصة القمصان اللبنية

John Pomora, Interactive Reality, 2014. Source: artsy.net

-١-
ﺗﻣﺗد اﻟردھﺔ أﻣﺎﻣﻲ. ﺗﺗداﻋﻰ ﺣواﺋطﮭﺎ اﻟﺑﯾﺿﺎء ﻋن ﻣﺳﺎﺣﺎت زﺟﺎﺟﯾﺔ ﻛﺑﯾرة ﺗﺑوح ﻋن اﻷﺧﺿر اﻟواﻗﻊ ﺧﺎرج اﻟﺑﻧﺎﯾﺔ ﻋن اﻟﯾﻣﯾن، واﻷﺧﺿر اﻟﻣزروع ﻓﻲ اﻟداﺧل -ﻣﺣﺎﻛﯾًﺎ أﺧﺿر ﺧﺎرج اﻟﻘﺎرة ﺑﺄﻛﻣﻠﮭﺎ- ﻋن اﻟﯾﺳﺎر. ﺗﻌﺗرض ﻣﻧظر اﻣﺗداد اﻷﺧﺿر ﻋن اﻟﯾﻣﯾن واﻟﯾﺳﺎر ﻏرف ﯾﻐﻠب ﻋﻠﻰ ﺣواﺋطﮭﺎ اﻟزﺟﺎج اﻟداﻛن، ﻛﻲ ﺗﺣﻔظ ﺧﺻوﺻﯾﺔ ﺳﺎﻛﻧﯾﮭﺎ دون أن ﺗﺗﺧﻠﻰ ﻋن اﻟﺗﺄﻛﯾد ﻋﻠﻰ اﻟرﺣﺎﺑﺔ ﻟﻠﻣﺎرﯾن ﺧﺎرﺟﮭﺎ. ﺗﻣﺗد اﻟﺣواﺋط اﻟزﺟﺎﺟﯾﺔ ذات اﻟﻘواﺋم اﻟﻣﻌدﻧﯾﺔ اﻟﺑﯾﺿﺎء ﻟﺗﻛﺷف ﻓﻲ دأب ﻋﻣﺎ ھو ﺧﺎرﺟﮭﺎ، ﻟﺗﺻر ﻋﻠﻰ إﻧﻛﺎر ﺣﻘﯾﻘﺔ أن ﻻ ﻧواﻓذ ﺗﻧﻔﺗﺢ ﻓﯾﮭﺎ وأن اﻹﻧﺳﺎن إن أراد أن ﯾﺧطو ﺧطوة ﺧﺎرﺟﮭﺎ ﻋﻠﯾﮫ أن ﯾﻐذي ﻧظﺎم اﻷﻣن اﻹﻟﻛﺗروﻧﻲ ﺑﮭوﯾﺗﮫ ﻣرﺗﯾن ﻋﻠﻰ اﻷﻗل ﻟﯾﺗﯾﺢ ﻟﮫ اﻟﻣرور. ﺗﻧﺗﮭﻲ اﻟردھﺔ ﺑﺣﺎﺋط أﻣﺎﻣﻲ ﯾﻧﻔﺗﺢ زﺟﺎﺟﮫ ﻋﻠﻰ ﻣﻧظر ﻏﺎﺑﺔ ﻛﺛﯾﻔﺔ اﻷﺷﺟﺎر ﻏﯾر أن إﺣﻛﺎم إﻏﻼق اﻟزﺟﺎج ﯾﺿﻣن أﻻ ﯾﺗﺳﻠل ﻋﺑره أي ﺟزيء ﻣن ﺟزﯾﺋﺎت اﻷﻛﺳﺟﯾن اﻟﻧﺎﺗﺞ ﻣن ﻋﻣﻠﯾﺔ اﻟﺗﻣﺛﯾل اﻟﺿوﺋﻲ ﻟﻠﻐﺎﺑﺔ. ﻓﺎﻟﺗﻧّﻔس ھﻧﺎ ﻻ ﯾﻣﻛن أن ﯾﺧﺿﻊ ﻟﻧزوات اﻟﺑﺷر اﻟطﻔوﻟﯾﺔ ﻓﻲ اﺳﺗﻧﺷﺎق اﻟﮭواء ﺑﺷﻛل ﻣﺑﺎﺷر ﻣن اﻟﺷﺑﺎك ﻟﻣﺎ ﯾﻣﻛن أن ﯾﺗوﻟد ﻋﻧﮫ ﻓﺗﺢ اﻟﻧواﻓذ وﻏﻠﻘﮭﺎ ﻣن أﺿرار أﻣﻧﯾﺔ أو ﺗﻘﻧﯾﺔ ﻗد ﺗﺗﺳﺑب ﻓﻲ ﺗﺂﻛل اﻹطﺎر اﻟﻣطﺎطﻲ اﻟﻔﺎﺻل ﺑﯾن اﻟﺣواﺋط اﻟزﺟﺎﺟﯾﺔ واﻟﻘواﺋم اﻟﻣﻌدﻧﯾﺔ، ﻓﯾﺗﺳﻠل ﺗﯾﺎر اﻟﮭواء اﻟذي ﻛﺎن ﯾﺗﺳرب ﻗدﯾﻣًﺎ ﻣن ﺑﯾن ﺷﻘوق اﻟﻧواﻓذ اﻟﺧﺷﺑﯾﺔ ﻓﯾﻘدح ذﻟك اﻟﺗﯾﺎر اﻟﮭواﺋﻲ اﻟﻣﺗﺳّرب ﻓﻲ ﻗدرة اﻹﻧﺳﺎن ﻋﻠﻰ إﻧﺟﺎز اﻟﺳﯾطرة اﻟﻣطﻠﻘﺔ ﻋﻠﻰ اﻟطﺑﯾﻌﺔ اﻷﺳطورﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﻻ ﯾﻌﺗرﺿﮭﺎ ﻋﺎرض. ﻟذا، ﻓﺣﺎﺟﺔ اﻟﺑﺷر ﻟﻸﻛﺳﺟﯾن ﻣﺣﺳوﺑﺔ ﺣﺳﺎﺑًﺎ دﻗﯾﻘًﺎ، ﻣﺎ أدى إﻟﻰ ﺗﺻﻣﯾم ﻓﺗﺣﺎت ﺗﮭوﯾﺔ ﺗﺿﻣن إﻧﻔﺎذ ﺟزﯾﺋﺎت اﻷﻛﺳﺟﯾن اﻟﻼزﻣﺔ ﻟﻠﺣﻔﺎظ ﻋﻠﻰ ﺣﯾﺎة اﻷﻓراد وﻧﺷﺎطﮭم. ﺗﺗوارى ﻓﺗﺣﺎت اﻟﺗﮭوﯾﺔ ﺗﻠك، وﻻ يُسمح ﻟﻘﺎطﻧﻲ اﻟﺑﻧﺎﯾﺔ اﻟﺗﺣﻛم ﻓﯾﮭﺎ وﻻ رؤﯾﺗﮭﺎ، ﻓﻛﻔﺎءة اﻟﺗﺻﻣﯾم ﺗﻘﺿﻲ ﺑﻌدم إطﻼق ﯾد اﻟﺑﺷر ﻟﻠﻌﺑث ﻓﻲ اﺳﺗﮭﻼك اﻟطﺎﻗﺔ. ﻟﻧﺑﻘﻲ ﺳﻠطﺔ اﻟﺑﺷر ﻓﻲ اﻟﻣﺑﻧﻰ ﻋﻠﻰ اﺳﺗﮭﻼك اﻟطﺎﻗﺔ ﻣﻘﺻورة ﻋﻠﻰ ﺗﺷﻐﯾل اﻷﺟﮭزة اﻟﻛﮭرﺑﺎﺋﯾﺔ واﻹﻟﻛﺗروﻧﯾﺔ اﻟﻼزﻣﺔ ﻟﻛﻲ ﯾﺗﻌرّف ﺳﻛﺎن اﻟﺑﻧﺎﯾﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻣوﺟودات ﺧﺎرﺟﮭﺎ، وﻟﻧﻔرّغ ﻏرﻓﺗﯾن ﻣن ﻛل ﺗﻠك اﻟﻣوﺟودات، ﺣﺗﻰ ﻣن ﻣﺻدر اﻹﺿﺎءة ﻟﻛﻲ ﯾﻧﻔرد ﺑرﺑﮫ ﻣن أراد ﻓﻲ أي ﻣﻧﮭﻣﺎ، ﺳواء أراد اﻟﺻﻼة أو ﻣﻣﺎرﺳﺔ اﻟﯾوﺟﺎ.

