محمد هاني: تحليق اضطراري

Coney Island Loop the Loop Roller Coaster Patent Poster. Source: allposters.com

من أين تقلع كوابيسنا؟ لماذا تصلنا؟ وإن صادفتنا في يقظة بعد غفلة، هل هناك رسالة يجب قراءتها؟ أم أنها نبوءة ذاتية التحقق؟
محاولا إجابة سؤال عن ماهية خوفي من المرتفعات، إن كان أثرًا ممتدًا لحادث، أم انعكاسًا لقلق دفين شق طريقه إلى سطح السلوك على هيئة هلع داخلي فصل صاحبه عن كل ما قد يجري حوله لو انتبه لموقفه والمسافة بينه وبين أرض مستقرة فوق هوة عميقة. ظل ترتيب الأحداث مخادعا، وتضاءلت ثقتي في الذاكرة، لكن شيئا واحدا استقر بأحلامي وهو تحديق الهاوية بي، وأحيانا إحكام قبضتها علي وابتلاع جسمي المنهار استسلاما بإحدى شرفتي منزل عائلتي.
بذاكرتي، استحوذت ساعة العصاري على ما كشفته الشرفة الأمامية، أو كما أطلق عليها “البحرية”. شرفة بالدور الخامس، تطل على مدخل عمارتنا وشارعنا الذي يرأسه كورنيش النيل. الرؤية تمتد بطول شارعنا ولمناطق مجاورة على الضفة المقابلة للنهر وبعض المعالم البعيدة، لكن يحجبها صف مبان مقابل ومواز لنا تخلله ممر بين عمارتين مقابلتين كشف عن أحد مباني الشارع الموازي. بين ممرات مماثلة وخلف أدوار متباينة، توغلت بقع شمس استعدت للغروب، خلقت تفاوتًا بلون البناية الواحدة، وتركت مجالًا لبعضنا للمشاركة ذلك الفاصل اليومي. منا من راقب حركة الشارع وناوش المارة من جيرانه، وآخر سرح يدفع دخانه لما ظهر له من أفق، وبضعة جمعتهم طيورهم وهوايتهم في استكثارها فأطلقوا أبواب غيات علقت بحوائط شرفاتهم أو أسست على أسطح بنايتهم انطلقت منها وإليها أسراب الحمام، وراقبتُ مداراتهم حتى أسمعتني صوت أجنحتها وظننت أنها في مرماي. وأحيانا صادفت طلة ساكني العمارة الواحدة أو دورين متجاورين لعمارتين متوازيتين، وأطالت فقرة التأمل بحوار جانبي قصير قلما احتوى أي مضمون يذكر.
تراكم التراب بتلك الشرفة مدى الشتاء خلف أبوابها المحكمة، وتناوبت أرجل أفراد المنزل عليها صيفا للاستمتاع بالموقع، والمراقبة، وكثيرا لتوصيل واستلام كل ما قد تستوعبه سلة الطلبات المحبلة. عندما كانت منفذًا لغرفة نومي أنا وأختي، كانت مجالا لتنشيط الهواء وتقليب ما تبقى من خمول الليل. غرفة ضيقة، تستوعب سريرين، بدلت أماكنهما بين تواز يقطع المسافة بين باب الغرفة وباب الشرفة، وتواز على يمين ويسار باب الشرفة مواجها لباب الغرفة. لم يكن بابًا حقيقيا، بل باب أكورديون سلكي مغطى بمشمع سميك، سدت نسخة أكبر منه حائط جانبي للغرفة فصل بينها وبين الصالون، ولم يحكم إغلاق أي منهما لعطل مشابه بقفلهما لا أذكر وقتا كانا ميسرين به. قرر والدي نقل غرفتنا للداخل، محل الشرفة الخلفية التي أطلقنا عليها “التراس”. لم يكن دخولي المرحلة الإعدادية واحتياجي للانفراد بغرفة هو الدافع، فقد انتقلنا أنا وأختي معًا إلى الداخل، لكنه الاستعداد المادي لتطوير ديكور المنزل ليصير واجهة مشرفة حين تتم زيارات المستقبل لخطبة أختي، ومساحة التراس الأكبر لاستيعابنا نحن الاثنين بأغراضنا. سورت واجهة التراس وميسرته بالألوميتال ودعم سقفه بطبقات من الخشب والبلاستيك والحديد. صارت غرفة بسريرين ودولابين ومكتب وباب أكورديون ثان أحدث يغلق ولا يوصد، بعد أن كانت ساحة للعب الصغار، وأحيانا الكبار، حيث ضمت سهرات لهم بها فقرات من لعب الكوتشينة ومتابعة مباريات هامة بصحبة منظر بانورامي لمسجد الحي وكنيسته ومن خلفهما برز برج القاهرة ودار الأوبرا وصالة النادي الأهلي المغطاة من منطقتهم. بقيت نافذتها الرئيسية منشرًا للغسيل، ونقطة اتصال بيني وبين بضعة أصدقاء بثلاثة مبان محيطة لنا، واحد مجاور واثنين بالشارع الخلفي، استخدم الأصدقاء شرفاتهم الخلفية لنجتمع في ذلك الفناء الخلفي المعلق.
