أحمد فؤاد الدين: سيموت الآن

Lyle Ashton Harris, “Blue Field”, 2010. Source: artsy.net

 

“نموت.. ننام.. وما من شيء بعدها
أبهذه النومة ننهي لوعة القلب؟”
هاملت، شكسبير
سأموت الآن. أقود سيارتي وقد تسرب النوم إلي حتى استحوذ عليٌ، لا أشعر بحركتها، لابد أنها تحافظ على سرعتها العالية، فقدت السيطرة على قدمي لكني أشعر بها تضغط على دواسة البنزين. يداي قابضتان على المقود ورأسي مستقر عليه، وآلة التنبية معطلة، ربما أنقذتني لو كانت تعمل، أحاول عبور الحد الفاصل بين النوم والإفاقة فالآن هو الحد الفاصل بين الموت والحياة، الموت يرحب بي وينتظرني، أما الحياة فتبدو بعيدة المنال كسراب شاهدته صباحًا يغمر طريق العودة تحت أشعة الشمس. أحاول وأحاول مرة بعد أخرى أن أفيق مما أنا فيه، لست مستعدًا للموت، لكني لا أملك أي إرادة. لا أعرف كم مر من الوقت، ربما جزء من الثانية منذ بدأت أنت القراءة، ربما ساعة.
سيموت الآن، أو ربما بعد دقائق، سيتركني أرملة بعد عامين فقط من الزواج، سأصير مثلًا لسوء الحظ، لا أزال صغيرة في السن، لم ننجب أطفالًا، سأحوذ لقبًا لم أتصوره. سيموت الآن تاركًا فراغًا لا يمكن ملؤه، ويتركني أرملة لا يمكن لها أن تعترف بما اقترفه أبدًا، ستجن أمه وتبكي، سيجمع أصدقاؤه صوره ويعلقونها في كل مكان، سيغيب ويترك أثرًا باقيًا في كل موضع عشنا فيه يومًا.
سأموت الآن، كنت طفلًا جميلًا، صرت قبيحًا، هل ما كسبت يدي ينطبع على وجهي، أم أن للطفولة جمالها؟ أمرح وألعب وأركض، وأكذب وأسرق وأضرب. صغيرًا كنت أحنو على الفتيات، كبيرًا كنت أخافهن، كانت صنيعتي إبداع صارت كل إبداعاتي محض تكرار. حقيبة، ألوان، قصاصات لامعة، بالونات، حصان صغير بثلاثة أرجل سليمة وواحدة مكسورة، وسيارة صغيرة زرقاء لا تفتح أبوابها ولا يتحرك مقودها تحركها أصابعي فتقطع الطريق سريعًا حتى تصطدم بالحائط، ترى من يمسك سيارتي الآن؟ من أغلق الأبواب والمقود وترك عزم يده يقذف بها على الطريق، متى اصطدم بالحائط؟ مر جزء من الثانية أو ساعة، لم أمت بعد، لكني سأموت الآن.
سيموت الآن. سيارته الزرقاء ستصير كفنه، تلك اللعبة التي أحبها ربما أكثر مني، شهدت ما لم أتمنى معرفته، سيتأخر عن موعده ولن تفهم أن تأخره هو غياب كامل. هل ستحضر جنازته؟ هل يمكن لها أن تستجمع شجاعتها وتعزيني في وفاته؟ أو تذهب لأمه لتخبرها أن ابنها مات وترك أرملة وعشيقة؟ ليتها تفعل وترفع تلك الصخرة التي جثمت على صدري منذ عرفت بالأمر، سيطالبونني بالحزن ولن أقدر على إظهار ما دونه، وسيتساءلون عن حزنها دون أن تقوى على إظهاره. كل منا يريد ما يحوزه الآخر، تتمنى لو تتلقى العزاء في عشيقها وتبكي وتنوح عليه، تتشح بالسواد وتستمع بفخر لحكايات أصدقائه عن شجاعته وحبه وعطاءه، يواسونها ويشفقوا عليها، وكل ما أريده أن أدفع بهم بعيدًا عني، لا شفقة ولا مواساة، يشفقون علي ويذكروني به، يحكون كيف كان مثالًا للصديق والابن والزوج، لا يعرفون الكثير عنه، لكني أعرف، ولن أتمكن أبدًا من القصاص منه، أم أني قد فعلت؟!
سأموت الآن بينما أتذكر الشارع والشجر، المارة والسيارات، السماء والبحر، كم هي متنوعة الحياة ومملة. البحر مجرد انعكاس للسماء الخالية من أي حياة، فقط خيالات طفولية لأفيال وعربات وفراشات قطنية تذوب بعد لحظات في الزرقة الشاسعة. لكن الزرقة في فستانها جميلة، زرقة أصيلة لا انعكاس للسماء ولا انكسار لأشعة الفضاء، بنضارتها وشغفها بي أسرتني، أصبحت ملاذًا لي من الحياة المملة، لماذا لم تظهر قبل عامين؟ كيف اختبئت حتى صرت مكبلًا لا أقدر على العبور الكامل لضفتها ولا الرضا بالبقاء في ضفتي.
