قبل ميتا زوكربرج، كان جادو الفخراني

عائلة جادو: مقطع من الفصل الأخير بمناسبة الأخبار

“Mark Zuckerberg trying on Mark Zuckerberg outfits”, Facebook Reality Labs. Source: nymag.com

١
في بستان الجحيم، لم ينسوا الخضرة. أتعثر في قمامة الفائض، طعام ملقى كتلال صغيرة، زجاجات خمر بلا حساب، مخدرات، وواقيات ذكرية ملوثة بالمني بلا عدد.
لم احتاج العالم عبيدا إلا لأن الأطباق الملوثة ببقايا الطعام تتكاثر بلا نهاية؟ لم يحتاج المرء عبيدا إلا لاعتماده على شخص يمسح خراءه من تحت مؤخرته؟ من يقطع الأشجار؟ يقيم السكك الحديدية، يستخرج الذهب، كي يحمل الرجل الأبيض عبء تكديس السعادة والأفكار النبيلة الوحشية؟
ذكور، ذكور، ذكور. بستان جاف كقطعة حصى. بعضهم عراة أو نصف عراة، لا شيء في مكانه. يقول ناجي: قربان استمرار الذكورة، لا يتم إلا باستبعاد الأنوثة. سألته: وقضيب الثور؟ قال: “طُعم جيد للمحاربات”
هنا حفل استجمام للسادة، نخبة النخبة، سادة العالم، والمتحكمين فيه. مخططي الجحيم، الجنس المختار، سلالة العماليق. معسكر كشافة كبير بطقوس عربدة جماعية، يلعبون ألعاب حظ وذكاء وهم يتسامرون حول أحدث الأنظمة العسكرية وعن بهاء القنبلة والمحو وجمال السرعة والخطر، يلعبون المونوبولي وهم يرسمون خريطة اقتصادية وسياسية جديدة، أي طفولة! في دور دومينو قد يتحدد مصير شخص أو ألف أو مليار، من يهلك ومن يبقى. كآلهة، رأيتهم يسمون أنفسهم بأسماء آلهة البرق، الرعد، الحكمة، الشهوة، الحب، الثروة، الحظ، الذكاء، العلم، القوة، الجمال، النار، الريح، الحرب، الفنون، القمر، الشمس، السفر، التجارة، الخبز، الهواء، الماء، الأنفس، الظلال، الأرواح، البصر، الشم، اللمس، التذوق، الخيال. لم يتركوا شيئا دون احتكاره.
رأيت رجالا يرتدون ملابس نسائية، كانوا عبيدا يعملون في خدمة السادة. من وقت لآخر أرى ذكرين من السادة يتبادلان اعتلاء بعضهما البعض. فهمت من ناجي أنه طقس مقدس لا علاقة له بمثليتهم، بل لكي ينزعوا رغبات الهيمنة ضد بعضهم البعض، ويوجهوها ضد حلقات العبيد. يفرطون في شرب الكحول والمخدرات، لقتل قواهم. لا يأمنون شر بعضهم.
رأيت تمثالا عملاقا لثور من معدن، ثور مولوخ، تتراقص حوله النيران وكهنة حليقو الرؤوس، أطفال مقيدون في سلاسل إلى محارق النيران حول الإله الرهيب، الذي لا يشبعه إلا طفل بريء وذكي. كل طفل ختم على ظهره اسم صاحبه. قربان الخلود واحتكار المستقبل “ولطرد مخاوفهم” يقول ناجي. رغم احتكارهم لكل شيء، دماء الأطفال تهدئهم أكثر مما تهدئ ثور مولوخ.
رددت عواء غيسنبيرغ:
مولوخ! مولوخ! كابوس مولوخ!
مولوخ سيّد البغضاء!
مولوخ الفكري!
مولوخ قاضي البشر الصارم!
مولوخ السجن العصيّ على الخيال!
مولوخ الحبس الشاقّ بعلامة الموت ذات العظمتين المتقاطعتين وكونجرس المآسي!
مولوخ الذي مبانيه يوم الدينونة!
