مي المغربي: نصوص للذين نبتت في أدمغتهم أرجل

Image by Mai El Maghraby, courtesy of El Mai Maghraby

 

قبل أذان العصر أكتشف أنني انتهيت من التهام نفسي. عندما أقول لا شيء قادر على تدميري فأنا أعنيها، لم يتبق شيء. كل يوم آكلني.

أود خلع كتفي الأيمن
يوميا أتمنى ذلك
أن أمشي بدون كتف
بدون جانب أيمن
خمس أصابع تكفي
لحمل كوب قهوة
للصفع
لإشعال سيجارة
أو نبش ماضي أحدهم
ربما ينجيني من سلامات
من أحضان لا يبررها إلا التلامس
ربما يخافون مني
من يريد الاقتراب من امرأة بلا كتف؟
لا أحد يحب أن يلقي التحية على يد يسرى
عندما آلمنى كتفى أول مرة قال لى المعالج إن السبب في تقلص عضلاته هو التفكير الزائد في المستقبل. حسنا. لكن لو كنت بكتف واحد سأحتاج لحمالة صدر أحادية. من أين؟

مِزاجي غامض هذا الصباح. أتحسس كل موضع شعرت بالألم فيه البارحة. لا أفهم، هل أتألم فعلا؟ فكرت كثيرا فى الألم، والصداقة. سحبتُ عيني إلى داخل رأسي أبحث عن معنى مشترك للصداقة والألم، عن علاقة تجمعهما.
تذكرت لحظتها أنني قلت لصديقي إنني أتخيل لو سألني أحدهم عنا لقلت إننا نشبه جرحا يُنبش بعد أن شارف على الالتئام. في تلك الفترة القصيرة – أقصد فترة انغلاق الجرح على نفسه ونمو طبقة متجلطة من الدم – يسعى الواحد منا إلى الألم، ليعرف إلى أي مدى يمكن أن يتحمله. يمكن أن أصف تلك التجربة بالفضول المشوب بالحذر: جس نبض المعاناة. نعرف أننا سنتحمل الألم، لكننا أيضا نستمتع به بصورة غامضة. هذا نحن. صداقتنا تشبه هذا الألم الذي نجسه بين الفينة والأخرى لنتأكد من مدى صلاحية وجودنا معا.
كل صداقاتي فيها ألم تتفاوت شدته. أقرر أن أغرس أصابعي فيه حتى أنزف لأكف عن الاستمرار في تلك الصداقة، وأحيانا أسكب عليه قطرات الصمغ حتى لكي تنتهى. لكني اليوم لا أعرف ما الذي علي فعله تجاه جرح وجدته في منتصف جبهتي.

في المطبخ، بجانب الحوض
هناك فتحة على شكل قلب في الجدار.
لا أعرف متي  ظهرت، ومن خالقها
أو ماذا تعني
لأنها بالتأكيد تشير إلى شيء ما
ربما طبيخ أمي
المياه المفلترة
الأكواب التي تلمع
ربما تشير إلى أن الإنسان جدار
مجرد جدار به فتحة على شكل قلب.

فقدت نفسي أربع مرات.
المرة الأولى كانت بلا قصد.
علمتني أمي الصمت والصبر ليس على البلاء ولكن على الإهانة.
المرة الثانية كنت تعودت على تصوراتي عن أن هذه أنا.
المرة الثالثة، قبل الأخيرة، كانت عن عمد.
تخيلت أن التقليل من نفسي سيشق ترعة تمكننا من التقابل في إحدى معدياتها.
المرة الاخيرة كنت صامتة بما يكفي. صامتة لأدرك أن الحل يكمن في رجوعي للحظة رفعت إصبعها على فمها بسيمترية أدهشتني صرامتها وهي تطلق “ششش”.
 أمي، وهي تغلق الباب بهدوء لتساعدني على بلع ما سمعت. لا وتقيأت (قلت):
 لا هذا لا يناسبني.

