مالك رابح: عزف منفرد

André Kertész, “Violin Shop”, 1984. Source: artsy.net

أجد في نفسي ميلًا أن أغشى الأماكن بلا رفقة. لا أقطع وحدتي، أستكملها وسط غرباء. قبل أسبوعين اتصل بي صديق قديم من أيام الجندية ودعاني إلى زفافه. كان يعيش في مكان آخر، وفقط تقابلنا مرتين منذ رجعنا إلى الحياة المدنية. ثمة أصدقاء مشتركون. قلة. اثنان أو ثلاثة، عاشوا أيضًا في أماكن أخرى، ونسيت أن أسأل إن كانوا سيأتون. يوم السبت. من أربعة لسبعة. قال سيرسل لي الموقع بالتحديد. قلت ألف مبروك، ربما لعاشر مرة، ووعدته بالحضور.
وصلت هناك مبكرًا؛ كان تقديري للمسافة أكبر مما يلزم. ترجلت في بقعة أبعد. انحرفت عن الطريق الرئيسي وتجولت في الجوار. كان النيل قريبًا، لكن حجبته قاعة زفاف بعد قاعة زفاف بعد قاعة زفاف. كدت أختنق، ووقت رجعت إلى الطريق الرئيسي أحسست فوق ذلك بالتيه. سألت شابيّن كانا يلوحان بالذرة المشوية للسيارات المسرعة. كانا لطيفين، أعطياني توجيهات دقيقة، أوصلتني إلى لافتة مضيئة وحارس عجوز وقف جوار كرسي. ملت أتحقق من الأشياء بالداخل: ناس قليلة وحركة أقل. الساعة تخطت الرابعة بالكاد. وكنت لا أزال مبكرًا.
اقترب الحارس وسألني لِم أبدو حزينًا. أخذت إليه خطوة، لاءمت وجهي للمناسبة، وأجبته بدعابة لكنه لم يضحك. وضع يده على كتفي وسألني عن المكان الذي أود الذهاب إليه. قلت اسم صاحبي. كررته مازحًا كما كانوا ينادون علينا في الجندية. وجهه قشرة فاكهة تُركِت طيلة الصيف للهواء، لاح فيها انزعاج. أشار إلى نقاط بيضاء في نهاية ممر. وراء هؤلاء، سأجد القاعة على النيل. قلت له شكرًا. لا أتذكر إن قال شيئًا.
كان الممر منحدرًا، والمكان هادئ، زمَّ شفتيه ولم ينبئ بماهيته. مشيت في هواء محمل بحشرات سوداء ضئيلة الحجم، لم أحسها على جلدي إذ اخترقت تكويناتها. يساري سور تمطّت فوقه أشجار طويلة، بينما في الناحية المقابلة قاعات مغلقة، فارغة، وعبر مداخلها الواسعة ونوافذها المغبرة، رأيت كراسٍ مقلوبة على ترابيزات. أردت أن أسأل عنها أولادًا استندوا على السور ودخنوا السجائر في تراخٍ، فيما بدا كاستراحة من عمل، لكني، عوضًا عن هذا، ابتسمت لهم وتابعت المشي.
شيئًا فشيئًا، وقد اختفت النقط البيضاء التي كانت دليلي في نقط أخرى، تبينت عزفًا منفردًا على ساكسفون يأتي من مكبرات صوت. كانت مقطوعة يستطيع أي معتاد على حفلات الزفاف التعرف عليها، وبمجرد أن يحدث ذلك يغفل عنها. بدت الحشرات السوداء كما لو كانت ترقص في تجمعاتِها، وكلما اقتربت من الصوت، زادت حميتها. ثم فجأة لم تعد هناك، اختفت على أعتاب مدخل على شكل حلقات من المصابيح وقطع الكريستال، صُمم خصيصًا لدخول العروسين، وظهر من ورائه الحضور في بدل سهرة وفساتين برّاقة، يقفون في دوائر، يتحدثون أو يتصفحون هواتفهم. ربما الإدارة ترش شيئًا في الهواء.