استمر في القراءة

كريم محسن: اليوم الأول في العمل

David Reinfeld, “About Face #5”, 2018. Source: artsy.net

-١-
أمام البوتجاز، أقف مرتديا فانلة قطنية بيضاء يحتضنها بعناية بوكسر كحلي، وشراب أسود اللون يخنق قصبة ساقي. ذقني الحليقة تجعل وجهي ضخم وأبله، مما يليق بدوري الجديد كموظف تخرج منذ ثلاثة شهور فقط من الجامعة. رائحة الصابون تفوح مني وتثير داخلي قرفًا محتملًا، تناسيته مع رائحة البن المحوج التي تحتل فضاء المطبخ. سيجارة ميريت أصفر بين شفتي، وأصابع يدي تتأهب لكنكة القهوة حتى لا تفور وتفسد صباح يومي الأول في العمل. قطرات عرق في سباق مستمر على جبيني، بلا قواعد أو خط نهاية محدد: تمتزج قطرتان مع بعضهما وتشكلان قطرة كبيرة، تسقط في النهاية على الفانلة وتصنع بقعة شفافة ضخمة، سرعان ما تجف. قطرة صغيرة ينتهي مصيرها عند حواجبي الكثيفة. بعض القطرات تفضل النهايات الدرامية، فتسلك طريقها باتجاه عيني قبل أن أقضي عليها بمنديل.
سكبتُ القهوة في الفنجان، وضعتها على السفرة، اتجهت للحمام، غسلت وجهي بالماء وجففته معلنًا نهاية سباق قطرات العرق، وبداية سباق جديد: اللحاق بأتوبيس العمل بعد نصف ساعة.

استمر في القراءة

فيء ناصر: يسنين وبنت عمتي

Bertien van Manen Novokuznetsk (Funeral), 1991. Source: robertmorat.com

لم أجرؤ على دخول الغرفة المخصصة لعزاء النساء كما فعلت أمي، مشيت خطوات حذرة فوق الأحذية والنعالات السود المبعثرة خارج الغرفة، وقادني الممر القصير إلى باحة الدار التي تتوسطها شجرة نبق والتي تحاط تربتها وجذعها بسياج دائري واطئ من صفين من الطابوق، وحوله تنتشر أحذية النساء ونعالاتهن أيضا.  شجرة النبق تهيمن على الدار بعلوها الخفيض وتتأمل مشهد الموت كاملا، كأنها تمتص الصراخ الحاد، تنشر أغصانها في كل الاتجاهات وتجثو كالكوابيس على المستيقظ المفزوع تواً، بينما تتساقط ظلالها وأوراقها الصغيرة الصفراء على ارضية الباحة ذات الطابوق الطيني، ويختلط مع ظلال عباءات النساء وثيابهن السود أثناء مرورهن من المطبخ إلى غرفة عزاء النساء. جلستُ على السياج المحيط بشجرة النبق أتفحص الدار التي تعج بالفوضى والعويل، نساء في المطبخ يتولين الإشراف على الطبخ وإعداد حلوى التمر مع الخبز والشاي ثوابا على روح الميتة. صغار يلعبون حول الشجرة كأنهم يستثمرون الصراخ العالي لزيادة صخبهم، ونسوة كثيرات يدخل صراخهن قبلهن من الباب الحديدي المشرّع. مرّ ابن عمتي مسرعا، تحت إبطه كتاب ذو غلاف لامع يختلط به الأزرق مع الأبيض، رماه عليّ قائلا:”خليه عندك، عليّ أن أحمل صينية الشاي إلى الرجال”.

