حازم يحيى: كتاب اللاوهج

Kiki Smith, “Etc., Etc.”, 1999. Source: moma.org

(١)
تضيئني أفكار مرعبة
وأخرى عشوائية
لأجل هذا أعير المستحيل معنى
وأتداخل في الليل
ربما تنحدر اللحظات أحجارًا على صدري
وربما يضطجع زمني على حافة ملساء
لكن يظل الثبات دائمًا مشهدي الخيالي
فأسير كمرأى ليلي لمن أحب
أرمي يقيني على أعتاب ظلام وخطوط ضوء
وأبحث عن موضع مستو
فيأتي الفعل وحيدًا
وكل زادي هذيان ليل وخطوة عرجاء
أنقل ثقل الروح إلى وجوه الغرابة من حولي
اللحظات في حجري
وفوق ظهري أرطال أيام مهشمة
أقف شريدًا أمام نفس لم أرها من قبل نفسي
أمام عيون لا ترى أبعد من الحاجة
والحاجة عذاب من لا يرى في الشيء غير الحطام
كنت أود لو رميت يقيني دون حاجة
لأن زمني ينقضي وفي وقع الخطوة رقصة
وأنا مهدوم أعرج في ركام الأسى،
في لحظة فقدتها وفي لحظة أخرى معادة
وربما يقين ممتزج ببقايا عقل وسهود،
أو سؤال عن مآلات الأفعال الكبرى
كأن تنحدر الأحجار في ميل مدبب
وتسقط الخيالات كسنون حادة في متاهات من الخلق والتقليد
كان علي أن أقف قبل أن يُخيل لي الذهاب دون عودة
لكن هل من حيلة أمام هذيانات الليل وخطوة عرجاء؟
انزلقت في الفعل
والفعل هوى بي مع من هوى من البعيد
ثم أخذت أترقب لحظة مستحيلة
(٢)
جسدي صفحة قمحية، يغويني بأن أرسم الحروف، أجري وراءها أحررها بعيني من وهم التعلق. كنت كلما محوت بعضها أخط كلمة وكلامًا للا مبالاة، وأجدني منزويًا في غرف الليل أمام حائط وحيد. ما تزال الكلمات تتواطأ في عقلي السجين كلمسات عزلة ونهود أخطو عليها في دفقة الكلمات المراقة على بياض. جسدي مموه على خيالات الظلال. كنت قد تركته يمتلئ سنين وعافيته شهورًا وحيدًا كأنه ثقل في الروح، والوحدة التي كنت أزدريها كانت كلمات غير مبالية مرسومة منذ الأزل على ظهر جسدي. جسدي لغة بليغة، وربما خيالات تغوي من يبحث في الليل عن مثيله.
(٣)
ربما السؤال دفء ولا يصدر عن جهالة. في القاع وحيدًا أغوص كلما وضعني التساؤل في مرمى الحيرة، ما الذي حدث؟ الزمن ينساب في ويمدد جسدًا من لحظات الماضي، من منبت الشعر حتى آخر نقطة في عنقي، كوشم وثني ملتو يبهت كلما مشيت. وكلما امتدت خطوط وجهي في خطوات قليلة لتسابق الزمن، السؤال جرح صغير ترتقه أرجلي المتعبة. واللحظات هي إرث السهو عن الماضي. أنظف رئتيي دائمًا بمحلول ملح، لأن الدخان والكلمات لا ينفصلان، ولأني أخاف أيضًا جلطات آخر العمر. لكن السؤال كان بابًا خلفه ألف باب. رددته حين مللت، ثم أوليته ظهرى واختنقت.
(٤)
كل ما ورثته من حلم وغضب يضحكني، وكل تأرجح ذائب بين خيال متموج وواقع حاد يبكيني. ما الذي يبقى عند الذكرى؟ وما الذي يثنيني عن السقوط سوى شيء لن أجده أو ألم أفقده كنهاية معلقة في خيط حول عنقي. كل شيء يعود كارتطامة مدوية في الروح. كلمات تلسع ولحظة فقدت فيها الألم ليعضني الندم فورًا. كأن أقود تجربة بطريقة مغايرة، أجرب القسوة مرة أخرى، أبحث في قاع الحب عن مؤونة، عن ذات تخبو في سبيل أخرى، وكلما اقتربت من السطح، أفيق من سكرة التعلق وبقايا الأمس، وقشعريرة تدغدغ أحلامي البعيدة تُحاول أن تكون أصل الفعل وكل فعل. كان حلمي رمادًا يحُف المحاور الرئيسية، وأنا طريق داسته أقدام محبة. كل شيء كان ملائمًا كي أغضب وأنسى كل ما قد كان، لكني امتنعت كامتناع النار عن الهشيم لأنني كنت أحتضر حين تعلمت الحب، كنت أحتضر وفي قلبي رفق.
(٥)
سيأتي واقعٌ آخر مهتديًا بوقع الهواء على جسدي، أسير إليه بثقل يلَوحُ لي من بعيد. أمام وقت يذوب لا أتجاوز ولا تمر الذكرى كمرور عابر فوق أحداث من حجر. تغيم أفكار داخلي كأنها مجدولة في حبل من الوقائع. كل واقع رفيق، رفيق خفيف، وسرعان ما يضل كل منا طريقه. كان الحب، وكان التعثر بديلًا جيدًا كقطع في جبهة الرأس. وكان الواقع ينقش الخوف في قلبي. كل ما تركني وأنا حجر لن يكتفي بتركي أبدًا. كان الفعل قديمًا يأتي بردة فعل، الآن المشي لم يعد كافيًا وعقلي الذي يطير وراء السذاجات أينما كانت ما عاد يستوعب خفة الجنون وثقل الفكرة. اللحظة مفقودة للأبد، كنكزة في كتف المحب، ونظرة فقط، بيضاء وشفيفة وربما لا شيء سواها.
(٦)
حاضري يقتل البوح في النهار
ثم يعود حرفًا في عمق الليل،
فراغًا أبيض تحت ضوء خافت
كبسطة حلم تقلق الواقع والأوجاع
كأن يستخف بالألم
بلفتات بسيطة ورؤى
لأن مأساته هي لمحة وصمت منسي
لأنه غياب يقتات على الذكرى
غياب يصنعني ويُنهيني
بمسحة زر
(٧)
كنت أنا مَن يصيد لحظاته على حرف البحر، ويرمي ما تبقى من عقله وينتظر. أما هو، فأودعتْه الرياح جموحها ويخفق قلبه كلما رمى بصره إلى المدى. عاد ليؤمن من جديد. كان الإيمان تركه أول مرة مغبونًا، وحين عاد إليه بعد تيه سنوات لم يكترث بالاعتقاد بقدر اهتمامه بمدى خطوة واحدة في المجهول وبحر واسع يبلع تجديفات حياة مقلوبة. كان يرمي صيده للمياه وينادي في أضعف صوت يمكن سماعه: هل يخرج الغريق؟ وكنت أنادمه عن بعد: لا. وأسأل: هل يُدفن الأمل داخلي؟ ثم أقول في نفسي: غير معقول. وصدى يتردد في، يعيد سرد الحكاية؛ رائحة صبغة محروقة في منبت البياض، وحس فريد للغياب لحظة القرب، وألفة هائمة في البُعد. كان الحب مزجًا حزينًا من الغياب والوحشة. كان الحب حرفًا وحيدًا، وبعيدًا جدًا، كنت كلما خططته رسمت طريقًا لا يمشي فيه أحد وبضع حصوات تقرقع في أذني وهذا أيضًا غير معقول.
