تالا العيسى: التمرّغ بوحل الذات هروباً من زوابع الآخرين

Alexey Terenin. Source: sorenronan.com

“شو اسمك؟” سألتني وهي تنظر إلي باستهجان.
“تالا العيسى”، أجبت بتوتر.
“تالا، تالا، تالا، مش إنتِ حاصلة على منحة كاملة؟”
أكملتْ بجملة تغيب عن ذهني الآن ولكن بما معناه ولماذا تكتبين عن هذا الأمر؟ ما علاقتك به؟ مالك وماله؟
كان قد طُلب منّا أن نكتب تقريراً لمادة الصحافة الاستقصائية نتقصى فيه موضوعاً من اختيارنا يخص مجتمع الجامعة. اختارني الموضوع قبل أن اختاره. فعلى مرأى ومسمع الجميع تعالت أصوات الطلبة وهم يهتفون تنديداً برفع رسوم التسجيل مطالبين بالإضراب والرجوع عن القرار.
قررتُ أن أبحث في الأمر، فمن حقّنا كطلبة أن نواجه إدارة الجامعة خاصة وأنها تزعم أنها مؤسسة غير هادفة للربح. تُضحكني عبارة “غير هادفة للربح” ويضحكني أكثر أنهم هم أنفسهم – أي غير الهادفين للربح – يصدقونها ويعيشون الكذبة غاضين البصر عن عشرات آلاف الدولارات التي تدخل حساباتهم كعلاوات ومرتبات شهريّة. فالمرتبات نسبة لهم، مهما بلغت قيمتها، تبقى مرتبات مُستحقة بعرق الجبين. والمرتب مضاد الربح وكل ما هو مضاد للربح يريح الضمير ويُيسر النوم ويعزز من اللغط المشروع بين غير الهادفين للربح والأم تيريزا.
المهم، رغم نيتي الصافية، وصدقَ من قال “ملعون أبو النيّة – شو جايينا منها؟”، إلا أنني بدأت العمل على التحقيق من حيث كان المفترض أن أنتهي. قادني اندفاعي المتهوّر وجهلي بالبروتوكول الصحافي أن أقذف بنفسي إلى وكر المشكلة قبل أن أروّضها أو أسلّح نفسي أمامها.
قصدتُ مكتب الإدارة أستفسر عن قرار رفع الرسوم لتقابلني ردة الفعل تلك معايرةً اهتمامي بأمر لا يعنيني ومذكرةً إياي بعشرات المرات التي هرعتُ فيها للمدافعة عن مظلوم ما ليسألني أحد الأصدقاء – المفري قلبهم – “مين عيّنك محامي؟”
كم كنت ساذجة لأعتقد أن المساءلة تأتي دون تقديم قرابين. أن تكون ببساطة أن أسأل سؤالاً منطقيّاً ومشروعاً أحصل مقابله على إجابة منطقية وصريحة. كان بدّي فت خبز!
إذاً كان اهتمامي في غير مكانه، أو هذا ما حاولت الإدارة أن تقوله لي آمرةً أن أعيده إلى مكانه حيث ينعم متلقو المنح بالدولارات وكروم المانحين المتدلية فوق شفاهنا. تصويب موقعيّتي بهذا الشكل أتى محملاً بالكثير من المعاني والمشاعر المختلطة.
لم أتلقاها بصريح العبارة ولكن فكرة أني “الأكثر حظاً” كانت كافية لأن أصيغ امتيازي ضمن معادلة سببية ينتج عنها خوف وارتباك باقي الطلبة. فجأة أصبحتُ أنا أحد أسباب المشكلة.
والشعور بالذنب لا يأتي فارغ اليدين بل غالباً ما يصاحبه شعور آخر دفاعي يحاول تبريري كمهتم وإيجاد متهم بديل نُلقي الملامة عليه. “لستِ أنتِ السبب في المشكلة”، أرد على ضميري المؤنب. “على الأقل ملعقتك الذهبية مأجورة أما هم فمعالقهم خُلقت معهم، لا ضير أن يخسروها الآن. لن يموتوا من الجوع. في أسوأ الأحوال سيتركون الجامعة ويذهبون إلى جامعة أخرى. لا داعي لكل هذه الدراما”.
