هيثم الشاطر: جمر وجواهر والملائكة

Hussein Bicar, “A Nubian Dancer”, 1990. Source: tumbral.com

سلمي كانت تضع سنة ذهبية بدل المكسورة من باب المساعدة في المضغ والتزين ولها فيها مآرب أخرى، تزوجت في منطقة “ونجت” برمل الإسكندرية من أحد الشباب العاملين بالسفن التجارية الناشطة في حوض البحر المتوسط، كان عمله كمورد (صغير ومن الباطن) للملابس السورية المهربة لمحلات المناويشي بالمنشية الصغيرة المصدر الرئيسي لبحبوحة عيشه. منزلهم كان الوحيد الذي به جهاز مشغل اسطوانات ترانزستور في اوساط النوبيين القاطنين بحي الرمل كافة ، زيارة بيت سلمي لسماع اسطوانات الأغاني السودانية في السبعينات كانت ظاهرة وحدث مهم في ذاكرة كل مواليد “زعربانة” و”الضاهرية” بشكل عام.
والدة سلمى كانت صديقة مقربة لوالدة جمر ، كان يجمعهما الفقر وحب تدخين البايب.
علي شريط السكة الحديد بالقرب من محطة “الظاهرية” في المنطقة الواصلة بين رصيف المحطة وسور شركة النحاس المصرية تتراص منازل الصفيح التي تنشط بها تجارة السبارس، التبغ “الهجن” المعبأ في أقراص ورقية كان الزاد الرئيسي للبايب الخاص بالوالدتين.
تعلمت جمر من والدتها حب التدخين والشدة في التعامل، احترفت جمر الغناء في المناسبات الاجتماعية للنوبيين في الاسكندرية كلها، المرأة السمراء حادة الملامح والقوام واللسان التي تتأبط “الطار” النوبي ولا تفارق السيجارة السوبر شفتيها أصبح معلمًا ثابتًا في الذاكرة لكل خطوبة أو عرس أو سبوع أو طهور منزلي .
قيل لي إن الفنان “عبده الصغير” أحد رواد فرقة عبدالرزاق راشد للافراح النوبية هو ملهمها الفني والروحي، عبده الصغير الذي لم يتمكن من إحراز أي شهرة تذكر لوقوعه فريسة للتنافس الشرس مع الفنان الراحل المقيم حسن جزولي في البدايات ومع حسن الصغير في فترة النضج والخواتيم.
الحوارات الرائقة ما بين جمر وعبده الصغير علي هامش المناسبات الاجتماعية سيأتي يوم ما وتخرج للعلن لتغير نظرتنا عن الكون والحب والسجائر السوبر وجدوي الأشياء.
اتذكر التوتر الذي أصاب جمر بعد الإعلان عن إحياء الفنانة “جواهر” لليلة حنة في زعربانة، كان يومًا مشهودًا لا ينسى، انتشرت الأساطير صباحًا يأن صاحب ليلة الحنة سيحضر الفنانة جواهر من القاهرة بطائرة خاصة وأن بعض عازفي فرقة منير سيصاحب جواهر في العزف ليلا في الحنة .
في تلك الفترة قامت جواهر بتصوير فيديو كليب لأغنية “ع الكورنيش” علي كورنيش جليم، في لحظة مجهولة قامت المحافظة بعمل ميدان/ساحة/نصب تذكاري/ تصميم ابتكاري/ تعبير فني علي كورنيش جليم، تمثال دولفين حوله نافورة أو اثنتين ومجموعة من السلالم الخشبية، كانت مزارًا وحدثًا فريدا بالمدينة، يمكن لأسرة طيبة أن تجلس بميدان الدولفين بجليم لتتناول اللب والسوداني وتتسامر معطية ضهرها للبحر ومستقبلة الدولفين بوجهها لمدة ٣ ساعات متواصلة وتصبح هي رحلة نهاية الأسبوع الجميلة. قررت جواهر أن يكون ميدان الدولفين هو مكان تصوير أغنيتها الشهيرة في ذلك الوقت .
لكل منطقة سكنية بالإسكندرية شاطئ مفضل، جناكليس وشودس تفضل شاطئ السرايا، سيدي بشر ترتبط بشاطئ أبو هيف، الحضرة ترتاد شاطئ اأو هيف أيضًا، أما زعربانة فترتبط بشاطئي ستانلي وجليم لو لم يكن ميدان الدولفين قد أقيم بجليم أتخيل أن كبائن وشاطئ ستانلي كان سيكون مكان تصوير كليب “ع الكورنيش” لجواهر.
الخلفية الموسيقية لسوق زعربانة في يوم الحنة كانت مزيج من اغاني ( ع الكورنيش ، حماده ، حبيبى يا اسمريكا) ومحاولات بائسة من الفتيات النوبيات المراهقات لتقليد رقصة الحمامة الشهيرة التي تقوم بها جواهر برقبتها واكتافها اثناء شراء الخضار لعمل السلطة.
عاطف كان أشهر زفاف بزعربانة، فرارجي نهارا وقائد للزفة بالأفراح ليلا، أتذكر برنامج بالقناة الخامسة (القناة المحلية الخاصة بمحافظة الإسكندرية) يتحدث عن مناطق الإسكندرية المختلفة، كل أسبوع حلقة من حي ما، في حلقة “زعربانة” كان عاطف هو نجم الحلقة، اقتصرت الحلقة علي عاطف محمولًا على كتف شاب يقود زفة وهمية في شوارع زعربانة ويتبعه عدد غفير من الشباب يغني بإخلاص من يعرف أن ما يؤديه سيخلد للأبد على شريط فيديو في أرشيف القناة الخامسة، أكثر لحظة حماسية بالزفة عندما يبدأ عاطف بغناء “العالي العالي يابا” لمحمد منير.
يقول عاطف : الناس الناس
فيرد الشباب : كس ام الناس
الناس الناس
كس ام الناس ..الناس الناس.. كس ام الناس
للأسف من تابع حلقة البرنامج في نهاية الأسبوع لم يجد مقطع “الكسم”
عاطف يوم الحنة المدعو لها جواهر قضي النهار بطوله في المحل يذبح الفراخ ويدندن أغاني جواهر ويسرح من في المحل في القدر الذي يترك فيه عاطف الفرخة المذبوحة و يتخيل كيف ستكون السهرة الليلة.
طال انتظار جواهر ولم تبدأ فقرتها إلا قرب الفجر، تفتحت عيون من كان غالبه النوم من طول انتظار، شعر مجعد وأظافر طويلة وحضور طاغي
في وسط الفقرة شقت جمر صفوف الراقصين حتي وصلت للمسرح، صعدت للمسرح ومعها السيجارة الكيلوباترا سلمت علي جواهر وقبلتها وهمست في أذنها بشيء ما فابتسمت جواهر.
لم تفت الليلة الا و جمر تشارك جواهر أغنيه السيرة الشهيرة.
“ياعديلة يابيضا ويا ملايكة سيري معاه الليلة شويا بي قدرة الله.”
تنظر جمر للجميع بقوة وتؤدي بثقة وتمكن حتي وان جذبت جواهر الانظار برقصة الحمامة.
كانت جمر وجواهر والملائكة تسير معا ع المسرح في قلب الزعربانة.