(٨)
الكلمات تتالى داخلي، تشتعل وتخبو كما الصحراء في غرب موحش
لا ضير
الكلمات لا تزال تخدعني والبداية
كيف لي أن أعرف وكل ما أراه أمامي هو سيرة الانتهاء؟
البداية عشرة أصابع ترعش
سكون يلفه ضباب
وأنا في آخر الليل أدنس العادة بكلمات ساذجة عن الحياة
والنهاية أمشي بها
أزهو بها أمام مرآة بفانلة بيضاء تُحدد خطوط صدري وشعر أشعث كتاج مغبر
وقد مللت والله صورة الشعراء في المرايا
بينما يدٌ إلهية تعبث داخلي
وتتسارع الدقات في كتفي الأيسر
وتخرجُ من جوفي شهقة
تلفُظُ اسمي.
(٩)
في الكلمة رأيت وجهًا يفقد بريقه على مهل، وفي الحرف يدٌ مهتزة تمسح جبينًا منطفئًا. فردتُ صفحة التراب وطويت صفحة الكلمات. خزنت اختلاجات الوجه النائم في ثنايا عقلي، وفعلت ما حسبت أني قد أتحمله؛ أمسكت الدموع والكلمات والحروف. أم أني رأيت الخطأ صوابًا فجأة فلذت بالكلمة التي لن يسمعها أو يقرؤها أحد. كأن ليس ثمة خطأ ولا ثمة صواب. إنما هي هاوية وظنون، يهوي المرء ولا مهرب من دفعة أو إفاقة، يعلم حينها أن الكلمات لا تضيع سدى وإن كانت تنطفئ حيوات. وما فقدته في بياض شفيف لا أراني فيه أبعد من كوني شريدًا غلبه الشك فراح يلزم حارة ضيقة على اليمين. فسقطت في ضباب ما كتبت، كنت يدًا مستقرة في نهاية ووجهًا يفقد بريقه إلى الأبد، وربما كلمات هائمة انتمت لي.
(١٠)
نظرتي متعبة بين الناس والقضبان، بين مسارات تتقاطع وصدأ يغلف قلبي، فأنتظر محمومًا. حقيبتي فيها قصاصات من حكايات الحزن والحسن، وعلبة سجائر. ثمة عجوز يسب الفراغ أمامه لا لشيء محدد، غير أن الفراغ كان اجتياحًا يزلزل المرء في هموم وأنفاس متعبة. تغيم السماء فوق رأس امرأة تحمل ثقل عيشها، لكنها لا تفعل شيئًا غير أن تبتسم. القطار يهدر من بعيد بأفراح اللقيا في عيون الانتظار فأنتظر، لعل الكلمات الدفينة تخرج في فرار اللحظات المنسحبة على الوجوه، وامرأة أخرى تهمس في أذني بأن أفكر بها طوال العمر. أدور حول نفسي نصف دورة وألاحقها مستغربًا:  أنا؟ وتفوتني بعيون ملأها السؤال. وحين أعجز عن أن أفصح عما في داخلي أو أن أفهم أن الخيال لا يقود دائمًا إلى ما أريد أجد في يدي حبة ملوكي، كانت قد وضعتها في لمسة. فتتساقط الكلمات داخلي كطعنات.
(١١)
كنت أرص الكلمات، واحدة تلو الأخرى. أصنع فهرسًا ذاتيًا لعل الغموض الذي يغمرني يجد طريقة أخرى للتعبير غير منبت اللحظة المفقودة. هكذا وجدت الراحة في عمل طويل، أنسج خيوطًا واقعية حول اسفنج الروح. أتحرى وقع الشمس على معصمي وشعيراته. وتصيبني اختلاجات الهواء بقشعريرة. كان الحضور نيئًا رغم وقعه القوي في روحي. الحاسة التي تحرس فراشي أثناء النوم شعرت بوحشة الانفصال عن الجسد. كيف لشريط طويل من الحب أن يكرر نفس الأمل الخائب دون ملل؟ كيف يكون للضحكات المعادة نفس الوقع؟ كيف نسجت خيوط واقعية نفس الألم الخيالي؟ كنت أرص الكلمات وأبحث عن معني وهكذا تعثرت دون أي تواطؤ مسبق إلى أصل يكفي لأن يشركني مع شريد بعيد، لا أعرفه، لكنه ربما يفهمني. وكان الضياع، يا الله! كأنه بحر واسع، ومداه شهقات أنفاسي. الضياع لم يكن كلمة. الضياع كان وجهة مقصودة، كي أضرب أقدامي في أرض جديدة دائمًا. الضياع هو حرف وحيد بالنسبة لي، أفزع أن أخطه إلى الآن.
(١٢)
البهوت يأكل مشهدي. يعتريه شيء من غموض. وكنت أفتح عيني بإتساع مدى محدود. أسهو في الحاجة وما زاد يقيني إلا في سهو فوق الحاجة. يوقفني أحيانًا رجحان الصواب على الخطأ، فأثني الليل داخل جيب صغير وأرى تشويش الكلمات سرابًا. أردت لسعي أن يطول لأن مشيَّ مسكن ألم وحزن، فعل مضاد يخترق الأرض في كل اتجاه قبل أن يوقفه إحساس وذكرى حب. أجد أسى الموت غامضًا، كأنه يبعث الفرح بدل الأحزان. يعني أني كنت صبيًا يستكشف حدود اللذة في أحضان أمه، ومراهقًا يلف صخب مدينة ساهية على معصمه. لا يمنعه الصواب أبدًا من أن يكون ندًا. حتى أني كنت ندًا لأبي في الغرام. كنت طريحًا على سطح الماء، وعلى فراش الحب. أبحث في سقف يعلوني عن أنفاسي المقطوعة. ومشهدي لم يكتمل بهاؤه إلا حين حاولت كتابة هذا البَهت.
