مالك رابح: الخيط الأبيض السميك

Still from “The White Ribbon” (2009). Source: evanerichards.com

عيد الأم. انتهى اليوم الدراسي بعد ثلاث حصص. قرع البواب الجرس المعدني ونزلنا إلى الحوش الواسع. كان الجو خانقًا وكنت عطشانَ. في الحقيبة زمزمية لم أرد أن أخرجها وسط كل هؤلاء. أجلسونا كيفما اتفق على الرمل الساخن. فصلنا يحوي ثلاثة وأربعين طالبًا والمدرسة خمسة أدوار وفي كل دور ثلاثة فصول، على يساري صف من طلبة الصف الثالث وعلى يميني أحدهم يجلس القرفصاء، يحيط الذباب بفمه المفتوح، يبتسم ويسيل منه اللعاب. الرقع على قميصه الأصفر وبنطاله البنّي مصممة بخيط أبيض سميك، شعرت بالقرف. يتدافع الطلبة فأصطدم به. رائحته بشعة.

استمر في القراءة

إسلام حنيش: الغيم أسرّة طائرة

Morgan R. Hobbs, Sick Sheets, 2013. Source: morganrhobbs.com

جلسنا على صفيح الموت مرتين
كنا متأنقين في الأولى
كأننا في زيارة رسمية
لن تطول لأكثر من يومين
لم نشعر بالتهديد من طول المسافة
ذهبنا غير عازمين على شيء
بحقيبة سفر صغيرة
وحزمة من الأمنيات
ورجعنا دون خيبات تُذكر
في الثانية رأينا الله كثيرًا
ولم نرَ الكنز في الرحلة
فلم نذهب لأبعد من شارعين
.

استمر في القراءة

نور حمدي: لعنة الملح

Mirtha Moreno, “Salt and Pepper II”, 2020. Source: 1stdibs.com

إلى كل من لم يستطيعوا سوى أن يلتفتوا
.
كانت خطيئته أنه التفت
وتوقف عندما مضى الجميع
غير عابئين بالكارثة،
أو هاربين منها
أو باحثين عن غيرها
رأيته في مسيري
كان أمامي
ظهره لي
وظهري للأعين الماضية
ناديته
وحينما التفت
أصبحت في مرمى عينيه
أنا
والماضين
والمهزلة

استمر في القراءة

أمنية منصور: حتى في الجنة تَنفَق الغربان

Mark Rothko, Blue, Green, and Brown, 1952. Source: mark-rothko.org

وجدتني في مصعد بأربعة أبواب، باب على كل جانب. صعد بي دون أن أضغط زرًا. يختار هو الطابق ويترك لي اختيار باب أخرج منه. توقف. أنا لا أعرف أين أنا فربما عليّ اختيار أكثر الاحتمالات وضوحًا. نزلت من الباب المواجه لي. أحسست جسدي يصطدم بلوح زجاجي لم أره، فارتددت إلى الخلف واقعة.
أحرق عيني لثوانٍ خضارٌ مشع امتد تحتي. أرسلتهما بعيدًا فوجدته يغطي كل شيء على امتداد الأفق. تضاريس برزت عن الأرض، وحفر. كأنه بساط فرشه كائن عملاق وألصقه بغراء. مر أمامي زوجان، مشيا ناظرين أمامهما كغريبين على رصيف ضيق جمعتهما وجهة واحدة. قطعا الطريق وما إن أشحت بنظري عنهما حتى اختفيا، ليظهر في البعيد أشخاص آخرون. رأيت بعضهم يستلقي على البساط، والبعض الآخر يستحم في بركة خضراء هي الأخرى. الضوء هنا ليس أبيض، وليس ساطعًا يعكس الألوان. فقط خضارٌ مُشع.