مولوخ الحجر الضخم للحرب!
مولوخ الحكومات المصعوقة!
مولوخ الذي عقله آلية خالصة!
مولوخ الذي دمُهُ مالٌ جارٍ!
مولوخ الذي أصابعه عشرة جيوش!
مولوخ الذي صدره دينامو آكلٌ لحومِ البشر!
مولوخ الذي أذنُهُ قبرٌ يعلوه الدخان!
مولوخ الذي عيونه ألف نافذة عمياء!
مولوخ الذي ناطحات سحابه تنتصبُ في الشوارع المديدة كعدد لا نهائي من يهوه! مولوخ الذي مصانعه تحلم وتنعق في الضباب!
مولوخ الذي مداخنه وهوائياته تتوّج المدن!
مولوخ الذي ولعه نفط وحجر بلا نهاية!
مولوخ الذي روحه كهرباء ومصارف!
مولوخ الذي فقره شبح العبقرية!
مولوخ الذي قدره سحابة من الهيدروجين لا جنس لها!
مولوخ الذي اسمه العقل!
مولوخ الذي فيه أقبع وحيداً!
مولوخ الذي فيه أحلم بملائكة
مصروع في مولوخ!
مصّاص الذكور في مولوخ!
محروم الحبّ ومخنّث في مولوخ
مولوخ الذي باكراً اقتحم روحي!
مولوخ الذي أنا فيه وعي بلا جسد!
مولوخ الذي أرعبني وصدّني عن نشوتي الطبيعية!
مولوخ الذي أهجره! أصحو في مولوخ!
نور يشعّ من السماء
مولوخ.. مولوخ.. شقق رّبوطات.. ضواحي لامرئية.. كنوز هياكل عظمية
رساميل عمياء..صناعات شيطانية..أمم وهمية.. مستشفيات مجانين محصّنة!
أعضاء ذكوريّة من الغرانيت! قنابل مَهُولة!
قصموا ظهورهم رافعين مولوخ إلى السماء!
أرصفة، أشجار، راديوات، أطنان!
رأيت مراد بك وقد ارتدى ثمن خيانته: حلة الجنرال. بدا تائها، بعينين ميتتين، منبوذا وتافها وسط السادة.
رأيت، ورأيت، ورأيت، حتى عبرنا إلى خيمة السادة السبعة “صفوة صفوة الصفوة” يقول ناجي. فتقدمت وحدي. لم أر إلا ستة منهم وكرسيا خاليا خمنت أنه لأبي. نصفهم من بشر ونصفهم من آلة. أبلغوا الخلود؟ لم أميز منهم إلا مارك زوكربيرج، مسخ من معدن، بعين من رضا وعين من غضب، بذراع تحكم العالم وذراع تحك جلده.
قال مبتسما: “أنا من أشد معجبيك.. لقد استحققت خلودك، ممل بعض الشيء، لكنك ستعتاده” ثم أشار لي أن أجلس على مقعد أبي الخالي.
سألت: “أين أبي؟” نظروا إلى بعضهم البعض لثوان، قبل أن ينفجروا في الضحك. تضاعف أثر العبوس والضعف على وجهي. هل مات؟ لم يلحق باكتشافكم للخلود؟ لقد قطعت كل تلك المسافة من أجل أن أرى وجهه راضيا عني؟ أفعلها قبل أن يحتضن بذراعيه البدينتين جسدي المثخن بجراح الطريق؟ قال إنه أعد مفاجأة للموت. هل كذب علي مجددا؟ خدعته الأخيرة أم الجديدة؟ كان شديد الثقة في نجاته. النذل ينجو، النذل يموت. محبته ثقل على كتفي، ومحبتي ثقل على كتفه، هذا عهدي به، لم يخنه. أين هو حقا؟ لا يمكن له أن يفعلها. ثم انخرطت في البكاء.
