على المجنوني: التنين يتنفس

Neom Project, AFP/Getty Images. Source: theguardian.com

آخر مرة رأيته فيها كانت قبل حوالي عام، في واحدة من نوباته. كان الوقت في رمضان، وكان قد سبقنا هو إلى هناك. لم تختلف المرّةُ عن سابقاتها، ولذلك لم نبقَ أمام البرج طويلا على رغم أنه حاول استبقاءَنا ما استطاع. كنا كلّما نوينا الانصراف وتراجعنا ازداد تمسّكه بنا، وقال متوسلا: اقعدوا. ستجيء هذه المرة. ليس عليكم إلا أن تنتظروا قليلا. قالها بطريقة تُوحي أنّ ما سنراه لو انتظرنا قليلا فقط سيكون مكافأة مُجزية. وزاد بأن استمر في النظر إلى البرج، مصوّبا سبابته تجاه المبنى المضيء، بينما يستجدينا أن نبقى في إخلاصٍ لما ينادي به، إخلاصٍ ربما كان أكثر إقناعا من الشيء المنتظَر نفسه.

لم أعد إلى المكان ثانية، ولا أدري إن كان عيالُ الحارة قد عادوا إليه أم أنهم اتكّلوا على بعضهم بعضا، لأن هذا الشعور لازمنا في تلك الفترة. فبصرف النظرِ عمّا رآه هناك وأرادنا أن نراه معه، وعمّا إذا كان شيئا ذا بال أصلا، فإن شعورًا نما لدينا أنه يؤدّي عملا في صالحنا، شيئا فرضَ كفاية، يقوم به البعضُ فيَسقط عن الآخرين، أو شيئا مثل الخدمة العسكرية، حيث هو الجنديُّ المرابط على الجبهة ونحن ننعم بالأمان في الديار التي هي الحارة القابعة في الجهة المظلمة من البرج، في العتمة والسكون.
كنّا نلبّي دعوته بغير قليل من الحماسة. نترك ما في أيدينا ونجيء مشاةً وعلى الدرّاجات الهوائية. لكنّنا سرعان ما نفقد الرغبة في الاستمرار بعد أن يلفحنا سَمومُ السياراتِ المسرعة التي تسير سيلا عشوائيا لا يتوقف. وكانت كلُّ سيارة تسوطنا بملابسنا إذا مرّت بجوارنا، وتنفث علينا ما اختزن الأسفلتُ من شمس النهار. نتراجع واحدًا تلو الآخر، وحين لا يبقى منا سوى اثنين أو ثلاثة يكون لزاما أن نغمغمَ، معًا وبما يشبه التواطؤ، فلا أحدَ يريد أن يتحملّ وزرَ البقية، نغمغمَ اعتذاراتٍ ركيكةً متعجّلة. ننصرف من عنده ونعود إلى هدوءِ الحارة وأُلفتِها المحبّبة، مخلّفينه وراءنا واقفا مثل نبيّ كذّبه قومُه. كان يقف في ثوبه الطويل على رجلٍ ويطوي الأخرى على مقعد درّاجةٍ ناريةٍ تشبه دبّاباتِ البطّة التي يستخدمها مناديب توصيل طلبات المطاعم، وحين يتعب يضع الرجل المطويّة على مِدْوس الدراجة. كأنما كل منهما، هو والدرّاجة، يتكئ على الآخر. وكان يرفع الثوب أكثر الوقت كاشفا عن سراويل درناء قد تلطختْ ببقعٍ من زيوت الدراجة، وكان السوادُ العالق على ملابسه، العلامةُ على أنه حقيقي وينتمي إلى الطرقات، يتناقض مع عالمه الأخروي الذي يبدو أحيانا أنه آتٍ منه.
