طارق الجارد: فن الراوي المُريب

Hiroshige Utagawa, Forest of Suijin Shrine and Masaki on the Sumida River, 1856, 8th month. Source: artsmia.org

قراءة في ٣ قصص لأب القصة اليابانية الحديثة: رينوسكي أكوتاغاوا

تنويه: هذا النص سيكشف أحداثا مهمة من قصص أكوتاغاوا. إن قرأت أكوتاغاوا مسبقا، فأزعم أنك ستجد شيئا مشوقا أدناه. وإن لم تفعل، فأزعم أن هذا الكشف لن يضير استمتاعك بقراءة قصصه بل سيضيف لها. لك أن تصدق زعمي، فتستمر. أو ترتاب، فتتوقف


هذه السنة، وتحديدا في العاشر من يونيو ٢٠٢٠م، أغلقت الشرطة السويدية ملف أكبر قضية في تاريخها دون القبض على جاني، أو التيقن من هويته. التحقيق بدأ في ١٩٨٦م، في الليلة التي أردى أحدهم أولوف بالم برصاصتين، وهو عائد راجلا إلى بيته من سينما مجاورة، برفقة زوجته. التحقيق يعد من أطول التحقيقات وأكثرها كلفة في التاريخ. استعان فيه السويديون بالإف بي آي، وتتبعوا ما يقرب من ٤٠٠٠ خيط وعلامة اشتباه. الشرطة أرادت أن تثبت كفاءتها للرأي العام مهما كلف الأمر من وقت ومال، فلا مهانة سياسية وفشل مثل العجز عن كشف قاتل أولوف بالم، رئيس وزراء السويد!
الأغرب من ذلك، أن قضية مقتل رئيس الوزراء السويدي لم تحل، رغم اعتراف ١٣٤ بقتل أولوف بالم.
أما لماذا يتطوع ١٣٤ شخصا للاعتراف بجريمة خطيرة كهذه، دون أن يكون لهم علاقة على الإطلاق بها؟! فهذا أمر ذو علاقة بمعنى ما برواية الحارس في حقل الشوفان.
في قصة في غابة لأكوتاغاوا. تحدث جريمة قتل داخل أحراش غابة تتضمن ثلاثة أشخاص: رجل ساموراي نبيل، الذي وُجد مطعونا في صدره. زوجته الحسناء، التي وجدت في حالة هلع في أحد المعابد البوذية. وقاطع طريق أفّاق ومشهور اسمه تاجومارو، والذي وجد مصابا بعد سقوطه من حصان رجل الساموراي المقتول. الأشياء الثابتة في القضية، أن رجل الساموراي قُتل وسرق حصانه، أن زوجته الحسناء انتهك شرفها، وأن قاطع الطريق تاجومارو اعترضهما. لا شهود على هذه الجريمة إلا هؤلاء الثلاثة والرب. ولك المعابد البوذية لا تؤمن بالرب ولا بيوم حساب تتكشف فيه الحقيقة. والحقيقة ينبغي أن تظهر في بلاط المحكم الإمبراطورية عن طريق الشهود الذين ستستجوبهم على انفراد.
تاجومارو الأفّاق، ليس لديه ما يخسره سوى سمعته. فالشهرة التي راكمها من قتل المسافرين واستباحة أعراضهم وأموالهم كافية لتعليقه من المشنقة غدا، دون أن يقتل رجل الساموراي. وهكذا أطرى على نفسه كثيرا وهو يصف الطريقة التي خدع بها الساموراي بعيدا عن زوجته، لينازله بالسيف بشجاعة ونبل حتى تمكن منه وقيّده. ثم جلب زوجته الحسناء ليواقعها أمامه بفحولة لا تعرف النساء مثلها. وبالأخير، قتله لأنه أشفق عليه ولم يرده أن يعيش أكثر مع هذا العار (يزعم أن رجل الساموراي رجاه أن يفعل).
أما زوجة الساموراي، فقالت أنها تبعت تاجومارو بعد أن أخبرها أن زوجها قد علق في أخدود ويحتاج مساعدتها لإنقاذه، لتجد أن زوجها مقيد. أن قاطع الطريق طرحها واغتصبها أمام زوجها، ثم هرب بالحصان دون أن يقتل زوجها. وأنها لما رأت في عيني زوجها الخجل من الدنس الذي انتابها، ونظرة الاشمئزاز منها، قررت أن تطعنه بصدره!
