أودرا: نجوى

Source: facebook.com/BellyDancerNagwaFouad

-١-
يجلس منفردًا على كرسيه الخشبي الوحيد في البيت. تليفونه المحمول ملقى أمامه على السرير. يمعن النظر فيه، في خط اللمعان الخفيف على حافته. يحاول تمرير الوقت بحصر العوامل التي تسببت في وجود اللمعان بهذا الشكل بالذات: الخامة، زاوية الإضاءة، وضع المحمول، مكانه هو في هذه اللحظة. قضى مدة كافية للراحة قبل البدء في تنفيذ القرار الذي اتخذه صبيحة هذا اليوم. أولًا: العالم مُسيّر، فيزياء، حقيقة. نوعًا ما. وفي يده الآن منشور وجده أمام الباب يدّعى أن نجوى فؤاد بإمكانها منحك قدر كافٍ من حرية الإرادة لتحديد مصيرك في اللحظات الحرجة. فقط عليك أن تدعوها إلى العشاء في أحد المطاعم. هامش: وإن كنت انطوائيًا لا بأس، لا تزال أمامك الفرصة، “اطلبلها ديليفري”.
بدأت ظاهرة نجوى، مانحة حرية الإرادة، منذ مدة ليست ببعيدة بين مرتادي قهوة حمّالة الحطب. كانت امرأة أبي لهب على علاقة وطيدة بنجوى فؤاد لسبب ما لا يعلمه إلا الله. تقول الإشاعة أن نجوى كانت تشتكي لامرأة أبي لهب من صعوبة المعيشة الآن وأن “الرقص معادش جايب همّه”، طالبةً نصيحتها كامرأة أخرى مغضوب عليها وصامدة رغم ذلك. أخبرتها حمّالة الحطب بثقة العارفين: “بصي يا نجوى، المسد اللي في جيدي ده بيوكّلني دهب، دوَّري على مَسَدك اللي في جيدك”.
حمّالة الحطب كانت قد افتتحت قهوة تقدّم شيشة من نوع خاص، موظِّفة بذلك قدراتها الخاصة، حيث استبدلت الفحم كولعة بمَسَد جيدها الذي لا ينتهي. أخذت المرأتان تفكران بإخلاص فيما يميّز نجوى عن غيرها من المغضوب عليهم.
الرقص. معروف طبعًا أن الرقص يمنح جمهوره حرية إرادة. حاولت الحكومة إغلاق الكباريهات أكثر من مرة، ولكن ولأن الحكومة كبقية الأشياء في هذا العالم، مُسيّرة، فلم يحدث ذلك حتّى الآن. هكذا تبادل روّاد القهوة قصّة صعود نجوى كحامي المدينة الجديد، وأصبح همّهم الشاغل تدريجيًا هو توفير ما يكفي من المال لتدبير عزومة عشاء لنجوى، حيث أن نجوى لا ترقص دون عشاء، أو إن حرية الإرادة لا تُمنح على معدة فاضية “عشان متتعبش”، كما يقول أحد البوسترات المعلّقة على باب المقهى. أصبح الإقبال زائدًا على حرية الإرادة إلى أن فتحت نجوى إمكانية إرسال العشاء لها ديليفري: ترسل لها عشاءَ، فترسل لك رقصة. كانت المشكلة الوحيدة أن حرية الإرادة لا تنتقل رقميًا، لذا عليك شراء مُشغّل شرائط فيديو قبل المبادرة بالطلب.
التقط المحمول عازمًا أن يطلب لها وجبتين “بيج ماك”، فموقفه صعب.
“.ألو”
قالها بنبرة استدل بها العامل في “ماكدونالدز” أنه شخص مُسيَّر، أو أنه مسيّر جدًا لدرجة أن الـ”ألو” خاصته كانت
كما يقول الكتاب، وليختصر على نفسه الوقت، بادره بالسؤال:
“عاوز أوردر لنجوي؟”
“.آه لو سمحت اتنين بيج ماك”
“.حاضر يا أفندم، سيب رسالة صوتية بعد سماع الصفارة”
“.بيب”
“… أستاذة نجوي، أنا وقعت ف واحدة عندها بلوج علي تمبلر وبتحب تاو لين، ومش عارف أعمل إيه. نجوي، بتقرا ألت-ليت وعندها اكزيستنشيال كرايسيس يا نجوى، طلّعيني منها سليم”،
كان يقولها بصوت درامي لم يتوقّع أبدًا أن يصدر عنه. انتابه الندم للحظة على عدم تسجيل المكالمة الفائتة. أغلق المحمول وأخرج البطارية، وصعد واقفًا على الكرسي محاولًا لمس سقف الغرفة. قفزة بعد أخرى إلى إن انتهى إلى السقوط على الأرض، مستلقيًا، مبتسمًا.