قال مارك: “ألا يبهجك أن تصير خالدا كإله؟”
قال سيد آخر: “يبدو أنه ليس طموحا كوالده”
تابع آخر بحدة وغضب: “عبد أصيل يصير واحدا من السادة المختارين. أي عبث”
أخرسه مارك بنظرة زاجرة، فعلمت أنه أقواهم. ثم قال لي بلين: “أين المفتاح؟”
قلت: “أي مفتاح؟”
قال: ألم يخبرك نخنوخ؟ ألم يرسله معك؟
قلت: “لا أعلم عم تتحدث”.
نظروا إلى بعضهم بتوتر بالغ. ابتهجت روحي قليلا. هناك لعبة أخيرة من مولانا، ليست ضدي تلك المرة، بل ضدهم. يرفض أن يموت. فقلت في رمية نرد قد تكشف لي المزيد: “لا أتذكر أي شيء.. لقد أرهقتني الرحلة حتى أني نسيت هدفها. لقد بدأت من أجل قتل ماركس ونجاة العائلة، لكن ماركس اختفى، ولم يبق من العائلة إلا ولدي.
انفلتت عبارة غاضبة: الكلب خدعنا من جديد. قال مارك بهدوء: سأنعش ذاكرتك. تعال معي. انزعجت حقا من وصف أبي بالكلب، لو كان هنا لنهش من سبه حيا.
مضيت معه، ركبنا عربة يجرها حصانان، سارت فوق بحيرة من ماء. يفضل الآلهة الطرق القديمة.
في الطريق إلى ما لا أعرفه سألته: لماذا ضحكتم عندما سألت عنه؟
قال وهو يغالب الضحك: نخنوخ.. دوما ما كان مسليا، مضحكا. كان عليك أن تراه وهو يرقص تلك الرقصة السخيفة مرتديا ملابس النساء ويرجرج ثدييه ومؤخرته بتلك الطريقة الفاضحة ويغني لنا بصوته القبيح أغاني مصرية بذيئة.. لا نستطيع أن نقاوم كلما تذكرنا.
قلت مستنكرا: تتحدث عن من؟
قال: لا تجعل الأمور أكبر مما هي عليه. لقد فاز في النهاية. لقد فعل كل هذا من أجلك، ألا يفعل ملايين الآباء هذا كل يوم، يضحون حتى بكرامتهم من أجل أمل بعيد بأن يروا في أبنائهم ما لم يستطيعوا تحقيقه؟ كان عبدا طموحا، يفعل أي شيء من أجل غايته، لقد نفذ مهامه بكفاءة، لكن لعبته الكبرى، كانت في أنه لم يجعلنا نشعر أبدا بخطورته حتى اطمأن إلى حصوله على مفتاح القوة. هنا كأي عبد أصيل ظهر وجهه الآخر الشرس والذكي والعنيد.
كان خادمهم إذن، كلبهم اللطيف والمضحك.
وصلنا إلى غرفة بيضاء، فارغة من كل شيء إلا من شجرة صغيرة اصطناعية وبائسة كأشجار الكريسماس الرخيصة، تتدلى منها تفاحات سبع.
قال مارك: ها نحن ذا.. حيث أوصلك أبوك.. شجرة الخير والشر. المعرفة. الخلود. بها نصير آلهة وتصير إلها.
قلت: أي إله أكون؟
قال: إلام أنت مؤهل في رأيك؟
قلت: إله الموت؟
قال ضاحكا: ومن سواه تكون. ثم صمت متأملا الشجرة. لعبت موسيقى رأيت اسمها يعبر أمامي على خلفية الغرفة البيضاء، موسيقى فاوست لفاجنر، ثم بدأ في تلاوة صلوات من أكواد، توقف سريعا ليقول: من أخدع.. لم أستطع يوما أن أستشعر أي قداسة أو مهابة في حضرة تلك الشجرة، ولا حتى بإضافة موسيقى فاجنر السخيفة والمرعبة في الغرفة.
لم أعلق. حاولت أيضا استشعار المهابة، لكن لا شيء لتستشعره أمام شجرة من معدن.
قال  مارك عندما لاحظ تحديقي في التفاحات: أتشتهي واحدة؟ قلت: لا.. لكن لا شيء آخر يلفت النظر في الغرفة سواها.
