محمود حمدي: ساباتو والهذيان

Ernesto Sábato. Source: elperroylarana.gob.ve

لا أفكار حاضرة، ومع ذلك، برغم توحش الصفحة البيضاء ونفوري مما ينطوي عليه فراغها، أجدني مدفوعًا إلى الكتابةٍ.
أنتظرُ ميعادًا، يفصل بيننا وقتٌ كثير. كنت في صمت الإنتظار، أجعلُ الوقتَ أداة استجوابٍ لنفسي، كيف لي أن أبقى طافيًا في هذا الفلك؟، بمجرد أن حُدِدَ الميعاد وقتًا ومكانًا صارَ مركزًا، وصرتُ جُرمًا في فلكه. تتلاشى الهوايات والغايات في سبيل إنجازٍ وحيد، فأبلغ نفسي: فقط تخطى هذا الميعاد وأنت من بعده حرٌ كطير. أما الآن، مسلسلٌ في زنزانة الوقت.
ألم يحن بعدُ الميعادُ؟
أتمدد في فراشي، وأحاول استحضارَ أفكارٍ للتسلية، أهذي بها: نفقُ ساباتو، جائعُ هامسون، رحالةُ أولغا. أستحضرُ أحاديث الذات، حتى وإن كانت ذاتًا أخرى، فما الهدفُ في النهاية إلا انصهار الذوات في عملية السرد. إنني أتضور جوعًا وأرتجف بردًا في الشوارع النرويجية، وأوسوس محمومًا في نفقِ الإدراك الضيق بعشيقةٍ أصارعها، تفهمني فأقلتها، صراعٌ مع الذات كما ينبغي، كما في الأخرى، أو حتى أهيم على وجهي، شادًا رِحالَ مخيلتي لا أثرَ لخطوتي كما ينبغي لها أن تكون. مستسقيًا من حكمةِ الزمن العريق “توقف مبكرًا قبل أن يفيض الكيل. اشحذ حد الموسى جيدًا جدًّا، فسرعان ما يتبلد.”* كل ما في الأمرِ أنني لا أرغب في الصمت، حتى لا يستدعي العقل أصواته الخاصة.
أغوص في سريري، أكثفُ انشغال الحواس، أفقدُ الإدراك لما حولي، في الاستلقاءِ الأول ما كان ملمسَ القماش، هيئةَ المخدة ونعومتها، صار سطحًا يلامس سطحًا. أمتلئ بها، معنىً مجردًا، كما في الشعر، يهمسُ لي، بصوتٍ مجاور، مملوءٌ بالهذيان، بالجمل المبتورة، موسوسة، درويشة كأن لها تاريخًا، وكأن الصورةَ تخرجُ من رحم، من غارٍ بلا نهاية. غارٌ بخشيةِ الوحدة. لكن، يا صاحبي إن الكلمةَ معنا، فلا تخشى الوحدةَ.
أتسكعُ خلف عيني، أجاور زميلًا، فنبصرُ سويًا نوافذ الإله، ونحتفي بخمولِ الزمن الغابر وكونديرا في بطءٍ وروية. نحاول الاستشفاء من تخمةِ الوقتِ المتسارع، والمرئيات التي لا تنتهي.
أعاني الخسارةَ فأخبره، فيقول للموت حسنًا وأخبره: أتبصر ضوءًا في آخر النفق؟ فيقول لا، وأقول بلى هناك، إنه في طريقكَ، أتبصر كلمةً ترادف وجعك؟ يقول لا، فأقول: حسنًا لا يهم. سيكتبها أحدهم مستقبلًا.
“أَكتب بانتظام” يقول متحذلقًا، فأكتب معه بانتظام، أكتب أكتب، أكتب، أكتب، بانتظام، ناعيًا، صاخبًا، تائهًا، آمرًا، مودعًا، ضحيةً، مراقبًا. أكتب بانتظام، طفوليًا، سعيدًا، متألمًا، بكل التناقض الممكن. بعلو النبرة أو خفوتها، سنصرخ أو نهمس، فقط حتى النهاية، صديقي. ينبغي علينا مضاجعة الصفحة، عليها تعرفني. نعرفُ بعضنا البعض، قبل النهاية، قبل مفترقات الصداقة والتسكع، قبل الموت، وقبل نهاية العمر. سأكتبُ بانتظام، ستراني كأني أعثر على الله في جملةٍ أو بين نغمتين، عاريًا في ثنايا التيه. أكتب كمن يربط حذاءه استعدادًا للركض، كمن يعثر على ضالةٍ لآخرَ، ولم ينل من بحثه إلا ثِقَلَ الأمانة.
ألم يحن الميعادُ بعدَ؟