يعرف “الجالس منفردًا على كرسي من خشب” (أو فلنسمه اختصارًا “جمعكُم خاء”) أنه سيحتاج إلى نجوى مرّة أخرى يومًا ما، ولعلّه قريب.
كان جالسًا، كالعادة، منفردًا على كرسي من خشب في قهوة حمّالة الحطب، ينتظر صديقه “المتأخّر بطبعه” (أو فلنسميه اختصارًا مَبَط). يمارس رياضته المفضلة في تخيّل غرفته الآن بعد أن وضع فيها مربّع الجرانيت. “جمعكم خاء” مصاب بالوسواس القهري، وكان متوسّط عدد ساعات نومه في الأسبوع ساعتين لكل يوم، يظل مستيقظًا إلى أن ينام، قد يدوم هذا لخمسة أيام، ثم يغيب عن الوعي بمساعدة فوطة يضعها على عينيه. يتذكر الآن موقع مربع الجرانيت واتصاله الغامض بنسمة هواء عالقة في أذنه اليمنى، تتخللها ذبذبات أذان قادمة من المسجد المجاور؛ يفصل بينهما طريقٌ يتنفّس ترابه وتملؤه أصوات عربات الكارّو والنصف نقل، موزّعٌ على امتداده عشوائيًا روث حيوانات (وربما بشر) بمختلف الروائح. كان قد اكتسب “جمعكُم خاء” مهارة التمييز بين الحيوانات تبعًا لرائحة روثها. الآن يستند على مقعده الخشبي بمساعدة راحة امتزاج ذاكرة تموضع مربع الجرانيت في غرفته، بعد أن ضبطت له أبعاد الغرفة، وقدرته على تمييز رائحة روث حمار طازجة تحملها نفس نسمة الهواء الحاوية لذبذبات الآذان: ربما لهذا السبب اختارت امرأة أبي لهب هذا الموقع بالتحديد. خُيّلَت إليه زوجة أبي لهب كأم حنون مُرضَعة وأخذ يمصمص شفاهه بين كل شدّة مَسَد. قضت نجوى له حاجته، وأراحته حمّالة الحطب. أحبّ صراط الضالين بروثه. الصراط الذي يعطيه فرصة سماع خطوات مَبَط الذي أتى أخيرًا.
-٢-
مرّ عام وبضع شهور قبل أن يجد “جمعكُم خاء” نفسه يفكّر مجددًا في رقصة نجوى فؤاد، كان يشتري يوسفيًا بناءً على طلب والده. كيلو يوسفي، أربعة جنيهات. ولأنه والبائع بلا فكّة فقد اقترح عليه، اقتراحًا لازمًا، بأن يجعلهم كيلو وربع، ليحلّل له الخمسة جنيهات. مضى “جمعكم خاء” مستكملًا مشواره بعد أن مرّ على مكتبة تصوير مستندات. ورقة واحدة أربع نسخ، لوالده أيضًا. أخذ يتأمل العلاقة الطارئة بين أبيه ورقم أربعة. كان قد عاد “جمعكُم خاء” إلى منزل العائلة بعد أن أُلْزِم بترك عمله السابق والانتقال إلى عمل جديد إجباري، كان يدفع ثمن لحظات قليلة من حرية الإرادة. لم يخبره أحد أن العالم سينتقم منه بهذه الطريقة، أن ينهال عليه بكل هذا السيل من التسيير الصريح لأموره. لم يملك مصيره منذ أن زال مفعول الرقصة، وحتى الآن.