(تزعم أنها حاولت الانتحار بعد ذلك، ولكنها لم تستطع).
في الغابة، لا شهود على هذه الجريمة إلا هؤلاء الثلاثة والرب، ولكن المعابد البوذية لا تؤمن بالرب ولا بيوم حساب تتكشف فيه الحقيقة. والحقيقة ينبغي أن تظهر في بلاط المحكمة الإمبراطورية عن طريق الشهود الذين ستستجوبهم على انفراد، فالقاتل ما زال مجهولا. ولذلك قررت المحكمة بشكل استثنائي الاستعانة بعرّافة تتواصل مع روح الساموراي المقتول. قال الساموراي على لسانها: أنه بعد اغتصاب تاجومارو لزوجته، طلبت زوجته منه أن يقتل الساموراي وتعيش معه، لأنها لن ترضى بعالم يعيش فيه رجلين واقعوها. ولابد لأحدهما أن يموت، فليكن إذن زوجها. عندئذ احتقرها تاجومارو، وشاوره في أمرها وعرض عليه أن يقتلها (وهذا العرض لوحده، سبب كاف ليعفو عن قاطع الطريق).  وبينما يتشاوران، غافلتهم الحسناء واختفت في الغابة حيث لا يعلمون.  حينئذ، قرر تاجومارو أن يسرق الحصان وسيف الساموراي ليقطع به قيده بضربة واحدة، ثم يترك رجل الساموراي ويرحل دون أن يقتله. سألت المحكمة: من قتلك إذا؟
أجاب الساموراي: أخرجت خنجرا خفيا وطعنت به نفسي، لأنني لم أتحمل العيش مع العار التي جلبته تلك المأفونة. لا أعرف من سحب تلك الخنجر من صدري، لكن لما وصل الدم إلى حلقي وغبت في هذا الظلام، شعرت بيد تسحب الخنجر من صدري”!
على أحد زوايا مانهاتن بنيويورك، كان مارك شابمان يسلي نفسه بقراءة الحارس في حقل الشوفان بانتظار الشرطة، بعد أن أطلق أربع رصاصات على جون لينون. من الواضح أن دماء الجثة السائلة كانت تشير باتجاه مارك شابمان. ولذلك اختار مكانا بعيدا كفاية لتجنب تلوث حذاءه، وللابتعاد عن صرخات يوكو أونو زوجة جون لينون كي يستمتع بالقراءة. إلا أنه قريبا كفاية لكي تعرف الشرطة أنه القاتل. وعندما وجدته الشرطة وبمعطفه المسدس، قال قتلت جون لينون، لأرث شهرته”!
جون لينون، مغني فرقة البيتلز، الذي دار العالم مع زوجته داعيا للسلام العالمي أيام حرب فيتنام، أُردي بأربع رصاصات من حسد في ظهره، أطلقها رجل يهوى قراءة الحارس في حقل الشوفان.
جون لينون قضى شهر العسل في اعتصامات على الأسرة الفاخرة بفنادق أمستردام ومونتريال، متموضعا مع زوجه أمام كاميرات الصحافة على مخدع الحب، وملوحا للجماهير من شُرَفَ الفنادق، ومروجا لأغنيته أعطوا السلام فرصة التي وظّفها للانفصال بشهرته عن البيتلز. قبل أن يُقتل بعدها بثلاثة عشر سنة، على يد رجل يُفضّل إعطاء الغيرة فرصة على حساب السلام.
إن السبب الذي دفع ١٣٤ شخصا للزعم بأنهم قتلوا رئيس الوزراء السويدي، هو ذات السبب الذي دفع مارك شابمان لقتل جون لينون. بل هو ذات السبب الذي دفع تاجومارو الأفّاق للاعتراف بقتل ساموراي نبيل، قد لا يكون قتله. في قصة في غابة، كل الشهود يريدون أن يكونوا في مركز الحدث لهذه الجريمة، حتى لو استدعى ذلك أن يتنافسوا على الاعتراف بالقتل، بما فيهم القتيل نفسه!
