كلب ملوكي: قصة من كتاب أحمد كامل القادم

(من ليالي ألف ليلة)

Stephen Mackay, “Dog”, 2021. Source: artsy.net

أبي كلبٌ في البلاط الملكيّ، ومن بعده فأنا على أهبة كي أكون، ومن قبلنا أبوه كان كذلك، أمّا جدّي البعيد فكان قرداً، يتقافز بين يدي سلطانه. وكلامي ليس مجازية، صدقاً هو الواقع، كما جرى، وكما آملُ في قادمي أن يجري.
إن سيرة عائلتي تردُ في حكاية من ألف ليلة، وإن اختلطت ببعض التحريف، المقصود؛ في محاولة للاستئثار بكنزنا، الذي تعثّر صدفةً به، أوّلُ السلالة.
تذكرُ الحكايةُ جدّي البعيد بوصفه حطاباً معدماً، مدّ يوماً خطاه إلى البريّة في زمن كساد، متوغلاً أزيد مما اعتاد، إلى أن ألفى خميلة فأتى منها شجرةً وأزال عن جدارها الترابَ، وإذ بفأسه تصطك في حلقةٍ نحاسية مدغمة في لوح خشب. رفع اللوح فبان من أسفله درج، يغور في باطن الأرض. وهبط عبره فوجد عند آخره باباً يؤدي إلى قصرٍ متين البنيان، وفي أروقته صبية كالدرّة السنية، ينزع مرآها من القلب كلَّ همٍّ وبليّة. فسألته: “أيا هذا ومن تكون؟ أأنسيّ أم جنّي! إني هنا منذ عشرين سنة وما لمحتُ أثناءها أحداً من الإنس”. وأخبرته أنها سليلة ملوك في الأصل، لكن عفريتاً مغرماً اختطفها ليلة عرسها، ولخاطرها شيّد هذا القصر، وفيه يزورها كلّ ليالٍ عشر، فيمكث ليلةً واحدة. كما جعل لها قبةً منقوشة بطلاسم تلمسها كلما عرضت لها حاجة، وحينئذٍ يحضر العفريت ملبّياً من فوره.
وتعارفا، وأذنت لجدّي بالإقامة في القصر. وكان يسيراً على قلبٍ معوزٍ وقلبٍ تواق للونس الائتلاف، وأن تمتد بينهما وشائج محبة، فيصير جدّي سيداً على القصر بكافة محتوياته، طالما أمكنه الاختباء في أحد الجحور بمهارة فأر، ليلة حضور العفريت.
إن جدّي إثر أقسى عوز في ألذّ دعة، جرة العسل تُسكره وتريق الشره، وأسنان حذره تتثلم؛ يشذر لا رضاه باليوم المُقتطَع ويتماوج في غضبه، ولا يجدي نهي الصبية ولا حثّها إياه، كي يقنع بالأيام التسعة ويتغاضى عن العاشر؛ يرفس القبة بقدميه ساهياً، عن تطاوله هكذا نحو جبارٍ لا طاقة له به. فيحضر سيدهما الفعليّ كي يذبح الصبية جزاء الخيانة، ثم يسخط جدّي في هيئة قرد.
إن جدّي حقّاً حطاب، وحقّاً عثر فأسُه في حلقة نحاسيّة في البريّة… أما ما تلا ذلك في الحكاية فمحض افتراء، غير أن شيئاً خفياً من العظة، بالإمكان استنباطه من تلك الأكاذيب.
فلو أن حطابنا قنع بما اختلسه من لذة، واكتفى بحصة فأر يقتات الفتات في غياب سلطانه (وهو ما ليس للفأر فتاتاً بالمناسبة)، ودأب يُخلي الفراش في اليوم العاشر في أريحية، بلا مناطحة في ما هو أصلد من قرونه، لعاش عيشة هنية؛ تماماً كملك، أثناء إغفاءة الملك.