في تلك الليلة عزّ عليّ أن أفارقه، أن نفارقه جميعُنا، وكم وددتُ لو بقي معه في كل مرةٍ واحدٌ منّا على الأقل، لكني أفهم أنّه لا ينبغي أن نقضي طويلا على رصيف الطريق السريع فما ذاك بمكانٍ آمنٍ ولا مُريحٍ. ثم إنني أعطيته فرصةً أكثر من مرة. كلنا جئنا وأعطينا الشيءَ فرصةَ أن يظهر، غير أنه لم يظهر. وأحسب أنّه هكذا تسير الأمور. تبحثُ عن الشيء فيختفي، وعندما لا تريده فإنه ينتصب أمامك في كل مكان، كأنما يعاقبك على أنك زهدتَ فيه. في المرة الأخيرة كنت أريد أن أكمل قراءة رواية كبيرة، وكنت أقرؤها في الشارع لأن أبي لا يملّ من تقريعي بقوله إنّ ختمَ القرآن في الشهر الفضيل أنفعُ لي وأبقى. أما بقيّةُ عيال الحارة فلم يكن عندهم روايات، إذْ هُم لا يقرؤون، لكنْ لا بدّ أنّ لدى كلّ منهم أسبابَه الوجيهة.
يندر أن يتسنّى لنا رؤيةُ البرج من جهة حارتنا، فنحن لا نرى إلا قطعةً من ظهره المُظلم، أما حين نبتعد عنه مسافةً كافيةً فيكون في وسعنا رؤيةُ زوجٍ من المصابيح الوامضة المبهرة التي تعلوه وتُنذر الطائراتِ أن تقترب. لقد استأثر البرجُ منذ تشييده بحصةٍ كبيرةٍ من شمس الحارة وبسببه صارت الشمسُ تختفي قبل الغروب بوقت طويل فتعيش الحارة في ظلٍّ مديد. ولذلك حين حثّنا على الوقوف هناك كان بعضُنا يرى واجهة البرج لأول مرة. وهذا البرج عبارةٌ عن عمارةٍ فارعةِ الطول تقف على شارع الملك، على يسار الداخل إلى المدينة. إنه واحدٌ من بنايات المدينة التي تجعلك رؤيتُها تفكر في الانتحار. ومرةً خُيّل إليّ أني رأيتُ في أعلاه نخيلا تُزخرف جذوعَه إضاءةٌ مقتصدة، كما رأيتُ مرةً في أحد المكاتب أجسادا تتحرك في الظلام، وتساءلتُ في سرّي عمّا إذا كان ذلك النخيل حقيقيّا ومغروسا في تربةٍ أم أنه مجردُ نخيلِ زينة، وعما إذا كان أولئك الأشخاص العالين يروننا. وخلف البرج، من غير جهة حارتنا، مدارس حكومية وصفّ من المطاعم التي تقدّم الطعام البحري وخاصة الروبيان الذي يُستولَد في المزارع الوطنية، وطالما استعصى على فهمي هذا الخلطُ الفظيعُ الذي يحدث في مزارع الروبيان بين عالَمَي الحيوان والنبات.
تغطي واجهةَ البرج شاشةُ LED ضخمةٌ تظهر عليها الإعلانات بحركات مختلفة ورتم مغاير، فمنها ما ينطوي مثل صفحة، ومنها ما يتكشّف تدريجيا مستبدلا ما قبله، ومنها ما يَظهر جملة واحدة. والشيءُ نفسه يحدث مع ما هو داخل كل لوحة إعلانية على حدة، فبعضُ الكلمات يسيل شلالا ضوئيا، وبعضها يبدو صغيرا في البدء ثم ينتفخ حتى يكاد يبتلعنا. وقد رأيتُ حرفا واحدا يغطي بضعةَ طوابق من المبنى. لا بد أن أحداقنا كانت تعكس أشكالا مصغّرة ومحدّبة بشتى الألوان حرّفها في أعيننا مبدأُ الزيغِ الكرويّ. تتغير ألوانها في عشوائية مؤقتة ودينامية، وتطبع على الشاشة الهائلة ألوانًا يصعب تمييزها، وأخرى أعرفها لكن لا أستطيع تسميتها، ومن شدة تلاحقها أشعر أنها تنسكب وتختلط في عينيّ. ما إنْ نقف دقائقَ أمام الشاشة حتى يتوحد الضوءُ المنبعثُ منها، ولا يساعدنا التركيز في الإعلانات إلا في النفاذ من بين الستار الضوئي المُبَكْسَل الكثيف، الصورة الكاملة التي تُعرض على الواجهة، إلى بُقعٍ ضوئيةٍ متراصّةٍ هي مصابيح الـ LED المتجاورة، ونكاد نلمس الجهدَ العظيم الذي لا بدّ أنه صُرف في برمجتها الموقّتة والقدرَ الهائلَ من الطاقة الذي سُخّر لتشغيلها، ويُساورنا شكٌّ في أن الأمر يستحق كل هذا العناء.