أكوتاغاوا يقول بطريقة ما، أن كل شاهد أي راوي له أجندة ما، ودوافع تحرك روايته. وكلما كبرت القضية أو اشتهر القتيل، كبرت أجندة الشاهد، واضطربت روايته، حتى أصبح مريبا. هو يفسّر أنه من النادر في أية جريمة، حتى لو كان فيها مجرم عتيد كتاجومارو وضحية نبيلة كالساموراي، أن تكون كل أطرافها خالصة البراءة. فإن كان على سبيل المقاربة من خصلة غير بريئة مشتركة بين جون لينون وقاتله، فهي حب الخيلاء والشهرة. ومن الوارد جدا لو أن مقتل جون لينون حصل في غابة بدلا من زوايا نيويورك المزدحمة، أو أن الحارس في حقل الشوفان غير مشوقة لحد أن يتململ القاتل ويترك مكان الجريمة، لتباينت روايات الأطراف الثلاثة لينون، زوجه والقاتل كتباين الرواة في قصة أكوتاغاوا. فلا شهود على الجريمة عندئذ، إلا الثلاثة والرب. وجون لينون مثل المحكمة البوذية، لا يؤمنان بالرب. (بالمناسبة، زوجة جون لينون يوكو أونو يابانية، وأمها بوذية تنتمي لسلالة ممتدة من الساموراي).
إن الريح التي هبت، لترفع وشاحها وتكشف وجهها الحسن، هي المُلامة. فبسببها عقدت العزم أن آخذ الحسناء عنوة، وعرفت أن عليَّ قتل زوجها. بهذا التبرير التافه بدأ تاجومارو شهادته، قبل أن ينبّه القاضي أنهما يتشابهان: فالقتل الذي يمارسه أحدهما، لا يختلف عن الإعدام الذي يحكم به الآخر. وهو أمر يذكرني برتابة أيام الإثنين، لأسباب قد أذكرها لاحقا.
في قصة راشومون كما في غابة يخوض أكوتاغاوا في التبريرات البشرية للجريمة، وكيف أن سردها للآخر لا يختلف عن سردها للذات. أن من يحاول كشف الدوافع الحقيقية للجريمة من خلال روايات فاعليها فقط، سيدخل في دغل من التبريرات التافهة والسطحية التي لا تصل للنزعات العميقة. وأنه من المؤكد أن حواراتاً مع النفس مشابهة تجري بعقول المجرمين قبل اقترافاتهم، فتلك النوازع والدوافع الوحشية أعمق وأبشع مما يمكن لهم أن ينقبوا بدواخلهم، وتستدعي تجميلها وتغليفها بتبريرات واهية بينما تطفو إلى السطح.
راشومون هي بوابة للعاصمة القديمة للإمبراطورية اليابانية: كيوتو. تناوبت على العاصمة المآسي من زلال، أعاصير، حرائق، طواعين، وأزمات اقتصادية حتى تهتّك الجانب الغربي من سورها، فأُهملت البوابة وهجرت. وهكذا صارت راشومون مرتعا للضواري وآكلات الجيف، والجثث البشرية المجهولة، وفي أحيان: للمختبئين من الشّذاذ. على هذه البوابة، اختبأ خادم من المطر بعد أن طرده سيده من العمل بسبب الأزمة الاقتصادية التي أصابت كيوتو. بدأ يشاور نفسهو هو يتأمل ركام الجثث البشرية على سلّم البوابة إن كان من الأصلح له أن يبحث عن عمل فيغامر بالموت جوعا وينتهي مع تلك الجثث، أو يصبح شيئا لم يكنه قبلا: لصّا. وطالما يختبئ من المطر في راشومون، ظل عقله بندولاً يتأرجح بين العمل واللصوصية، لا يعرف بأية جهة سينتهي. إلى أن رأى عجوزا هزيلة تستل خصال الشعر من رؤوس الجثث. أغاظه تدنيسها الموتى كثيرا، حتى نسي أنه كان يفكر أن يكون سارقا. فسحب سيفه وقرر مسائلتها. أخبرته العجوز أنها تصنع من خصال الشعر تلك باروكات تبيعها. وأن الجثة التي سحبت الشعر من رأسها للتو، تعود لامرأة كانت تجفف لحوم الثعابين وتبيعها للناس زاعمة أنها سمك مجفف، لتكسب لقمتها. إن المرأة الكذّابة تلك ماتت بالطاعون، ولا تظن أنها ستمانع أن تهب شعرا لم تعد بحاجة له لعجوز جائعة، تحاول كسب لقمتها.