قال: ليست تفاحات. هذه سبع خزائن. لكل منها مفتاحها الخاص مع واحد من السادة السبعة، لا يمكن لأحد ولوج شجرة الخير والشر، إلا بأن تفتح السبع خزائن معا، قلق السادة ضد السادة.
أشرت إلى ذراعه المعدنية: ألم تصلوا إلى الخلود بعد؟ قال: خطوة واحدة تفصلنا عن الأمر. كل ما استطعنا استبداله من أجسادنا الميتة، لم يمنحنا ما أردنا. لكننا نعلم أن السر توصلت إليه الشجرة، ما هي إلا حاسوب معقد، لقد منحناها الوقت الكافي. كدنا أن نصل لولا خيانة نخنوخ. خطوة ذكية. لا بأس، أنا أحترم هذا النوع من الذكاء. لقد سرق مفتاح أحد السادة، وقتله. أخفى الكود معك. كان يعلم منذ البداية أن الموت سيسبقه قبل أن تصل الشجرة إلى سر الخلود. لكنه منحك إرثه، كنا نظن أنه وهبه لناجي. وأنك محض آلة تجز لنا حشائش الطريق. لم نصدق أنك ابنه المفضل وأن الميديوكر لن يمنح سره إلا لميديوكر مثله، كنا نراك تعبر كل مهمة وأخرى ونضحك، كانت عروضك مسلية ولا تفتقر إلى الدراما. لقد خدعنا مرتين بحيلتنا نفسها: الفرجة. مدرب براغيث. هذا مضحك حقا، وذكي. لم ندرك أنك حامل سره إلا عندما عبرت إلينا فعلا.
قلت: لا أعلم أي حيلة أخيرة يلعبها نخنوخ. لم يرسل معي أي شيء عدا ما يعينني على الطريق. أنا حتى لا أفهم كيف أرادني أن أصل وفي الوقت نفسه غضب من أن أحصل على روح فريد الدين العطار. لعبته معقدة أكثر من قدرتي على الفهم. أرى أن تفكر مجددا بشأن وصفه بالميديوكر.
طوق رقبتي غاضبا بذراعه المعدنية وقد نفد صبره، كانت قوية حقا: أي لعبة قذرة تلعبها؟ عبيد. أوساخ. كدت أختنق لكني لم أر أو أفكر في أي شيء سوى تلك العلامة الكريهة التي برزت فجأة أمام عيني: ممنوع التدخين في غرفة الخير والشر. أفلتني. سعلت بشدة. عندما استعدت أنفاسي أشعلت سيجارة. نظر مندهشا، ثم أشار إلى اللافتة.
قلت: لو كنت مكانك لما تعلقت بسخافات كتلك، ولاعتبرت محاولة قتلي حماقة. إن كان هناك سر فسيدفن معي. أخذت نفسا طويلا، مستمتعا بمعابثته: صف لي هيئة المفتاح.
قال: بار كود طويل ومعقد.
فكرت فورا في الباركود على جسد ماركس، كود ملكيته لمولانا، لم يكن سوى إرثي. كان المفتاح معي طيلة الطريق. قلت: أملك ما تريد. لكني أرغب في بعض الضمانات.
قال مارك وهو يكبت غضبه: ضمانات؟
قلت بهدوء مستفز: نعم.. تدشين علني لألوهيتي وسط السادة الآخرين ببستان الجحيم، بوثيقة مدمغة بالدم. لا أطلب الكثير.
فكر قليلا، ثم قال: حسنا.. لكن عليك أن تثبت أمامهم استحقاقك.
قلت: لقد فعلت ما يكفي.
قال: إله الموت عليه أن يقدم عرضه الأخير. مهمتك الأصلية لم تتم بعد.