(١٣)
أصابع قدمي كأنها أحجار، ما الذي تغير؟ الألم يعصف بالنهايات العصبية. وحبيبتي تنظر ساهمة إلى مستقبل غير واعد. ربما لو كنت وصفت لها في كلمات مهندمة نعومة جسدها ويديها الرقيقتين ما كانت صارت الأحجار همي الوحيد. تطبع العادة الهروب دائمًا، والوداع كان لقاء تلاقت فيه عيوننا. الدموع تمرين جيد لإذابة الحزن، والوقوف على أطراف الأصابع اختبار لقياس مدى الإصابة. اه لو تعرف يا طبيبي أن ألمي أبدي، أحمل طويته في جيناتي الوراثية. أما أحزاني فلا أريد أن يعزفها أحد، يكفي أن أتأبط الصبر وأقبض يدي، لأن أحزان الصباح هي نفسها أحزان الليل، غير أن الأولى بداية وأنا لا أحب البدايات والثانية ليست لها نهاية وأنا أعشق النهايات.
(١٤)
كنت المسعى الحثيث في أروقة بلا غرف، وكنت قد أبصرت المدى مليًا حتى تجهمت من هول محاولاتي تجنب الحقائق. اليوم يبدأ رتيبًا، ثم يمضي في سقطات التذكر ومرأى البؤس متجسدًا على تراب الوجوه. أردت أن أفعل شيئًا ونسيته، وعادتي كانت أن أقتل الرغبة قبل أن يشقيني الحنين. لكن قدمي كانتا تعرفان الخطوات التي يجب علي قطعها، لذلك لم أجفل من الصوت ولا الصورة. تركت نفسي مع تيار الناس الهادر في الحياة. أبحث عن فعل، على أنه لن يأتي أبدًا لينقذني من ثقل عيون ترى في الحدث شيئًا مغايرًا لواقعه. سخرتُ من أن أكون هدفًا سهلاً أو لقمة سائغة، وكونت إجابات مختصرة لكل أحجية تطرق باب عقلي. تفكرت كيف أكون متعاليًا هكذا؟ تركتني قناعاتي خاليًا حتى من الأوهام. لا أعلم ما قد صرت إليه، أنا تراب لأن ما في جعبتي كثير وإن كنت خاليًا حتى من الفعل. الحلم مصارحة علنية تبحث عن غرفة. الكل انسحب من الكل، وأنا لازلت عالقًا في نفسي. أنا في أزمة حقيقية. أُغلقت الطرق. وأصبحت رواقًا سيء التهوية.
(١٥)
كنتُ بيتًا
وأنت الشارع
كنتُ رسالة منتصف الليل
وأنت
كنتُ
وأنت
كنت مشاءً أعبئ عقلي من الأيام البعيدة
أنا المشي وحيدًا في عمق الليل
رائحة الهواء البارد
ورسالة إلى منتصف الليل
رسالة عن ثقل الصورة ووحشة الصوت وتأثيرات متمازجة
الكلاب البلدية تستنبح الظلام بعيون نورانية
كان الصوت نافذًا في نفسي
كيف رأيت ما رأيت وتمتمت متيقنًا أن هذا بالضبط ما حدث؟
كيف هو اللون الخمري،
وتغير لون الجلد على ظهر اليدين بفعل الشمس؟
كيف هي الذاكرة وكيف الحزن؟
أحمل رياحًا شديدة
بقعًا من ماء المطر
أسفلتًا يلمع
مرآة رقيقة من دموع
يدين ثلجيتين
لماذا أفعل بنفسي كل هذا؟
أسناني تصطك من هول البرودة
لكني أقرر وأحزم أمري بألا تصطك
أمشي كالعادة التي خلفتني وحيدًا في طرقات منتصف الليل
أوحشتني الرائحة
اللمسات الطرية
والنظرات التي كانت لجبل يتهاوى
بحيرة الهواء الشديد هذه أعادتني يافعًا
كما نخرت عظامي من الأثر
كل شيء يأتي متأخرًا
لكني في مكاني، لهذا لا يبدو أن شيئًا يفوتني أبدًا
البيوت الصغيرة ما عادت صغيرة
بقع الأخضر لها رائحة المخلفات العضوية
كعب رجلي يؤلمني، أذاب الصيدلي كيسًا من المسحوق في نصف كوب ماء وشربته
ذهب الألم وبقى الهواء ينخر عظامي
وبقيت أقيس دقة الكلمات على اليافطات
وأتابع المشي
أتابع ما رأيته في حياتي ولم أتعجب من حدوثه
ولكني أتعجب الآن من زوال الألم
أتعجب حتى لا يفوتني أي شيء
(١٦)
أنا ككل رجل يفكر في قوته
ولست ككل الرجال حين أفكر في ضعفي
لا أؤمن بالشكوى لغير الله
لكن عيني تفضحانني ولا أجد غير الحرج رفيقًا لي
لا أؤمن بالحب، لهذا أحاول حب كل شيء
يأتي الحب متأخرًا
لكنه يأتي قبل الموت عادة
لأن هذا الركض لا يُجدي نفعًا
الأقوال لا تشبه الأفعال
والفجوات التي تتسع لا يَجبرها غير الجروح
الجروح المفتوحة التي لا تصير ندبات
التي تجعلني أنظر إليها طويلًا
كالنظر في هاوية
تلمع فيها من العمق صفحة ماء قاتمة
وتظل تلمع كلما أطلت فيها النظر
فيقع شيء لم يكن ليقع أبدًا لولا أنه وقع
كانت النهاية بعيدة
بينما أتطلع إلى إطار الزمن الذي فقدته
إلى البعيد الذي كنت أراه قريبًا
وأقول في نفسي:
شيء فيّ عطب.
(١٧)
ظهري لا تسوطه الآلام الحارقة بقدر ما تشقيه الكلمات، ودائمًا مساء جميل، ودائمًا أحاول أن أكتب. لكن المحاولة تفشل في المسافة الفاصلة بين الفكرة والفعل، فيمتزج الكل في الكل؛ خيط إحباطات من أيام متفرقة، نكات، وذكريات هزلية لأحداث مهملة. التشاؤم يضرب ضربة موجعة أخرى، فتتكوم الضربات على الوجه. أقف على تتابع منطقي لما يحدث، وأعرف أن لا مكان حيثما وليت وجهي للعزاءات المؤسفة. إما أن تكون أو لا تكون، وقد احترت كثيرًا في وجوه الناس واخترت منذ البداية ألا أكون. جعلني هذا أقل تحفظًا على المعنى وأكثر عرضة للضربات. التشاؤم وهو يصنع سياقًا أكثر قابلية لصياغة مقبولة، أو حتى نصف مقبولة، لا ينسى ضربات الأوهام. إذا كانت الأفكار تهاجمني بين لحظة وأخرى، وتلك الهوة التي اتسعت في صدري فجأة لتستوعب هذا الكم الهائل من الدخان، فهذا لأنني كففت عن تتبعها. ما هي الحقيقة القادرة بالفعل على إيقاف ضربات الأوهام لتغريني بالنهايات؟ أصبحت أكثر ميلا لترك الأمور غير مكتملة وفي مسايرتي للأشياء صرت عدمًا وحقيقة خفية تلوذ بمسامات الليل. وفي الليل دائمًا جمال ما وظهري يؤلمني فيلهمني بضع كلمات.