استمر في القراءة

مينا ناجي في عيد ميلاده: مُصالحة خَاسر جيّد

By Youssef Rakha

— في بداية كلامي أحب أن أؤكد على شيءٍ. مهما بدا الأمر فأنا لم أُرد أن أوجِّه لكِ تلك الأشياء التي قُلتها. كنتُ مجرَّد أحمق بنسبة ذكاء أتوبيس نهري. وكانت تلك أول مرّة أدخل فيها هذا المول. مرّة قبل سنوات دخلتُ ‘سيتي ستارز’ مع صديق ليبي وهَاله منظري. المهم، حين وصلتُ يوم الجمعة المُشمِس على غير المتوقع إلى المول، كنتِ باردة معي. أتيتُ متأخرًا لأني أوصلت بابا إلي هايبر-ماركت جديد وتركته هناك ليرجع وحده. صعدنا على عجل، وحدث أن السلم الكهربائي كان مُعطلاً، وعلينا الصعود بالمصعد، وأنتِ تعرفين أني لا أحب المصاعد. اندفعتُ خارجًا لما تردّد الباب في الانغلاق وطلعت على السلم المُعطل ليوبخني عمال الصيانة. تجاهلت الأمر لوقتٍ لاحق. كان الفيلم الكوميدي سخيفًا وساذجًا بشكل غريب. لم أضحك ولا مرة. فقط ابتسمت مرتين أو ثلاثا، وأنتِ تضحكين بشعور خفيف بالذنب جانبي وما زالت باردة. في الاستراحة تحجّجتُ بأني أريد أن أرى طلاء أظافرك الجديد ولكنك سحبتِ يدكِ بحزم وبان عليك الضيق أكثر من الخجل. تحمَّلتُ إلى ما ظننته نهاية الفيلم ونزلت متجمدًا من هواء التكييف المبالغ فيه لتمكثي نصف ساعة أخرى بالداخل.

استمر في القراءة

حيدر صادق: اسم الكاتب مستعار

Untitled, 2021 by Youssef Rakha

عطش
قبل أشهر من الحادثة رأيت في منامي أني أسحب زجاجة العصير من جانب الفراش وأشرب منها ما يسد رمقي وفجأة يتبين لي أن في الزجاجة بول حار، شعرت بالجحيم في حلقي وكدت أتقيأ لكني استيقظت من الكابوس وصحوت من نومي فزعاً لأتحسس زجاجة العصير بجانبي وهي مليئة بسوائلي القذرة. شعرت بالاطمئنان كونها مملوءة، وكون ما حصل في الكابوس لم يتجاوز حدوده إلى الواقع، فعدت إلى نومي عطشان ولكن كان الأهم عندي أن مريئي خال من اليوريا وهذا أمر جيد من شأنه أن يعيدني إلى نومي مطمئنا رغم ظمئي، فالعطش شر أرتضيه لساعات محدودة ما دام الصباح يعد بماء وفير.

استمر في القراءة

مالك رابح: الخيط الأبيض السميك

Still from “The White Ribbon” (2009). Source: evanerichards.com

عيد الأم. انتهى اليوم الدراسي بعد ثلاث حصص. قرع البواب الجرس المعدني ونزلنا إلى الحوش الواسع. كان الجو خانقًا وكنت عطشانَ. في الحقيبة زمزمية لم أرد أن أخرجها وسط كل هؤلاء. أجلسونا كيفما اتفق على الرمل الساخن. فصلنا يحوي ثلاثة وأربعين طالبًا والمدرسة خمسة أدوار وفي كل دور ثلاثة فصول، على يساري صف من طلبة الصف الثالث وعلى يميني أحدهم يجلس القرفصاء، يحيط الذباب بفمه المفتوح، يبتسم ويسيل منه اللعاب. الرقع على قميصه الأصفر وبنطاله البنّي مصممة بخيط أبيض سميك، شعرت بالقرف. يتدافع الطلبة فأصطدم به. رائحته بشعة.

