أحمد الفخراني: أخي الكبير

August Sander, Brothers, 1920. Source: spenceralley.blogspot.com

لم أنس أبدا نظرة أخي الأكبر المكسوة بضباب من الدهشة والحزن والتي رمقني بها قبل أن يستدير بإباء ملك نبيل مهزوم مغادرا الغرفة، ومن يومها لم يعثر له أحد على أثر.
أجبرت بغيابه أن أصير أخا أكبر لأشقائي وأن أتحمل إرثه كقدوة وناسخ أكواد العائلة وحامل صلبان أعرافها. فما لا ينسونه أبدا بشأنك كأخ أكبر حتى بعد أن يكفوا بميلاد أشقائك عن معاملتك كزهرة نادرة، هو أن عليك أن ترث عهد مملكة لا وجود لها إلا في أذهانهم، فتُختزل حياتك وحضورك في شيء واحد: أن تثبت فكرة. رغم أن الأخ الأكبر في النهاية ليس إلا خاسر مساحات.
كان شقيقي يلعب دور الأخ الأكبر بهبة فطرية وبخيال براق وطازج، لطالما اخترع من أجلي الألعاب والعوالم، مبتدعا إياها من اللاشيء ومن كل شيء، فيخلق منها مغامرة كبرى، جاعلا كل ما حوله في حركة، كأنه يوقظ الجمادات من سبات عميق، الكنبة تصير قطارا أو سفينة، نقوش السجادة هي خريطة لكنز مفقود، خزانات المطبخ كهوفا، الدواليب آلات زمن، السرير جزيرة، الشماعات تصبح سيوفا، الوسادات دروعا والمسدسات البلاستيكية الرخيصة تطلق نيرانا حقيقية، أبطال الأفلام والقصص يتحولون إلى أشخاص مرئيين. كان قادرا كإله على نفخ الروح في الصلصال، وأن يصنع من ورق الكراسات المدرسية أساطيل وصواريخ تصطاد النجوم، أن يحول بإشارة سحرية أبناء عمومتي وأخوالي إلى قراصنة ومجرمين وضباط ومحاربين جسورين وعشاق، بفضله امتطيت التنين، روضت وحوشا، وأنقذت الكوكب من الغزاة، كان يحول ألعابا كالبلي أو لعب الكرة أو الكوتشينة والأتاري، إلى ألعاب بالغة الإثارة ويبتدع حولها أجواء منافسة أسطورية، شقيقي هو من اخترع ماراثون الصالة، وأولمبياد الصالون وحروب الألف عام، حصدنا سويا مئات الميداليات وصعدنا إلى منصات الشرف. صنع في شقتنا حارات وشوارع ومدنا، نحن الذين حرمت علينا تربيتنا اللعب مع أترابنا خارج المنزل. كما كان سيدا مهابا في عوالم الجن يأتمرون بأمره، وكذلك كنت أفعل خوفا من قدرته الشيطانية تلك.
بفضله حظيت بمرشد بلا سطوة أو مخالب أبوية يسبقني إلى استطلاع الطرق والمتاهات الغامضة للحياة، فلأنك تختبر لسعة النار في إصبع الأخ الأكبر لن تحترق، لأنك سترى كيف سقط في الحماقة ستكون أكثر حكمة.
كان يحميني في المشاجرات التي أخوضها في المدرسة، علمني حب قراءة المجلات المصورة، خداع المدرسين الباطشين، معنى الظلم حتى ولو لم يوضح لي ما العدل، شرح لي الغامض من الدنيا، حتى لو ألفه تأليفا، كان بطلي الخارق ودليلي وبصري.
حتى أتي ذلك اليوم، وكان لابد أن يأتي، كنا في غرفتنا نلعب كما اعتدنا سويا، وكدت أن أفوز عليه للمرة الأولى في لعبة البصرة، فقد اتبعت القوانين كلها كما تعلمتها منه، وكما أقرها في الجولة السابقة التي هزمني فيها لتوه، كنت أمتلك كل ما يؤهلني للفوز، البنت البستوني أقوى أوراق اللعبة التي تجمع كل الأوراق، الآس التي تحسب كبصرة إذا ما كان هناك ورقة واحدة على الأرض، حتى لو لم تكن مماثلة لها، كما أني حظيت بالتسعة الديناري، والتي تعني أن يحتسب لي ثلاثين نقطة في الجولة، لكنه رفض أن يعتبرني فائزا، منكرا القوانين التي سنها.
عندما لعبنا ألعابا أخرى لم أستطع أن أمنع نفسي من الانتباه لتلاعبه بالقوانين التي يبدلها كل مرة ليضمن الفوز، واجهته معترضا، فهددني بأن يجلب عفريته الجبار لتأديبي، طلبت بوقاحة لم يعهدها أن أراه. ارتبك قليلا، ثم اشترط أن أمتثل لقانون اللعبة، أن أغمض عيني ليتمكن من استدعائه عبر كلماته السحرية المخيفة والمنذرة والتي طالما روعتني فأتوسل إليه كي يتوقف عن ندائه، لكن تلك المرة خرقت القانون، فتحت عيني، معلنا بثقة: أن لا وجود للعفريت، مؤكدا زيف كل القوانين والحيوات التي ألفها.
لم يجد حلا سوى أن يلقي بورقته الأخيرة التي طالما أمنت مركزه، قوته الجسدية، فاشتبك معي، ولكني ببساطة تمكنت من تثبيته على الأرض بذراعي، وضغطت عليه بكامل قوتي التي اكتشفنا سويا في تلك اللحظة أنها نمت بما يكفي لتصرعه، توسل متألما لأتركه، فعلت بوجه منتفخ بالزهو، لكن ما إن نهض حتى رمقني لثوان بتلك النظرة التي خلفت في روح طفل في السابعة من عمره ندبة لا تمحى، ثم اختفى.
بحثت عنه في كل مكان في المنزل، نادما على ما ضيعته في لحظة خيلاء تافهة باكتشاف ذاتي، حتى اهتديت إلى أنه في الأغلب اختبأ بخزانة دولاب المطبخ، الكهف الذي ينفتح في ساعة مسحورة على ممر إلى غابة تسكنها الحوريات والتنانين، مكثت وقتا طويلا أنتظر، غفوت مكاني لأصحو على صيحة ملتاعة من أمي، التي نهرتني ثم احتضتني وبكت، كانت تبحث عني لساعات دون أن تدرك أني في خزانة الدولاب.
سألتها:
أين ذهب أخي الكبير؟
ضحكت بملء فيها من سذاجة خيالاتي قائلة:
ليس للبكري أخا أو أختا أكبر.
لم أصدقها أبدا.
واصلت لعب دوره كأخ أكبر، لكن دون خياله البراق والطازج أو هبته الفطرية، بل كخطأ قد ترتكبه الطبيعة عندما تُلبس جسد رجل روح امرأة وبالعكس، أخطاء كتلك، تضمن لأصحابها شعورين متناقضين. أولهما القداسة لأنهم يُدينون الطبيعة بشيء ما، أما الثاني فإحساس يلازمهم طيلة حياتهم كظل أنهم محض متطفلون على نظامها الصارم.