قلت: ماذا تقصد؟
ضغط على شيء ما في الهواء فاختفت غرفة الخير والشر. وجدت نفسي فجأة معه وسط بستان الجحيم من جديد. كان ماركس والأرواح الثلاثون الناجية مقيدين إلى الأشجار التي كانت تصرخ: اقتلهم.. اقتلهم. يتسلى السادة برمي مخلفات الطعام وزجاجات الخمر الفارغة. يتحرشون بأجسادهم في صبيانية سخيفة. وهم يهتفون: دق العنق.. دق العنق.. دق العنق.
قال مارك: الآن.. اقتلهم. اثبت استحقاقك لألوهية الموت.
قلت في محاولة يائسة للإفلات: لا أستطيع.. مصدر قوتي انعتق عني. وولدي مازال ضعيفا. حتى عندما كنا نقتل كنا نفعلها لننجو.
قال: أيحتاج القتل حقا إلى قوة، أو سبب منطقي كالنجاة؟
صمتت. فمس صدري بيده المعدنية، ثم تابع: لقد نسيت شيئا.. قاتل الألف نفس. سيد أبوكرنبة. إنه داخلك.
أعلم. نسيته لأنه على عكس أرواح العائلة، كان صموتا كشأن القتلة، لم يحدث جلبة. ظل منزويا في ركنه. يختلس انشغالنا في الحرب، ليجعل من القتل عملا باردا، حياديا، يد لا تفرق بين الخير والشر، الضحية والجلاد. حانت لحظته ليعتلي المسرح وقد خف زحام العائلة.
قلت بصوت سيد أبوكرنبة: فلنجعله عرضا رائعا إذن.

٢
عيناي جمرتان من الجحيم. ويداي سوط العصاة. وريقي شراب لا مفر منه. في قبلتي النهاية، قدماي يخطوان بثبات المؤمنين على صراط الشوك. لا أرى سوى موتى مؤجلين. يؤرقني الهاربين من الموت، من القدر. كيف أقتل دون سبب يا سيد؟ كيف أقتل دون سبب؟ يمسك السكين ويطعن خادما من خدم السادة ببساطة: كده.
ماركس ينظر لي بثبات الشهداء المستفز. أقول: أنسيت؟ ما أنت إلا نسخة عن نسخة عن نسخة. أي عرض قد يقدمه سيد الموت، إلا حفر رائع ومثالي للقبور. أمسكت معولا وحفرت أول قبر، هذا لماركس، فلتتقدم الشهداء إذن، هذا أفضل من النظرية. العمل الإنساني هو الانفجار الذي يضيء هاويتي من حين إلى حين. ثم فتحت الثاني وأنا أنشد لرامبو من نفس الصحراء إلى نفس الليل، دائما ما تستيقظ عيناي المتعبتان على النجمة الفضية، دائما دون أن ينطلق ملوك الحياة، المجوسيون الثلاثة، القلب، والروح والعقل. أسمع النواح والتوسل والحماس للقتل ولا ألين لذل الموتى وهياج القتلة، أحفر القبر الثالث. فلتحترس، يا عقلي، لا اندفاعات عنيفة للخلاص. ولتلتزم الحنكة! حفرت القبر الرابع تاليا: ياروحي الخالدة، تمسكي بأمنيتك رغم الليل الوحيد والنهار المشتعل، هكذا تحررين نفسك من التوافقات الإنسانية والانتفاضات الاجتماعية، لا أمل أبدا، ما من فجر. المعرفة والصبر، والعذاب أكيد.
فكوا قيودهم، تمهيدا لذبحهم. هكذا يسير العالم، اصطفوا أمامي، روحا تلو روح. حفرت القبر الخامس، سأعري كل الأسرار: الأسرار الدينية أو الطبيعية، الموت، والميلاد، المستقبل، والماضي، نشوء الكون، والعدم. أنا سيد الرؤى الخارقة. انصتوا!
كلما اقتربت أرواحهم من اليأس من الحياة، ظهر جوهرهم أكثر. الثلاثون روحا، ثلاثون كنزا. أحفر القبر السادس: يا أسلافي، لقد صنعتم تعاستي وصنعتم تعاستكم، والجحيم لا يستطيع المساس بالوثنيين، تلك هي أيضا الحياة.