وتردفُ الحكاية: إن جدّي ركب البحر بعدئذٍ في صورة القرد، وتعلّق به قبطان السفينة، لما رآه من إمارات الذكاء والعقل فيه؛ لقد كان قرداً بمعارف آدمي. وذاع صيته كحيوان أعجوبة، يغمس القلم في الدواة ويخطّ في القرطاس الشعرَ، مثلما يتحلّى بجمّ من لياقة وأدب، درجة أن بلغ نبؤه السلطان، الذي أمر أن يلبسوه حلّة ويركبوه بغلة ثم يأتونه به في موكبٍ احتفالي، تحفّه من الجانبين أهالي البلدة في حبور. وكان السلطان في صدر مستقبليه أمام درج قصره. فهل كان لحطابنا أن يحظى بشيءٍ من تلك الفخامة، إذا ما كان في صورته الآدمية، عامل اللسان!
إنه الآن مدلل وأثير لدى سلطانه. الذي يضحك صافياً من قلبه وكلما رآه، يرفعٌ الكفّين شاكراً نعمة ربّه، إذ خصّه دون غيره بمعاينة كلّ طريفٍ ونادر. وهكذا يتعدى دورُ حطابنا منطقة إدخال السرور، نحو توطيد العلاقة بين السلطان وربّه، بل ونحو شعور السلطان بنشوة الاصطفاء والسمو الأخلاقي، وهي نشوة تتدفق بشيء من الخير، الانفعالي، تجاه الرعية، وبمقدورها في تلك الحالة، أن تنتسب إلى العدل.
ثم إن ابنة السلطان، وقد تلقّنت في صباها أمور السحر من مربية عجوز، تزور أباها ذات يومٍ في مجلسه. وما إن ترى القرد حتى تحمّر خجلاً وتستنكر، قائلة: “يا أبي! أتدعوني وأسفر وجهي في حضرة أجنبي؟!” تشير الفتاة إلى آدمية القرد وتسرد ما جرى له من أهوال، ومن ثمّ تشرعُ في تخليصه.
ومن أجل إزالة القردية، تتناول البنتُ سكيناً وتخطّ عند القرد دائرةً وتغمغم، فتظلم الجهات كأن القصر انطبق. وإذا بالعفريت ظاهراً أمام الكلّ يتدلى في أقبح صورة؛ بأيدٍ كمدراتين وساقين كالصواري وعيون كمشاعل. وقد أخذ يصرخ: “يا خائنة! ألم نتعاهد ألا يعترض أحدنا الآخر!” وبنت الملك تجيبه: “يا لعين! ومن أين لمثلك عندي يمين!”
ينقلب العفريت إلى هيئة أسد وفي يد الفتاة يبرز سيف، ويخوضان عراكاً ضروساً يتبادلان خلاله الأدوار، ما بين ذئبٍ ونسرٍ وعقربٍ وعقابٍ وحيّة؛ يباشران تمثّل هيئات الضواري، قبل أن ينقلب العفريت إلى قطٍّ مستأنسٍ منغلبٍ على أمره، مغادراً أطوار الوحشيّة، ثم أخيراً إلى ثمرة رمان، والفتاة تلاحقه في هيئة ديك يلتقط الحبّ، كأنما في هذين الأخيرين تلميح، إلى المعتاد من مأكول الإنسان ودنو فجره. فلو أن حكايتنا مقتصرة على عراكٍ شرس لكان أحرى به، أن يتدرج خلافاً: أي من ثمرة الرمان نحو الأسد والسيف، لا أن ينخفض نحو استئناس قطّ.