دخلت المكان، ليس من المدخل الرسمي، حيثُ بنات أصغر كثيرًا مني، وقفن يلتقطن صورًا، باسمات وأياديهن عند خصورهن وأولاد على مقربة يشاهدون. تسللتُ من الجانب عبر مجموعة من الأطفال كانوا ينزلقون بأحذيتهم على عشب صناعي. كل الناس كانوا رائعين، ملأى بالحياة والبهجة، واعتقدت – وليس هذا فقط خطأً بل أسوأ: كليشيه – أن العيون قد تحاول التعرف على الغريب الذي يلبس وجهًا لا يلائم الحفلات، وفي إثر ضربة من القلق في صدري توقفت، كمن يوشك على حركة ولا يتحرك.
من أنقذني كان صديقي. لم أنتبه إليه في البداية، كان يمر هو وعروسه في جولة على الترابيزات، وحين رآني، أمد جذوري في التربة، اقترب فاتحًا ذراعيه من مسافة. كنت سعيدًا لرؤيته. قلت مبروك فقال إني أوحشته. قلت إنه هو أيضًا أوحشني فقال إني صرت أكثر وسامة. ابتسمت ناظرًا إلى العشب. شدَّ على يدي، أخبرني أن عليه العودة إلى العروس وسط إشبيناتها. عليَّ أن أجلس، سيرجع لي ثانية. سألته عن أصدقائنا المشتركين. كانوا في السكة.
كل الكراسي حولي ارتبطت بترابيزة ما، ولا كرسي كان وحيدًا. كانت هناك ترابيزات خالية من الناس، لكن الجلوس إلى واحدة صحبة كراسٍ فارغة، والتفرّج على الناس، فقط سيضخم شعورًا بالوحدة يلازم المرء في مثل هذه المواقف. دققتُ أكثر بحثا عن آخرين في صحبه أنفسهم. لم أجد غير أفراد عاملين بالمكان، متفرقين حول بركة مهملة – قريبة من الخضرة وسميكة يخال الواحد لو حطّ رجله أنه سيمشي على الماء.
وقفوا متباعدين أياديهم مفرودة ومتقاطعة خلف ظهورهم، وجوههم جامدة وعملية، وزيّهم قريب مما كنت ألبس. ذهبت إلى أقرب واحد، متوسمًا أن يعاملني كزميل. كررت سؤالي عن مكان لبيع القهوة مرّات. دلني على الكافيتيريا. في الطريق من حيث جئت، كيف لم أرها؟
لم أكن أعرف ما الحركة التالية. كانت الكافيتيريا عبارة عن أشجار للزينة، كراسٍ بلاستيكية وترابيزات واطئة موزعة على العشب في الهواء الطلق، يفصلها سور عن الممر وتطل على المدخل ذي الحلقات. طلبت قهوة سادة من شاب هناك، كان في حالة من التعب والغياب فسألني عن سكرها. كان وحده وراء الكاونتر، لكنه التفت من آن لآخر ورائه ونادي على عدد واحد محمود، لم يرد مرة نداءه، للمساعدة.
بالإضافة إليه، كان هناك مجموعة تجلس إلى ترابيزة ورجل وحده على كرسي بالقرب من المدخل، ساقاه متباعدتان وعلى وجهه تعبير كومبارس شامخ تمرّس في المهنة، وبدا لي أنه من أولئك الذين ينتبهون دومًا لوضعية جلوسهم. في حضنه رقد ساكسفون متصل بطوق حول رقبته، وموشّى برسوم وملصقات، جعلتني أشعر بأنه ساكسفون للأطفال، كذلك الذي يمسكه، في المواسم جميعها، بالون على شكل بابا نويل ويتمايل به أمام متجر ما.
قهوتي السادة، وضعها الشاب على الكاونتر. دفعت له ورقة نقدية، مقررًا البقاء في الكافيتيريا حتى إشعار آخر، وبينما ابتعدت متوجهًا إلى ترابيزة بكرسي واحد، سمعته ينادي يا محمود.
