أنس الأسعد: على وضَم، أماسي فيليب روث في الديم شرق

Philip Roth. Source: vogue.com

i.
بين الفارق الضوئي الذي يأخذ بالحدقة ضيقاً وتقلّصاً (والمتناسب طرداً مع حرارة الشمس في الزقاق غير المُسفلت، والمسمّى في عاميّة الخرطوم “زلطاً”)، وبين عتمة (عتمة الدخول المفاجئ إلى منزل حَشَويّ غير مُرخَّص، ابتُدعَ على مخالفة بين منزلين مُرخّصين)، تأخذ بالحدقة اتساعاً وتمدداً، كانت خطواتُه أسرع بكثير.. إنه أثر الانبهار معكوساً.
قطعَ «الحراشي» أول غرف المنزل مع الدلّال، وهو شبه أعمى، تخلّى عن حاجة كبرى للبصر في عزّ وقتها وطلبها. عضلاتُ قدميه صارت أسرعَ منها تلك العضلاتُ المسؤولة عن انكماش وتوسّع الحدقة، لم ينتبه إلى كتلة خالها امرأةً؛ تمدِّدُ نفسها نصف امتدادة على سرير في الغرفة الأولى. لم ينتبه إليها إلّا عندما وصل إلى الممرّ الواصل بين الغرفة الأولى والثانية حيث يقوده الدّلال، لاستكمال معاينة البيت المستأجر. سمع صوتها الغض في الخلفية، انتظر فخاً أو عملية اختطاف، أن يستحيل الدّلالُ ميليشياوياً، من أسياد الحواجز الذين استوقفوه وسألوه سابقاً عن خوّة أو أتاوة، وقبل هذه وتلك سألوه أولاً عن هويّة. أخذ مسافةً منه مخافة طعنة مرتقبة بمطواة خبّأها تحت كُمّ الجلابية الفضفاضة، “كان عليّ ألا أدخل البيت بهذه السرعة وقلة الاحتياط، سيقتلني لا شك، إنّي أعرف عينيه، قد رأيتها من قبل”. كلُّ تلك التهويمات لم تحدث بالطبع. صوتُ المرأة ما زال يتردّدُ، ثوانٍ حتّى انكشف المكان، وارتختْ عضلة الحدقة، فتمكّن من حفظ الملامح، وسماع الصوت، وشمّ الرائحة، فاعتدل بهيئة تدّعي الثّقة، “لو داير تعاين الغرفة تفضل عاين، لو ما داير اقعد استريح”. ظلّ صوتُها يطنّ بهذه العبارة حتى مع وصوله إلى الغرفة الثانية وعبوره الممرّ. الدّلال مرّة ثانية وعلى انفراد، “لو داير تاخذها بمليونين تفضل وقّع، لو ما داير اقعد استريح”. بيد أنّ أريحية الانتقال، وخفّة المعاناة، وألفة المكان، أطبقت جميعها على صدره، وسوّفت توقيعه لعقد الآجار الشاق الذي طالما انتظره.
ii.
(ولِع ميشيل فوكو بالمرآة، ولعَ كونديرا بالتخفّف، وقد رطنَ الاثنان حدّ الإزعاج عن هذين المفهومين كثيراً، ولو أنّ الثاني وجد نفسه أقرب من المفهوم المُجرّد، فكيف للأول أن يستدعي التجريد لشيء كالمرآة؟ راحَ فوكو يتحدّث عن “لعبة المرايا” كلّما أراد أن يذكّرنا بمناقب معلّمه الأول نيتشه على حساب عَمِيقَين احتفظ بمسافة دونهما: ماركس، وفرويد. ثمّ أخذ فوكو المرآة إلى حدود الانتباذ، المرآة مكان اللامكان، هيتيروتوبيا كما كان يقول، هذا إذا عكستِ الشيءَ أمامها، فكيف لو عكستْ مرآةً أخرى إلى ما لا نهاية، ما أراد فوكو الذهاب إليه من هذه اللعبة هو أنّه لا دلالة أصلية، كلُّ الدلائل ستتحوّل إلى تفاسير ما إنْ تُقدّم نفسها دلالةً لمذبح تفسير من تلك التفسيرات)
