سلطان محمد: ثلاثة لإحدى وثلاثين

Kurt Cobain. Source: loudwire.com

العمْرُ من أفعال الطبيعة؛ أنت – ١

 

ستمرُّ الليلةُ، لا بأس. الوقت كله أصلًا عملية مرور بين ثقبين من نَفَس الله؛ ونحن نُلفَح ونتنهّد. إحدى-وثلاثونك دخلت في سلّة تفاحاتك المعطوبة، وهذا أمر جيد؛ لأنه يعني، فيما يعني، أنك تقترب أكثر من موتك. حفلةُ خلاياك الصاخبةُ تأخذ في التعالي أبعدَ من البُحّة إذ يقودها كيرت كوبين من نوع باطني يخصُّكَ وحدك. نيرڤانا ظهرت في التسعينات، مثلما ظهرت أنت على الوجود. مرّوا سريعًا تاركينَ بصمةً محفورة بعُمق بحر؛ أنتَ ما زلت تحاول غَرْس بصمتك على الماء غيرَ أنك تشربه بلا أثر لأنك سريع التعب، وتشخُّهُ، سريعًا كذلك، لأنك قليل الصبر. ثمت فروق كثيرة، بالطبع. بل لعل التشابهات لا توجد أصلًا لإيجاد مقارنة. أعلم. وهم يقولون، أيضًا، لا تقارن نفسك إلا بنفسك؛ غيرَ أنكَ لا تجد فروقًا تُذكر إلا على جسدِك، وتلك أفعال الطبيعة لا أفعالك!
.

سأنفجرُ يومًا ما؛ أنا – ٢

 

أكرَهُ وجودي. لم أتصالح، قط، مع النكد الممض المسمّى بالمعيشة. أن أصحو وأذهب إلى المدرسة أو الجامعة أو العمل. قط، لم أرَ في الأمر فائدة. كلها كانت مجرد أوامر تُسمع وتُطاع؛ إما من الوالدين والأهل أو من الجماعة والمجتمع. دائمًا ما كان الذهاب والإياب، الطويلان بين أي نقطتين في حياتي، فارغين. المحصلة، أبدًا، واحدة : صِفْر. عندي أرقام كثيرة بالتأكيد. ليست ثريةً ولا تدعو المرء إلى المباهاة بها، لكنها مرئية ومقنعة للآخرين. أرقام من القصائد، أعداد وفيرة من القراءات، كمٌّ متراكم من الأغاني تدخل دمي في أواخر الليل، عدد متطاول من السجائر، مبالغ مالية مهدورة هنا وهناك، رقم لا بأس به من أفكار مخبولة تُوهمني بأنني ذكي ومختلف؛ أرقامٌ كثيرة تأتي وترحل إلا رقمًا واحدًا دائم الثبات وذا قيمة متجذّرة في وجودي : الصفر.
أكره كوْنَ أنني أنا، نفسي؛ لو خُيّرت أن أكون أي شخص آخرَ لما ترددت وهلةً. أن أكون، على سبيل المثال، امرأةً، في زمان قديم، تغزل وتنكث غزلها كل يوم في انتظار شيء لا تعرف ما هُو ولا تمتلك يقينًا قاطعًا إن كان سيأتي أم لا؛ فقط، تغزل وتنكث ما تغزل يوميًّا كأنها شمْس بشرية؛ لا جديد في الوجود والدأبُ لا ينقطع في الإشراق والغروب. أعلم أن اختيارًا كهذا غير متاح لي كي أكونَهُ لكنني أفكر فيه كأفضل الخيارات المتمناة، أفكر أنه الخيار الوحيد الذي سأختاره متحمسًا وبلا تردد. أما الخيارات الأخرى – لو أُتحيت – فإنني سأقتنصها بلا تردد وبلا حماسة أيضًا.
أسمَعُ الأغنيات. أشعر أن قطعة من الخيش الخشن تغلّفُ دماغي وفي وسطها أسلاك كهربائية. ماء المخ يتسلل بينهما؛ ثمتَ عطَنٌ تكوّن في سطُوحي؛ وأعرف أن انفجارًا يتبعه حريق هائل سيحدث يومًا ما : ستصير رأسي بُرجَ نار ! متى ؟ وحده علّام الغيوب يمتلك الإجابة أما أنا فأمتلكُ الأغنيات. وأستمعُ إلى كيرت كوبين :
And if you wouldn’t mind I would like to blew!
.

ثلاثون أخرى؛ هُو – ٣

 

حتى صكّه هلع عميق ثم انكشف له غطاء من نور فقال “مُتْ يا موتُ” في لحظة احتضاره، وهو في الحادية والستين من عمره.
لم يفعل اليوم، احتفالًا بعيد ميلاده الحادي والثلاثين، غير شيئين. الشيء الثاني أنه زادَ جرعته هذه الليلة فانقلب الأمر عليه وخيمًا، إذ أدخلته الجرعة في نوبة هلع ولولبتهُ فيها حتى انطفأ؛ لم ينم، إنما انطفأ . لا يتذكر في أية لحظة تحديدًا راح في النوم اللهم أنه استيقظ على بِركة من العرق وبعض المنيِّ. كان نومًا بلا قاع، لا يتذكر بم حلُمَ، لا يعرف على من احتلمَ؛ كل ما يتذكره كان يسبق لحظة الانطفاء. يتذكر وجوهًا كثيرةً مرت أمامه كفَرِّ صُوَرٍ في استديو جوال. وجوهَ قوم لا يتعرف عليهم، وآخرين يتعرف ولا يصيب أسماءهم، ويتذكر غيرهم ممن كانت ملامحهم تتماهى تموّهًا وتتداخل أعضاء وجوههم معًا، وهناك من رأى مكان أنوفهم ما يشبه أيورًا تتدلّى. أما الشيء الأول فكان أنه أخذ يمشي، قال لنفسه سأقطع مسافةً طويلة هذا اليوم، سأجرّب عافيتي، هذا عيد ميلادي، وشعر بخصاه تحتك؛ هذا ما ذكّره بهلعه الأوّل. وبينما يمشي، بعد ربع ساعة دون توقف، شعرَ بخلاياه – أو ما توهم بأنه كذلك- تنحلُّ وتتفكك. شعر بفكرة أنه قريبًا سيفقد عافية المشي. أعرفه؛ لا يريد عافيةَ الوقوف في طوابير الأصحّاء ولا تجريب العنف في جسد آخرَ أو النيكِ؛ يريد أن يمشي وحسب. يعرف صحة نفسه : أوهن من بيت العنكبوت. أرعبته الفكرة، فدخل في نوبة هلع أخرى وهو يقظان بينما يمشي. كاد يسقط. توقّف لحظة. تماسك بعض الشيء من نوبة اليقظة. وعاد يمشي، متعثرًا هذه المرة. يحاول، فإذا تستقيم مشيته قليلًا قليلًا، ثُمَّ إذ هاهُو واثقًا من خطوته يمشي فيسيرُ صائحًا في نفسه، وقد أصيبَ بما يشبه عُظامًا مباغتًا، طقّت أناه فقال : لو لم تبقَ لي غيرُ خطوة واحدة، وأصير الكسيح، لمشيتُها بذات اللذة؛ بعدذاك ربما .. ربما أحاول تقليد المسيح، ماشيًا على الماء، بطريقة أخرى غير القدمين … ربما !
وظل هكذا يردد هذه الربما ماشيًا حتى.