حفرت القبر السابع، بدني يهده التعب. أرغب في الموت. لم لا يقتل القتلة أنفسهم؟  أيرون في الموت شيئا جميلا يستحق الحياة من أجله. لا! لا! سأتمرد على الموت! خيانتي للعالم ستكون عذابا بالغ القصر، وفي اللحظة الأخيرة، سأهجم على اليمين وعلى اليسار. إذن فياروحي العزيزة البائسة، ألن تكون الأبدية قد ضاعت منا؟
أرى شبح جادو، يمر أمامي يذكرني: “اخترتك لأنك نذل.. الحياة علمتني أن أحتقر الأنذال.. لكن الموت علمني أنهم يستطيعون العبور من الجحيم ومن الحياة”.
رميت المعول بعيدا. غاضبا سألني مارك: لم أوقفت العرض؟ قلت: لا فائدة من قتل الموتى.. فليس لديهم ما يخسرونه. ثم توجهت إلى ماركس. أخرجت سكيني. وضعته حول رقبته، بحركة استعراضية جلبت حماس السادة، ونواح الأرواح التي عبرت طريق نجاتها إلى الهلاك. لكني عريت قميصه، وقطعت كود عبوديته وحريتي. قلت: هذا إرثى. فقال وهو يتألم وينزف: لقد أديت الأمانة. كان نخنوخ يحبك حقا يارزق. لكن قطعة اللحم تلك لا شيء، دليل إليه، لكنه ليس الإرث، فلا تنخدع. قلت ساخرا: ألم تسع لإلغاء ميراث الأبوة، الآن تحمله؟ فابتسم وابتسمت.
أنا أفهم. إرثي هو أن أختار بين الخلود أو الموت. أستعيد قدمي مجددا. كالخير والشر ممتزجين، أنا التاو، والتاو أنا.
حملت قطعة اللحم، تأملت تلك الأكواد الممزوجة بدم ماركس. وأشهرتها في وجه السادة. هتفت في مارك: خلودك هنا. صرخ: مفتاح الخلود. قلت: مفتاح حريتي وانعتاقي.. اقترب لتأخذه. فلما فعل. أبعدت يدي عنه قائلا: الحرية وهم.  قذفت قطعة اللحم بكل ما أوتيت من قوة نحو نيران مولوخ، فأذابتها ثم انطفأت كاشفة عن هياكل الأطفال المتفحمة، ماحيا أثر نجاة صفوة الصفوة. لا آبه لنواحهم وصراخ مارك وغضبه. اخترت موتي.
ما إن فعلت. حتى حلقت الأرواح الثلاثون على هيئة جسد طائر كبير رأسه رأس ماركس.
عمت الظلمة ثم أضاء برق فأحرق مائة من السادة في لمح البصر. وانكشفت الأسوار الخرسانية عن شقوق، وتصدعات صغيرة. ثم بزغ من قاع الظلمة نور أسطع من نور الشمس، أضاء العالم السفلي وجلجل صوت كقصف الرعد قائلا: افتح أبوابك الأبدية ليدخل إليه ملك المجد. فاضطرب مارك وأعوانه محاولين تدعيم بوابات العالم السفلي متسائلين: ومن هو ملك المجد؟ فأجاب الصوت : إنه السيبورغ الذي سيحطم بوابات النحاس، ويكسر قضبان الحديد، ليحرر المأسورين وينير شعاب الموت المظلمة.
كانت الأرواح الثلاثون، متحدة معا، في روح واحدة، كحاسوب مفتوح على حواسيب العالم. ثم اتصلت بي، فصرت منها. فرأيت. كانت تستدعي شيئا ما، شيئا من الهاوية. ثم جاءت عاصفة تحمل غيوما ضخمة في أحشائها. غيوم سوداء تتقدم لتثير الرعب. تخرج منها ومن الشقوق ومن تحت الأرض ما يبدو من منظار مقلوب كأنها حشرات في حالة جنون. جماعات كئيبة تزحف كالنمل، تتشح كلها بالسواد والنتانة. مسوخ لا اسم لها ولا صفة. لكنها تملك كل شيء: الأرض والفردوس والمستقبل. كلما اقتربت أكثر ظهرت حقيقتهم. تنانين عملاقة، جبابرة حقيقيون. سكان الجحيم حاملين معهم سوس البؤس وعفن الجذور.