استمر في القراءة

طعم الوصول | بهيج وردة: لا ننجح في كثير من الأوقات

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Lovell’s Montreal Directory Map by Charles E Goad, 1898-9. Source: gs.library.mcgill.ca

جرت العادة أن أجيب على سؤال: “كم مضى على وجودك في مونتريال؟” برد يحمل عدد الشتاءات التي أمضيتها، كأن أقول الآن: “هذا هو شتائي الرابع في المدينة”. غالباً نضحك معاً من الجواب لأن كثيراً من جليد المدينة -الذي يدوم حوالي سبعة شهور- يذوب في هذه اللحظة تحديداً، ويبدأ محدثك بمشاركتك تجربته إن كان مهاجراً سابقاً، أو يخبرك أنه يتفهم انزعاجك من الجو القاسي، ويحاول التخفيف عنك ببعض النصائح، فيما كان مثيراً لاستغرابي أن بعض الشباب المولودين في المدينة القريبة من القطب الشمالي يجيب بكونه يكره البرد والثلج، وعندما أخبر محدثي عن قدومي من دبي، فإن الجليد المتبقي في حديثنا يذوب تماماً، كأن حرارة الصحراء اللاسعة تنتصر في تلك اللحظة، وغالباً يتوقف الحديث عن الأصول، ولا نصل في الحكاية إلى سوريا.

استمر في القراءة

كارول صنصور: إنهم يقتلون الإله

Jordan Kerwick, Saint LA, 2017. Source: galerielinlassable.com

رأيت الله يصلي الليلة
وسمعت أصواتا قديمة تناديني
ركضت في الأرض
بحثا عن الحبق الموعود
مسحت حقدا نبت على وجهي
قبضت على قلبي اللزج 
وتمنيت أن يكون لي بيت
أفتح أبوابه على شاطىء يافا

استمر في القراءة

هدية رأس السنة: ثلاث قصائد من ديوان أحمد يماني الجديد

الوداع في مثلث صغير

Pink by Youssef Rakha

الصوت
يأتيني الصوت من مكان لا أميزه
حتى نبرة الصوت تبدو قادمة من طبقات من العدم
لكن الصوت يصل بطريقته ويهمس لي:
ليس الأمر شخصيا
لا تحزن
كان ممكنا أن ينالك ألم آخر أقسى
لكن ما الفرق؟
أن تتكور وتظل تتخبط في جدران وهمية 
وأن يكتب عليك أن تظل رافضا لصورة فرضوها عليك وقد حاكوا المؤامرة بحنكة لا تفهمها.
ما الفرق؟
بل لابد أن تفرح، فعلى الأقل لديك ما تدافع عنه.
ليس الأمر شخصيا
يقول الصوت
ومع ذلك اغفر لي.

استمر في القراءة

طعم الوصول | نرمين نزار: الغربة الخفية

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Vintage Map of Cairo. Source: 123rf.com

غربتي خفية. تكاد تكون سري الخاص. لا يعرف أحد الآن أني لم أكن أتحدث باللهجة المصرية حين وصلت إلى هنا في أسوأ توقيت ممكن. بداية المراهقة. كان ينبغي أن أغير لهجتي سريعا لتقليل الخسائر، فمراهقو مدرستي لم يتسامحوا مع اختلافي الطفيف. لم أكن خواجاية، فأصبح غريبة ومرغوبة، وفي ذات الوقت لم أكن من هنا تمامًا. أوراق ثبوتيتي لبنانية، ولكن إن سئلت، كنت أقول إني فلسطينية، فأربك من يسأل أكثر، والمراهق إذا ارتبك، يخرج ارتباكه عنفًا. نجحت مع الوقت في إخفاء هويتي تمامًا، لتصبح معلومة لا دليل عليها، فيصير نسيانها سهلًا.

استمر في القراءة

كارول صنصور: في طريقي إليك

Mario Giacomelli, Presa di coscienza sula natura Angelini, 1970. Source: sageparis.com

في طريقي الطويل
أصادف الغرباء من بلادي
أطعمهم الحليب والعسل
أسمّم بئرهم
لأجل الذين رحلوا
كم أنتِ زائفة يا بلاد

استمر في القراءة

طعم الوصول | سامح فوزي: طعم الثلج

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Massachusetts Pictorial Map, 1946. Source: mapsandart.com

ثمة..
رجل غريق
يشكو من
برد هائل
يخرج زاحفا
من البحر.
(سيلفيا بلاث)
في المقطع الأخير من قصيدتها الشهيرة المعنونة “حياة”، رأت “سيلفيا بلاث” المستقبل، نورس طاعن في السن، يرعاه -علي حد استعاراتها- الخَرَف والخوف ممرضتين. كم أفزعتنى رؤيتها تلك، تلك القسوة في أن ذاك المشهد تحديدًا سيكون أول ما سيراه الرجل عند خروجه من البحر وربما المشهد الوحيد الباقي إلى النهاية. ثمة شيء ما يجمعني و ذاك الغريق.