رأيت البرج يتوشى في اللحظات التي تتوقف فيها الإعلانات المضيئة وتخفت إضاءتها بما يكفي من الوقت أن تستعيد أبصارُنا قدرتها الكاملة. شاهدت له ضوءا يتوشى من تحت ضلوعه، وبدا لي بأحشاء حيّة مثل تنين يتنفس. كأنه جمر تستفز غطاءَه المُرمّد حركةُ الطريق التي لا تتوقف من حوله، وكأنما السيارات بمرورها السريع ذاك تنفخ على الجمر لئلا يترمّد جوف التنين.
خِلنا أنه موهوبٌ بصريا، أو أنه يعاني من انحرافٍ بصريٍّ من نوعٍ ما يجعله يرى ما لا نرى. أو أنه طورٌ غريبٌ من أطواره. ولم يكن يبدو قطّ أنه تحت تأثير مخدر، بل إنّ بعض عيال الحارة كان يعتقد أيام الدراسة أن مخّ الولدِ نظيف. ولهذا أنكر بعضنا الحكايةَ من أساسها، وخشي أن الشابّ قد أصابه شيء من جرّاء الإفراط في التحديق، وقد رأيتُ بنفسي بقعا في عينيّ فعلا عندما أغمضتُها، لأن النظر إلى الأعلى يدوّخ، وحتى الحقائق الراسخة تتشوش بعد قليل من الوقوف أمامها، وإلا فلِمَ يهرب الناس إلى الأمام دائما؟ كما أنّ هذه الطريقة التي تعمل بها الخدع البصرية، إذ تحُول الصورةُ بين العينين والدماغ بحيث لا يعود المرءُ متأكدا ممّا إذا كان شيءٌ ما يتحرك إلى اليمين أم إلى الشمال، أو يتموج أم واقفا. لكن مَن ينظر إلى عينيه وهو يتكلم عن ذلك الشيء الذي يظهر أقل ممّا يختفي لا يملك إلا أن يصدّقه. وهو لم يتكلم عنه إن شئنا الدقّة، إذ حين نطلب منه أن يصف لنا ما يراه، يبدأ قليلا ثم ما يلبث أن يتلعثم في الكلام ويتوقف، مفضّلا أن نراه بأنفسنا. وبدا لي هذا أكثر ما يُعقل في الحكاية كلها، إذ لو أنه كان يستطيع بالفعل وصف الشيء لما كلّف نفسه الإلحاح علينا أن نجيء من الحارة لنقف متسمّرين على رصيف الطريق السريع نحدّق في الأعلى كالمجاذيب. وأظنه قال في إحدى المرّات أنصتوا، رغم أنه يتوقع منا أن نرى شيئا لا أن نسمعه، ورغم أن الإعلانات صامتة. ولا أدري إن كان قال هذا فعلا أم أنّي أتوهم الآن، فأنا لا أكفّ لحظةً عن التفكير في الحادثة. كما لا أعلم حقا ماذا كان يظنّ عيالُ الحارة، أما أنا فلم يمنعني توقفه دون الإفصاح عن ذلك الشيء، من التمادي في السؤال. رحتُ أتعجّب مما إذا كانت صورة أو كلمة أو شيئا مدسوسا بين الإعلاناتِ يمرّ في لمح البصر. هل هي جزء من إعلان، أم خطأ تقنيّ، أم نداء استغاثة مشفّر؟
ولو أن الإعلان لم يوضع لمسافري الطريق السريع ولكن للواقفين لحقّ القولُ إنه المشاهدُ الوفيّ والمتفرج المثالي الذي يجب أن تُصنع من أجله الإعلانات. لقد كان حين تمرّ الإعلانات من أمام عينيه كأنما يستعير أحداق الناس كلهم، أعين المدينة بأسرها، ويغيب تماما في الإعلان حتى إنه ينسى ما حوله. وكنا في تلك اللحظة أقرب ما نكون إليه، لم نكن بهذا القرب منه من قبل. ودار في خلدي أنه ربما اختلق هذا الشيء ليجذب اهتمامنا، ولكني سرعان ما قمعتُ هذه الخاطرة الجامحة، إذ لو أراد ذلك فعلا فإن هناك أشياء أسهل. لا أعرف كيف يفكر الناس على أية حالٍ.