استمر في القراءة

أمنية منصور: حتى في الجنة تَنفَق الغربان

Mark Rothko, Blue, Green, and Brown, 1952. Source: mark-rothko.org

وجدتني في مصعد بأربعة أبواب، باب على كل جانب. صعد بي دون أن أضغط زرًا. يختار هو الطابق ويترك لي اختيار باب أخرج منه. توقف. أنا لا أعرف أين أنا فربما عليّ اختيار أكثر الاحتمالات وضوحًا. نزلت من الباب المواجه لي. أحسست جسدي يصطدم بلوح زجاجي لم أره، فارتددت إلى الخلف واقعة.
أحرق عيني لثوانٍ خضارٌ مشع امتد تحتي. أرسلتهما بعيدًا فوجدته يغطي كل شيء على امتداد الأفق. تضاريس برزت عن الأرض، وحفر. كأنه بساط فرشه كائن عملاق وألصقه بغراء. مر أمامي زوجان، مشيا ناظرين أمامهما كغريبين على رصيف ضيق جمعتهما وجهة واحدة. قطعا الطريق وما إن أشحت بنظري عنهما حتى اختفيا، ليظهر في البعيد أشخاص آخرون. رأيت بعضهم يستلقي على البساط، والبعض الآخر يستحم في بركة خضراء هي الأخرى. الضوء هنا ليس أبيض، وليس ساطعًا يعكس الألوان. فقط خضارٌ مُشع.

استمر في القراءة

آدم: ضرس

Ian Ingramو Castle of the Tooth Fairy, 2017. Source: artsy.net

سبع عجائز يشربن الشاي ويقرضن الفصفص ويتفلنه نحو أبعد مسافة، لعبتهن المعتادة كل ليلة. صوت تشويش يأتي من راديو بعيد يبث أغنية بحرية لإحدى الفرق الشعبية المنقرضة. القمر نازل مضيء بقوة، يكاد يجلس معنا ويشرب الشاي. نجلس في المزرعة قرب البيت الطيني ذي الإضاءة الخافتة، الخارجة من الفوانيس المعلقة في كل مكان، نهيق حمار وأصوات أبقار في الحظيرة وحمحمة حصان في الإسطبل. أنا الذكر الوحيد، ابن أمي المستندة على الشجرة ورأسي في حضنها، بلغتُ الثالثة عشرة قبل عدة أيام. ذكرت إحدى العجائز المرتعشات حكايتي وهي تضحك مبديةً أسنانها المنخورة. تقول إنّها تتذكر أنّني – في الفترة التي راحت تحُكّني فيها لثتي وقد أوشكت أسناني على الخروج – عضضتُ ساق أمي، ثم عضضتُ مؤخرة الكلب الدمية وبكيت كثيرًا لأنه لم يتألم أو يهوهو مثل الكلاب في التلفاز.

استمر في القراءة

محمد سعيد احجيوج: البحث عن إدمون عَمران المالح

Bruno Barbey, Tangiers, 1995. Source: magnumphotos.com

١- أفعى تلتهم ذيلها
ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية. يمكنك مثلا، كما يقول أوسكار ذو طبل الصفيح، أن تبدأ القصة من الوسط ثم تسير بها متقدما إلى الأمام أو تعود إلى الخلف لتخلق ما تشاء من حيرة وارتباك. يمكنك أن تكون حداثيا، أو بالأحرى ما بعد حداثي، وتلغي كل الإشارات إلى الزمان والمكان، ثم تعلن أنك قد حللت معضلة الزمكان. يمكنك أن تقول إنه ما عاد بالإمكان كتابة الرواية، فقد قيل كل ما يمكن أن يقال، ثم تُخرج، على غفلة، من قبعتك السحرية رواية سحرية ستكون آخر الروايات العظيمة ولن يأتي أحد بعدك بأفضل منها. ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية التي يسودها الغموض ويدثرها الجنون وتموت فيها الأحلام. إحداها تبدأ كما تبدأ القصص البوليسية. التحري الخاص يتلقى مكالمة هاتفية، أو زيارة عمل، من عميل يأتي إليه بقضية مستعجلة. لكنني لست تحريا خاصا، أنا كاتب سلسلة من الروايات بطلها رجل تحر. كان م.س يعلم ذلك حين جاءني بقضيته. أخبرته وأعدت التأكيد بأنني كاتب ولست تحريا. “لكنك تكتب عن رجل تحر، ورواياتك البوليسية محكمة الحبكة،” قال لي وجفف العرق عن جبينه، ثم تنهد ورفع كتفيه. “أنت أقرب من يمكنني الحصول عليه من رجال التحري.”

استمر في القراءة

No more posts.