احتفظت ذاكرتي ببرد شتاء الغرفة التعجيزي، والذي أبقانا تحت غطاء الفراش بينما أنجزت أمي ما كنا نحتاج إلى القيام لتدبيره، وبعض من رؤى حمى أرقدتني أسابيع تناوب خلالها أقارب للزيارة لا أذكرهم. نقل أساس الغرفة وخلع بابها الأكورديوني، اقتلع ورق حوائطها ولوحة بلاستيك مجسمة لميكي على إحدى جوانبها، اكتشفت حينها أنها لوحتان علتقا ببعضهما واستوعب التجسيم ثباتهما كل تلك السنوات.  تلاشى ما عدا ذلك من الذاكرة، حتى الأحلام، وبقيت الشرفة، زاد عليها سرير صغير بمحاذاة السور تمدد فوقه جدي في أيام الصيف مستمتعا بنسمات هربت من حر القواعد لأمتار عُليا. حاولت تقليده توفيرا لكهرباء المكيف، لكن للأسف لم أنجح مرة في الاستسلام للنوم. كنت واعيا طوال الوقت بما هو تحتي، وقاومت غفلتي كل مرة انتفاضة لحقتني من السقوط الحر خمسة أدوار، فرجعت إلى سريري ورطوبة المكيف عوضا.
وقفت أمام الشرفة، ساعة في النهار غامضة، اختفى بها ضجيج الشارع وحلت مكانه جمل من مسامرات الجيران، أسمعها بوضوح رغم المسافات. رقد الحمام بغيته، وارتفع هديله بأذني، حملته موجات ريح رقيق مسموعة غير مرئية ولا ملموسة. تلاعبت مواضع الشرفات المحيطة استجابة لعيني كلما وقعت على إحداهن، وتغيرت شرفتي بدورها وبدت ممتدة واصلة، يطول انحناءها الشارع وعرضها المبنى المقابل. أدركت قدرتي وقتها وبدأ دوار هواء سقف منطقتنا يحملني، أقلعت من الشرفة وبعد تأقلمي مع تيارات سماءنا التفتتُ أراقب منزلنا يبتعد، حتى تبدل المكان ونهاره، وخيم ليل حي بعيد لم أميز سوى أضواء أعمدة شوارعه.