في الحقيقة لم تتغير موقعيتي فقط من كوني طالبة عادية تريد أن تعرف الحقيقة إلى طالبة محظوظة تزايد على من هم أقل حظاً، ولكن تغيرت كذلك من كوني مواجِهة إلى مُواجَهة. دخلت مكتب الإدارة بهدف مساءلة المسؤولين، خرجت وأنا أسائل نفسي.
وللأسف منذ ذلك الحين ولوقت طويل لم تنقطع الأسئلة منّي وعني وإلي وكأنها رماحاً حولّت الريح مساراتها المتوّجهة نحو الكون الفسيح إلى مسارات ضيقة بالكاد تشق طريقها بين الأوردة والشرايين؛ مسارات أنا الكون فيها، السائل والمسؤول.
نجحتْ الإدارة بتغريبي عن القضية وخلق فجوات لا نهائية بيني وبين الطلبة الآخرين ما جعلني أشعر بالنفاق لمجرد اقترابي من الموضوع أي اقتراب، ناهيك عن الكتابة عنه.
أمر آخر ألهمني ألا أكتب عن الحراك الطلابي؛ جملة قالها أحد أساتذة الصحافة تحت أنفاسه مفادها أن الموضوعية ليست سوى أداة تُستخدم لتضليل الحقيقة. أعجبتني ثوريتها وأعجبتني جرأته غير المعتادة. فها هو يضرب بعرض الحائط ما استغرقنا سنتين كاملتين لدراسته. كان هادئاً، خجولاً، ينقصه الكثير من الكاريزما. نادراً ما استمع إليه الحاضرون، باستثنائي. ولكن يبدو أنني استمعت أكثر مما وجب. آمنت واقتنعت. كرهت الموضوعية واعتبرت كتابتي عن قضايا لست متأثرة بها بشكل مباشر تعدياً على حق أصحاب الشأن بالتعبير عن أنفسهم. لا أريد أن أكون وصية ولا أريد أن أزايد على تجارب غيري، والأهم من كل ذلك، من عيّني محامية من الأساس؟
هل تذكرون ذلك التمرين الممل الذي كان يطلب منا ونحن لا نزال أطفالاً سذج، أن نرسم دوائر حول الفوارق بين الصورتين، والذي أوشكنا بسببه أن نصاب بالعمى أو التوحد؟ أصبح هذا التمرين فلتر أعاين من خلاله الأمور فتكاثرت الفروقات واحترفتُ رسم الدوائر كأنني فرجار. لم تعد الفروقات مجرد اختلافات بل تناقضات فجة يجب الاحتراز منها والتعامل معها بصوابية سياسية تضمن حق المظلومين. هكذا بدت لي الحياة: ظالم ومظلوم. إن لم تكن مظلوماً فأنت الظالم.
مارستُ الصحافة وكتبتُ عن فئات عديدة لا أنتمي لها بالضرورة، ولكن بقي ذلك الشعور بالاغتراب والذنب يلاحقني على الدوام: من أنا لأكتب عن بدون الكويت وأنا أتمتع بجنسية وحرية الحركة؟ كيف لي أن أُعبّر عن مشاكل الأرامل وأنا ما زلت عزباء؟ كيف لي أن أسير بمسيرة تدين قتل النساء وأنا ليس لديّ أب أو أخ أو زوج يحدون من استقلاليتي؟
أما ما زاد الطين بلّة كان قراري أن أكمل دراستي في مجال الأنثروبولوجيا حيث تعلّمنا عن الماضي المعيب لهذا المجال الاستعماري وقرأنا اعتذارات وانتقادات أكثر ممّا فهمنا ما هو من الأساس. فأتى إدوارد سعيد ليعزّز الشرخ بين “الأنا” و”الآخر”. ساويتُ نفسي بهؤلاء المستشرقين الذين أتوا إلى بلادنا ليدرسوا “رجعيّتنا” إما في سبيل التحقير أو التقديس. أليست الصحافة مرادفاً مستتراً لهذا الاستشراق؟ نكتب عن “الآخر” بـ”موضوعية” ونعطي أنفسنا الأحقيّة أن نُسقط أحكاماً قيميّة نفني معظم حياتنا نجادل أنها الحقيقة وليست أحكاماً قيميّة؟