استمر في القراءة

آدم: ضرس

Ian Ingramو Castle of the Tooth Fairy, 2017. Source: artsy.net

سبع عجائز يشربن الشاي ويقرضن الفصفص ويتفلنه نحو أبعد مسافة، لعبتهن المعتادة كل ليلة. صوت تشويش يأتي من راديو بعيد يبث أغنية بحرية لإحدى الفرق الشعبية المنقرضة. القمر نازل مضيء بقوة، يكاد يجلس معنا ويشرب الشاي. نجلس في المزرعة قرب البيت الطيني ذي الإضاءة الخافتة، الخارجة من الفوانيس المعلقة في كل مكان، نهيق حمار وأصوات أبقار في الحظيرة وحمحمة حصان في الإسطبل. أنا الذكر الوحيد، ابن أمي المستندة على الشجرة ورأسي في حضنها، بلغتُ الثالثة عشرة قبل عدة أيام. ذكرت إحدى العجائز المرتعشات حكايتي وهي تضحك مبديةً أسنانها المنخورة. تقول إنّها تتذكر أنّني – في الفترة التي راحت تحُكّني فيها لثتي وقد أوشكت أسناني على الخروج – عضضتُ ساق أمي، ثم عضضتُ مؤخرة الكلب الدمية وبكيت كثيرًا لأنه لم يتألم أو يهوهو مثل الكلاب في التلفاز.

استمر في القراءة

البودكاست، مع مينا وإسلام🎙: (٢٢) الحلقة الأخيرة



Book cover courtesy of the translator

في الحلقة الثانية والعشرين والأخيرة من بودكاست (مينا وإسلام)، يلتقي الاثنان عبر زووم بمترجم كتاب جوزيف كامبل “البطل بألف وجه” الكاتب محمد جمال ومعه الكاتبين باسم عبد الحليم وأحمد زناتي ليتحدثوا عن الكتاب الشهير وعلاقته بالأدب والسينما والروحانيات. يبدأ جمال بحديثه عن المصادفات التي حكمت علاقته بالكتاب، لينتقل الحديث إلى زناتي عن علاقة الكتاب بحياته الشخصية وكتابته، وبأفكار يونج عن الأنماط الأصلية والخيمياء، ثم يتكلم عبد الحليم عن مدى رجاحة فكرة استخدام القالب الجاهز للحبكة في كتابة السيناريو والرواية المبني على مراحل الرحلة التي وضعها كامبل في الكتاب. تنتقل دفة الحوار بعد ذلك إلى محاولة الإجابة على سؤال هل انتهت الأساطير في الحداثة أو أن لها أساطيرها الخاصة المعاصرة.

 

بودكاست ختم السلطان هو إنتاج وتنسيق مينا ناجي وإسلام حنيش. هما من يختاران الضيف، ويحددان الأسئلة، ويديران الجوانب التنسيقية والتقنية. وليس للموقع فضل ولا عليه لوم غير استضافة البرنامج

