محمد درغام: الدنيا بدأت بالنسيان

Kees van Bohemen, Train Station, 1983. Source: artnet.com

عبر ماسورة طويلة صدئة، قطر فتحتها بطول قامة شخص عادى، يستوقف المسافرين منظر ساحر لتلال وبحيرات ساخنة، فيدخلون.
يمشون لعندها على الحصى المبلل لما يشكل قنطرة تنتظرهم على ناحيتها الأخرى بترحاب حار: “الست”. تقودهم بالغناء حتى تغمسهم فى المياه الساخنة. إنها تقلد أم كلثوم، فى هيئتها المعتادة بالنظارة السوداء والمنديل، لكنها ليست أم كلثوم. أو هذا ما أعرفه، إنها بنت هذه الوديان الخضراء، ربما كانت أول قاطنيها، لا أحد يعلم تحديداً، لكنها ترعانا جميعاً. لولاها لتهنا وضعنا بين التلال بلا أمل. نحن مشوشون، نوعاً ما، جمال الوديان يدعو للسير أبعد وشفافية البحيرات الساخنة تدعو دائماً للاستحمام. وغناء الست ينبهنا بين الأبخرة الكثيفة.
لكن هناك قانونا عرفته بالتكرار، أن من يصل إلى القنطرة مرة أخرى فإن من حقه الخروج ولا يعود بإمكان الست منعه. لا يمكنها إلا توديعه بكل روح رياضية طالما أنه محظوظ إلى هذه الدرجة.
حدث هذا معى، مرة أخرى، وصلت إلى القنطرة. لكن تعثرت بزوج من السياح الحمقى متوقفان على القنطرة منبهرين منشغلين بالتقاط الصور، فجاءت الست. سبقتنى الماكرة واستقبلتهما بالغناء، أشبكت ذراعها فى ذراعى وأشركتنى معها فى الغناء بما شكّل دويتو مرتجل، وهكذا سرنا متوغلين فى الوادى الفاتن أربعة من السعداء. فنسيت مكان القنطرة. لكن هذه الضوضاء جذبت هالى بيرى.
وهى هالى بيرى الممثلة الأمريكية بقدر ما تمثل هذه الست أم كلثوم. تركت الست زوج السياح، وأخذت هالى بيرى من ذراعها، رأيت زوج السياح ينغمسان فى بحيرة، مسلوبى اللب بجمال الجبال الخضراء. تذكرت هالى بيرى فاقتفيت أثرهما، يقودنى بين الأبحرة رنين لصدى صوت الست، كإلهام إلهي يحميني من الهيام فى الوديان كهؤلاء الحمقى الكثيرين من حولى.
حتى وصلت إلى الكوخ، لكن يبدو أنى وصلت متأخراً. لقد حدث شىء ما بين الست وهالى بيرى. أقصد أنه حدث فى السرير. ملابسهما مبعثرة، شعرهما منكوش، استجمعتا أنفاسهما بالكاد عند ظهورى. لم تعنفنى الست لاقتحامى عرينها، ما عنى لى أن هذه ليست أول مرة لى هنا. هل تستغلنا الست جنسياً؟
والآن نحن ثلاثة فى السرير، هالى بيرى بيننا. المسكينة، تحاول عبثاً إقناع الست بتركها تغادر، بينما الست تلاطفها بالمزاح، والغناء. أما أنا فكنت مشغولاً بطقطقة أصابع قدم هالى بيرى السمراء، وملاطفة ساقها. شعرت بمنابت الشعيرات على ساقها ولم يستوقفنى ذلك.
تسللت هالى بيرى خارجة من الكوخ، فقد اندمجت الست أكثر من اللازم فى الغناء، أثبتت هالى بيرى أنها مفيقة أكثر منا، أن قدميها تعرفان فعلياً طريق الخروج. وصلت هالى بيرى إلى القنطرة. وكنت وراءها. هناك وجدتها واقفة بمنتصفها، تبكي.
يبدو أنها كانت فى انتظار الست لتردعها. وقد جاءت الست فعلاً، من ورائى جاءت الست بخطوات واثقة متباطئة وبنظرات صارمة مع كلمات لطيفة، مباشرة ومن دون غناء، ودعتنى.
بينما التقطت هالى بيرى من ذراعها وعادت بها. تقدمت أنا بخطوات ثابتة وخوف متزايد. لن تردعنى الست، ولا غيرها، وليس بإمكانى التقهقر إلى الوراء، سيكون عاراً لا يُحتمل. مع كل خطوة على القنطرة الفاصلة أدرك من دون أى تشوش أننى أعود إلى الدنيا. إلى الدنيا كلها. فائزاً، دون استحقاق، بما يمكن اعتباره جائزة لمثابرة هالى بيرى. الآن أنا حى. لكن من أكون؟ وأين كنت؟