محمد الدناصوري: كاتب الظل

The Ghost Writer, 2010. Source: cineimage.ch

حتى الآن، لا نعلم كيف وصلت إلينا هذه الأوراق، رغم العزلة التي كانت مضروبة حول صاحبها، ولا نعلم أيضاً ما إذا كانت حقيقية أم هي مجرد وهم صنعه خيال كاتبها؟ رغم ما تردد مؤخراً حول فضيحة الكاتب الشهير الذي نحت رواية كلاسيكية مشهورة بنفس أحداثها ونسبها لنفسه. على العموم، الأوراق بين أيدينا الآن وننشرها كما هي، ونتحمل توابع كل ما جاء فيها إخلاصاً فقط لنسبة – ولو كانت ضئيلة – في كونها حقيقية. وليحدث الله أمراً كان مفعولاً.
ننشر هذه الأوراق بناءاً على طلب صاحبها وعلى مسؤوليتنا.
١
التحرك الوئيد لعقارب الساعة المعلقة على الجدار الإسمنتي الكالح يُهيج أعصابي. أخطو إليها وأنتزع بطاريتها بعنف فتصمت، وأهدأ. علىّ أن أنهي ما بدأت، التفكير بأن النهاية اقتربت يثيرني، لأول مرة منذ جئت إلى هنا سأكون أنا المحرك لخيوط اللعبة، تلك اللعبة التي أمارسها بصمت يكاد يفتك بأعصابي.
أرشف بضع قطرات من الماء لأرطب جوفي الملتهب. أنا كاتب الظل، لا وجود لي إلا في الظل. أمتص وحدتي على مهل في زنزانة رطبة ومنفية ولها نافذة وحيدة تطل على السماء. الهواء من حولي راكد ولزج، والزمن يعاملني ببغاء.
جلست هنا أصنع مجد شخص آخر، هو يحصد الخلود، وأنا أحصد معاناة الخلق وحرب الكلمات.
لم أعد أحفل كثيراً بالموت، لا أهتم. الموت أرحم لي من رؤيته وهو يجني كل التصفيق على المسرح بينما أقبع خلف الكواليس تقتلني الحسرة، نكرة رغم كل ما فعلت.
لم أتوقع يوماً بالأساس أن تبتسم لي الحياة، ولكن هل أستحق كل ما حدث؟
٢
جاءني بوجهه الخشبي الكريه. لا أستطيع أن أفكر في شيء وأنا أنظر إليه، نظر إلى وجهي الملطخ بالكدمات بنظرات تقريرية، شعاع من نور كابي ينفلت من مصباح كئيب استقرت في باطنه ذرات التراب السوداء، فبدت الإضاءة واهنة. قال لي:
– إما الكتابة أو حياة كالموت، فكر جيداً، ستعيش هنا ما تبقي لك من عمر، لن يشعر بك أحد، أنت الآن مجرد مفقود في سجلات الدولة. نصيحتي أن تعيش بكرامتك .
وانصرف مخلفاً بقايا عطر مقبض، ورفضت.
جن جنونه:
–  كيف ترفض لي أمراً ياحيوان؟
وانطلقت كلابه تنهش لحمي وروحي
أصل إلى نقطة التعادل، تلك النقطة التي يستوي فيها الألم بالنعيم، ثمة مسافة تفصلك عن الموت وتجذبك نحو الحياة، تكون بالضبط في المنتصف، لا تنعم بالموت ولا تبالي بالحياة.
لم أعد أشعر بشيء، ركلاتهم، سجائرهم المدفونة في جلد قضيبي، وشحنات الكهرباء التي ترعد في جسدي وتتلف خلايا عقلي، والمياة المهدورة على أرض الزنزانة، والليل الذي لا ينتهي .وكان يرمي لي بالأمل وهو يعاين كفاءة رجاله على جسدي.
– فكر جيداً، الأمر بسيط. اكتب، وستعيش كما ينبغي لملك.
أفكر في أمي التي كنت أمسك يديها وهي تقطع ذلك الشارع المترب، والصهد مقيم، تلقيني في صحن الجامع، أتأمل لحية الشيخ الضرير الرمادية وأتخيلها مسكناً مناسباً للعصافير الهائمة فوقنا، وتقول له:
– لك اللحم ولنا العظام يا عم الشيخ.