الخادم وقع في مأزق أمام تلك الرواية. رواية العجوز المفعمة بالتفاصيل عن جثة متفسخة الملامح، مثيرة للريبة بالطبع. إن كذّبها، فهي عجوز لئيمة تستحق السرقة. وإن صدّقها، سيقبل تبريرها: أن الكل في راشومون عليه أن يحتال ليكسب لقمته!
من الممكن القول أنه في تلك اللحظة، توقف البندول في عقله عن التأرجح!
أيام الاثنين رتيبة قطعا. ولنكن أدق، أيام بداية أسبوع العمل رتيبة وبغيضة (ففي بعض أنحاء العالم كبلدنا يبدأ أسبوع العمل بالأحد البغيض).
أما في سان دييغو، فكل أيام الإثنين بغيضة، إلا أن أبغضها على الإطلاق يوم الإثنين الذي أتى في التاسع والعشرين من يناير عام ١٩٧٩م. عندما قررت بريندا سبنسر إطلاق النار على مجموعة من الطلاب يلعبون في باحة الألعاب في المدرسة الابتدائية، ثم عادت لمنزلها لتتحصن من الشرطة، وتتبادل معهم إطلاق النار. في هذه الأثناء، قرر أحد الصحفيين المتحمسين، أن يتصل عشوائيا على كل أرقام الهاتف في حيها، حتى ردت عليه بريندا. وعندما سألها لماذا قررت أن تقتل أولئك الأطفال، أجابت: أنافقط لا أحب أيام الإثنين الرتيبة، وما فعلته يجعلها أقل رتابة.
لا أعتقد أن أحدا ندم على هدية، كندم والد بريندا. البندقية التي استخدمتها لقنص الطلاب كانت هديته لها أيام الكريسمس قبل الحادثة بشهر فقط. لقد أهداها والدها الموت. ومن المؤكد أنه يتسائل لو أهداها وشاحا من الصوف، ماذا سيكون مصير أولئك الأطفال اليوم؟!
حتى يومنا هذا، لا تزال بريندا سبنسر تقضي حكمها المؤبد بسجن في كاليفورنيا. لم تقدم أية تبريرات أخرى لجريمتها، ولم تبد ندمها قط.
إن أيام الإثنين بغيضة ورتيبة فعلا، خصوصا إذا كانت في يوم عمل لم يسبقه نوم كافٍ بنهاية الأسبوع. ولكن أيّنا مستعد لأن يقتل حفنة من الأطفال لمجرد الترويح عن نفسه في أيام الإثنين؟!
قبل الخوض في القصة الثالثة لأكوتاغاوا، علي أن أعطيكم خلفية عن حكاية اليهودي التائه. بحسب الموسوعة البريطانية، فإن أسطورة اليهودي التائه ظهرت في الأدبيات المسيحية الأوروبية بالعصور الوسطى، وليس لها أصول قطعية في الأسفار الأساسية للديانة، على الأقل بالشكل الذي وصلت له الأسطورة. إنها قصة يهودي أنكر المسيح ونكّل به، فحكم عليه بالخلود في التيه، حتى عودته. المهم، تحكي الكثير من السرديات الدينية عن يهودي معمّر تائه في الدنيا، يلتقي بالقساوسة ويزعم أنه اليهودي التائه، فيحكي قصته. بعض الأدبيات تقول أنه أظهر الندم وطلب التعميد أملا في الخلاص، وبعضها تنكر أنه يطلب الصفح. وفيما يبدو أن الأسطورة تتأرجح بين الروايتين بحسب الدوافع السائدة في أوروبا تجاه اليهود عبر الحقب. فأحيانا تكون الأسطورة تبشير مبطن لليهود. وأحيانا تكون بغض مبطن لليهود.