(في شارع ما)
تغير المكان كثيرًا، الألفة تبدلت، يصير المرء إلى ما يعرفه كأنه غلالة تراب معلقة في أعلى رأسه. كنا غائرين في القدم وأنا أبحث وسط الضباب عن رصيف ودكة كنت ألوذ بها فترة من العمر وساعات من اليوم وكل ليل. أنا في الشارع أمشي كما يمشي من حولي إلى وجهة مقصودة، أو هكذا تبدو الأمور حين تلغى حدودًا فُرضت ثم تتعثر في أفعال عشوائية لتجد أن الطريق التي تمضي بها هي مضي دون وجهة. لكن الذي علقني بحبل الأمل أخذ مني طريقًا محددة وتركني أتعلق بغلالة تراب تُسقط شجنًا كريهًا حيث الصباح صخب والتنفس أزمة والحزن والضحك والمشاعر كلها طافحة ليس لها قرار. الآن لا شيء، فقط أرى الأتوبيس العام المتهالك يبتلع قامات هامدة.
(١٩)
كلماتها القليلة كانت ترسم قيامة أنيقة حيث اثنان وصوت. اثنان في فراغ حميم، وصوت في أذني يتهجى الوجود كله. أشاهد مرور الزمن من شرفتي وأفكر في موت  يسوق الحياة دومًا في دوامات من الحنين، وربما أفكر في حياة لا تعول على أي شيء غير الانتظار. مأساة صغيرة تلك التي ورثتها بالدم، حب البقاء في مقابل حب الفناء. أو رمق أخير لعطر يصارع الفراغ وهو يموت داخلي وأنا أحدق من لذة نهايته. الهواء البارد يلفح الفكرة، والفكرة تصارع العدم كتمزيق الهوية التي أكلها الدود. وخزات ونكزات والضوء في عينيها ينال مني ما قد ينالنا في وداع يليق بلقاء أخير. الضربات تتالى مجددًا على الوجه. ولا أظن أني وصلت لشيء، ليس بعد. لكن البرودة مثالية لقضاء الليل في المحاولة. والمؤكد أن الكلمات محصورة تنتظر أن أكمل أمرًا واحدًا حتى النهاية كي تتسع الهوة أكبر لأقع في بئر عميق من الكلمات والدخان، ربما أصل إلى شيء وأنساها.
(٢٠)
من كان يتقوقع على شعلة تخبو كان يحسب بدقة درجة لون النهار. حقيقته الحزينة غرست أقدامه في أماكن بعيدة. وفجيعة الفراق نهاية، يغمض جفن ثقيل. كان فضولي أن أعرف الأرض أكثر في لونها واستوائها وتعرجاتها اللا نهائية، كنت أبسط جسدي عليها كاملاً فأعرفني أكثر فأكثر. عندما فرد أبي الخرائط، لم تكن الجغرافيا بأكثر من ذكريات تلتمع في عينيه؛ الأطراف أول ما يبتر، والمركز هو حرارة اللقاءات التي تتركنا في أسئلة وأحجيات. هل استطعت أن تقلص جسدك إلى حد يثنيك الحلم داخل الحلم وتسهد من أيام ليس بعدها أيام. لا تلتقط المعنى، ولا تحاجك الوقائع بعد مرورها، لأن الأسرة ما عادت أسرة، والبيت لفظ أنفاسه على طرقات الجحيم اليومي. كان فضولي أرضًا غير الزمن الذي أذاقني معنى الذكرى. والبحر كان مناجاة. الانكفاء يخلق دفئًا حزينًا، وأي بداية هي خداع ينتظر لحظة فاصلة بين ذهابين دون عودة. يظل المرء يذهب إلى أقصى حدود خوفه ولا ينسى حبه المستحيل. والفراق كان مزجًا حقيقيًا لهدوء وصمت منسي. مزج بين نقيضين يتحدان كي ينهيا مأساة.
(٢١)
في لون البرونز كان، وبعد سنة كان كرسيه ملفوحًا بأثر الغياب. ماذا يمكن أن يحدث الآن دون أثر من الماضي؟ الخسارة التي أعدتها مشيت بها الطريق والبحر والليل. ولست أدري أينبش خيالي قلقًا مجردًا من العادة والاعتياد، أم أني جُردت من الواقع والظلال؟ خواء مسائه كان يهاب معنى واضحًا لوجود أفضى لامتلاء عذب، بينما الناس كانوا يضحكون أمامنا في الطريق حين تملأ عيونهم الدموع. يسبون قروحًا تغطي أرجلهم، ويحدقون في النهايات والعيون العابرة. هكذا كنت أعبر معه شوارع المدينة، جيئة وذهابًا، أعبر الحاجة في عيون معذبة بسكرة البدايات. ويعبر هو جسر النهايات القلقة. وحين يتركنا الليل حيارى أمام خوف مجرد وآمال مركبة. كان الجنون يتمثل واقعًا أليمًا، كان الجنون طفلًا باكيًا يجر وراءه التاريخ في خيط رفيع. وكعاشقين وسط جنون مزهو ببساطة الحياة كنا ننتشي من أثر الحديث؛ يبكي من شيء لا يعرفه، وأنا مثله أضحك. تعلو ضحكاتنا مع مرور القطار الصارخ وتنتهي فجأة كالتماع الدموع في المآقي الحزينة… نقتل العادة، نربي الشوق ودغدغة النغمات والكلمات في الأمسيات. كان البحر ليلًا والليل طريقًا والطريق خسارة تحيلني إلى بداية عبرتها وأثر الماضي خواء. هكذا فكرت، في الذي كان يبكيه؟ في الذي كان يُضحكني؟ ولكني تفكرت وعرفت: كيف تركني الجنون مزهوًا ببساطة الحياة على مقعد خال، لأحترف بعده الغناء الليلي؟
(٢٢)
باتت المطارح خيالًا، والجمال مُر على قولة رامبو. ما يدريك أن وحدتي شاردة  في رواح بين الخلود والفناء؟ في ليل يمر به الخوف في رقرقة الجسد قبل استيفاء نهايته، تطل النظرات على ما كانت تصبو إليه، والصوت يأتي من مكان بعيد في القلب. أكثر ما يلوم هو خلود لا يشبه الحياة، وأكثر ما يحث هو فناء يشبه الخيال، فناء أمشي إليه ويقره الليل، وحين يباعدني يصبح الخيال مرًا، ولا يعدو الجمال جمالًا. هكذا ترسم الحياة خطًا لا يستقيم أبدًا إلا عبر زمن أحدب يمرر العادة والفقد. ومطارحي نظرات أو أصوات توحي بالدفء. ودفء القلب هو موت لا يشبه أي موت، كدفء كلمات خالدة، ألا يكون الدفء نهاية أبدًا؟
في صدري هواء بارد وفي جسدى دماء حارة، والجمال هو موت آخر. على قدر مرارته يتلاشى بعض الخوف.