تكررت زياراتي المعتادة للشرفة، وكلما اختليت برأسي انتظرت إشارة من اللامعقول، تغييرًا في المنظر يحل بي قدرتي الخارقة لأكرر تحليقي. استجاب اللاوعي أحيانا، وامتنع أحيانا، حتى طالت تلك اللحظات التي عصرت بها معطيات المشهد خوفا من إهدار فرصة التحرر من الحقيقة. واكتسبت بعض الأدوات المساعدة على اقتناص الفرص، مثل استرجاع ما أتى بي إلى هنا، وكون الغرفة المؤدية غرفة طفولتنا أم غرفة المعيشة، لكنها لم تكن كافية لأجزم بأي شيء ولم يكن هناك ما يدعو للثقة بذاكرتي. عندما تحققت من ذلك الشك، زاد قلقي وتمكن مني ومن الشرفة. اختلت جاذبيتها واستجبت لأرضها، حاولت إعادة التوازن لأطرافها بوزني لكنها لم تستقر، انحدرت مقدمتها ببطء نحو الشارع بينما تشبثت أطرافها بالغرفة. منعني رعبي من القفز للداخل أو محاولة التعلق على أقل تقدير، واستسلمت لأمل زائف بأن يظل الوضع على هو عليه حتى ينجدني أحدهم أو أطمئن قليلا وأفكر، لكن رؤيتي للقاع اتسعت واتضحت بالرغم من إعراضي عن النظر باتجاهه. أنقذتني الانتفاضة المعتادة، وأثقلت جسمي على فراش الغرفة القبلية. قررت حينها أن أتوقف عن تلك المغامرة وأضحي بنشوة الانفراد بسماء حيّنا، لكن الشرفة لم تستجب واستدعت مخاوفي بين الحين والآخر.
على ارتفاع اثنين وثلاثين مترا يتضائل حجم المراقبين لك من الأرض، تختفي ملامحهم وأصواتهم وتحاول حينها قراءة لغة جسدهم وحركتهم، أي شيء يؤكد أو ينفي محاولتهم طمأنتك عبر مكبر الصوت. تجاهد نفسك عن النظر إلى أسفل ويقهرك بحثك عن قشة نجاة تتشبث بها. يحيطك رعب من وجدوا أنفسهم معك في ذلك المأزق، وبرد شتاء صحراوي عاصف، وجهل تام بما تخبئه الدقائق وربما الساعات المقبلة. أحاول التماسك أو التصالح مع الظرف، أسترجع ما حدث وما أتى بي إلى هنا، كيف ليوم انتظرته، وتوسمنا جميعا فيه ما قد يصير ذكرى تحن لها أرواحنا كلما قُصت، أن يخرج عن كل التوقعات ويحفر في ذاكرتنا على هذا النحو في إحدى مدن الملاهي. توقفت بنا لعبة في أقصى ارتفاعها، وبينما تتأرجح العربة، التي سكنتها برفقة زميل، رفقا كأنها تحاول امتصاص غضب السماء، هاجت أفكاري على الرغم من تيبس وجهي وجسمي وأنا أنتظر يأسا أن توقظني انتفاضة هلع أو تنحل عقدة تلك اللعبة وأرجع إلى فراشي الدافئ بسلام.
أعلنت إدارة المدرسة عن رحلة إلى مدينة الملاهي المشار إليها لطلاب المرحلة الثانوية. تحمسنا جميعا وكل منا أخذ يرتب أولوياته. بعضنا طمع في قليل من الخمر أو غيره مما قد يضيف لنشوة المغامرة، بعضنا أراد الاختلاء بحبيبته، وتبقى من وجد في الرحلة فرصة للتقرب ممن أعجبه، وأغلبية سعت وراء مرح الألعاب وصراخ إثارتها. جمعتنا بضعة من أوتوبيسات المدرسة، وتحركنا باكرا واستمتعنا في الطريق بموسيقى كلفنا أحدنا بإعدادها. كان انفرادًا لمجموعتنا بذوق يهيئ لها مزاج اليوم، أما باقي الزملاء فلم ينتبهوا أو يمانعوا. قسمنا نفسنا إلى مجموعات، مثلت صداقات وأولويات مشابهة بشكل آلي فور وصولنا وانطلقت كل مجموعة وراء تحقيق توقعاتها لليوم.