كيف أقول هذا. أنا أعرف كيف أفرق بين أبي الحقيقي وأبي المتخيل
في أحلامي.
عندما يأتي كما هو بدون تغيير أعرف أنه ليس بابا.
عندما يرسل ريشا او مالا أو يأتي مبتسما صامتا مشجعا أعرف ان هذا هو الحقيقي.
ليس من العدل أن يكون هو هو حتى بعد الموت.
ليس من العدل لا لي وله.
أريده أن يكتب أشعاره التي رماها من أجل أمي.
أريده أن يعش كما رغب، وكما تخيلته.
أريده أن يفهمني ولا يتخلى عني، حتى لا أتخلى انا عن نفسي.

أنتِ لا تعرفين شيئا عن الخوف.
كل مرة أقبلك وأغانيك المفضلة فى الخلفية أتساءل متى سأكره تلك الأغاني.
كل مرة تلتقي يدي بيدك أحاول تجنب النظر إلى لمعان طلاء أظافرك.
يطاردني  مشهد ما على القهوة ويكون اسمك ضمن قائمة المحظورات في كلام أصدقائي.
عندما ذهبنا لمتحف كفافيس لم يكن هناك سوانا.
كان ظهرك لكفافيس نفسه في شبابه.
فمي على فمك وعيني في عينه. لم أخف كالعادة. كنت اريد أن أسأله: إلى أين؟

تتذكرني فقط وأنت سكران.
تتصل
وتتصل.
 تشد قبضتك على عنق الكأس
 وتفلتها حين أجيب.
تطلب أن أنصت لمشاكلك، لبكائك،
أن أتغافل عن اختفائك هذه المرة
وأن آخذ حزنك وأخبزه للفقراء
فينتهي.
كنت تقص عليّ حكاية لم أصدقها لكنها أعجبتني:
 أن اسمي نوع من أنواع الخمر في بلاد فارس، كل من يتذوقه يبكي بلا سبب،
وأن للمياه ذاكرة.
الآن أفهم:
 أنت لا تتذكرني، الخمر يفعل.
كأن ليس لي وجود بعد ذوبان الثلج.
 كل الرجال السكارى
أهرب منهم، والنساء أيضا.
عندما أسمع طقطقة زجاجة نبيذ أجز على سناني،
 أغمض عيني
كأن أحدهم يفتح سحاب سترتي ليأخذ قلبي.
أي قلب هذا يتسع لخَبز كل هذه الاحزان؟
الآن
حيث الواقع بمرارته التي تعلق رائحتها في اللثة
ونحن لا نملك غير الآن
الوجود كله يحدث الآن
أضع أمامك المرآة لتعكس البحر من خلفك
أستطيع أن أغرقك حالا لكن المياه لها ذاكرة كما قلت
وأنا لا أريد لأحد أن يتذكرك.
سأتركك هكذا واعيا
 بما يدور من حولك.
واعيا بالبحر من أمامك والعدو – الذي هو أنا – خلفك.
لن تجد من يحشو لك سيجارة
أو من يضع لك البرتقال على الفودكا ويدعك تبلع المشهد.
لا شوبان في الخلفية،
لا إضاءة جيدة.
لا يوجد لوحات تؤنسك.
لست سكران ولا منتشيا.
أنت وحيد وعاجز.
هكذا أريدك
 ليس هناك ما هو أسوأ لك من ذلك.

ليلة أمس وجدتُ تعويذة للتخلص من طاقة الحبيب السابق:
ملح
شمعة
ماء مطر
ليلة مقمرة
روزماري
قلم وورقة.
الخطوات كالتالي:
كتابة اسم الحبيب السابق، ثم حرق الورقة مع الروزماري وإطفائهما بماء المطر، النوم بعد ذلك مع الابقاء على الشمعة داخل طبق محفوف بالملح.
أشك انني احتاج هذه التعويذة.
هل فعلا أصبحت حبيبا سابقا؟

رسائل من القلق:
أفتقدك،
هل انتهى كل شيء بيننا؟
عندما أراقبك هذه الأيام أشك في أننا أصلا كان هناك شيء بيننا.
أرجو الرد، لأني لا أستطيع الوصول إليك مهما حاولت.
هناك حاجز كبير يقف بيني وبينك، لماذا؟
 أراك من بعيد منطلقة وتسألين كثيرا عن أشياء طالما شغلتك وشغلت كتاباتك.
أعتقد انني لا أتمنى أن تكوني بخير
كلما كنت بخير كلما زادت المسافة بيننا.
 صديقك الذي لم يتركك أبدا.
القلق.

