نيللي جرجس: فقاعة

Anne-Françoise Cart, 2017. Source: anne-cart.de

مستلقية في حوض الاستحمام أسترخي بعد حصة اليوغا أتفحص نتوءات الدهون الزائدة في جسمي و تشققات جلدي و الخطوط الوردية المتعرجة للشعيرات الدموية على ردفي. دلائل النضج. كما أن أثر الشق في أسفل بطني هو دليل الأمومة. “أوسمة” كأوسمة الحرب، يقول الخطاب المدني الحديث المنتشر بين نجمات الفاشونيستا و سياسي العولمة.
لم تذب الصابونة الهاند ميد، من براند مشهور لمستحضرات العناية بالبشرة والتي تلقيتها هدية من ابنتي، لم تذب بشكل كامل.
دفعتها بقدمي نحو جدار الحوض و ضغطت عليها برفق. تفلفصت أجزاؤها ببطء و اندثر اللون الزهري المخلوط بذرات لامعة بين أصابع قدمي. شعرت بالرضا. لم ألعب كثيراً في طفولتي كان محرًجًا عليً اللعب بالطين والتراب وكنت أكره المعجون الملون المخصص للعب الأطفال ورائحته.
جسدي كله تحت الماء فيما عدا رأسي وركبتي. فطول الحوض لا يكفيني رغم أني متوسطة القامة. أرفع يدي خارج الماء بتثاقل استعداداً للنهوض فيشد انتبهاهي إحساس انحسار الماء عن جلدي.
ضغط الماء أكبر من ضغط الهواء فعندما ترتفع ذراعي خارج الماء وتسبب الخسارة المفاجئة في الضغط شعوراً غريباً بالتمدد والخفة المفاجئة.
“يعرف ضغط الماء بأنه القوة العمودية المؤثرة على وحدة المساحة التي تؤثر فيها القوة، وهناك وحدات مختلفة تستخدم في حساب الضغط، وبعض هذه الوحدات هي وحدات مشتقة مثل الباسكال التي تستخدم في نظام الوحدات الدولي، وبالتالي فإن ضغط الماء يستخدم لوصف قوة تدفق الماء في قناة أو أنبوب.”1
أعود للماء.
يتبادل جسدي الحرارة مع ما يحيطه وبما أن الحرارة تنتشر ببطء بين جزيئات الماء مقارنة بانتشارها بين جزيئات الهواء. تتحرك ذراعي خارجاً وينفض عنها الماء الدافئ و يتعرض جلدي للهواء البارد.
“تقدًر الناقلية الحرارية للماء بـ 0,6 واط/متر/كلفن بينما تقدّر الناقلية الحرارية للهواء بـ 0.025 واط/متر/كلفن”2
أعود للماء.
ذات يوم تمدًد أرخميدس في حوض استحمامه واستنتج مبدأه الفيزيائي الشهير بينما أتكاسل أنا عن الخروج نحو الخفّة.
“تساوي قوة الطفو وزن السائل الذي يزيحه الجسم عند غمره “3
أعود للماء.
لو أن كل مادة صلبة حولي فقدت لونها وأصبحت شفافة فسأبدو كجسد عار مسجون في فقاعة متطاولة من سائل زهري ممزوج بذرات لامعة. فقاعة معلقة في الهواء تحت الشمس على ارتفاع أربعين متراً عن سطح الشارع  يبدو ذلك عال جدًا ولن يستطيع أحدهم تمييز ملامح هذا الجسد وأوسمته.
أو قد أبدو كيرقة مدفونة في حجر شفاف ملون. كريستالة كتلك التي تدعوني قارئة التاروت للتأمل فيها واستحضار السؤال الذي يعذب روحي و”اضمر عليها” حيرتي و قلقي.
في محاولة جديدة أرفع ذراعي خارج الماء لكن هذه المرة لاختبار شعور انحسار الماء. أرفعهما معاً خارج فقاعة الماء. أبعثهما للخلاء. ثم أستردهما.
كرّة ثانية
أدفعهما خارج الفقاعة حيث تُحدثان في سطحها الساكن ثقبين دائريين، يتسع الثقبان وتتشكل أبعادهما بحسب المقطع العرضي لذراعي. يرافق ذاك شعور ما. شعور العري. العري مع البرودة مع الثقل.
أعيدهما إلى تحت الماء وأفكر في احتمالية بقائي في مياه الحوض للأبد ثم تتداعى أفكاري نحو فقاعتي الأخرى التي أحاول الخروج منها منذ سنوات. فقاعتي الملونة اللامعة التي دفنتني عائلتي فيها. الزواج، البيت الواسع، الأبناء، السمعة. حجر رخيص لامع تضغط ذراته على مسام روحي فتكاد تخنقه.