اشترى علبة سجائر “إل إم أزرق”، وأخرج سيجارة وأشعلها في طريق العودة. كانت تسير أمامه قطة طوال الطريق، وحتّى باب البيت. خُيل له للحظات أن الباب سيفتح من تلقاء نفسه ليُدخِل القطة، ولكن ولأن القطة أدّت دورها على أي حال، ولأن العالم المسيِّر لن يهديك دليلًا على أدواته بهذه السهولة، فقد انعطفت القطة عائدة فور أوصلتْه إلى الباب. دخل “جمعكُم خاء” المنزل، سلَّم على والده وسلَّمه الطلبات، وانطوى في غرفته بعد أن أغلق بابها بالترباس. يجلس منفردًا الآن على كرسي من خشب يدخّن سيجارته الثالثة.
تعرَّف “جمعكُم خاء” على فتاة من مدينة ساحلية – تقع في منتصف طريقه إلى عمله الإجباري الجديد – وعاد ارتباطه بمحموله وأشباحه الممتدة على سطح شاشته. يلمسها فتستجيب. صُوِرت له الشاشة كدمية ماريونيت تتحكم في خيوطها الفتاة، يسلّم عليها ويرقص معها رقصات تعبيرية. كان يرى نفسه كدمية ماريونيت بدوره في أحلامه التطفلّية خلال هذه الفترة؛ هو كدمية يدير خيوطها عالمه المسيِّر، وشاشته كدمية تُدير خيوطها فتاة المدينة الساحلية.
كان لا يبدو على فتاة المدينة الساحلية (أو فلنسمها اختصارًا “فاء مَس”) أي مظاهر قلق نحو العالم. كانت محجبّة ولم يعن هذا شيئًا، كانت تحقق آمال عائلتها ولم يعن هذا شيئًا، كانت تنْفذ في العالم، كما يلج النهار في الليل، والليل في النهار. خط لمعان خفيف فاصل يحصّنها من كل قطط هذا العالم – كانت “فاء مَس” تفضّل الكلاب، وتقضي أوقات فراغها في صناعة مخبوزات سكرّية لا تأكلها.
لاحقًا هذه الليلة سيتذكّر “مَبَط” بعد أن فشل في استدعاء دمية شاشته، أخبره “مَبَط” مرّة أن استراتيجيته للبقاء في هذا العالم تتلخص في عدم الفزع إلى تلبية النداء، أي نداء. تشعر بالجوع؟ لا بأس، لا يزال أمامك يومٌ أو أكثر قبل أن تحتاج إلى الأكل فعلًا. تشعر بالوحدة؟ لا بأس، لا يزال أمامك عُمر كامل على الأقل، قبل أن ينسخ الله روحك في نملة.
-٣-
“جمعكُم خاء” لا يزال غرًّا في رؤيته للعالم وحياته، يظن أن شقاءه اليومي عابر وحتمًا ستأتي لحظةٌ تطيب فيها الأمور. يُبدد شبابه في المواصلات العامة، والسجائر، والحشيش، والخمر، والاستمناء، وقهوة حمّالة الحطب، والأعمال الهامشية، والاكتئاب، وفيديوهات يوتيوب، ومناقشات مكررة عن الكتب والأفلام والموسيقى والحياة، وآراء لم يراجعها والتحديق في سرّته، وقراءه محادثاته على الإنترنت مائة مرّة، والتخطيط لمستقبله بعدد أيام كل سنة جديدة، والاحتفاظ بتذاكر ما حضره من حفلات ومهرجانات وندوات كان فيها منفصلًا عن محيطه ولم يصنع أي ذكرى.
في المقابل، بدأت ملامح النضج عند مَبَط في مرحلة مبكرة من حياته. مثلاً، كان يحضر دروس رياضيات عند أحد جيران والده، وكان في المرحلة الابتدائية –لتشابه سنواتها عليه لم يتذكر أبدًا أي سنة بالتحديد- وفي إحدى المّرات نسى حلّ الواجب. وفي لحظة المواجهة مع المدرّس أخبره أنه نسي الكشكول في البيت واستأذن ليذهب ويحضره. خرج مَبَط، ومن يومها لم تطأ قدماه بيت المدرّس أبدًا. عاد إلى بيته وقضى ما بقي من اليوم نائمًا. يَظُن مَبَط أن المدرّس من واجبه انتظار عودته إلى الأبد، هذا لو أن العالم عادل. أصبح من عادات مَبَط حكي القصة في قهوة حمّالة الحطب لكل صديق جديد، يراها قصة مناسبة لتعريف نفسه دون الوقوع في فخ الكشف عن نفس مُضلَّلة وموهومة.