مثل هاذي الملاحظات الدفترية، كانت تشدّ الحراشي إلى الماضي، ماضيه الشخصي القريب، طالباً جامعياً منبهراً بالفلسفة ومأخوذاً بعزّة آثام اللغة. الذكريات القريبة تحملُه إلى قصاصاته بنفس المستوى من اشتهاء الجائع للمَرَق اللحومي الذي كانت تحضّره السيدة «منّة الله» أمّه، وتقطـِّعُه يدا «مُدثـّر» والده، صاحب ملحمة البتلوــ رأس الحارة. استعان بذكرى القصاصات؛ ليفسّر لذاته هذه الألفة المكانية التي حلّ بها بعد سَفرٍ أشبه بالهروب، لم يكن ليقتنع به على مهَل حتى يُسلّم بمجرياته هكذا على عجَل! وبعدَ مكانٍ لا يفصل أزمنةً عن أخرى، (الزمان مكانٌ سائل، والمكان زمانٌ جامد، كذلك تكلّم ابن عربي)، بقدر ما يعيد سيرة المكان الأوّل بتفاصيلها الأهليّة والحميميّة، تلك الإعادة الأبدية التي آمن بها نيتشه. وبعدَ أشخاصٍ راح يرتّبهم حسب أمثلة خالها فوقية كمثال أفلاطون، بيدَ أنها ظلّت تتدانى من عليائها الجنانية بسرعة مذهلة حتى حايثَت الأشخاصُ القديمةُ المستجدّةَ وطابقتها، في حركاتها البدنية أولاً، هذا ولم يقل شيئاً عن المطابقة الأكبر في اللغة، ثانياً، إذ لم يتوقّع أن يقطَع كلّ هذه المسافة ولا يُغيّرَ من لسانه شيئاً. أين مكمنُ المرآة من هذا كلّه؟ أو وجه الاستشهاد الذي يبحث عنه؟ لم تكن مُعلّقة على الحائط هذه المرّة إنما هي ذلك السمارت فون، الذي يصله بوصفه بعيداً مُلزماً بواجبات الاتصال.
أيّها الذكي، استثمر بوحدته، صِلْه بأمسه المكاني بأخبارِ الجنّة الجحيمية التي منها هرب، هذا في حال اشتغالك، ولمّا تنطفئ فإنّك سرعان ما ستعكس صورتَه، هو حاملُك، اعكسها إذن بصفاءٍ أسود يُغْني عن شراء مرآة، أوَليس المطلوبُ في السفر العَجول ضبطَ النّفقات، والاحتراسَ من التبذير؟
iii.
بين مدينتين، مسقط الرأس ومسقط القدم، مسقط الحرب الواقعة ومسقط الحرب القديمة المُنهكة، لن تستطيع التمييز من أيّهما قد يفرّ المرء، المهم أنّ الثانية محطة لكثيرين أمثاله يلتقطون الأنفاس.
نظر لنفسه داخل طابور الخبز الصباحي، يعيّرُ ميقاتَ الانفضاض، هنا أقلّ بكثير، على ذات الصفّ ترتصف المحلات رآها هي هي كما تركها في حيّه العتيق، الخضرة، فالمعلّبات، فالمخبز، فالملحمة، لدرجة تأكّد فيها أنه دخل إلى والده بصحبة عمّه «أزهري» الذي أشار على والده بالشروع في العمل في ملحمة مستقلة في الحي وترك المسلخ الحكومي البعيد، شاطره مبلغاً من المال يبقى دَيْناً يستوفيه من ثمرة عمله، وتوفيقه به، ولو أنّ مُدّثّر بقي متردداً وساخراً من كلمة التوفيق، وهو يعلم تمام العلم أنّ مال أزهري ليس نقياً خالصاً لوجهه تعالى. أقولُ مرّت أيام الحسابات المُعقّدة، وعُمِّرت الشراكة بين الاثنين، بل بين الجيلين من أولادهما، لم ينسَ أزهري شرط المموّل، «اسم الملحمة على اسم ابنته بتول» أو بتلو كما يدلّعها وكأنها ضربٌ من نعاجه الطرية المُجَندلة، التي طرّز بأسمائها لافتة عريضة: بتلو – فيليتو – بيانكو.. إلخ. أمّا بعد غيبة الابن فلم يلبث مُدثّر أن صار يُهيَّأ له أنّ ياسر بن أزهري هو ابنه، حقيقة لا ادعاءً كما قال ذات يوم في بداية الشراكة والجيرة!