إن الفتاة في الحكاية تبدو كيد تطور، فلا شيء لدينا بريء. ولأسلافنا حكاية شبيهة عن إنكيدو، الوحشيّ الذي لقنته الأنثى التمدن، حتى سقط عن قائمة الحيوانات. وتجدر الإشارة هنا أيضاً إلى تعبير كتعبير “حيوان منوي”، ولماذا درج المسمى بمفردة “حيوان” لا “إنسان”! ثمة تفسير يعزو المفردة، إلى شكل الرأس والسوط الشبيهين بأبي ذنيبة، لكن في ما يبدو، أن التعبير يشير إلى أن الإنسانية لن تتحقق، سوى بالمرور في حنان الأنثى، وكما سبق للسيد إنكيدو، وكما في حكايتنا، حيث أن الفتاة وخلال مسعاها لتحرير الحطاب، تلتقط أجزاء العفريت المتناثرة في صورة حبّ الرمّان، كأنها تنتزعُ عن محيط الحطاب كلَّ ما هو حيواني شريد، وتوظّفه في مسلك الغذاء. غير أن حبّة رمان واحدة تبقى وتختفي أسفل فسقية، حبّة شهوانية سوف تعيش وتظلّ حلاوتها تنغّص، أسفل ماء الحياة ومنحوتة الحضارة. والديك يرفرف ويصيح فيما يشير نحوها بمنقاره، دون أن يعي أحد الحاضرين غرضه.
تفرّ الحبّة وفي هيئة سمكة تسقط في المياه، والديك في إثرها، يلطم الأعماق في صورة حوت، يلتقم ابن آدم ثم على البرّ يلفظه، فالأمل لن يُعرف سوى باختبار مضاده من اليأس.
يغيبان في ماء الفسقية ساعة ثم تعلو جلبة وصراخ، وهما يبزغان؛ الفتاة لجة نار تلاحقه والعفريت لظى، يخترق الليوان وينفخ شرراً من منخريه، يحرق وجه السلطان وواحدةً من عيون القرد، قبل أن ينتهي عند أقدامهما ككومة رماد. وكأن السلطة في ما سيتلو مشوّهة، مسلوخة الوجه إلى الأبد. وكأن شيئاً من العمى لابد وأن يكابده القرد، في إنسانيته المُقبلة.
ترشّ الفتاة مياهاً فوق القرد، فيبتلّ كمن خرج توّاً من رحم. وبينما يتأنسن فإن الفتاة تصيح:”النار.. النار مسّتني يا أبي ولن أعيش في الدنيا ساعة”. تصير الصبية كومة رماد، تماماً بلا فارق عن العفريت، الاثنان ذكرى مفتتة مما قبل الولادة؛ كحيوان وبويضة، تصارعا على المرور في جسد المولود، وليس من أثرهما سوى ما تريده الحياة للمولود. ويطرد السلطان حطابنا حانقاً مما جره استرداد الآدمية من مصائب. وليس للحطاب أن يغتبط بنجاته، إذ فقد عيناً، وعليه أن يمضي قدماً، متوكئً في الدنيا على نصف رؤية ونصف بصيرة.
في قصصنا آية في قصصنا وهم. وحقيقة ما جرى كان خلافاً. إذ أن جدّي عثر أسفل اللوح الذي اصطكت به فأسُه على كتابٍ من تمارين، في مقدورها أن تحيل الآدمي لما يشاؤه من حيوان، مع احتفاظه بالكنه الإنساني بعيداً عن السطح. وقد اهتدى بعد تفكيرٍ وبمكره الذي اكتسبه من سنوات المعاناة والعوز، وبمحض إرادته، أن عيشة مرتاحة كقرد في بلاط سلطان، أكثر آدمية من بؤس وجوع، وهما فعلياً يمحوان مزايا العقل. وكان المكر يزداد في السلالة درجة عن درجة، كي يدرك من تلاه من أحفاد، أن الوجود الكلبي أكثر إدهاشاً وباعثاً على الثقة بالمتصوَّر من إخلاص الكلب؛ فيما نتناول القلم هذه المرة ونغمسه في الدواة، عبر الفم لا الأيدي، كما أن شيئاً من التنوع بين الأجيال مطلوب، درءاً لملل السلطان.