من الصعب تخيّل الظروف التي قد يحتاج فيها مَبَط إلى مساعدة نجوى، حتّى محاولة التفكّه بذكر الفكرة في القهوة غالبًا ما تلقى ابتسامات مواساة لصاحبها، كان ينظر الجميع إلى مَبَط بعين الحسد والخوف تمامًا كما ينظرون إلى الموت في أشد نقاط حياتهم سوادًا ورغبةً فيه.
ولهذا كان ينتظر “جمعكُم خاء” مَبَط في القهوة ليحكي له عن حياته بعد أن رأى رقصة نجوى. لكن ولأنه في مَسَده السادس الآن ولم يأت مَبَط بعد، تشتتت أفكاره وحكايته، التي قضى وقتًا في إحكام تفاصيلها الصالحة للسرد، بين رائحة الروث وصوت الآذان ومبسم الشيشة، وانتهى به الأمر أن يغالي في ردة فعله حين حضر مَبَط أخيرًا، وجد نفسه يُخرج قلمه الجاف ويغرزه في أذن مَبَط.
كان قد تبقّى بعضًا من أثر نجوى عليه. كانت وجبتا البيج ماك أثقل من اللازم لحل مشكلته الأولى التافهة.
-٤-
حاوّل مَبَط، مرّة، أن يكتب يوميات أو ما شابه. كان يجلس أمام الشاشة يعبث في محفظته، يفتح جيوبها واحدًا تلو الآخر، متأمّلًا الطريقة التي تنفك بها الخياطة وتهدأ. يمطها ويطويها، يمطها ويطويها، يمطها ويطويها. كرر ذلك مرارًا. يُقال إنه قضى يومًا أو أكثر يمط ويطوي، إلى أن انتظم انطواؤها مع أنفاسه، ولم تعد المحفظة شيئًا كباقي أشياء العالم. اتصل بمحفظته وأصبحت عضوًا شكَاءً في جسده، تداعت لها سائر أعضاءه بالسهر والحمّى، وانتابه التوتّر واضطربت حركته. خمس حركات أخرى وتمزّعت ثناياها.
هذه إحدى طقوس مَبَط الخاصة لتنظيم علاقته بالعالم: أن يلتهمه، أن يتخلّص من وعيه بما في هذا العالم من أشياء منفصلة، يتوجب عليه تطويعها غصبًا؛ ألا يشعر بمقاومة الصامولة داخل صنبور المياه إن فتحه مثلًا، ألّا يذكر أنه يمسك بالمقود وهو يدور بعربته على الطريق مثلًا، ألّا يفكّر في موضع الحروف على لوحة المفاتيح وهو يكتب مثلاً. لكن دائمًا ما يكون خطب الأمثلة هيّن، فهناك أمور تبقى مهما تكررت طافية كالريم في ذهنه، كحاجته للتفكير، والتحدّث، والتفكير فيما تحدّث به، والندم علي ذلك، وتحديد اللحظة المناسبة لعبور الطريق، إحساسه بمرور الوقت في انتظار تغيير مسد شيشته، وإخراج النقود مضبوطة من المحفظة لدفع الحساب.
أمور كهذه تُفقِد مَبَط شعوره الأول بالحصانة من كل شرور العالم. لم يتمكن أبدًا من البكاء بمفرده، كان يفخر بالانفصال الذي يشاهد به كل الحوادث المروعة أمام التلفاز، وآثارها على أجسادهم، على أنفسهم، على دموعهم، على عويلهم. وَقع تمزّق المحفظة أشد وطءً عليه من مشاهدة الأخبار مؤخرًا، أشد وطءً حتّى من أول مرة تعرّض فيها لـ goatse(*) على الإنترنت. ولكن حتّى إربه الممزقة، إرب المحفظة، لا تستدعي البكاء.
أخرَج أنبوب الصمغ السائل من درج المكتب وحاول فتحه بيديه، بأسنانه، بشعلة ولّاعته. لا جدوى. أخرج دبّوسًا من نفس الدرج وصنع ثقبًا صغيرًا في غطاء الأنبوب. كان منفعلاً وهو يعصر الأنبوبة فانطلق منها صمغ لطّخ منتصف الشاشة، لن يدرك مَبَط ما حدث إلا بعد أن ينتهي من ترقيع المحفظة، ستبقى آثار الصمغ هذه على الشاشة إلى أبدها.