استمتعت ومجموعتي بلعبة دوارة تنطلق تدريجيا أفقيا حتى تصل إلى سرعة فائقة وتدور بشكل رأسي. انتظرنا بقيتنا الذين لم يلحقوا بدورنا وركبوا الدور اللاحق، ثم اجتمعنا مرة أخرى وأخذنا جولة موسعة بالمكان حتى استقرينا ببقعة هادئة قرب مجموعة حدائق وشلال صناعي حيث ارتاح أغلبيتنا لإنهاء ما خبأناه من مخزون كحولي. رجعنا لنندمج مع زملائنا ونكمل اللعب بعد تدخين سجائر محفزة للشراب. قرب الظهر، كان معظمنا قد التحق بأفراد من مجموعة أخرى في طابور انتظار لعبة ذات شعبية وصف طويل من الجماهير. كنت سارحا متجنبا حدة الشمس لأنتبه على زعيق مألوف وتوتر خلق موجتين من خطوات المنتظرين حول مصدر القلق. بدا أن هناك سوء تفاهم حول ترتيب الطابور بين أحد زملاءنا وشاب غريب يكبرنا بعدة سنوات. ظهر بعض المصاحبين لذلك الشاب، وبدا فرق السن بيننا وبينهم جميعًا، وهو ربما ما شجعهم هذا على التمادي في حدة التلاسن. تدخلت أنا وأقرب أصدقائي، حاولنا تهدئة الموقف مبدئيا، استجاب زملاؤنا وتجاهلنا الطرف الآخر. تصاعدت حدة الغضب بشكل مفاجئ ليسب أحدهم زميلًا لنا ويرد الأخير الصاع صاعين. لم يترك لنا صديقي الأقرب فرصة للتفكير، غالبا بمفعول الكحول، وانقض على أطولهم ضربا بكل أطرافه. لثوان معدودة كل ما استطاع العملاق المنافس فعله كان استقبال القبضات والركلات، حتى شعر صاحبي باقتراب دور عدوه في الانقضاض فالتفت محاولا الهرب من موقفه الضيق بين سورين حديدين نظما الطابور. وقتها هجمت أدافع عنه وأساعده على استعادة موقفه ولحق بي باقي الزملاء في أطراف أخرى من المعركة. لم نلبث بعد دقيقة أو اثنتين من الالتحام الذي انفض لسبب لا نعلمه، لكن المسافة لحسن الحظ بعدت بين القوتين فاستغلينا الفرصة وغادرنا الموقع بحثا عن أمن المدينة لنقدم لهم أنفسنا بصورة الطرف الأضعف لحمايتنا. فعلى الرغم من انتصارنا في تلك الجولة، كنا على يقين من أنها معركة غير متكافئة، لا كما ولا كيفا. طالت رحلة البحث عن حماية وبدأ بعضنا في القلق. كنا مجموعتين تبحثان في اتجاهين مختلفين لكسب الوقت. عثر علينا اثنان من زملائنا وقد تمكن من ملامحهما الفزع. ركضا نحونا وأسرعنا ناحيتهما لما بدى عليهما. علا صوتهما ليبلغانا أن المجموعة الأخرى قد ضلت طريقها وحاصرتها مجموعة الشباب المقصودة قبل أن تصل إلى الأمن، وقام من بدأ الشجار الأول بضرب زميلنا صاحب الموقف ضربة نزف لها فمه. اندفعنا خلف الزميلين لوقع الحادثة دون اكتراث لعدم التكافؤ المعتبر سابقا، لكننا وجدنا الأمن قد سبقنا بصحبة أخصائي مدرستنا الاجتماعي، مشرف الرحلة، وقد قرروا الذهاب إلى أقرب قسم شرطة لتسوية النزاع قانونيا.
لازمت أنا وصديقي ومشرف رحلتنا زميلنا المصاب، وذهبنا جميعا بصحبة بعض الشهود من طرفي الواقعة لقسم قريب. كنت أنا وصديقي نشجع زميلنا على أخذ حقه من جهة، والمشرف يحثه على التنازل والتسامح من جهة مقابلة، بعد توسل مزيف من المعتدي وجماعته. ظل زميلنا يتردد بين الجهتين ونحن بانتظاره، يروح ويجيء لينقل لنا ما يدور على الجانب الآخر وفي الوقت نفسه يبحث عن سند أو تثبيت لموقف يستقر عليه. كلما انفرد به المشرف والطرف المهدّد داخل مكتب الشرطي المسؤول انتهزنا أنا وصديقي فرصة التدخين بعيدا عن أعين المشرف. انتهت المسألة عندما تمكن شعور بالذنب من زميلنا، وحرصا على مستقبل طرف النزاع الآخر قرر التنازل. ضاع وقت في الإجراءات اللازمة ثم وقت إضافي في حوار مطول بين زميلنا والشاب، حاول فيه الأخير صبغ التصالح بطابع أخوي يوحي بمحبة بعد عداوة. غادرنا مستائين أنا وصديقي، لكن عزاءنا كان انهاء تلك الفقرة المشؤومة ومحاولة الاستمتاع بما تبقى لنا من اليوم.