بين مدينتين، مسقط مكوث المدبرين عن الحياة، ومسقط ارتحال المقبلين عليها، مسقط الحرب الواقعة ومسقط الحرب القديمة المنهكة، ينظر مُدثّر لنفسه ولابنه، تذكّرَ سخرياته القديمة من ابنه عندما جاءه بعد أسابيع قليلة من دوامه في السنة الجامعية الأولى، “أبي لقد قررت أن أصبح نباتياً” أُرعبَ من سماعه ذلك الكلام، لم يناقشه طويلاً؛ إذ طالما أحسّ أنّه أقلُّ وعياً من ابنه، اكتفى بحقّه بالتساؤل مُحدّثاً نفسه كيف لجسده الضعيف أن يتحمّلَ ومن أين سيستمدّ طاقته؟ ظلّ يستيقظ أسبوعاً كاملاً من ثقل الكوابيس، بدأ ينفر من مهنته وهو الذي لم يدّخر مالاً أمام “جامعة الصبي”. لم تكن النباتية هي البدعة الوحيدة التي أدهشته، وبالرغم من سرعان انطفائها؛ إذ لم يعد لمثلها، فبعد أقل من تسعة أشهر انضمّ لمائدة العائلة، لم يشعر بطعم اللحم، نبّهته أمّه قبل ذلك، بلعَ المُضغة الأولى، نظر إلى أبيه وتوقّع شماتة أو ابتسامة، لكنّ والده ظلّ حذِراً يداري قلقه الذي درج عليه، معتقداً أنّ تناوله هذا هو مرحلةٌ تفصل بين طبقات وتدرّجات في النباتية، يجوز فيها بعض اللحوم، لم يكن يتوقَّع أنّه ارتدادٌ مُطلق سيريحه شخصياً، سيعود الصبي لتحصيله الدراسي بطاقةٍ حقيقية، ويعود الأب ليتصالح مع مهنته في الذبح.
ليست البدعةَ الأولى، ولا التخلّيَ الأخير، لكنّها الأعلقَ في ذاكرة الأب، ربّما لأنها الأشدُّ تناقضاً مع طبيعة عمله؛ إذ عاد الأب بعد كل هذا الوقت ليسأل ياسر عن غايته من الامتناع عن اللحم لمدّة تسعة شهور؟ لم يخيّب ياسر الظن، تعامل مع الموقف الزهايمري على أنه فعلاً الحراشي الصبي، لكنّه لم يكن ليسْلَمَ في المرات القادمة التي لن تقتصر على محض أسئلة وأجوبة. خاف ياسر وانقطع عن زيارة الحراشي الأب الذي أغرقه الحزن، وهدَّهُ التفتيش عن سبيل يتفق فيها مع نباتية ابنه.
iv.
بالقرب من الفقد، كانت للصبيّ سيرته المشابهة فصحيحٌ أنّه لم يترك خلفه سوى الأسئلة التي حاول والده معها كثيراً، بيد أنّ النباتية لم تكن لتستحيل إلى هامستر يقبضه مدثّر بين يديه، أمّا الأشياء، كالكتب والأقلام، فلم تُسْعف، السمارت فون كان فوبيا، أو ثقباً أسود يستعاض عنه بمكالمة هاتفية، أو حديث مع النفس أمام مرايا البيت البيضاء الكثيرة، في حين تكللت محاولة الاطمئنان إلى حلول ياسر وتقمّصه شخصية ابنه بالفشل، بعد أن صار ياسر يتهرّب من طريقه.
(يتحدّث سلافوي جيجيك عن الهامستر الذي نقبض، أو عن شعور الارتياح المتمثّل بتعلّقٍ نُؤْخَذ به تُجاه لوازمَ شخصية لمن نفقد، عن رجل فقد زوجته بمرض السرطان، لكنّه تجلّد أمام المصيبة، وأبدى ثباتاً مُدهشاً، لمّا احتفظ بعادة يُمسك بها بهامستر كانت زوجته تربيه، مات الهامستر بعد فترة، ففقدَ كل الثبات والتجلّد وانتهى به الأمر إلى أحد المشافي ليعالج من حالة اكتئاب مزمنة).
أمّا الحراشي الفتى فكان سهلاً أن يجدَ الهامستر المنتظر لم يكن بعيداً عن منزله الذي سينتهي عقد إيجاره بعد أيام، وعليه التصرّف بسرعة، قبل أن يترك الحيّ، عليه تخليص البلطة من ملحمة البتلو -ملحمةٌ مثالٌ عن ملحمة قديمة- ظلّ يتردّد عليها، شدّته منذ بداية سُكناه رائحةُ الذبائح النيّئة، إنها مألوفة لديه خاصة عندما تمتزج بأثر نكهة الليمون أو الليلك، يأخذ الجو مع هذا المزيج هيئة غيمة واخزة تلامس جلد الزبائن، وتترك لزوجتَها التي يشعرون بها من تحت نِعالهم.