(٢٣)
من ينهى الصخب الذي يعتمل داخلي ويثبت جذور الفعل؟ لولا الفعل ما كانت الخسارات تنهي وقع الهمسات. من يعاتب الوحدة على وحشة الأيام؟ لولا وقعي الخفيف ليلًا كهمسة، لكان لى شأن آخر في صخب النهار. كنت لأقيم في مقار أبراج أراقب حدسي الساهي وأثير أنواء البحر.
من يجمع الحكايات ويرفعها إلى السماء؟ ومن ينهي الألم ويبتسم في وجه الله؟ أكان الحب واحدًا أم متعددًا؟ من ذا يقوم من رقدة طويلة ليجد يومه طنينًا مزعجًا؟ هل كل نهاية خسارة عزفتها قديمًا؟ أم أنني فقط أنعي صخب الفعل والشاعر الذي وجدته في كل شيء؟ ما يهم حين يشعر المرء بوحدته قادمة من جذور أرضه؟ هل تلضم حكاية مع حكاية، ليسمع صوتًا يخرج من وليف حكايات طالما عشقه يقول:
لا تفزع…. لا يدوم الخوف.
(٢٤)
لكن هذه أرض خوف
هنا ما من خبرة تفيد
مسار كل تخريب مرسوم على كل حائط
صرير عجلات الترام وجهة ما
تقودني شوارع لامعة
وهواء يتشكل في الباحة الواسعة للميناء
ضمنت شيئًا واهيًا بشيء أصيل
ارتبطت بالشكل المرسوم أمام عيني رجل كنته
ورحت أرى الجمال بعيون مطفأة
في أرض كهذه
لا يسع المرء غير أن يتهاوى في المعنى
يردد الكلمة ليجرب وقعها وأثرها
يرى التجربة ولا يخوض غمارها
وبأعذار واهية
كنا نسمع وشيش كلمات
ونمشي في جوار الظلام
طرأ شيء منذ القدم لا أستطيع شرحه جيدًا
لأن جبهة الحب دائمًا ناصعة
لها ذلك الاتساع الذي يوحي بومضة بعيدة،
بل لها اتساع ساحة سوق
وأنا نديم الخاسر
أختلق كتفًا خيالية أستند على فقدانها
وأحب نعل هذه الأرض
حيث وطئتها قدمان
وقلبان معشوقان
(٢٥)
ليس عالمًا كاملًا ما أصبغه على نفسي،
لأن التأدب ليس مكرًا يتقنع به وجه الإيماءات المريحة
كلما كان الموصوف واضحًا، كلما تلاشى السحر أسرع،
لذلك أترك الكلمات تجف
وأتجهم في وجه الجمال
وأترك الرياح تعصف بحلمي.
في أرض جديدة أخلق روحًا قديمة كانت لي
لا أكره من لا أحب،
أجعل فقط الأمور في بساطة جسد للتو غادرته الحياة.
(ما الذي يدفعني لهذا؟)
كان المشي خيالي، يحض من شطحات الغرف والأروقة المغلقة. حواسي لا تدرك غير الصور الواقعية، وعقلي سياقات ومقدار غياب الواقع في المشهد. هو إذن عقلي ينسج مخيلة – ليست ناقصة أو ملفقة ولكنها مدعية في الكثير مما فيها – غير واعية. هذه المخيلة تواطؤات تذوب في اللغة، أو في حاضنة أكثر حساسية من نوازع اللغة. تذوب في المعنى الغائب وفي فعل يجزع من عوده وعلي دائمًا أن أجد مبررًا موضوعيًا له. لهذا أجزع من شرح واستفاضة الإبداع، حيث الكل يهرب من واقعيته المشذبة إلى واقعية جديدة متشظية، إلى تجريب، إلى ما لم يُسمّ بعد، إلى جحيم دانتي وفردوسه كما العهود المكتوبة. لا أسأل عن الإبداع. ولا يخدعني الخيال أبدًا ولا صوره الواقعية الملفقة، لكني أسأل عن مشي، ومشي من يحاذيني في الشارع، حيث العيون نشوانة في العوالم المترامية. دانتي مشى فذهب إلى أقصى حدود خوفه وأمانه. أما الذي يمشي في الأدب فكأنه حفر مكان رجليه اسطوانتين طويلتين ثم غرس رجليه فيهما للأبد، غرس نفسه في سحر العلامات والتعاقابات الفارغة من التجربة. وكان المشي حركة دائبة تسطع فيها الكلمات والأشعار. يموت حب فتحيا ذكراه، يغادر نبي فيجىء عارف لا تخدعه الحبكة. والدنيا مشاء تُبهره إصرارات البشر على الحياة والموت. أكان مشي واقعًا أم خيالًا محضًا؟
هناك من يقول أتصور كي يقطع الطريق على أي يقين، وهناك من يقول أتصور على سبيل التأدب في الحكي. هل اختبر يقينُنا سعةَ صدورنا؟ هل دلت النهايات على ما كانت تتوق إليه أرواحنا؟ الحمل على الكتف سقط، والثقل المحسوس تناهى إلى خفة محسوسة أيضًا، لا زالت تلازمني. وكل ما سقط كان وهمًا أفضى إلى وهم آخر. وقع الأوراق وهي تُقطع محبب إلي. مدى البحر في تدرج اللون محبب إلي. رائحة اليود ومركبات الدوكو تثيرانني حتى الآن. لم يسقط شيء أبدًا. يدٌ على يد، جلدُ على جلد. وأتصور أنها مازالت الأيام تحكي قصة عادية، ووهمي يصير يقينًا إذا ما اقترب الموت.
.