في منتصف الليل ينتهي منعُ مرور الشاحنات على الطريق، فتعبر الشاحناتُ محملةً بالبضائع التي تكدسها على أفواه الأبواب الخلفية لمتاجر المدينة ومطاعمها. وفي رمضان يكون هناك تشديدٌ على تنظيم دخول الشاحنات، فيُقلَّص عددُ ساعات دخولها لاختصار أوقات الذروة وتقليل زمن رحلات المسافرين داخل المدينة. وفي العشر الأواخر من الشهر تضع صلاةُ القيام واستعداداتُ العيد مزيدا من الضغط على حركة الناس والسيارات.
أكيدٌ أننا سمعنا صياح سيارة الإسعاف، ولكننا لم نتحرك إلا حين جاء واحد من عيال الحارة وقال لاهثا إنه شاف الحادث. ولم يقلْ أي حادث بالضبط، لكننا قدّرناه من الجهة التي أتى منها. كان هناك كثيرون، مسعفون ورجال شرطة ومسافرون أوقفوا سياراتهم، وكان هناك لغط كبير. من بين الأصوات المحتشدة سُمعت صلاة التهجّد من مصادح المساجد البعيدة. رأيتُ مقلةَ الولدِ على الرصيف، محطوطة هناك مثل لعبةٍ أو جزءٍ منها. كانت رطبةً لم يجفّ بعد سائلها الزجاجي وجاحظةً إلى الشارع، العينُ التي رأت كل شيء. تفجّعتُ لمرآها مصدومة ومنفردة بشيء من الاحتجاج. وربما كانت شعيراتها الدموية المهتَّكة شديدة الدقة ما زالت تنزف.
فيما بعد قال واحدٌ من الشباب رأى المشهدَ نفسه إن إعادةَ مقلةِ العين إلى محجرها باليد مباشرة أمرٌ ممكن، وإن جدّه الراعي كان يقف على حوض الماء يعيد أعين الشياه المريضة التي تتدلى كلما مالت رؤوسها إلى الحوض كي تشرب. لكن محجرَ صاحبنا لم يكن موجودا ولا الجمجمة ولا الجسد ليُعيد أحدٌ تلك المقلة إلى مكانها. كان البرج هناك بواجهته المضيئة. أخذتُ أطالعها واقفا. أُديم النظر في الإعلانات التي لا تتوقف عن الظهور والتعاقب. وأستنتج ترتيب الإعلانات في الظهور. ثلاث دورات تفصل بينها إغماضةٌ تدوم جزءا من الثانية. لا أرى فيها شيئا، وإن كان من شيءٍ غير الإعلانات يظهر فسيظهر في تلك الإغماضة الخاطفة. لكني لا أرى في تركيزي سوى حدقته الملقاة على الرصيف، شعيراتها الدموية الطازجة الضاجّة بما فيها من رمق الحياة. تستأنف الإعلانات الظهور، فيستولي على واجهة البرج إعلانٌ لمطعم من مطاعم الفاست فود. تُلقى فيه قطع الدجاج المقرمش من يدٍ لا مرئية أعلى من البرج على أرضية وردية اللون، تُبطّأ الصورة فجأة فتهوي قطع الطعام نزولا وئيدا يجعل الناظر يشتهيها في هذه اللحظة أكثر من أي شيء، ثم ما تلبث أن تستعيد سرعتها، بدرامية، قُبيل أن ترتطم بالأرضية. ويتطاير لدى ارتطامها فتاتٌ من الجلد السميك المقرمش لقطع اللحم، وينتثر بعضه، حتى ليكاد يخرج من جانبي البرج. وأفكّر فيما إذا كان هذا الشيءُ، قطعُ اللحم الذهبية المنكمشة المتقبّضة المتطايرة تلك، آخرَ ما رآه.