محمد سعيد احجيوج: البحث عن إدمون عَمران المالح

Bruno Barbey, Tangiers, 1995. Source: magnumphotos.com

١- أفعى تلتهم ذيلها
ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية. يمكنك مثلا، كما يقول أوسكار ذو طبل الصفيح، أن تبدأ القصة من الوسط ثم تسير بها متقدما إلى الأمام أو تعود إلى الخلف لتخلق ما تشاء من حيرة وارتباك. يمكنك أن تكون حداثيا، أو بالأحرى ما بعد حداثي، وتلغي كل الإشارات إلى الزمان والمكان، ثم تعلن أنك قد حللت معضلة الزمكان. يمكنك أن تقول إنه ما عاد بالإمكان كتابة الرواية، فقد قيل كل ما يمكن أن يقال، ثم تُخرج، على غفلة، من قبعتك السحرية رواية سحرية ستكون آخر الروايات العظيمة ولن يأتي أحد بعدك بأفضل منها. ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية التي يسودها الغموض ويدثرها الجنون وتموت فيها الأحلام. إحداها تبدأ كما تبدأ القصص البوليسية. التحري الخاص يتلقى مكالمة هاتفية، أو زيارة عمل، من عميل يأتي إليه بقضية مستعجلة. لكنني لست تحريا خاصا، أنا كاتب سلسلة من الروايات بطلها رجل تحر. كان م.س يعلم ذلك حين جاءني بقضيته. أخبرته وأعدت التأكيد بأنني كاتب ولست تحريا. “لكنك تكتب عن رجل تحر، ورواياتك البوليسية محكمة الحبكة،” قال لي وجفف العرق عن جبينه، ثم تنهد ورفع كتفيه. “أنت أقرب من يمكنني الحصول عليه من رجال التحري.”

استمر في القراءة

مهاب نصر: صبيحة القيامة

Hieronymus Bosch, The Seven Deadly Sins And The Last Four Things, 1500-1525. Source: Wikipedia

صبيحة القيامة
كانت الأغلال مابرحت تطوق معصميّ
ولا أقوى على النهوض بسبب الأفكار
أو بسبب فكرة واحدة
أو لا شيء
وكان هذا يؤلمني
كما لو كنت أرى جسدا يتألم
ولا أستطيع أن أقول: اصمت حتى نعبر
ولا أصدق أن العبور صار وراءنا
والآن أثرٌ فقط

استمر في القراءة

Beirut’s Just a Place: Robin Moger Translates “Beirut Shi Mahal” (An Extract)

“A sea breeze bearing the sound of a car as it passes down the Corniche: enough to make you feel you knew these roads once, before the wars, before the city changed and became what it came to be.”

Rabie Jaber

 

The plane still pitching forward like a bullet as my head rattles and jars to words I once composed on another journey: “Let the days go by, just set your heart on the nearest table and wait.” It’s not the landing that scares me so much as this wild careen across the tarmac, as though the danger’s only real to me when it submits to gravity.

Years since I’ve returned to Cairo this way.

“Not a drop of rain fell tonight. To go away with no goodbyes: I’ve no regrets.”

In the passport queue I remember when these lines had come to me: in transit between Egypt and England, a university student, miserable most of the time, my life like a dream, transient and insubstantial against the solid reality of airports. Not poems I had expended any great time on, and maybe I’d never have thought of them again had they not rattled back into my head on the runway. Mind you, though: when they were published, several people had told me they were the strongest thing I’d written. It was only by (almost) pure chance that they had been published at all, and in Beirut, from where I’m returning.

No response to my greeting from the customs officer at his window and I’m hunched over the conveyor belt, waiting in agony for my bags. An agonising need to piss. This was one of the most exhausting trips I’ve ever taken, but it had certainly had its uses.

Has mother sent a man to wait for me among the drivers with their signs?


 

Continue Reading

أمنية منصور: والدنيا هس هس

Mohamed Nassef, Cairo, March 2019. Courtesy of the artist.

من أجل أن نلتقي في المدينة التي لا تنام. هذه القاهرة. لا تنعس حتى، أو تغمض جفنيها. عيناها على اتساعهما كل لحظة، ترصد الأفق وكأنه مبسوط فلا يحجب رؤيتها لا زحمة ولا تراص أبنية ولا فضاء. في كل الاتجاهات تُلاحق ببصرها أناسًا جالسين وقططًا حائمة. لا تغفل عن شيء. يقظتها فاتكة تعضّ ما تراه، تهشّمه أسنانها حتى تبتلعه. ظننا أن الملاذ من مراقبة القاهرة في حَوارٍ ضيقة ودهاليزَ مظلمة ولكن كيف وحتى ما يحدث في كنف الغرف المغلقة لا يخص أصحابها بل يداوي مقلتيها الحمراوين. لا ينقطع دأبهما قط.

استمر في القراءة

Youssef Rakha: The Bad Lens Files

The way the world looks through my broken phone camera:

Antoine d’Agata says, “Photographers have to accept they can just convey fragments of illusory realities and relate their own intimate experience of the world. In this process of fictionalising an unreachable truth, it’s up to them to impose their doubts about any photographic truth, or accept being impotent pawns in the mediatic game.”