ما الذي يدفعني لهذا؟
أعني أن أبحث عن مادة القصائد وأقتفي الشعر في الأقوال والكلمات. ذات مساء حميم، ووسط العيال الذين أقضي معهم أوقاتًا منتظمة وأنا مستلق على ظهري على الجانب الأيمن من الصالة الواسعة، جمعتني لحظات أثيرية مع خيال أحدهم. كنت في تلك الأيام خارج علاقة لم تنته. أسرح كثيرًا في سيناريوهات من خيال يهذي بملامات وانتقامات وصور تأسرني في عذوبة الصوت الذي كان ووقع نهايات حروفها. على أن ما جمعني مع صاحبي هذا لم يكن ليُفَسَّر برباط التفاهم، فكثيرًا ما كنا نصطدم حول لا شيء، كنت أراه أعمى يمشي وسط القطيع يلتقط فتات الحسنة، وهو يراني الأرعن صاحب الرأي المنفلت من عقال المنطق. الحديث  كان مقتصرًا، لا يتطور حتى يسقط كلانا في الصمت والسهو المتعمد. وقليلًا ما كنا نتفق على أشياء تافهة من باب حفظ سير الليلة من المنغصات والمشادات التي لا طائل منها. حتى كان هذا المساء؛ عندما مرر لي كوب الدخان وهو يعلم أن جيوبي الأنفية ما عادت تحتمل الدخان وأثره. قال لي وأنا أشير له بيدي أن لا، ماذا ترى قبل دخولك في النوم مباشرة؟ وأردف واصلًا سؤاله، أنا أرى صديقتي السابقة ممسكة بيد رجل لا أميز منه شيئًا، فالصورة ضبابية، ولكني أرى بوضوح علامة قميصه الطائرة في شمال صدره الزرقاء، ولا أعرف لون القميص، لم أتبينه جيدًا، على أنه قد يكون أبيض أو في لون السماء الفاتح. ويدها مشتبكة في يده. في كثير من الأحيان، أراني أنا هذا الرجل لأني أرى يدها المشتبكة بوضوح، ولي قميص أبيض بنفس علامة الطائر على الشمال. وفي أحيان أخرى أتسائل كيف أني قد نسيتها حقًا، وتخترق خيالي قبل نومي مباشرة بهذه الصورة. لا أعرف ماذا أقول، لكني لا أتحمل أن يكون هذا الرجل أحدًا غيري. ثم أنهى تدفق صورته: لا أريد أن أرى هذه الصورة مجددًا. وكنت أثناء كلامه أسقط في أبعاد صورته، وقد امتدت يدي في غضون ذلك بتلقائية لتأخذ الكوب من يده فأسحب الدخان من فمي بهدوء وأنفثه ساعلًا سعلات متقطعة، وبين كل سعلة وأخرى أرى يدي مشبكة في يدها وأرى الطائر الأزرق يحلق في سماء صالتنا الواسعة دورة كاملة قبل أن يهبط صاغرًا من أبعاد ثلاث ليستقر على صدري الشِمال. لم يكن يعلم صاحبي أني أنا هذا الرجل، ولكني كنت أعلم أن ذلك الطائر مستقر الآن على صدر ثالث لنا، يضطجع على الكنبة ثانيًا رجليه. عزائي أن أولنا قد نسي فجاءته الرؤية. أما أنا فلا أُرى. وثالثنا كان يصمت عنا، تعذبه معرفتي وغياب منطق أولنا. وكنت أنا الشاعر بينهما، لا أمزج الفعل بالفعل حتى لا تهرب مني القصيدة. كنت أحمل الشظف، أتحمله، أحاورهما، حتى وإن وهن صوتي وامتلأت بالرثاء. لأني أكتب عنا، أدافع عنا. لكن لا وهج في عيوننا.
.
لأني أكتب عنا، أدافع عنا، لكن لا وهج في عيوننا – سعدي يوسف
.
ما الذي يدفعني لهذا؟
هل لأني أريد لحبي أن يدوم
وإن كنت ألاحق الغروب كل يوم دون يأس
أن أذهب بعيدًا خاليًا
إلا من أنفاس عميقة
وكلمات حقيقة.
أريد للكلمات أن تبقى
وإن كنت عابثًا أو مهلسًا
لم يكن بيدى حيلة أذكى
لتشي الكلمات بما أخفاه قلبي
فقط أرى الصدق الناجي الوحيد
الذي يدفعني أن أعكف وحيدًا
أمام حيوات تصطك بدهشتها
وخلفي البحر.
.
ما الذي يدفعني لهذا؟
هل لأني أريد البحر
ورائحته
أريد أمي
والتماعة عينيها
أريد أبي
وجنونه الطفولي
لأستحضر الشعر
ألمس الكلمات
لأحب. أُدني الوجود كله
لماذا أراني غريبًا؟
وأري كل ما عداي وقد اكتست نظرته
واقع الآلام
هل يحب الحب فوق حبه؟
أم أن الكراهية لا شيء بعدها
أتكون فلسفة الأمور مجدية في الحياة؟
.
ما الذي يدفعني لهذا؟
أريد لطعم المرارة في حلقي أن يدوم
لأن حلاوة البعد أوهنت عقلي
فينبض قلبي
ولا أقول شعرًا.
(زُهد)
أطالع السماء
وأتعجب من علو تصنعه عينان
أحدق في البحر
وأسهو في رقدة محتملة
النظرات معزية
حيث ليل يمرح وحيدًا وزاهدًا
ينتشي من برودة
ومن شمس تُسقط يومًا جديدًا على أكتافي
كأن كل ما جرى في الحياة
كان لأعدو إلى غرفتي لألاحق الأفكار
أنظم أشعارًا في منتصف الليل
والألم نقطة منسية في جسدي
(يا فتاة)
ما يكون صعبًا فهو سهل في نفسي
تشعرين بالحرج عندما تندلق الرؤى على أرضك
وأرى غموضك ينساب رقيقًا
وراء صوت وملمس بعيد
أو أن أفكارًا قد تصل حد الهذيان
تنسكب من نظرات حادة في الفراغ
تغيرات الوجه وحركات اليد المستفهمة عما يدور
ما لم تعيشيه عشته وأنتِ تروين الذكريات
كأن كل نظرة ذكرى
وكل ذكرى حياة
لأني مثلك أرض تنبسط في راحة يدك
حين أشتاق وأنسى الخيانات
أو أرض لا تعانق السماء إلا عبر نظرة
أو لا ترى الأعراض البادية خطرًا يحدق في هاوية
لكنها كانت تقول دائمًا لا شيء… لا شيء.
كنت ماشيًا، كعادة ورثتها من أبي، أضرب قدمي دون وجهة محددة، لتأخذني الطريق وما يدور فيها حيث شاءت، أن أنتبه إلى حركات يدي المستفهمة،
كنت أتدارك فعلتي سريعًا وأقول لستِ وحدك يا فتاة
كنتُ أعي كلامي مع النفس على أنه سرحان طبيعي، ينبغي أن أكبح وصاله لحفظ صورتي أمام من يراني في الطريق وأمام نفسي بصفة خاصة. حين تحدثت معها عن أعراضي لم تبال، قالت إنها فضفضة الوقت اللازمة لوصل الأرض بالسماء، أو كلام ناقص عن صورة امحت
قد خانتها الذكرى
وكان لابد من جسد يحفظ تغيرات الزمن
وأرض تحفظ وقع الأقدام
لإكمالها،
لأن من تركونا قد طاروا
ونحن، يا حبيبي، لا نطير
إذا ما خانتنا الأحلام.