سابقنا الغروب في طريق العودة ورجعنا إلى باقي اليوم بعد أن حل المساء بالملاهي وتبدل حضوره. عدنا بحماس مبالغ فيه، واندفاع شجع من انتظرنا من الزملاء في اتباعنا. استغلينا فرصة شغور أماكن كافية لمجموعتنا في إحدى الألعاب الرئيسية المثيرة واستقلينا جناحًا كاملًا منها آملين في نشوة جمعية تردم ما بقي من أثر الانحراف السابق. هي لعبة أخطبوطية، لها أربعة أذرع، لكل ذراع سبعة عربات، تستوعب كل عربة اثنين من الركاب متراصين. تبدأ بدوران عربات كل ذراع بالتوازي مع دوران الأذرع، ثم ترتفع الأذرع تدريجيا حاملة ركابها على عمود مركزي حتى تصل إلى قمته على ارتفاع ذكرنا طوله. دارت العربات وزادت سرعتها، وتجاوزت التواءات الساعات السابقة بينما اخترقنا سماء المدينة. علت صرخات بعض الراكبات من بين الزميلات والغريبات خوفا وفرحا، وانتظمت عندما حلّقنا بضع دقائق في القمة. تفاوتت سرعات الدورات، وتباطأ مزاجها حتى سكنت، ثم رجعت تدور العربات وتلاحق الأذرع، ثم هدأت مرة أخرى حتى وقفت. تكررت عدة دورات ناقصة حتى بدأ الارتياب والشك فيما إذا كانت تلك مراحل الدور المعتادة. وبين أسئلة ساخرة متفرقة اتجهت الأنظار إلى أسفل، وارتكزت الأعين على غرفة التشغيل بينما دارت عربات أصحابها عاليا، وعندما توقفت مرة أخرى أكد التحرك المرتبك لعمال المدينة تجاه غرفة التشغيل إشارة واضحة عن عطل مفاجئ لازمه هدوء الراكبين أملًا في وقتيته.
تمكن الرعب من معظمنا بعد الساعة الأولى. كانت محاولات العمال التي لم نر سوى نتائجها الفاشلة من تشغيل وتعطل للعبة كافية لمراوغة مخاوفنا وتأجيل مواجهة جدية الموقف وانشطار احتمالات نهايته. كان الصمت هو الغالب بيننا، دارت بعض الحوارات القصيرة بين الزملاء في عربات متفرقة حول ما ستؤول إليه الأمور، وتشجع البعض برمي من تأخر في إنقاذنا بسباب حاول منعه الأخصائي الاجتماعي بدوره دون جدوى. وظلت بيننا عربة غريبة، تستقلها امرأتان منهارتان تتابعهما صحبتهما بمكالمات متفرقة على المحمول. كانت من بين العبارات القليلة التي نطقتُ بها هي تنبيهي لزميلي بالعربة لموديل محمول الراكبة الحديث الذي يتعارض مع ندبها الشعبي على مصيبتنا، وقد سمعتني وضحكت لي وسط بكاءها موافقة عما فعله بها المأزق. كنت قد فقدت القدرة على النطق بحلول الساعة الثانية، باستثناء إهاناتي