I’m interested in imposing my doubts about photographic truth. These photos are small fictions that draw on and use reality. They are documents in the equivocal sense of artefacts that can evoke responses.

علي لطيف: حمرا

Sohrab Hura (schizophrenic mother with her dog), India, 2008. Source: newyorker.com

أنا من أصول يونانية، هذا على الأقل ما قالته لي ماما. ماما لا تعرف من هو والدى. أول مرة قالت لي أنه مات بإحدى المعارك الأهلية قبل ولادتي، ثم تراجعت عن هذه الرواية قبل أسابيع من موتها، وأخبرتني أن والدى هو قطيع ذئاب. أجل، هذا ما قالته. مجنونة، صح؟
في آخر أيامها كانت كذلك. انزلقت في الليمبو. كانت تجلس على الشرفة بشقتنا المطلة على ساحة كوردوزيو لساعات، وتحدق في الناس. تصرخ أحياناً وتشتم المارين والطيور القبيحة، وفي مرات تركض عارية للشارع وراء البوليس صارخةً: سالفامي! سالفامي!
كانت تبدو فزعة كأن الشيطان بلحمه يلاحقها.
لم أستطع الاعتناء بها كما يجب على ابنة العائلة، ولم أملك المال الكافي لاستخدام ممرضة تسهر على رعايتها، كان عليّ أن أعمل طوال الوقت، ثلاثة حصص يومياً، ما عدا السبت. عليكِ أن تفهمِ أنه لم يكن لدي خيار.

استمر في القراءة

نذير عبد الله: عيادة الأدب الرديء

Nan Goldin, Guido on the Dock, Venice. Source: christies.com

(١)
حالما أنهيتُ تلخيص حياتي في الفترة الأخيرة له، سَلّمَ أنّني، في الواقع، بحاجة حقيقيّة إلى برنامج علاجي، ثمّ سألني إذا ما راودتني أفكارٌ انتحاريّة. لا، أجبت، الموت لا يثير اهتمامي1 – ميشيل ويلبيك – Seretonin

(١) هل تُطيقُ وداعًا أيّها الرّجلُ 
لم أبكِ حين رأيتُ جسدها يتدلّى من السّقف، لم أجزع، لم تصبني نوبة هلع. كنتُ هادئًا تمامًا، انتظمت ضربات قلبي، وحين نظرتُ في مرآة الخزانة عن يميني بدا أنّ ابتسامة ترتسم ببطء على شفتيّ. جلستُ على السّرير، وأخذتُ أفكّر في حفلة بيلي آيلِش التي شاهدناها سويّة في هلسنكي العام الفائت، حيث كانت تلبس بيجامة خضراء مخطّطة برسومات لم أتبيّنها من موقعنا البعيد.  قرابة منتصف الحفلة غنت “ادفن صديقًا”، وأخذت تقفز يمنة ويسرة بخفّة طفلة غفل أهلها عنها. حين نبت صوتها وسط جموع المردّدين “ماذا تريد منّي؟ لماذا لا تهرب منّي؟” شعرتُ بحاجة إلى سيجارة، فنظرتُ إلى سارة التي انحسر حجابها عن مقدّمة رأسها قليلًا بفعلِ تحريك اليدين المستمرّ إلى أعلى وإلى الوراء، اقتربتُ كثيرًا منها كي تسمعني:
– سارة، بدّي أطلع أدخّن سيجارة
– ما تروح، خلّيك
– بس…
– ما في تروح.
أمسكت ذراعي اليمين وشدّتني إليها، وضعت يديها أعلى حوضي، وقفت على رؤوس أصابعها وقبّلتني “هاي بدل السيجارة”، ثمّ أعادت تثبيت حجابها.

استمر في القراءة

الصالون، مع إيمان علي – الحلقة الرابعة: الأعمال الكاملة لوديع سعادة

؏

بودكاست الصالون إنتاج وتنسيق وتقديم إيمان علي، تحرير صوتي: محمود علي. وليس للموقع فضل ولا عليه لوم غير استضافة البرنامج. 
No more posts.