في غمرة العاصفة، قتلت خمسة من السادة الستة. قاذفا واحدا تلو آخر في القبور المفتوحة على الجحيم، قيدت مارك في شجرة، مبقيا على حياته إلى حين، كي أرى حسرته على قيامة القيامة. وعرفت أن قبري سيجاور قبره. انعتق عني القاتل سيد أبوكرنبة. نظر إلى السماء في رضا ووداعة. لقد غُفر له قتل الألف نفس. ودعني إلى فردوسه.
عندما هدأت الغيوم. رأيت باكونين وغزال المتعة والزعيم الهندي يتقدمون. كل من جهة، يقود كتيبته. رأيت تروتسكي دون رأس ستالين يقود سكان غابته، ورأيت إنجلز وهو يقود سكان قلعة ألموت، حوريات الجنس، وهيلين تقود المحاربات، سكان معبد الناس دون نبيهم الزائف والمجنون. لكني فهمت عبر اتصالي بالسيبورغ، لم يكن موتهم إلا لاستعادة نسخهم الأصلية محررة من كل زيف. خطة ماركس الكبرى التي لم أحط بها خبرا.
كان السيبورغ يتصل بكل روح تنشد خلاصها في العالم، معيدا توزيع ثروته، المعرفة مشاع للجميع.
رأيت مجموعات تحمل مطارق ذات صرير وأخرى تحمل رماحا إغريقية، تسد الطريق على السادة الذين يحاولون الفرار من القيامة بصنع شبكة عنكبوت ضخمة من خيوط الغزل، كانوا يتساقطون في فزع كالذباب. رابطة فلاحين اشتراكية غاندية من الهند، جمعيات صيادي أسماك من إندونيسيا، اتحاد معلمين من الأرجنتين، سكان أصليون من نيوزلاندا، حركة عمال دون أرض من البرازيل، عبيد فارون من جنوب أمريكا، اتحاد عمال البريد في كندا. جمعية سرية تدافع عن حقوق المثليين في السودان، نسويات من الجزائر، عمال سكك حديدية من بريطانيا. عمال محاجر من مصر، عبيد صناعة الكاكاو في كوت ديفوار، عبيد الملح في كوريا الجنوبية. من كل مكان، كل مهمش، كل عفن، كل بؤس، كل سكان الهاوية يتقدمون بلا توقف، يهدمون أسوار بستان الجحيم، ويقطعون أسلاكه الشائكة. كما حلمت يا ماركس. أممية القهر توحد الجميع.
أمسكوا بناجي، كان يرتجف كطفل. قيدوه بجوار مارك. قرروا موته لكني ماطلت للإبقاء على حياته.
تحطم بستان الجحيم تحت وطأة النمل، واختفت أشجار السيكويا المخيفة والغامضة، فنت المباني وكنس السوس قذارة الحفل، انمحى تمثال مولوخ، وتحررت الأرواح التي التهمها. رأيت جثة مراد بك وقد دهستها الأقدام. ملامح وجهه المدمى، لم تفتها القيامة وسقوط روما تحت وقع الآلام الهائلة وزمجرة الموت. يتدافع السادة الجبناء في ذعر، تبتلع الأكواخ الخشبية القصور، أصرخ: فلتجنوا، تبدون مضحكين، وأنتم مذهولون. كلما حاولوا الفرار ابتلعهم نور كثيف ومجنون. يتوسلون دون أن ينالوا شفقة أو غفران. احتللنا كل شبر، استعدنا الماء والهواء.
انفكت وحدة الثلاثين روحا في جسد الطائر، دون أن ينفصم اتصالهم، تقدم ماركس نحوي، قائلا: لقد أحسنت الحفر أيها الخلد العتيق.