تتكالب الأفكار، تفقد اتصالها. بلا هوادةٍ أستدعي ماضيًا، أهذي به، بسيرةٍ من الواجب هو، مدفوعًا بواجبِ الأبوة، يقتطع بالوقت أجزاء من لحمه يلقي بها لنا. لعلنا نستقوي بها، وبكل ما لديه من حساسية، يبعتدُ عنا حتى لا يميز بين الخيبةِ والإشادة، كلٌ عنده سواء، فالله قضى به إحسانًا في نهايةِ المطاف، فلا يسمع منا أُفًا أو ما شابه. وعندما تفور الحياة في وجهه، يفور بطاولةِ المنزل، ونحنُ من فوقها أوانيه الهشة. نسقطُ أنا وإخوتي، فمنا من ينكسر فيحتاجنا لجمعه، ومنا من يُخدش فلا يكترثُ له، حتى يكسر. يفور ثواني، ويستدعيه واجب الأبوة مذنبًا، يلملم طاولةَ المنزل من جديد، فيجمعنا فوقها. وتستغرقه ثواني الثورةِ شهورًا لجس النبض والخشية، فالخيبة المريرة والإشادة المنتشية وجهانٍ لعملة الارتباط به. يجمعنا من جديد على الطاولة، حتى تفور الحياة من جديد.
ألم يحن الميعادُ بعد؟
هاتفتني النافذة، هتافَ فضولي. استقمتُ راقصًا على إيقاعات فرانك أوشن، أتمايل مع الموسيقى، وفي النافذةِ رأيتُ من رآني. وجوهٌ لا أعرفها منشغلة في حياةٍ لديها، أو هكذا بدا. وجهٌ منهم انفرد برؤيتي أقترف الرقص عبر النافذة، في العادة كنت سأختفي عن النظر، لكنني بالفعل شعرت أنني غير مرئي، كأنني أتمازج مع الموسيقى أو الوقت الذي يمر فوقنا، كأنني لستُ معدودًا، شاردًا عن المركز، هل يراني حقيقيًا؟ هل أراه حقيقيًا؟ كما أنا، كما هو خوان بابلو كاستيل، هل خوان بابلو حقيقي؟ هل ماريا حقيقية؟ “لماذا يجب على الحقيقة أن تكون مبسطة… لقد علمتني التجارب أن الأمر لا يكون كذلك أبدًا، وما يبدو في غاية الوضوح أحيانًا، أو يتراءى أنه ناجم عن علة بسيطة، قد ينطوي دائمًا على مسببات أكثر تعقيدًا… “** لماذا لا أمانع شذوذ الصورة، لماذا لا يعترض، ولماذا لا أُحرج؟ “أي ملهاةٍ عجيبة هذه”***
كشهابٍ ساقط، يندفع النورسُ غامسًا جسدهُ في الصفحة الزرقاء، بعد أن حامَ حينًا بعينٍ تطارد سمكةً أو خيالًا لهدفه. وما لاحظتهُ بشكلٍ منفرد، ما هو إلا تكرار، حلقةٌ في سلسلة. النوارس كلها في البحر، النوارس كلها في الهواء. والناس كذلك. في هذه البلاد، كانوا كما يكون الطائر، أو ما قد يدل عليه، بأجنحةٍ خلفَ آذانهم. حتى أرغموا على ارتداء قبعات من حديد، استعدادًا للطرق. أراقب النوارس، أنتظرُ مثلهم، أحوم فوق الصفحة البيضاء، لعلي أهبط فوقها بكلمةٍ، تداوي عجزًا عن الكتابةِ، عجزًا عن التعبير والتفسير، عن الإصغاء للعالم.
يبدو لي كل شيء في مكانه الصحيح، بأي مكانٍ كان، فالحقيقةُ أنني لا أمانع أي شيء، أعترفُ بأنني أفقد نفسي في انتظار شيء ما، لا أنجز نفسي، ولا أمشي في طريقي الخاص، لأن أحدهم سطا على هذا الطريق. وأنا بما في من سذاجةٍ أنتظرهُ لينهي سطوه إلى نهايته، حتى يتنسى لي الصفاءَ بنفسي من جديد، حتى أجمع شتات نفسي بعده، لأنني لم أجمعه من قبله، والكابوس أنني لن أفعل. أتسوفُ بما يشغلني خارج مطامحي، حتى لا أستجوب نفسي عن ما يشغلني عن نفسي. والأمر كله لا يعدو أن يكون مزحةً في نهاية النفق/الجوع/الرحلة/الامتداد/الحياة.

*كتاب الطاو – لاو تسو, ترجمة علاء الديب
**من رواية النفق – إرنستو ساباتو، ترجمة عبد السلام عقيل
*** السابق بتصرف

 

 

 

 

**