كنت أنظر للبشر الجالسين على المقاهي يحتسون الشاي ويدخنون النارجيلة وأصبر نفسي أنني عندما أكبر سأجلس مثلهم لا يعنيني شيئاً، فقط علىّ أن أواصل النمو.
– اكتب.
كفرت به، وبنفسي، صوته المعدني لا يزال يدوي في روحي الخربة.
لو كان الموت قريباً لمضيت، ولكنهم كانوا أحرص علىّ من نفسي.
٣
أقول بصوت مبحوح:
– موافق.
لأول مرة أراه يبتسم. أسنان لامعة، وابتسامة مظفرة. تركني ليومين دون أن يقطع خلوتي أحد. يجيئني وهو يمسح الزنزانة بعينيه:
– ماذا تحتاج؟
– طاولة، وورق، وأقلام، وراديو، وطعام نظيف، وسجائر، سبرتاية وبن، وسرير مريح.
يفكر قليلاً وينصرف. يجيئني بما طلبته ليلاً. يقول لي وهو يتأمل الزنزانة التي اختلفت قليلاً:
– اكتب وكأنك تكتب لنفسك، الرجل يريد شيئاً عظيماً.
صوته يتردد بداخلي وكأنه يصرخ في الصحراء، صدى متواصل.
٤
كانوا يعلمون أنني كاتب، ملفي يقول ذلك، يعرفون كل شيء. يشير بيديه الى من يقف ورائي ولا أراه، فيبتعد مسافة قدمين عني ويقول:
– اكتب لي شيئاً. أي شيء.
اندهشت من الطلب الغريب ولكنني نفذته وكأن فيه خلاصي، لأول مرة أشعر أن الكتابة قد تكون طوق نجاة وهي العصية دائماً.
جاء أحدهم، يرتدي بذلة سوداء مقلمة وربطة عنق قرمزية ولديه شارب مراوغ. يختبئ خلف عدسات سوداء داكنة، قرأ النص وهو يتأفف من رائحتي التي طغت على عطره النفاذ، ويقول بلهجة مُنتشية:
– مبهر.
لم أعرف اسمه ولا كينونته، ولكنني أدركت.
٥
تتهادى إلي موسيقي موتسارت من الراديو القابع أقصى يمين طاولة الكتابة تهدهد ما تبقي مني.
تنساب الكلمات مني فلا أعرف من أين تأتي. أفكر في إمكانية أن أندهش من نفسي فلا أجد متسعاً أراوغ فيه لأهرب من هذا الفيض. تتشكل الشخصيات أمامي كأنها من لحم ودم وتسليني في وحدتي.
أنظر للسماء عندما أتعسر، وأفكر في الحياة التي سلبت مني، أتذكر فراشي ومكتبي وكتبي وأمي وهي تراني دائماً هائماً في الملكوت بعيداً عنها، تهز رأسها وتتحسر على ابنها الوحيد الملبوس كما كانت تردد دائماً. لم يمهلني القدر حتى أنشر شيئاً، أكتب لنفسي وأقرأ لأصدقائي ما كتبت وأقطف نظرات الوله مُنتشياً.
أكتب الآن لأنني على أمل أن أخرج، ولم أتخيل مدى سذاجتي.
أتذكر تلك الليلة جيداً. تحولات المصير لا تُنسى. كانت ليلة باردة من ليالي نوفمبر، أرشف قهوتي وأستحلب سجائري بينما أنظر لطاولة الدومينو التي تمددت قطعها أمامي كخيوط العنكبوت وأحاول اختيار الورقة الملائمة لتتمدد وتلج شبيهتها من الخلف. كنا نلعب كاستراحة مؤقتة من نقاشاتنا السياسية. نجاة تشدو من راديو بعيد، ضجة مكتومة تتناهي من بعيد، أداري أوراق لعبي وأنظر حيث مصدر الضجة، تخترق سيارة حكومية الشارع وتثير غباراً ثقيلاً، تتوقف بمحاذاة المقهى، هراوات، جنازير، أصفاد، شوارب ثقيلة، رائحة مكتومة وعطنة، أحذية مصمتة وكفوف كالمطارق.