(دوام عمل)
عمل
هل لإنارة الطريق معنى؟ تقترب المحطة، مكاني يخترق الزمن ورأسي تميل. تصطك رأسي بأعمدة الإنارة. عمود بعده عمود. كأن الضربة خطفة سريعة لا تلبث أن تتكرر في سرعة منعشة. وشيء أبعد من الوجع يزايلني. كأن الوجع أقل حدة من خيالي المحبوس. كأن الوجع رأس تميل في عزم وتحد عامدة العمود نفسه. أعمدة يفصل كل واحد منها عن التالي عدة أمتار. نصفي الأسفل في الترام، ونصفي الأعلى خارج الترام، ورأسي تميل. الهواء بارد كمسكن لحظي للوجع البادي، مسكن لحظي للحظات فرت في حلم فتمثلت واقعًا ثم ألمًا يجتر الابتسامات والضحكات، لكن ليس مسكنًا لما يدور في الرأس الموجوع. الليل إنارة برتقالية مغبشة. البيت قريب، المقهى قريب. رأسي تميل، وكل شيء بدا قريبًا في البُعد. جائع أنا لمزيد من المشي و سنوات مضت رأيت فيها كل شيء. الشوارع رفيعة يبلعها شارع أعرض، والشارع الأعرض يبلعه البحر، وأيامي مخفية في جيب خلفي، مخفية في قصاصات مكتوبة منذ الصغر، وأخاف أن يحرقها السأم. يقف الترام في محطة النزول، كأن البيت قريب والمقهى لا يبعد أكثر من فركة كعب. رأسي كبر ليستوعب ورم الضربات، صرت رأسًا ضخمة ترى الشارع وما حولها مغبشًا. تطرق انفجارات أفكاري. نعم قد رأيت كل شيء، ولكني رأيت كل شيء من زاوية محددة، الآن ورأسي مائلة، وفي حجم أكبر من حجمها الطبيعي أرى الانفجارات تزلزل ما يدور حولي، وكل ما حولي ساكن. الألم يتراجع رويدًا رويدًا. رأيت نفسي على زجاج عاكس في الشارع كهلًا. رأيت ترابًا صار أسفلتًا فجأة تطأه قدمي في ذهول. قُطر خطواتي يتصاغر. لابد وأنني طعنت في السن، ولابد وأنني أرى الأسى لذيذًا، كما أراه في العبء الذي يحمله الرجال وهم يأخذون إرث أيامهم إلى القبور. الليل ينسحب رويدًا رويدًا. رأسي على وسادة تتحسس مواضع الضربات، وجسدي متعب في بيت مهدوم. العمل ينادي اليوم من جديد. رأسي موجوع وجسدي مهترئ الأوصال وما أراه في الصباح هو امتثال الألم.
.
عمل
الشمس وهج على الجلد
والعرق ينداح في أزمة
السؤال لم يكن غرضًا
إنما كان وجودًا يبحث عن معنى
الشمس تجد الأرض
وأنا أجد يدي
أجد ملمسًا خشنًا
لجرح منحوت
وظهر محني
الطريق التي تبلعني يوميًا في جوفها
إذ كنت في الليل عائدًا
لا زالت في جوف اللحظات التي نثرتها
توحي بوجود
نقطة ملونة في ظلام تموهه أضواء
وأنا سؤال تعقبه نظرة
ثم حنان قديم تبتعثه الحاجة
هدهدة الليل عائدة بعزلتي
لأن كل شيء داخلي
وكل شيء خارجي هو أمل يشقى
ووحدتي تعرف نهايتها من تلقاء نفسها
والوهج في الليل لا يزال يعتمل على جلدي
ليسطع من عيني
.
عمل
يخاف من النهار، حيث يمتلئ نهاره عيونًا مترقبة. لا يألف غير أماكن قليلة وبيت. ما عرفه في الصغر بحدس بريء كان حقيقة يتحايل عليها بالتجربة. لذلك حين أُغلق أمامه أول باب خبطته ذكرى حنان قديم تحذره من صدمات خاطفة لن يشعر بدُنُوّها حتي يهرب. حذرته ألا يخالف الأعراف إذا أسلمته الحياة لنضال تحت رايات خفاقة. كانت تمسك يده وترسم بأناملها الرفيعة خطوطًا رقيقة في باطن كفه، كانت تشفق عليه لأن الضربات فعلا موجعة والحب مقبور وسط زهور متربة وذاهلة. لكنه لم يتراجع، وكانت مأساته هي قلة حذره من التجربة. وحيث تسارعت الصدمات وأغلقت الأبواب، بابًا خلفه باب، لم يفقد رباطة جأشه، وإن كان قد فقد أمانه. لكنه دون الخوف وما تفعله الأيام في جسد يختبر الصدمات حاول أن يكتب. وكان في الليل يقف أمام المرآة عاريًا وفي يده شذرات مما كتب، وفي النهار يقف في هندام كامل أمام مقبرة ذاهلًا من حب مقبور.
.
عمل
هذه الطريق غير آمنة
ينقلب الأفق في محاولة لتغيير النمط الرتيب للعمل
فتنقلب الأيام الشبيهة بدوام محدد
أمام آلة وممرات بنور أبيض
أمام مكاتب وحيز وهمي من الملكية
إلى خيال فقير يبكي احتياجًا فريدًا
لأن يحبو على أربع ويقول لا
لكن الحادثة التي تسد الأفق زحامًا
ترجئ الخيال إلى وقت آخر
.
عمل
نجلس في علبة مغلقة. النور أبيض. كل شيء جلي وواضح، قسمات الوجوه جلية كأنها تبث جمالاً حزينًا، حتى أن الصمت كان ليصوغ سياقًا خفيًا يجب أن يؤخذ على محمل الجد. العمل في مواجهة الصدى الداخلي للنفس لا يكون إلا سكوتًا في المقام الأول، ثم تظاهرًا بأن كل شيء عادي وطبيعي إلى حد يصير فيه التفوه بأي شيء مجرد مبالغة لا تضيف شيئًا. هذا عدا أسئلة بإجابات محددة تكفي لأن تحدث انفجارًا في الوقت كأن شيئًا لم يكن. تتشكل الحوادث دائمًا على إثر لحظات قادمة أشد سوادًا وأشد غموضًا. يفهمها المرء على أن ما من شيء في الحياة يفي بوعده غير العزلة التي تصنعها الخبرة بالموجودات. العمل من هذه الناحية ينقض المعرفة التي اكتسبتها في عزلتي، وتغريني المواجهة دائمًا على الشروع في محاولات الدفاع. لكنْ أي دفاع هذا الذي يوقف السيل المندفع من لذة وجنون وتحكم؟ هل قيمة الشيء في تحققه أم أن التحقق هو اتباع أعمى يستجدي تقديرًا لا قيمة له؟ في محاولات الدفاع فقدت بهاء الشارع المحبب إلى قلبي، فقدت الليل في قصور ذاتي لا يضيف شيئًا غير عمل خاسر ووقت ضائع، كأن الليل ما عاد يستوعبني بكل الشجن الذي أعبئ منه قدر ما أمشي. أصبحت الغرف المغلقة مأوى ووجودًا لمن فقد نفسه في عراء الكلمات ضائعًا. أمسيت قدرًا من الحزن لا يقوى على المشي ولا على المكوث مجردًا حتى من المبالغة في الغرف المغلقة.