لصديقي كلما تحرك داخل عربته وشعرت بأثرها بجسد عربتي والذراع العام كله. كان صوتي معبأ بغضب وخوف ورعشة برد منعت الأخصائي الاجتماعي المشارك لصديقي في العربة من الاستنكار أو حتى التعليق. حاول زميلي بالعربة احتوائي. كان هناك ما يطمئنه بأنها مسألة وقت، حوطني بذراعيه لتدفئتي وتهدئتي، وأشعل سيجارة دون ملاحظة مسؤول رحلتنا، وشاركني التدخين مادا يده بالسيجارة لفمي بإيقاع منتظم بيني وبينه. أمسك أحد المسؤولين بمكبر صوت ووجه لنا رسالة طمأنة أنهم على وشك إصلاح العطل، وأنه يعلم ما نمر به ويعتذر، ووعدنا بقرب عودتنا سالمين. نبهنا بعض الزملاء لشيء ما يصير في عربة ذراع مجاور، التفت لأشاهد خط مياه يندفع لأسفل وتبينت أنه تبول لم يقدر صاحبه على التماسك أكثر من ذلك. وسط ضحك متفرق، لم أتمكن إلا من الخوف، كأن صاحب تلك الفعلة يعلن مرحلة جديدة من الأزمة ستجد طريقها لكل منا قبل أن نعي ذلك. لم يلحقني من ظلام ظنوني سوى صوت المشرف وهو يناديني لملاحظته دخان السيجارة، وما كان مني إلا أن نهرته بنظرة أربكت موقفه. لم يفهم إن كنت أقصد إبعاد التهمة عن شخصي أم استنكار توقيت اهتمامه، لكنه انسحب نادما وخلفه ضحك صديقي مختبئا.
لم تمر بضعة دقائق حتى تطور الموقف على الأرض، وتزايد عمال المدينة وبعض المسؤولين الذين بدا على أزيائهم الرسمية شغلهم لمناصب إدارية. كان ذلك تمهيدًا لوصول عربة مطافئ محملة بسلم كهربائي عملاق مرفق به كابينة تسع فردا. لم نع ما سيحدث أو سبب حضور تلك العربة لكن الكل تابعها متحفزا وهي تستقر بمكان مناسب عند قاعدة اللعبة. بعدها بدأ من يتحكم بالسيارة في توجيه السلم ومرفقه باتجاه العمود، وظل يخرج من رحم كل جزء من السلم جزء ممتد يقترب من القمة، وبعد قطعه نصف المسافة سمعت صوت زميلين يحاولان تهدئة ثالثة انفجرت في البكاء. وقتها تأكد للجمع أنها محاولة من القادمين في تخليصنا يدويا راكبا تلو الآخر. بدا لي كرد على ما سقط من بول، وكأنهم أدركوا أن ذلك السلم سيصلح ما فسد من أخلاقنا. تجمدت حينها وباتت يدي محكمة حول عمود معدني بمقدمة مجلسي ممسكا بالعربة، وثبتت عيني على سراب ظلام الصحراء المحيطة آملا أن يحول بيننا وبين تلك المحاولة إن صدقت. كنت قد قررت ألا أغادر مكاني بهذه الطريقة، لكني مازلت آمل في خيبة ظن تحول بيني وبين الرضوخ لشروط الظرف.