ليلة أمس في باحة المعهد الفرنسي
على كرسي أخضر، جسست فروة قطه.
بهذه الاعتيادية، هزمت خوفي.
أظن أن على المخرجين/القصاصين/الشعراء الذين يريدون الحكي عن بطل يهزم خوفه أن يجعلوا الحكاية/المشهد/القصيدة بهذه الاعتيادية، عادية لدرجة تجعل البطل نفسه يشك أنها فعلا المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك.

هناك توكيدات يجب أن تقال كل يوم قبل القهوة. حفنة جمل تبدو بديهية للبعض: أنا أحب نفسي، أنا أدعم نفسي، أنا أثق في قدراتي، الكون دائما بجانبي… تلك الكلمات تحفر مجري جديدا فى العقل اللاواعي لتساعد على التخلص من: أنت فاشلة، أنت لا تستحقين الحب، إلخ… تلك التي قيلت من زمن أو ربما قلناها لأنفسنا.
التوكيدات الصباحية طبعا أنقذتني، إن سألتني،
خصوصا تلك التي تقول: “كل يوم أخرج من منطقة راحتي، لأنى أجد الراحة الحقيقية فى البيئات المتغيرة والأشياء الجديدة.”
انعكست تلك الجملة على شرب كوب قهوة واحد فقط. أصلي صلاة الفجر والعصر لأنهما من أوقاتي المفضلة، أجلس على الجهة اليمنى من الكنبة بجانب الشباك حتى أبتلع نور الشمس. أرسم ما أود كتابته ثم أقطع ما رسمته وأحرقه مع المرمرية وورق اللورا وأكتب اسمي واسم أمي على جبهتي ثم أبكي وأنا احتضنني وأردد: “كل شيء سيكون بخير. أنا على الطريق الصحيح.”

كدودة قز
أعيش
وأمارس عملي.
أتشرنق
أصوم
أموت أو أكون فراشة.
.
كدودة قز باحتمالية
أن أنتج حرير في علبة كبريت بنصف جنيه
أو على شجرة توت أبيض.
.
وبين هذه الاحتمالات
إصبع ولد شقي
هُمس له
“افتحها دعنا نرى ما بالداخل”
.
كدودة قز
 ادعوا الله
أن يبعد عني أصابع
 الفضوليين، التجريبيين والحمقى
 كي أحقق أي احتمال:
أن أنتج حريرا في علبة كبريت بنصف جنيه
أو على شجرة توت أبيض
أو أن أطير.
.
كدودة قز
مصابة بالقلق
أفكر ماذا لو أصبحت فراشة
ومت!
يأخذونني لمعامل التحليل
 يثبتني الطلبة بإبر فوق مستطيل من بقايا الخشب المكبوس
“الفراشات بأربعة أجنحة لا اثنين؟”
.
لكن يحدث  واذكر نفسي أنني لو مت لن أشعر بأي وخز
 أنني ما زلت دودة قز
من الممكن أن أموت قبل أن أصل لطور الفراشة
وأتحلل قبل العبث بي.
.
لكني أخاف وأنا وسط أمثالي
أشعر أنني على المسرح، بلا نص ولا دور.
أخاف أن يكتشف أحدهم أنني لست مثلهم.
(أعرف بالسليقة ما على فعله.)
أخاف أن يتهمني أحد بأنني لست على الفطرة.
أخاف أن يقول لي أحد إنني غير حقيقية،
لست دودة قز،
دخيلة/جاسوسة/ذبابة
أقلد سليقتهم.
 أبحث
عن ورق البرتقال والتوت.
أنتظر
 في صمت وخشوع
 أن أتحول بالسليقة إلى فراشة.
لكني أشك
أني سأعرف كيف أطير.