المهم، القصة خرجت من الأدبيات الدينية ودخلت عالم الأدب والفن. وأُعيد إنتاجها في الكثير من السرديات والمسرحيات والقصائد والفنون. على سبيل المثال، الرسام غوستاف دور له نقش مستوحى من قصة اليهودي التائه. وبورخيس أعاد سردها بمعرض الحديث عن التناص.
يجدر التنويه هنا أن رينوسكي أكوتاغاوا لم يكن مطلعا فحسب على الأدب الإنجليزي، بل كان يعتنق الديانة المسيحية. مما مكنّه من كتابة القصة الثالثة: اليهودي التائه.
تبدأ القصة بسارد مُضمر. يتكلم السارد بصيغة الراوي العليم، ويحكي بتوسع عن تنويعات أسطورة اليهودي التائه في الأدب الأوربي، وخرافيتها. إن موسوعية وموثوقية وحرفية هذا الجزء تجعلك تفترض أن ريونسكي أكوتاغاوا هو السارد، وأنك تقرأ مقالة بحثية ولست في قصة، إذ أنه يُقرّ بخرافية هذه الشخصية العجيبة. إلا أن أكوتاغاوا لا يحيلك إلى أية مراجع، فإما أن تتوقف وتُحقِّق بنفسك كل معلومة يأتي بها، وإما أن تُسلّم بما يقوله السارد وتستمر.
يعقب ذلك جزء يتسائل فيه: إن لم يكن اليهودي التائه خرافة، فحتما إن هذا العمر الطويل من التيه في الدنيا سيقوده في وقت ما إلى اليابان التي وصلتها المسيحية. ثم يصف وثائق وقع عليها في دير تشير إلى ذلك، ويعدك بأن يحدثك عن دقتها لاحقا. تسجل تلك الوثائق شهادة اليهودي التائه، فيتغير السارد إلى سارد ذاتي، يقر بما اقترفه من خطيئة وما حصل له من عقوبة. ولكونه أدرك خطيئته استحق عقوبته. وفي نزول العقوبة عليه في الدنيا، علامة على خلاصه.
تتعاطى هذه القصة أيضا مع الجريمة/الخطيئة ومفهوم العقاب، وهي إذاً امتداد بشكل ما للقصتين الأخريين لأكوتاغاوا، ما يجعلني أتسائل: ما دوافع سارد هذه القصة؟
تتصاعد دوافع السارد بخفية وسلاسة طوال السرد: في البدء، يُقدِّم اليهودي التائه كأسطورة وهمية، بل خرافة. ثم يتسائل عن مروره باليابان. ثم يصف مخطوطات توثق مروره، لكن يؤجل الحديث عن دقتها. ثم يتحدث على لسان اليهودي بطريقة تجعلك تشفق عليه، فيختم القصة على ذلك، متناسيا الحديث عن دقة المخطوطات.
 لماذا يترافع السارد عن اليهودي التائه؟ هل من يحدثنا هو اليهودي التائه نفسه؟! ألم تلاحظوا قوله أنه أدرك خطيئته فنزل عليه العقاب الذي سيخلصه من ذنبه؟ ولماذا لا يكون قد أدرك خطيئته بعد أن رأى معجزة التيه، وحينئذ تكون عقوبته علامة لحرمانه من الخلاص؟!
لو كان من يحدثنا هو اليهودي التائه فإن له خبرة في سرد حكايته تفوق أعمارنا بأضعاف، تجعله قادرا على طمر دوافعه تحت ركام من التبريرات اللفظية. إن له دهرا في التيه يجعله قادرا على حبك حكايته وصقلها بطريقة تجعلنا نتقبل سرده ونتعاطف معه، وإلا من أين له كل تلك التفاصيل التي ذكرت في أول القصة عن رحلات اليهودي التائه؟!