سيموت الآن وصنبور الماء لا يتوقف عن إثارة أعصابي ودفعي للجنون، تركه دون إصلاح لشهور، لم يجد الوقت لذلك، فيما وجد الوقت لعشقها، للهروب لأيام معها. يتوقف العالم من حولي عن إصدار أي صوت، إلا صوت الماء المتقطر، يحافظ على وتيرة أدركها عقلي فصار التأثير معزولًا عن السبب. لا أعرف هل الماء يصطدم فعلًا بالحوض أم أن عقلي كون ردة فعل مستقلة. هل يمكن أن أشتكي لأمه أن صنبور الماء يدفعني للجنون وأنه لم يصلحه؟
سأموت الآن لكن لن أنسى جسدها، قبلاتها على يدي، أصابعي تتحس ثديها، ساقيها حول خصري، اشتهائي لرائحتها، تعرقنا سويًا، جذبها لجسدي، تطلعها لعيني وابتسامتها وأنا أداعب جسدها بلساني، ثم بكائها في وداعي.
هل تظن أني لا أعرف بموتك، هل ستمنعني المسافات عن إدراك حالك، ستموت الآن، سيتصلب جسدي الذي لم يشعر بالحياة إلا بين يديك وفي أحضانك، ستموت الآن وستعرف هي يومًا ما أن قلبك كان لي، وروحي كانت لك، سأعشقك للأبد مقابل كل لحظة انتزعتها لي، سأرثيك بعيدًا عن الناس، سأحيي ذكراك كل ليلة، سأعيش على أمل اللقاء مرة أخرى.
سيموت الآن، وأعيش وتعيش، في مساريين مختلفين، تحررت أنا وتكبلت هي، ستطاردها روحه، ستطاردها جنازته التي لن تحضرها، أو ستشاهدها من بعيد، سأتقبل العزاء، سأذرف الدمع. سأتشح بالسواد وأبقي بالبيت، سيطالبونها بالخروج، بالعودة للعمل، بارتداء الألوان، لن تبكي إلا في لياليها الوحيدة، بينما سأجد في ليالي الفرصة لخلع كل ما ربطني به يومًا ما.
قد لا أموت! قد ينفد الوقود في السيارة فتتوقف وأعيش، أو سأكمل النوم حتى أستيقظ في صباح اليوم التالي. سأستيقظ نشيطًا بعد نوم عميق، أو ربما ستصاب رقبتي ببعض التشنجات لكني لن أموت. أشعر بالجوع، أتمنى لو أن كل طعام العالم متاح لي الآن لأكله، أتمنى لو أنها رفيقتي في تلك الوجبة الأخيرة، ستحزن لتأخري، فكيف بها إذا عرفت بموتي؟ كيف للموت أن ينتزعني منها؟ لا أخاف الموت، لكني أشتاق لها، ربما لا أموت، قد أراها، قد أبقى لاعتذر عن تأخري اليوم ونعود نركض سويًا للعودة للبيت قبل الثانية عشرة عشية يوم ميلادي لتقبلني قبلة طويلة يستمر أثرها من العام الماضي للعام القادم.
أشعر الآن بجسدي يرتفع بتناغم في الهواء كضربة على إصبع بيانو حركت وترًا مشدودًا فأطلقت نغمة جميلة اخترقت الفضاء. أو ربما هو حجر على الأرض مرت من فوقه السيارة قبل الاصطدام. هل أموت الآن؟
ستموت الآن. أتتذكرني أم تتذكرها؟ أتطمئن لحزني عليك أم تشك في معرفتي بالأمر، هل تتوسل لي المغفرة الآن؟ لن أسامح، لو سامحتك في خيانتي فكيف أسامح في موتك؟
أموت الآن وهي منتظرة، متى يتحول غضبها لحزن؟ هل ستسامحني على موتي دون أن أبيت ليلة واحدة في بيتها؟ تقول إنها تستيقظ في الليل تبحث عني فلا تجدني، فتبكي ليلها حتى تنام، بينما أنا مستقر بين أحضان غريبة، استيقظ أيضًا في الليل يا حبيبتي وأتذكرك فلا أجدك فأنام سريعًا لأراكِ.
لا تموت الآن، تعالى واستغفر لي، لا تتركني بين حزن موتك وغصة خيانتك، قد لا أقوى على الكتمان، قد أحكي للناس عنها، فتنمحي صورتك الوردية، لا تختبر صبري، ولا فطنتي، أراك في الليل تسحب يديك من حولي، تدور وتبتعد وتنام في أقصى مكان عني، ذلك الجسد الذي انتظرته صار ينتفض للمساتي، لا تموت الآن.
سأموت الآن، وتنتهي مناوراتنا، أتحرر ولو بالموت، وتتكبلي بالحياة.