كانت القهوة سيئة لكن لطيفًا مرّ الوقت. قبّلت آشعة الشمس وجهي، وزيادةً تفرّقت السحب في السماء كشبكة صياد. وصلتني محادثة المجموعة الجالسة بجواري. كانوا يرنون إلى الممر، حيث ظهر المارة فقط كرؤوس، ولاحظتُ أن هناك حزام قماشي، مزركش وبسيط، حول وسط أكبرهم سنًا، ومستندة على الترابيزة، كان ثمة دفوف وطبلتان. تأملت الجالسين من جديد، مكتشفًا للمرة الأولى، أن ما يلبسونه كان أيضًا موحدًا.
كانوا خمسة. رجلان، في أواخر الثلاثينات أو أوائل الأربعينات – كانت سلطتهم ظاهرة، والثلاثة الآخرون صغار، بالكاد خرجوا من الطفولة، وهم من كانوا يتحدثون. أما الرجل في حضنه الساكسفون ارتدى زيًا مختلفًا: قميص كاروهات وبنطال قماشي وحذاء خفيف. كان عجوزًا، نابتة ذقنه وزجاج نظارته أصفر بفجاجة، فلم أستطع أن أعرف إذا كانت نظراته عليَّ أنا أم على أشجار الزينة حولي.
فرقة واحدة. بالطبع. لكنّي لم أفهم لِم لم يجلس معهم ويشاركهم الترابيزة. أحسست حزنًا طفيفًا يحاوطه، غير متيقن من مصدره: شئ في مظهره أم نفسي المحاطة بالزرقة. ولّعت سيجارة. كان الصغار قد توقفوا عن الكلام، لأن الرجل صاحب الحزام كان يتكلم في هاتفه. مشكلة واجهته مع أمين شرطة وكيف استطاع الخروج منها. الرجل الآخر ذهب إلى الكاونتر، وأخذ يتحدث مع الشاب الناعس هناك. تثاءب واحد من الصغار على الترابيزة بالمقابل وحين انتهت المكالمة تساءل آخر عن إمكانية شرب شاي، فأشار الرجل صاحب الحزام ناحية الكاونتر. ابتسم الصغار لبعضهم. خمنت أن الفرقة بالنسبة لهم شئ جانبئ.
عدت بعيني لعجوز الساكسفون. أخرج من جيب قميصه هاتفًا صغيرًا يقول ألو. سمعه الجميع، نبرته هادئة لكن عطوف. كان يسأل على صحة أحد ما: كيف حاله الوقت، أحسن من الأول؟ طلب من الجانب الآخر أن يحطّه على التليفون، وانتظر. رفع نظارته الصفراء وقرّب التليفون من عينه، وحين عاد للكلام بدا وكأنه يوجهه لطفل صغير، بكل ما يمكن أن يحمله ذلك من محاولات الملاطفة وإدخال البهجة. خرجت وضعية جلوسه عن صلابتها كأنه نساها، رفع الهاتف وطلب من الجانب الآخر أن يستمع: حاجة حلوة، هل تسمعها يا ولد؟ قدّرت أنه سيعزف إلى الولد شيئًا ما، ويدفن شكّي في أن الساكسفون في حضنه مجرد لعبة، لكنه ظل فقط يرفع الهاتف، ناحية عزف الساكسفون المسجّل، القادم من مكبّرات الصوت. سامع، جميل؟ ضحك العجوز وأنهى المكالمة. وعاد يواجهني بشموخ الكومبارس.
لمحني العريس في جولته التي صارت بحذاء الكافيتيريا. كنت أمسح القهوة عن لساني بمنديل ورقي. حيّاني فابتسمت ملوحًا في خجل. ثمة سلام ما كان بالنواحي، لازم كل حركة، لم أعرف من أين يأتي، فقط عرفته حلوًا وتمنيت دوامه. صفق رجل الفرقة عند الكاونتر للأعضاء الصغار، قال شيئًا عن البهوات الذين ينتظرون كل شئ على الجاهز. قام ولد ناحيته وهو يضحك، وبمجرد أن وضع على الترابيزة أكواب شاي تصاعد منها البخار، توقفت مكبّرات الصوت وجاء واحد من أولئك الذين يرتدون ملابسًا كملابسي، قال إن وقت الزفة قد حان، الناس تنتظر.