إن استخدام الراوي المريب أو السارد الغير موثوق بالاصطلاح النقدي ليس أمرا جديدا واستثنائيا في السرد. إلا أن توظيف أكوتاغاوا للراوي المريب، هو توظيف عضوي لارتياب أكوتاغوا بالنفس البشرية ودوافعها. الراوي المريب هو الانعكاس على سطح البئر الذي تُظهره لنا النفس البشرية في قعره. في نظره، لا يمكن فهم ما يحدث في كيوتو دون فهم ما يحدث في الجانب المهمل والمهجور منها: راشومون. مثلما لا يمكن فهم دوافع الجرائم التي ترتكبها الجوارح وتبررها الألسن، دون فهم ما يحدث في الجانب المهمل والمهجور في النفس، والذي توالت عليه النوازل والأحداث حتى تصدع وتهتك مثل بوابة: راشومون. في تلك الغابة الملتوية من النفس البشرية، تكمن النوازع المعقدة كأدغال. برأيي أن أكوتاغوا يُربِّي فينا حس الارتياب بالإنسان، بينما يطور تكنيكه السردي في استخدام الراوي المريب. فقصة اليهودي التائه كتبها بعد راشومون وقبل في غابة، وكل هذه القصص يجمعها متّجه خفي. وأظن تقلباتها أي قصة اليهودي التائه السردية والأسئلة المعلقة بها، ما هي إلا تحريض على الارتيابة بالقاص والشخصية السردية لكي يتوصل القارئ للاشتباه الذي وصلت له. إن التنقيب النفسي الذي قام به أكوتاغاوا مدهش إذا عرفنا أنه مات قبل موت فرويد، وقبل تمظهر علم نفس الجريمة في الستينات من القرن الماضي.
إن أكوتاغاوا يحرضنا على الارتياب بالطبيعة الأخلاقية للإنسان والشك في دوافعه السطحية، وإلا سنتفاجأ دائما بأفعال هذا الكائن الذي يخبئ في داخله الكثير من الوحشية. بدون هذا الارتياب، سنتفاجأ حينما تقرر إحداهن قتل الأطفال مللا من الإثنين الرتيب، سنتفاجأ حينما نعرف أن أحدهم أكمل قراءة رواية بجانب جثة للتو قتلها، وسنتفاجأ حينما يتقدم ١٣٤ شخصا للاعتراف بجريمة لم يفعلوها. بل سنتفاجأ، حينما نعرف أن أكوتاغاوا انتحر في الخامسة والثلاثين وهو في عز مجده الأدبي، وبعد سنتين من التخطيط المنهجي. ترك أكوتاغاوا رسالة مذكّرة إلى رفيق قديم بجانب جثته المثقلة بالحبوب المنومة، وهي مخطوطة تشريحية للذات يحاول بها توثيق دوافع انتحاره. يقول أنه يشعر بقلق غامض من المستقبل، ويعلم أن عبارة كتلك تنطبق على الجميع ولكنها لا تدفعهم إلى الانتحار. يتحدث عن ارتيابه بتقارير الشرطة عن حوادث الانتحار التي تتحدث عن الديون أو الأزمات النفسية كدوافع للانتحار، ويقول أنه رغم محاولته تفسير اتخاذه هذا القرار، إلا أنه يشك أن أحدا من المنتحرين يستطيع على وجه الدقة معرفة الدوافع التي حركته. بإمكانكم الوصول إلى نسخة إنجليزية من رسالته، وتراودني أحيانا فكرة ترجمتها، فهي قطعة أدبية بحد ذاتها. لكنني ارتاب أن تقودنا قراءتها لنتيجة مختلفة. فمحاولتنا تتبع الدوافع النفسية المسرودة على لسانه، ستدخلنا في غابة لا يعلمها إلا الله.
١٩ أغسطس ٢٠٢٠، الرياض.

هامش: قرأت قصة راشومون وفي غابة سابقا بترجمة كامل يوسف حسين، الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة عام ٢٠٠٤م. وأعدت قراءتها بترجمة إنجليزية قبل كتابة هذا النص من “Rashomon and Other Stories” 2018 edition by Dead Authors Society.
أما قصة اليهودي التائه، فقرأتها من خلال ترجمة الأستاذ ميسرة عفيفيعلى مدونته. وأعدت قراءة مختزلات منها بالإنجليزية، لفهم أفضل للمصطلحات الدينية المسيحية، التي أميزها بالإنجليزية أفضل.