رغم تراكم المؤشرات التي أقنعتني بالابتعاد عن “الآخر”، كانت تسقط مني سهواً بعض النزوات. ذات يوم غضبتُ من التعليقات الذكورية على صور النساء اللبنانيات وهنّ يتظاهرن، فعيّنتُ نفسي محامياً دون أن أدري وكتبت موشحاً فيسبوكيّاً ردّاً على شاب مصريّ لا أعرفه. أُحب مشاجرات الفيسبوك فهي نافذتي الوحيدة للشجار لأنني أجبن من أن أخوضها وجاهية. انتظرتُ رد الشاب وهيأتُ نفسي لجميع الاحتمالات إلا ذاك الذي حصل. ردّت فتاة لبنانية بأنها لبنانية! عادة ما يبدأ الردح بجملة استفتاحية تعلن للخصم أن المتحدث بحد ذاته وقدر جلاله هو صاحب الشأن: “على فكرة أنا لبنانية/مسيحي/امرأة”. ومن ثم أكملتْ بأنها لا تجد تعليق الشاب مزعجاً بل انعكاساً للود بين الشباب المصريين والفتيات اللبنانيات وأنني لا علاقة لي بالأمر لأنني لست لبنانية.
كانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير. فالجميع، بدءاً من إدارة الجامعة مروراً بأساتذة كثر وأصدقاء مفري قلبهم، انتهاء بهذه الفتاة الفيسبوكية يُجمعون بأنه علي أن أصمت.
فصمت. ووجدتُ لنفسي تصريفة أخرى؛ الكتابة الذاتية. كتابةٌ أمثل فيها نفسي ولا أحد سواي. توقعتُ أن يكون الأمر محررّاً ولكني وجدت أنفاساً عدة تطالب أن أعدل فيما بينها وأحرص على تمثيل كل منها. ولأن المظلوم هو وحده الذي يملك حق الكلام وجدتُني أظلمُ نفسي فدى الكتابة. أحا! أين أنتم يا أصدقائي؟ تتنمرون وتتنمرون ومن ثم تختفون وقت الحاجة. أريدكم أن تفروا قلبي من نفسي ومن هوسي ومن النيوليبرالية القاتلة التي أقنعتني أنني مهمة إلى هذا الحد وكأن العالم أجمع ينتظر آخر إصداراتي. ساعدوني أن أملّ من تحليلي وأن أستسلم أمام الكلمات. ساعدوني أن أراها نهراً متدفقاً أسري في مجاريه بدلاً من متاريس وقنابل موقوتة.
جرّبتُ الأدب مُحاوِلةً الهروب من كل ذلك التعقيد. أحببته. أعجبني أنني أصبحت أفكر مرتين فقط قبل أن أكتب أية كلمة. أعجبتني فرصة أن أخلق “آخر” متخيلاً، لي كامل الحرية في اختيار من يكون دون اعتبارات مسبقة. ولكن سرعان ما اكتشفتُ أن جميع الشخصيات كنت قد غربلتها بلا وعي من آخرين أعرفهم. “صبري” هو “باسم” لكن أطول وأرفع. “عبلة” هي خليط ما بين “ياسمين” و”ليلى”. “تالا” هي أنا ولكن أسذج وأجرأ.
ماذا إذاً؟ أعتقد أنني أسذج من تالا المُتخيلة. أمضيتُ سنين بطولها وأنا أحاول أن أحافظ على الفصل بين “الأنا” و”الآخر” لأجد الآخرين بعد كل ذلك العناء قابعين في داخلي وأجدني متشرذمة في جميع أصقاع الأرض. ليس ذلك فحسب، بل وجدت أيضاً أنني في الكثير من الأحيان أتسّق مع آخر ما أكثر من اتساقه مع الآخرين. هل هذه علامة ربانية أن أعتزل الكتابة؟ أم أنها بداية تصالح واكتشاف أن الاقتراب من الآخر لا يعني بالضرورة وصاية أو ومزايدة أو احتواء أو ركوب أمواج. أنّه يوجد ما هو أسمى من كل ذلك: التضامن!
