حسين فوزي: الأوض الورانية

James de Leon, from “The Invisible Strings”, 2017. Source: thephotographicjournal.com

يُقال إن العالم الذي نعيش فيه لم يُبرمج بالكامل بعد. لذلك يقوم المبرمج الأعظم طوال الوقت بتنزيل التحديثات باستمرار كلما أمكن. 
مثلا حينما تصطدم بالحائط، الطبيعي أن ترتد عنه. لكن حائطًا آخر غير مكتمل الأكواد، تصطدم به فتخترقه، وبعيدا عن الخريطة تضيع في الفراغ.
البعض، مثلي، ينتبه لتلك الحواجز ممكنة الاختراق. كتجنب حائط يبدو أدكن من الحوائط المحيطة به، أو باب تتيقن أنه ما من شيء وراءه، إن فتحتَه تلج بدون شعور مكانا لا يحق لك الوجود فيه.
لكن فاتورة ساذجة، مثلك، تتعامل مع الموضوع بكل براءة، دون دراية بما سينتج عن هذه الفعلة.

١

يحدث في مرة، وأنت منهمك في وضع ملابسك القذرة في الغسالة، أن تُشفط دون مقدمات إلى الداخل.
الآن أنت بداخل متاهة من غرف مطلية بالأصفر، يفترشها موكيت أخضر قديم تفوح منه رائحة البرتقال. لا صوت غير أزيز مصابيح الفلورسينت بالسقف.
بينما تسير بين الغرف، تلاحظ أن كل غرفة تسلمك لأخرى تشبهها، لتعي بعدها مدى سعة حجم تلك المتاهة. تهلع وتركض للأبد لتتأكد بعدها أن مدتك هنا قد تطول.
تصرخ: أمَا مِن أحدٍ؟
تجتمع موجات أزيز المصابيح بالأعلى، لتشكل صوتًا موحدًا يُجيبَك: كنتَ هنا من قبل، ورأيتَ كل هذا سابقًا. كَمِّلْ، لا أحد سيجدك، لا أحد، كَمِّلْ.
تستمع إلى النصيحة كولد مطيع، وتستأنف الركض. تجد في ركن إحدى الغرف سريرًا هوائيًا وزجاجات مياه بلاستيكية ومؤنًا في أكياس نايلون سوداء.
تروي عطشك وتتمدد للنوم، على أمل أن تستيقظ من الحلم.
عندما تفتح عينيك، يتبين لك باب أسانسير مغلق، منتصب في وسط الغرفة، معلق في الفراغ. تفتح الباب وتلجه. 
لا حاجة للضغط على أي زر. يتحرك الأسانسير. ويُذاع في هواء الكابينة دعاء ركوب الدابة، بالصوت المُجهَد لإمام الدعاة، على موسيقى “المال والبنون”.

٢

في البداية لا ترى الفارق من ناحية توزيع الغرف جغرافيا، باستثناء أن الحوائط غدت مقشرة، والأرض أسمنتية. 
نمتَ ثلاث مرات، على مراتب أرضية وسخة تكتشفها بالصدفة من حين لآخر. وما من مقياس تحسب على أساسه الزمن. في الواقع، أنت في يومك الخامس هنا.
والآن تعرف أن عاملًا جديدًا يضاف لموقفك: الخطر.
الأضواء ترتعش وتنطفئ أحيانا لدقائق وأحيانا أخرى لساعات، وفي تلك الفترة تشرع الظلال في الاقتراب منك. الوسيلة الوحيدة لكي تعرف مدى قربها منك هو الصوت المبحوح لصرخاتها.
تحدد مصدر الصرخة، تسير في الاتجاه المعاكس، ولا تنظر إلى الوراء.
بالبديهة، تعرف أنك إن لم تستطع اتباع الخطوات الثلاثة السابقة، وغرقت في نوبة هلع تسحب كل تركيزك، فأنت منتهٍ. 
وفقط عندما تظن أن هذا هو البيت الجديد، وأنك علقت للأبد بداخل دوامة مسطحة من صرخات مبحوحة، وأصوات صرير الأبواب ومواتير المياه التي تشكّل البيئة الجديدة المحيطة بك، والتي منعك غياب النور عن رؤيتها.
يعود الضوء، وتنسحب الظلال من حولك.
يقول الأزيز: شيء على غير ما يرام؟ تائه؟ طبيعي. لكن لا تَخفْ. فالهدف من كل ذلك أن يُخْتَبُر خوفك، لا أن يُسمَح به كشعور. 
تقول: وماذا يجب أن أفعل؟
فيرد: مهمتك أن تعرف.
تذوب الحوائط، وتنسحب الأرض أسفلك، وأنت مُعلَّق. تبتعد كل الخصائص المحيطة بك نحو بؤرة مركزة…