وصل عامل على مقدمة السلم داخل كابينة لقمة عمود اللعبة. تجمدت أعين الحضور عليه ولم يجرؤ أي منا على سؤاله عما يفعل. أبقيت على صمتي وقد آلمني فكي من زمهرير موقعنا، وبعد أن استجمعت قواي أدركت أن العامل يراقب سلوكًا داخل العمود ويبدل أدواته على قطع كهربائية هناك. أخذ وقته ونحن نتابع، وانتهى وبدأ من في سيارة المطافئ بسحبه. راقبته ينزل وأنا ألاحظ التقاطي لأنفاسي وتنظيمي لها بعمق وراحة مؤقتة. دقائق وعلا صوت الماكينة ومرة أخرى ثبتت أعين الركاب على قمة العمود المركزي. فصلت الطاقة، ثم دارت مرة أخرى. ترقبنا ثوان ثم اهتزت الأذرع تجاوبا مع محاولة تحرك أولى، وأفلتت بضع صرخات نسائية لتلك المحاولة، ثم باغتنا من يعبث بالمحرك وبدأ انزالنا قبل أن نستوعب ما يحدث. كانت الأذرع والعربات ثابتة لا تدور ونزولنا بطئ، حتى توقفنا بعد ثلث المسافة تقريبا. لم تمر ثوان حتى اكتمل الإنزال ولسبب ما توقفنا قبل القاعدة بحوالي مترين، حينها تشجع بعض الراكبين وعلق جسده حتى وصلت قدمه إلى الأرض وسط نداء العمال لبقيتنا بالصبر لثوان أخرى. استقرينا جميعا بالفعل وغادرنا أماكننا وسط استقبال عمال المدينة لنا بسترات لتدفئتنا وتوجيهنا على إحدى المطاعم لاحتساء شوربة ساخنة. لم أكن من بين من انتظرهم أحد قلقا، فقد كنت بصحبة أعز أصدقائي في المأزق، لكننا ضحكنا أثناء احتساءنا الشوربة عندما قرر ذلك الصديق تكرار مرات طلبه وشربه للحساء مراوغا الاحتكاك بموظفي المطعم. تحركنا بعد تلك الوجبة وسلكنا طريق العودة دون تعليق على أي من مجريات اليوم. كانت طاقتنا قد فرغت ولم نكن تجاوزنا حدًا يسمح بتهكم، ففضلنا الاستجابة لهدوء الليل وظلمة حافلتنا، وأغمض أغلبنا أعينهم حتى وصلنا منازلنا. استقبلني فراشي دون غيره وأجلت أي حديث لليوم التالي. خفت أن يجلب الحديث ما يحول بيني وبين نوم دافئ ينهي ما تبقى من ذلك اليوم الطويل في سلام قبل أن تجد مفاجأة أخرى مكانا وسط ساعاته الأخيرة.
تبدلت الأسِرِّة عندما تعاقبت المساكن على مر عقدين، وظلت صدفة في دور قريبة من شوارعها. انقطعت عن الفراش القديم وانفردت بغرفة في كل منزل جديد. لم تكن شرفات تلك الشقق تستدعي دخولها أو حتى فتح نوافذها، لفقر ما تطل عليه  وتوفيرا لجهد تنظيف ما قد تجلبه من غبار. في يوم استحكم صقيعه، طرق المرض جسدي وأنا في طريق عودتي للمنزل. كنت أحد المعزومين على حفلة وداع زميل عمل أجنبي أقام عشاءا في منزله. قضينا معظم الوقت في شرفته المطلة على النيل من الدور الثاني عشر. استمتعت بالمنظر في آمان، لم أختبر احتمالي للمرتفعات يومها لارتفاع سور الشرفة وجلوسنا طول الوقت للأكل والشرب والحديث. لا أعلم إن كان الجو وحده أم تنازلي عن سترتي وقتها أم عدوى من أحد الحضور، لكني شعرت بثقل رأسي واحتقان حنجرتي يتفاقما بينما كنت أحاول تجاهلهما لعلهما أثر اجهاد أو وجبة رديئة. فرض الألم عليَّ واقعيته على قمة شارعنا، وصرت منتبها لما تقطعه خطوتي وما تبقى لرقدة ساكنة وسط تيارات متفرقة من الهواء البارد الذي ضاعف وزن رطوبته هشاشة مقاومتي. اتصلت بطبيب صديق ونصحني باللازم. طلبت الدواء وانتظرت وصوله تحت غطاء كثيف ورشفات ينسون خال من السكر. كان الإجهاد أعتى من حاجتي إلى الدواء، واضطرني لمقاومة النوم حتى يصل مندوب الصيدلية. انتبهت لصوت جرس الباب ولم أع كم مر من الوقت في غفلتي. تناولت ما لزم في ظلام الغرفة واستغرقت في النوم بمجرد انتظام أنفاسي.