“لا شيء”. هذا رد القائد الأمريكي مالكولم إكس على فتاة بيضاء سألته ذات يوم ماذا يمكنها أن تفعل لتساند السود وقضيتهم. بعد مرور سنين على تلك الحادثة يقول إكس في سيرته الشخصية إنه ندم على إجابته الباردة التي قتلت الكثير من النقاشات المحتملة. “أتمنى لو كنت أعرف اسمها أو رقمها حتى أُهاتفها وأقول لها  ما أقوله للبيض الصادقين اليوم… اعملوا بالتوازي معنا. ابحثوا عن البيض الصادقين مثلكم الذين يشعرون مثلكم وحاولوا معهم أن تغيروا معتقدات وتصرفات البيض العنصريين”.
يتسّع العالم لأكثر من ظالم ومظلوم ومن ذات وآخر. فهو أعقد من هذه الثنائيات. والتعقيد هنا لا يهدف إلى تمييع الصراعات أو التستّر على الظالمين – كما هو الحال في الكثير من الأحيان – بل إلى قراءة الواقع بطريقة مغايرة توّسع من مداركنا وتقاطعاتنا في مواجهة الظالمين. إذاً تعقيد ليس في سبيل التحييد بل التسييس.
حتى إدوارد سعيد أحد المتهمين الرئيسيين في ترهيبي من الآخر يقول في كتابه “الثقافة والإمبريالية” والذي كتبه بعد ١٥ عاماً من “الاستشراق”: “رغم أن التجربة الإنسانية تعتمد على جوهر ذاتي، إلا أنها في الوقت ذاته تجربة تاريخية قابلة للتأويل والتحليل وهي ليست حكراً على نظريات شمولية ولا تحدها سردية وطنية أو عقائدية”. أي كما أن الموضوعي ذاتي فالذاتي موضوعي كذلك وليس معصوماً من الخطأ أو المساءلة أو النقاش. الله يسامحك يا إدوارد، يعني لم تستطع أن تكتب هاتين الكلمتين في ذات الكتاب الذي صدعتنا به؟ كان يجب أن أكتشف كتابك الآخر بالصدفة بعد سنين؟
نحن بحاجة إلى بلورة أدوات تساعدنا على التمييز بين التضامن وكل ما يتنكر أنه كذلك. بين طبيب نسائي يقول للمريضة أن الحيض لا يؤلم إلى هذه الدرجة وبين رجال يسيرون خلف النساء في مسيرات احتجاجية. بين رئيس أمريكي يدعم الاتحاد القومي للأسلحة ويقرر رغم ذلك أن يقرأ أسماء أطفال أنهى السلاح حياتهم، وبين أهالٍ نجا أطفالهم من المذبحة يقفون إلى جانب أهالٍ لم يحالفهم الحظ. بين مُناصِرات يُسكتن النساء المعنفات خوفاً عليهن وبين صحفية مثل رشا عزب. ولا أعرف طبيعة الشتيمة التي استخدمتها رشا ولكني لو كنت مكانها لبدأت بـ”كول خرا” مع أن المصريين لا يقولون “كول خرا” وهو أمر يحزنني.
على سيرة الخراء نسيت أن أخبركم ما حلّ بتحقيقي الاستقصائي العظيم. بعد أن أصمتتني الإدارة قررتُ أن أكتب عن حمامات الجامعة. نعم الحمامات! عن نظافتها وعمليّتها وأمانها. بدا الموضوع مناسباً جداً وقتها لأنّ لا أحد يضاهيني بعدد المرات التي أزور بها الحمام في اليوم الواحد. “على فكرة أنا بخرا كتير ومثانتي كتير صغيرة”! هكذا حاولتُ أن أُخرس الإدارة ولكنها بدلاً من ذلك رفعت لي الإصبع وقالت “تالا، تالا، تالا، مش انت حاصلة على منحة كاملة وإحنا اللي مأمنينلك سقف فوقك وحمام تخري فيه؟”