٣

…ثم تنفجرْ وتتبعثر الشظايا من حولك، لا تشكّل شيئًا جديدًا، لكنها تائهة في الفضاء، حيث اختفى الحد الفاصل أسفلك الذي كنت تحدد على أساسه إن كنت تسير أو ترتقي أو تتهاوى.
من الأعلى هنا، السحب محيط آخر. تُقطّعها شرائح مكونا تماثيل مؤقتة، سرعان ما تبددها الريح.
وأنت لا تعرف إن كان يحق لك النحت في السحب أم لا.
ولكنك سعيد هنا، وسترتاح أكثر إن تجاهلت موجات الأثير الناقلة لمحطة إذاعة القرآن الكريم، والتي تنتشر من حولك.
تلعق سبَّابتك لتسهل عملية التصاق الموجة بإصبعك وبالتالي إسكاتها. ولكن التردد يتبدل لتذيع أغاني طيور الجنة. وينقسم الأفق على طول الموجة، فيبدو المشهد من أمامك أشبه بخوخة.
لو لم ترَ ذلك، لم تكن لتستطيع تخيله. 
لا أزيز في الفراغ، ولا حوار. متحاشيا الشظايا، تستكمل السباحة وسط محيط السحب. إلى أن يطوقك مليار نجم، وبينها تطفو جواربك المفقودة في صحراء شاسعة من حولك تفتقر إلى الرمال.
ومن حولك كائنات منزوعة الأعين، بالإضافة لسوبر ماريو وسونيك، تقفز من نجمة لأخرى، فشاركتَها القفز.
كانت النجوم تلمع مع كل قفزة. 
تخبط في آدمي بثلاثة أرجل، وأربعة أقدام. تعتذر. يستغربك ويسألك: ماذا تفعل هنا؟
قلت: ماعنديش فكرة، أعتقد أني هَويت.
قال: أنتَ جليتش. ارتطمت بحائط أم فتحتَ بابًا؟
قلت: سحبتني غسالة.
قال: نادر الحدوث. مؤكد أنك واحد من مليون.
قلت: شكرًا. ممكن تخبرني كيف أعود؟
قال: استكمل القفز حتى تصل لبوابة الخروج، ستجد عندها أداة الانتقال والتي في حالتك ستكون الغسالة، ادخلها وعُدْ.
كررتَ: شكرًا.
 وبعد النجمة المليار والألف والواحد بعد المئة، تكتشف بابا بلا قبل ولا بعد.  كُتب أعلاه بالنيون الأحمر:

EXIT

بالداخل تجد كل الشاشات التي مرت عليك، ولو لمرة واحدة، في حياتك، تعرض كل المواقف المحرجة التي تعرضت لها. مثل انتحار صديق لك ودعته توا، ألقى بنفسه أمام قطار المترو.
أشحتَ بوجهك بعيدا.
قال الأزيز: هنا كل ذكرى سيئة دفنتها.
قلتَ: آه، خدت بالي.
 تسير نحو الجهة الأخرى من الغرفة، حيث تقبع الغسالة.
تتساءل: المفروض إن فيه درس مستفاد؟
يضيع صوتك، بينما الشاشات من الجانب الآخر لاتزال تعمل، توش الصور وتنحل الذكريات وتتبدل في كل شاشة على حدة. لا إجابة. 
يتعطل تليفزيون أفكارك، لأن الموقف لم يُبرمَج بَعْد.
تفتح باب الغسالة، تشغلها، تبدأ الحلة بالدوران، فتدفن نفسك بداخلها.
نصائح لتجنب مخاطر الأوض الورانية
 تجنب دخول مكان غير مألوف بالنسبة لك بدون وجود بشر آخرين على مرمى بصرك.
 • إن وجدتَ نفسك في مكان يعلو فيه أزيز المصابيح، اتبع البروتكول الثلاثي: حدد المصدر، سر في الاتجاه المعاكس، لا تنظر للخلف.
  • إذا مررت بتجربة مع الأوض، وهو ما حدث الآن، فاعلم بإمكانية تكرار التجربة غالبا. ومنه احذر من الأماكن التي تضع نفسك فيها، حتى تبتعد عن وسائل الانتقال على قدر استطاعتك.
   • إن لم تنجح الوسائل السابقة، ولم ترَ إشارات الانتقال، تجنب الشعور بالوحدة أو الكرب، فالوحدة تغذي الفضاء الغير مبرمج والمكون من الجليتشات، والتي تتشكل منها الأوض. لأنك بعد أن تهلع وتفكر في السير عكس الاتجاه، ستكون قد حُشرتَ بالفعل، حتى وإن لم تدرِ.
   • حاول أن تتعامل مع مشاعرك السلبية، إن وجدتْ، بشكل مجرد يفقدها أهميتها ومعناها.
وفي النهاية تذكر عزيزي القارئ: الاكتئاب مجرد تصور اجتماعي.