تبادل أعضاء الفرقة، خصوصًا الصغار، نظرات دلّت على خيبة أمل. لم يقولوا شيئًا، التقط صاحب الحزام القماشي آلته وحذا الآخرون حذوه. كان عجوز الساكسفون أقربهم إلى مدخل العروسين لكنّهم جميعهم تخطّوه، بينما يتحامل على نفسه للقيام. كانت هناك درجتان تفصلان بينه وبين الأرضية، نزلهما في بطء، وحين بدأ يمشي بان واضحًا عرجه.
اتبعتُ خطاه. توافد الناس حيث وقف العروسين. كان هناك تيّار خفيف من الهواء، قادمًا من ناحية النهر، أعتق أساريري لقليل. وتعلقت بفكرة، أن كل أولئك من حولي، المنبسطة أساريرهم أصلًا، استمتعوا بملمس الهواء على وجوههم، وإن لم ينتبهوا له.
وقفت الفرقة أمام العروسين تجمع حولهم الأقارب والمحبين، استعدادًا لصورة ستُلتقط في الزمن. كلهم ارتدوا أفضل ما عندهم ولم يفكروا في غير اللحظة، التي سكن لها كل شئ. مرَّ العجوز بأنامله على مفاتيح الساكسفون غريب المظهر، بلطف ورعاية، كما لو كان يطمئنُ نفسه أنهم لن يخذلوه. عدّل من وضعية الطوق، وأصدر نوتتين موسيقيتين، قصيرتين ومنفصلتين. كانتا بلا هدف سوى الإحماء وكانتا رائعتين.
هزَّ رأسه وبدأ العزف.
ضرب الصغار الدفوف بحماسة ولعب الكبار على طبلتين، فيما صدحوا جميعًا بالغناء. تحرك عازف الساكسفون العجوز حولهم، وبما أنه لم يقدر على الاشتراك بالغناء فقد رقص أمام العروسين، على مقاطع عزفها مئات المرّات وسمعناها مئات المرّات، حتى ليظن المرء أنه سئمها، فيعجز عن تفسير تلك الحرارة.
تقافز عازف الساكسفون من مكان إلى آخر، يتلوى ظهره وراء الصوت، ورأيت أنه غافل عن من حوله. لم يكن عزفه سيئًا، كان حسنًا بلمسة من حزن، ذلك الحزن الخفيف الذي إذا مسَّ الجمال أحبَّ المرء الجمال أكثر. تعلقت به ولوهلة نسيت كل شئ عداه. كان العجوز يظهر ويختفي على فترات بين أجسادٍ اجتذبها الرقص، لكن عزفه المنفرد كان قادرًا على استحضار الصورة، وبقدر ما تمنيت أن يمتد إلى آخر الليل، صاحبتني تلك المعرفة بحتمية التوقّف، فكان كل ما يهم هو اللحظة، فيها أنضم على استحياء إلى أحد أركان الصورة.
لمّا انتهى العزف سحبت الفرقة نفسها، واحدًا واحدًا، إلى الشاي البارد. تلكأ العجوز ونقّل قدميه. ربما هو التعب، فكرت، لكن ظهر أنه كان ينتظر أن يخفّ الزحام من أمام العروسين. ابتسم لهما وسلّم عليهما باليد، ثم مشى يعرج -وكنت كما لو أكتشف ذلك للمرة الأولى- إلى الكرسي نفسه حيث كان ينتظره شموخه. مشيت وراءه فأوقفتني نقرة على كتفي، وصوت استفسر إن كنت أعمل هنا. التفت فكان أحد الأصدقاء المشتركين في السكة. ضحك. ضحكت أنا الآخر.
قلت ربما.