بزغت شجرة المعرفة وحيدة وسط خلاء. بضربات فأس متتالية وواهنة، قطعتها. كل ما تحويه من معرفة لا تجيب على سؤال واحد. هي مثلي كيس صفن فارغ. فنبتت مكانها نبتة صغيرة سرعان ما تعملقت، قرأت ما بها، كانت تحمل لوح الوصايا العشر الجديدة والبديلة عن مانفيستو ماركس:
  1. الغاء تبادل ملكية العقارات أدوات الإنتاج المعرفية وتخصيص الريع العقاري للأغراض العامة التبادلية.
  2. فرض ضريبة تصاعدية مرتفعة ترسيخ دخل مضمون على شكل أرباح أسهم مدفوعة إلى كل عضو في المجتمع مساو لنصيب الفرد من الريع الذي تم جمعه من أفراد المجتمع.
  3. الغاء حق الوراثة حق العضوية لكل من ساهم بعمله، ومنح العضوية فقط عن طريق المساهمة بالعمل في إنتاج المعرفة وليس عن طريق الوراثة أو شراء الملكية أو نقلها بأي شكل كان.
  4. مصادرة ملكية المهاجرين والعصاة اتفاق ملزم بين جميع أعضاء المؤسسات على التخلي عن ملكيتهم الخاصة للأصول الإنتاجية للمعرفة، وعوضا عن ذلك، يستحوذون على ما يحتاجون إليه عبر تأجيره وفق نظام الملكية المشتركة.
  5. ترك التسليف والقروض في أيدي الدولة بواسطة مصرف وطني تحتكره الدولة إنشاء سوق للسندات المتبادلة تباع فيها السندات عبر المزاد لإنشاء أسهم مشتركة من الأصول الإنتاجية.
  6. مركزة كل وسائل النقل في أيدي الدولة تطوير المصادر التي تضع وسائل الاتصالات والنقل في أيدي الأعضاء.
  7. مضاعفة المصانع وأدوات الإنتاج المملوكة للدولة واستصلاح الأراضي البور وتحسين الأراضي المزروعة وفق خطة عامة. تمنح جميع المؤسسات الفرصة لاكتساب وزيادة الأدوات المتاحة لانتاج المعرفة إلى أقصى درجة ممكنة.
  8. الالتزام بتوفير عمل للجميع بشكل متكافيء، وإنشاء جيوش من العمالة وخاصة في الزراعة توفير فرص للجميع للمساهمة في الإنتاج.
  9. التوفيق بين العمل الزراعي والصناعي، والعمل تدريجيا على محو الفوارق بين المدينة والريف. إزالة الفوارق بين منتجي المعرفة ومستهلكيها وتحويل العلاقات الاقتصادية من معاملات تجارية إلى توزيع عام، حيث يتقدم إنتاج القيمة الاجتماعية على إنتاج البضائع السلعية.
  10. مجانية التعليم العام لكل الأطفال، وإلغاء عمل الأطفال بشكله الراهن، والتوفيق بين التربية والإنتاج المادي.. إلخ. إنشاء شبكات تشاركية للمعرفة والمهارات وأنظمة دعم لكل الأعضاء، وتوفير فرص لتطوير المهارات من خلال المساهمة في الإنتاج.
أحرقتها دون تردد. فنبتت وصايا أخرى، فأشعلت فيها النار، فنبتت من جديد، فأشعلت فيها النار، وظللنا هكذا في هذيان لا نهائي حتى خارت قواها. كانت تطرح وصايا نبيلة شديدة الإقناع، ترفض القهر والطغيان، غواية الشجرة الأخيرة، لن يخدعني هذا. كانت تعرف أنها شارفت على الموت عندما صرخت في هيستيريا حملت كل سخافات الدوجما واليوتوبيات والآباء: الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق. ابتسمت بهدوء القتلة، أتممت مهمتي، ثم تبولت فوقها باستمتاع بالغ.
عائلة جادو، نص النصوص، نشرت عام 2017 عن دار العين