استباح الشتاء الغرفة، وكأنها كشفت حوائطها. توغلت البرودة بيني وبين ملابسي، وشعرت بسطح معدني يحل محل مرتبتي السميكة. تدافعت تيارات أرجحت رقدتي، وبدأت أميز صوت صرير كباب نحاسي موارب لمنزل مهجور. أدركت السماء فوقي وشيء ما عرفني بها. وقتها استسلمت مرة أخرى لمأزق المرتفع، ولم أجد غرابة في أني مستلق داخل عربة اللعبة المشؤومة بمدينة الملاهي وحدي. وحدي بالعربة وبالذراع وباللعبة كاملة. حتى أنوارها وجمع المدينة تحتي قد غابا. ظلت العربة تستجيب لموجات الهواء وأنا أرتعش بردا. لم أكن خائفا، ربما لألفة الموقف والمكان. حجب الظلام ما تسرب من تلك الرؤية الليلية، ثم بدأ الضحى في تحديد فراغات نافذة الغرفة الخشبية. رُسِمَت كتل محتويات الغرفة دون تفاصيلها، لكن خلف الباب كان نهارا واضحا، بل وبدل الممر المؤدي لغرفة المعيشة وقف باب منزلنا القديم وخلفه ضجيج خافت يشبه أصوات جيراننا التي تسربت من نوافذ مطابخهم المطلة على منور العمارة. ارتقى وسط الأصوات صوت المرحوم خالي بضع مرات، وحين تأكدت كان قد انفرد صوته بالأجواء وظهر على باب غرفتي ينهي حوارا مع أمي قبل أن تتركه يدخل وحيدا. كان شابا بصحة جيدة، كان دوما كذلك حتى فارقنا. دخل مبتسما وقبل أن أنطق طمأنني أنه سيجلس بعيدا. أخبرني أنها ثاني زيارة له، بعد الأولى في غرفتي القديمة. كان يقصد تلك الحمى التي أفقدتني وعيي وأنا طفل وأنستني زائري. قال إنه تحدث معي قليلا وكنت أجيبه وأنا أهذي. ضحكت، وفهمت أن الزمن قد توقف به وقتها. سألني عما حدث بالغرفة فأجبته بأننا بدلناها حتى يكون لي مكان مستقل. لم يع أننا في منزل آخر أو أنني اقتربت من الأربعين، ولم أجرؤ على شرح ذلك. كان هناك ما يخبرني أن معرفته بأمور كانفصال أخته ومرور كل هذه السنوات سيحزنه، وربما كان لحزنه رد فعل سيِّئ كتحققه من رحيله، وربما رحيله مرة ثانية. كان قد حان ميعاد المضاد الحيوي، وصلت أمي لتناول خالي زجاجة مياه مع الدواء. أخذهما وتجاوز المسافة الآمنة ثم سلمني الاثنين. حاولت تناول الدواء لكن كل مرة حاولت الشرب تساقط الماء علي بدلا من ابتلاعه. لا أعلم إن كان سوء تقدير أم عيب بالزجاجة، لكنها تفادت فمي في كل محاولة حتى أغرقتني. خرج خالي من الغرفة ليبحث عن حل، انتظرته، لكن النهار قد رجع الغرفة قبله وملأتها شمسه، ولم تترك مجالا حولي لما يحتمل التأويل.
قمت، ووجدت الليل مازال يختبئ في شوارعنا الجانبية ومبانيها. امتصت ملابسي عرق غزير منعني بلله من التجاهل ومواصلة النوم. تركت الفراش على مضض. انتفض جسمي فور تعريته من الغطاء وزاد ارتعاشته الملابس المبتلة. أحضرت ملابس بديلة وخلعت كل ما أرتديه سريعا، وأسكنت نفسي في الملابس الجافة وأنا ألهث وفكاي يرتطمان. انزلقت بين طبقات الأغطية والفراش، وبدأ ما تبقى من سخونته المحفوظة في التسرب لي. استقر فكي وأخذت نفسًا عميقًا تلو الآخر، وعندما تبين لي صوت زفير منتظم يقابله طرف البطانية في وجهي، كنت قد غفلت عن المكان، وتهيأت لمجهول ينتظرني… وأنتظره.