أتكوم داخل السيارة، صراخ، أحاول أن أدرك ما يحدث، أقاوم اليد التي تقبض علىّ، ألم شديد أسفل الرأس، ثم ظلام تام.
تحرقني سيجارتي التي وصلت إلى نهايتها بينما أنا غارق في ذكرياتي.
أتمزق من الداخل، أدخن النفس الأخير وأبدد الدخان فيزحف إلى الخارج عبر قوائم الحديد الصدئة للنافذة الوحيدة، أفكر أن الدخان يملك ما لا أملكه وأتابع الكتابة، ربما يكون في الكتابة متسع وبراح وحقول وبحر.
يأتيني كل ليلة، ينظر الى الأوراق المخطوطة بشغف، يتأكد من أنه لا ينقصني شيء، لا يدخل عليّ أحد سواه، حتى صاحب البدلة السوداء لم أره مرة أخرى. تعمد أن يعزلني عن أي تواصل بشري قد أستطيع أن أمرر منه شيئاً، لا بد للخطة أن تكون محكمة وإلا..
٦
لم أتوقف لحظة عن الكتابة. لا أعرف على وجة الدقة الوقت الذي مضى حتى أنهيت. الزمن بالنسبة لي راكد وغير واقعي بالمرة. أعطيت نفسي مهلة ليلتين، كنت أجلس لأدخن وأسمع الموسيقى ولدي من الوقت ما يكفي للتحسر على أحلامي المهدرة. أعود للرواية، أراجعها وأضيف لها بعض التعديلات، أحذف وأحذف وأحذف مجدداً، لا أتذكر من القائل أن الكتابة هي فن الحذف، ولا يهمني أن أتذكر، أندهش في النهاية من نفسي، جاءتني الكتابة من أقصى مكان في لا وعيي الزاخم لتروي روحي البور.
قال لي وهو يتسلم الأوراق مني:
– لا تضع لها عنواناً، اترك هذه التفاصيل الصغيرة لنا.
على كتفيه ترقد الدبابير والنسور والسيوف، هي أوراق اعتماده في هذا المستنقع الذي يغوص فيه، أيضاً ترقد أرواح وأطراف وصرخات.
تركني لشهور، تركني في عزلة استنفدتني. لم أستطع الكتابة مجدداً. لازلت أتذكر المرة الأولى التي أنجزت فيها عملي الأول، كان خليطاً من دويستويفسكي وبلزاك وألبير كامو وكافكا، عصارة العصارة، شعرت وقتها بموجات متعاقبة من الأورجازم العقلي والتي أنعشتني من البهجة، كنت أحاول أن أصف النفس البشرية كما يفعل دويستويفسكي وأن أجعل قصتي عبثية وقاتمة تماماً كما كان يفعل كافكا، وأن أستمد من الواقع مادة لا تفنى كمحفوظ. لم أنتظر طويلاً لأعثر على صوتي في النهاية، صوتي الخاص وأسلوبي وأن أتحرر من سطوة كل الكتاب اللذين يرقدون بسلام في أعماق عقلي. الآن أنهي أول عمل طويل لي، وأعرف على وجة اليقين ما هو شعوري تجاه ذلك.
٧
تتناهى إليّ الصرخات مكتومة وملتاعة. الهواء راكد من حولي، أختنق، أقف على الطاولة وأدفن رأسي بين قضبان النافذة الوحيدة، أحاول أن أمتص بعض الهواء من الخارج. يدخل علي دون أن أشعر، يتحسس مسدسه وهو يقول بحذر:
– ماذا تفعل؟
أعود إلى مقعدي وألوح بجرأة:
– أحاول التنفس.
يقول محاولاً أن يبدو لطيفاً:
– الرواية التي كتبتها فازت بجائزة مهمة، كان ينبغي أن تعرف، لعل ذلك يحفزك، يضحك، أموال الجائزة ذهبت لوالدتك بتوقيع فاعل خير. الرجل يشكرك ويريد عملاً آخر بنفس المستوى.