.
عمل
ضللت طريق العمل عن قصد، تخيلت أن البيت صار ركامًا، والركام كان أمس. البارحة مثلًا خرجت تحت وطأة الحاجة لأن أصبح آخر. تركني البيت كأنه لن يرجع. تركني الزمن في ضوء أصفر خافت صاغرًا. قطعت المسافة المعتادة إلى المحطة في برد ليلي قارس. كانت تصيبني موجات البرودة في تعاقبات متتالية، حتى أني شعرت بألم ينتصف رأسي ما لبث أن صار تنميلًا خفيفًا ثم دغدغة. أصخت السمع كي أتبين عواء القطار، لم أسمع غير ضوضاء الروح وهي تتخذ أكثر مخاوفي دليلًا على وجودي. لمعت جبهتي وتساقط عنها الذهول. قامة معتدلة البنية تركب القطار ليلًا لتسترد معنى غائبًا تحت ركام المكان وطبقات الزمن. جلست أحدق في الأرض. في كل عين غائبة وجدت عيني وفي كل عين ذاهلة وجدت معنى مماثلِا لخوف يشبه خوفي. يخترق الزمن خيالي في سرعة جنونية وأنا معلق في جانب قطار أتفادى أغصانًا وورقات شجر متربة، فكرة جيدة أن تستدعي ذلك المجهول الذي كان يلوح لك في أفق بعيد خلف غيوم رمادية. لكنها ذكرى حزينة أيضًا أن تشعر بأن كل ما قد كان له معنى قد ذاب في سديم الرحيل. الآن أذهب لأعود. اليوم يمر في عقب اليوم. وأعرف أنه وسط تلك السهولة التي تبدو عليها الأمور دائمًا ما تحيا مأساة.
.
عمل
حين يكون التنازل حقيقيًا تندفع دفقة لأعلى، ضغطة رفيقة في مسار مضاد للألم. الصورة تنسحب من أبعاد سحيقة في القدم، لأن كل حادث تمثلته تمثله من كان قبلي يخط الكلمات وهو لا يبالي إلا بلحظة وحيدة صادقة. تتشوش الرؤية ويهبط الظلام، يا له من فزع. التحولات الكبرى لم تعد تصيبني بالوهن، ثم تتعثر الرؤى في الضوء، يكون ظلاميون وأصحاب ظل وأصحاب ضوء. لا يدري المرء أنى يذهب لكنه يظل يذهب، يخرج من ظلام إلى ظل يلاحق الأفكار. تدمي قلبه ذكرى حب، وتدمي يده صخور حادة كان حسبها حفنة تراب ربما تذروها الريح عن يده. يوقف سيل الأفكار بدافع من الحذر، ثم يخرج من الظل إلى الضوء أو هكذا كان يحسب. لكنه سرعان ما يصاب بالذعر، الفراغ هنا كاف لأن ينال من شيء حبيس داخلي. الضوء لا يقدم إلا عريًا فاضحًا، ماذا على الأشياء لو فقدت نفسها في ضوء أبدى؟ كيف لها أن تبدي استياءها في ظل قد يرقد أسفل منها؟ كيف تعلن سعادتها الزائفة وحزنها الغائم؟ لا مفر من الظل وسيطًا بين حياة خاملة وحياة زائفة. وفي قرار أليم تمثلت كل مقدماته، انسلخت من الصورة كأن يدين حانيتين تدفعانني برفقة عمر مديد إلى ما لم أحسبه أبدًا. هكذا رحلت.
(حكاية عن الظلام)
جررت رجلي موليًا ظهري للظلام
لكن أي ظلام؟
فظلام أمامي وظلام تحتي وظلام فوقي
كنت قد سمعت ضحكات تجلجل
بحثت عن الصوت
رأيت امرأة تلمع من بعيد
رمشت عيناي من الألق لحظة
واختفت في لمح سادر
انطلقت خلف الصوت والظلام
بحثت عنها وكأني أعتذر
لكني سمعت الضحكات المجلجلة تقترب
كأنها تخرج من حناجر ثخينة الرقاب
حينها توقفت رجلي عن العمل
من فراغ انشق خرجت المرأة تضوي،
وفي فراغ آخر انشق من هول المفاجأة
دخلته كأنها تبكي
تلألأ الظلام في نور ممطر خافت
لكن ألقها استمر يزين الفراغ
تمهلت
تعثرت في لقيا القدر
جررت رجلي بعيدًا عما أرى وأسمع
قلت لنفسي، يا رجل لا تلقي بالًا للأوهام
ما من خبرة تفيد في ذلك
وتظاهرت بأن لا معنى لما أردته دائمًا
لكن طرأ تغير أخير
عندما انشق الفراغ عن جوقة رجال تبكي
تخلع ما عليها من ملابس
وتهلل ناظرة إلى شيء لا أراه
أحدهم قتل الملك حين فقد زمام الأمر
وآخر قتلته امرأة عاشقة
وآخر تهلل بركود الحياة الماضية
خمنت أن المرأة سبب كل هذا
وإلا لماذا بكت ثم اختفت؟
وسرعان ما ظهر ألق قوي
ابتلع الجوقة والأصوات
ثم ساد الظلام
صار الألق بقعًا كثيفة صغيرة
ثم صار جسدًا
ثم صار الجسد ترابًا
وذهلت
تطيرت
ثم قلت: يا رجل أهذه حيوات عاشت وماتت؟
هل أخلع ملابسي استعدادًا للموت؟
قلت: يا رجل هل من معنى أبدًا؟
أن أجر رجلي دائمًا
أمشي غي نفس الشوارع وأبحث عن ضوء
فأجدني أذكر النهاية دائمًا،
نهاية كل شئ
لكني هُجرت، وهذه ليست مأساة في حد ذاتها
هناك تغير قلب حياتي منذ الأمس
والأمس نقطة في قلبي تنغز
حزينة هي كلمة لم تلفظ
ونظرة ما كانت تحيد
ما بدأ التغير حتى أصبح نمطًا حزينًا
أقيس به دقة الغروب والامتزاج
ومدى غرابة الكلمات وهي تخرج مني ساهية
صرت أتلفظ بكلمات نابية وأخرى تائهة لا سياق لها
أحفظ وداعة صدري كمحاولة أخيرة لأكون ظلامًا
كي لا تمور بحور الأمل
بعادية أكثر من عادية الألم واعتياده.