تواترت زياراته للملحمة، في كلّ مرّة يحاول مغافلة أزهري –أزهري مثال عن أزهري قديم- ليأخذ البلطة ويهربَ بها، كان يخسر رهان شجاعته مع نفسه، فأزهري حريص على سكاكينه، يُقال إنه كان ينقلها معه في حقيبته المنزلية، ينظفها هناك ويعيد تأهيلها من جديد استعداداً لليوم التالي، لكنّ هذا الحرصَ ناجمٌ عن إتقان للمهنة ولم ينشأ عن خوف من سرقة مثلاً، لا أحد يُفكّر بسرقة قطعة حديد، الأَوْلى أن يسرقوا اللحم أو النّقود! في المحاولة الفاشلة الأولى، اضطرّ الصبيّ لشراء بعض اللحم، فطولُ وقوفه أمام واجهة الملحمة، أزعج أزهري، أخذ بالتردّد صباحاً ثم يكتفي بالمرور مساءً، أصبح يرضى من الغنيمة بالرائحة فحسب، الرائحة النيّئة، أصوات الاقتطاع الطري، والحدّ الخافت لضربة تلتقي فيها البلطة بالوَضَم المُدْمى من أثر ارتماء الذبائح فوقه، لخّصها امرؤ القيس ذات شطر «عصافيرٌ وذبّانٌ ودودُ». راح الحراشي يُكدّس اللحم يومياً، ينفقُ كلّ ما ادخر، لا مجال لطهوها بإتقان منّة الله فقنع بتجميعها، لن تعجزه البتلو ولا أزهري، حتى لو غيّر المنزل سيجد ملحمةً أخرى تشفي هوسه وتعبّئ له رئتيه بأثر بروتينيّ لزج.
في اليوم الأخير لتسليمه المنزل، كان قد كوّم أكثر من عشرة أكياس ضخمة من لحوم الضأن والأبقار أنتَنتْها الحرارة العالية لشموس الخرطوم، ألقى نظرة خائفة عليها فتّش عن البلطة، متأكّداً أنّه استطاع تخليصها من بين يدي أزهري بالأمس، غاصت يداه في تلّة صغيرة من الديدان التي بدأت تنزّ من حواف كومة اللحم. ترك الباب مفتوحاً وتوجّه راكضاً نحو البتلوــ رأس الحارة.
v.
سُمّي السَّفَرُ سفراً لأنه يُسْفِرُ عن أخلاق القوم، والعرب أُخِذت بالسَّفر والارتحال حتى أنها راحت تروزُ الأخلاق وتبدّلها قياساً به، وهذا تعظيم من أمره، لكنّه في هذه السيرة المتخيّلة للحراشي، قد يكونُ بالأحرى تسفيراً، أو ترانسفيراً يؤرَّخ ويُقال إنّ ما قبله ليس كالذي بعده.
ذهب فيليب روث، في روايته “سخط” للحديث عن الجنديّة الإلزامية التي فُرِضَت على الشباب الأمريكي أثناء الحرب بين الكوريّتين، مطلع الخمسينات من العقد الماضي، وعن نهج المكارثية المحافظة التي حكمت البلاد وقبضت أعمار البالغين وساقتهم إلى الموت. بطلُ الرواية يروي لنا قصّته من خلف جدار المقبرة، هو أحد الفاشلين بالنجاة من تلك القبضة، ماركوس ميسنير فتى في التاسعة عشر من عمره، ابنٌ للحّام يقع ضحية بارانويا نجاة ابنه من الحرب والجنديّة وخسارة المستقبل “الباهر” الذي ينتظره بعد الجامعة، لكنّ ماركوس يُطرَد من الجامعة بعد فوضى حلّت بجامعته اقتحم فيها الطلاب الذكور مبنى الإناث، وسمّوها غزوة الكيلوتات، فُصِل كلّ الطلاب المتورطين وغير المتورطين، وسيقوا إلى الجبهات ومن ضمنهم ماركوس الذي لم يلبث أن مات. على عكس ماركوس، لم يمُت الحراشي ولا ياسر، بالنهاية دحمان بن مُدثّر ومنّة الله من غير ممكن أن تكون هذه الأسماء الثلاثة سوريّة، وليس همّاً مدى مطابقتها للأسماء السودانيّة أو الجزائرية أيضاً، على اعتبار أنّ الحراشي الحقيقي صاحب أشهر أغنية عربية تقريباً في هجاء أو ذمّ السفر: راحَ.. سافرَ.. أُعيِيَ.. ولّى.
ظلّ ياسر كما الحراشي ينجوان، بالرغم من أنّهما قد حُكما بما هو أفظع من محافظين ساقوا أمريكيين إلى حرب، رايات سود، وجلاوزة أمنيّين لا تؤهّلهم بدائيتهم سوى أن يُقارنوا بذواتِهم البربرية، هما وجها ثقبٍ أسود ينقبض على ذاته، وإلى أن يتلاشى ستتبدّد حيواتُ أناسٍ كُثر. لكن امتناناً لتلك النجاة الصّدفة، ولأن هذه الرواية أو الروايات دُوِّنت من أمام واجهة الحياة وليس من خلف جدار مقبرة، صار مفروضاً على السخط أن يكون أقل. وكأن أضغاث الأغاني هيّنةٌ لعناتُها مقارنةً مع العظام… إن أنتَ تعثّرتَ بها.