يلتفت لي قبل أن يغلق باب الزنزانة:
– أتوقع أن تكون ذكياً، لن نتركك لكي تحكي القصة بالتأكيد، أنت تعرف أصول اللعبة، اكتب.
٨
لأول مرة تتماهى مشاعري، لا أعرف إن كان ذلك زهواً أم غضباً، إحباطاً أم انتصاراً، ربما هو خليط من كل شيء. أتخيل نفسي وأنا أتسلم الجائزة وسط موجات التصفيق الحاد وأتحدث إلى الصحف بثقة.
فكرت أن أصرخ، ولكن صوتي لم يخرج. ألعن القدر وكل تلك الظروف التي وضعتني هنا، أحتقر نفسي لأنني رضخت، الموت أهون لي من أن أرى فاشلاً غيري يجلس على عرش صنعته بروحي، وأتساءل: لماذا يجب أن تكون الحياة بهذا الجفاء؟ أنا الآن بقرتهم الحلوب، لن يتركوني أخرج من هنا حياً، هم ليسوا بهذا الغباء وعلي أن أكون ذكيا بما يكفي. جلست هنا وحفرت قبري، كلمة بعد أخرى، وأنا مستمتع، لماذا ألومهم إذن؟ سأقضي ما تبقي لي من حياة هنا، أكتب له، فلماذا لا أتوقف؟ سيكون الرد أعنف مما أتخيل ومهما كان، لن يهدأ أحد بعدما تذوق طعم النجاح .
٩
أفكر قليلاً. أهدأ. أنت حر في خيالك، وهناك دائماً ثغرة، أي نظام مهما بلغ تعقيده له نقطة ضعف. أعد لنفسي قهوة وأدخن، وأنظر للسماء، طائر ما لا أتبين نوعه يقطع المشهد لثوان معدودة ويختفي، الشمس بالتأكيد قاسية بالخارج .
١٠
طيب، علي إذن أن أكتب عملاً آخر. سأمضي فيما قررت، الموت بالنسبة لي أهون الأمور، فكرت جيداً، مهما بلغ ذكاؤهم لن يدركوا، فقط علي أن أحسن إخفاء تلك الأوراق، سأكتب عملاً آخر لمجدي أنا في النهاية، الكليشيه يقول من يضحك أخيراً يضحك كثيراً، في العمل الثالث سأزلزل الأرض من تحت أقدامهم، أقول لنفسي وأنا أبتسم للمرة الأولى منذ زمن بعيد :
– المجد لا يلتصق بالحمقى.
١١
يقول خوان مياس إن الكتابة تشبه المشرط الكهربائي، يكوي الجروح ويفتحها في الوقت نفسه، والكتابة رممت ما تبقي مني، لأول مرة في عزلتي أتصالح مع كوني عاجزاً وعبقرياً في نفس الوقت، تخرج مني كل الشوائب العالقة وأتصالح مع فكرة أنني أكتب لأفسر لماذا أصرخ.
أمضيت عاماً في كتابة روايتي الثانية، هذه المرة كنت أعد الأيام، وأحصي الساعات والدقائق، كنت أكتبها وأنا مدرك تماماً أنها ستعود لي في النهاية، وسأسترد مجدي، لا أعرف من أين يأتيني هذا اليقين.
وهو، أصبح يأتي ويمضي بلا كلمة، يراني منكباً على أوراقي ألهث مع الكلمات فيتركني ويمضي، أعرف قيمة كل لحظة تمضي، تقربني من مسعاي ومبتغاي، أطوي الأيام ركضاً لأهدأ.
عندما سلمت له المخطوطة قلت له:
– سأبدأ في عمل آخر فوراً.
يندهش ويقول بنبرة ودودة:
– يعجبني حماسك، من الظلم أن أنكر موهبتك، الجميع في الخارج يتحدث عن كتابك الأول.
وكأنه يعذبني، لا أعتقد أنه يشعر بالذنب، ما الفارق في الأساس بين سرقة روح إنسان وسرقة مجد آخر.
١٢
ذاكرتي حديدية، هكذا كانوا يقولون لي.