تذكّر مَبَط أن جمعكم خاء ينتظره على قهوة حمّالة الحطب، منذ أيام على الأرجح. خرج والتقى به وحدث ما حدث. غرس جمعكم خاء قلمه، وصنعت الدماء بقعة مشابهة لتلك التي على شاشته. اتصل أنبوب الصمغ بأذن مَبَط للحظات ربما. يقول بعض الباحثين والمؤرخين أنه كان بالإمكان تفادي كل هذا لو لم يثقب مَبَط الأنبوب بالدبوس، أو لو لم يقرر مَبَط كتابة يومياته من الأساس.
(*) اكتب تعريف مختصر له https://en.wikipedia.org/wiki/Goatse.cx
-٥-
خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم أجلسه فمسح ظهره بيده اليمنى، فأخرج ذرءً، فقال: ذرء ذرأتهم للجنة، ثم مسح ظهره بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين، فقال: ذرء ذرأتهم للنار، يعملون فيما شئت من عمل، ثم ختم لهم بأسوأ أعمالهم.
لا يعلم مَبَط في أي يمين كان حين كان ذرءً، ولكنه على خمير هيئته الآن، قبل أن يكتمل خلق الكون. هذه روحه: رأس لا يُبصر أسفلها أبدًا، ورقبة اخترقها صنبور مياه، وأذن تدمى من أثر القلم الذي غرزه فيها “جمعكم خاء”. مُقنعًا رأسه، وفؤاده هواء، وأمامه صفوف من هيئات لا يميّزها على امتداد بصره، وخلفه شعور عميق بسُحق هوّة لا يدركها. كان رأسه مثبّتًا على محورين متعامدين، رقبة أصملها الجفاف، وصنبور مياه ثابت وكأنه اخترق جدارًا خلفه لا يلمسه.
اشتد الحرّ، وظن للحظة أنه سَمع دقّات مطرقة ذكَرته بتلك التي تسبق دخول “الحانوتي” إلى حلبة المصارعة. يعلو صوت ينادي: «ألست بربكم؟». لا يسمعه مَبَط، ولكن تستجيب الصفوف، تصيح: «بلى شهدنا». لا يسمعهم مَبَط. يتكرر النداء، ويزداد الحماس. يشعر به مبَط في مسام جلده اليابس. «ألست بربكم؟». تعلو الصيحات. «بلى شهدنا». لا يسمعهم مَبَط.
أدرك مَبَط أنه أصم، ولسانه يابس، كلما ازداد حماسه وأراد الصياح دار صمام الصنبور مقدار ذَرّة. ضاق مَبَط بحاله. يستجمع قواه ويحاول أن يصرخ، يدور الصمام، يجاهد نفسه بلا جدوى، يجاهد نفسه إلى أن انفلتت منه إرادته، فانبثقت روحه من الصنبور، خراءً عفنًا، ولا ينبس ببنت شفة. تُسكَب روحه ولا تتحرك شفتاه.
لن يتذكر مَبَط أيًّا من هذا حين يفيق لاحقًا في المستشفى. ينتظره “جمعكم خاء” خارج العنبر، يغالب النوم ويعبث في هاتفه المحمول. كان قد خلا من “فاء مَس” وأيقن أن صراط الضالين منحدر، وأن القادم أشد وطأً. يغمره إحساس زائف بالسمو. دائمًا ما يحس بالسمو بعد أي قرار يظنّه حاسم، أنه انفصل عن فشله وخيبات أمله، يردد في نفسه، إنّا لمبعوثون خلقًا جديدًا، يرددها ويعلو صوته في ردهة المستشفى ويعبث في جداوله وخطط عمله ويمسحها واحدًا تلو الآخر باستهتار. إنّا لمبعوثون خلقًا جديدًا، تك، إنّا لمبعوثون خلقًا جديدًأ، تك. ستنقضي الليلة وينام، ليسرق عامل النظافة محموله ويبيعه في سوق الجمعة. لن يبحث عنه “جمعكم خاء” حتّى. حين استيقظ وجَد مَبَط يستمع إلى الراديو بصوت خفيض، بالكاد يسمعه. أخذ بيده حاملًا إياه على ظهره، وخرج مهرولًا من باب الطوارئ غير مكترثٍ لنداء الممرض.