أحد الأسباب التي دفعتني للكتابة أن الأفكار والمصائر والحكايات تتزاحم في رأسي، العقل يحتاج أحياناً أن يفرغ ما في جوفه، والكتابة كما أعتقد هي الخط الموازي للذاكرة، على أن الذاكرة تفني بفناء صاحبها، أما الكتابة فتبقى، البقاء دائماً للأقوى.
في بداياتي كنت أقرأ سيرة مغني البيتلز الأمريكى الشهير جون لينون، فتنت به وبنهايته العبثية وكأنه خرج لتوه من إحدى روايات كافكا، قادتني سيرته للبحث عن الشخص الأهم في حياة جون لينون، مارك ديفيد تشابمان، السيكوباتي الذي وضع حداً لحياة المغني الأشهر ووضع معه نهاية حقبة عارمة من الفن. كان ديفيد مهووساً برواية ج. د سالنجر “الحارس في حقل الشوفان”. كان يقرأها باستمرار، لا تفارقه، حتى بعد أن أفرغ خمس رصاصات في جسد لينون النحيل على مرأى من زوجته، هبط على ركبتيه عند مدخل البناية التي يسكنها لينون وبدأ يقرأ في الرواية حتى جائت الشرطة.
بالطبع قرأت الرواية، وبدأت تسكن رأسي بشكل قاسي، قرأتها أكثر من مرة حتى أنني بدأت كتابتها غيباً من ذاكرتي، كنت أكتبها بأسلوبي وأضع بعض التصورات التي كنت أحسبها ضرورية.
هنا سأضع النص كما كُتب وسأحاول جعله محلياً أو كما يُسر لي من استجلابه من ذاكرتي على أنها روايتي، رهاني الأول أن الرجل ذو الشارب المراوغ والناشر لم يطلعا عليها أبداً، وبعد أن ينشرها بالعنوان الذي سيختاره سيتكفل الجميع بفضحه وأوراقي هذه ستكمل القضاء على ما تبقي له من مجد صنعته أنا. فقط سأراهن.
أشعل سيجارة، أنظر الى الأوراق البيضاء أمامي وأبدأ:
“إذا كنت قد أثرت اهتمامك بالفعل، فأغلب الظن أن أول ما ترغب في معرفته هو مكان ولادتي، وكيف أمضيت طفولتي التعيسة، وماذا كان يعمل والداي قبل أن ينجباني، وكل هذا اللغو الذي تعودناه في ديفيد كوبرفيلد، ولكنني لا أشعر برغبة في فتح هذه المواضيع”.
كنت أحفظ الافتتاحية كاسمي.
١٣
انتهيت منها، عانيت قليلاً في تذكر بعض مجريات الأمور والكلمات وتدفق السرد، ولكنني حافظت قدر المستطاع على الخط الأساسي للفكرة والأحداث.
لا أعرف حتى هذه اللحظة كيف سأمرر هذه الأوراق التي أسرد فيها ما تم. فقط على العالم أن يعرف ما حدث .
سأسلم المخطوطة وأنتظر قليلاً حتى تُطبع، ثم أسكب على جسدي الكيروسين الموجود داخل السبرتاية التي أصنع عليها قهوتي وأشعل في نفسي النار، وأعتذر مقدما عن بشاعة موتي، ولكن هذه هي الخيارات المتاحة أمامي حالياً.
على من يقرأ هذه السطور أن ينشرها كما هي، وأن يبحث مشكوراً عن رواية صدرت في العامين الماضيين وحصدت إحدى الجوائز وتقول افتتاحيتها:
“لم يكن أبي يعلم وهو يقذف تلك النطفة التي ستكون أنا -عبر مراحل عديدة للتكوين الإنساني- داخل تلك المرأة التي من المفترض أنها أمي، أن مصيري سيكون عبثياً للدرجة التي لا أعلم فيها من أكون، وسأظل طوال حياتي التافهة أبحث عن هوية سُلبت مني غصباً”.
ليعرف الجميع أن تلك الرواية لي، أنا كاتب تلك السطور، وما تلاها لنفس الكاتب، وإذا أمكن فلتتم طباعة كلتا الروايتين باسمي كاملاً مصحوبين بإهداء مني لأمي.