أودرا: محجوب يوم الابلونج

Joris Hoefnagel, “Mira Calligraphiae Monumenta”, late 16th century. Source: getty.edu

استطراد وجيز عما دار بعد زرعة محجوب
كنت قد رأيت ما كتبه يائيل عني وزرعتي منذ فترة، بعدها بقليل أتى إخوته يسحبونني إلى أحد بيوت أبيهم، وجدتني اليوم متسائلا أين ذهب يائيل وهو معي أبدًا كما رهنه لي أبوه، وجدته أمامي فورا حين يقظت وقد قضيت العام الفائت كله في سهو.
قفز يائيل إلى حصان بجواره فور أن لاحظ نورًا ظنه نوره – في مصباح مطفأ، وَسْط ظُلْمَة الغرفة التي كان فيها. نظر طويلًا إلى الحصان متسائلًا إن يراه هو وأجمَعَهم حولنا، يصيح به “هل أنت ميِت هل أنا نائم؟”.
اعتاد يائيل مؤخرا النوم على الأرض دون فراش، كان قد خرج من مخبئه مؤخرًا بعد أن غزَته الفئران. هجر سريره بعد أن غادرته القطط حَمقًا منه، تلتهم الفئران إليه فورًا؛ ربما كان كل ما يشغله هو الانفلات، لا من الفئران لكن من السرير الخاوي وما تلاه من حيرة، أو هذا ما قدّرته أنا؛ يصادق الفئران، أو هذا ما رأيته طوال عيشنا معًا، ربما لم يلحظ أنّي لست فأرًا وإن أحاطني بهم.
كنت قد توقفت عن تسميمك بمضادات الذهان حينها يائيل، وانتهى بك الأمر أن تقودني خلسة إلى ما أظنهم صحبك حين استعدت عافيتك. ألم يكن صحْبك باغين استرداد ما ظننته إصبعك؟
أعني، قَطَع طريقنا أحد الرائين الكِلت خلال ترحالنا، في كهف ظننته مطابقًا لما ابتغيت وقد التهمت إصبعك، نظر إليّ أو إليك، وناح “أين صَحبك؟ أعددت «رجل الخوص»! أين صَحبك؟”، فتق بطني وأخرج إصبعك ولم أفق بعدها إلا هنا، غرفة أرى بها عشرات من الظلال، لصَحبك؟ يصيحون فَرِحين اليوم “أبلونج!”، جلس النبطشي مقرفصا أمام الباب منتظرًا طشت الغذاء.
نحن في ظلام دامس يائيل، نحن من الدنيا لا العكس، الغرفة ومصابيحها من الدنيا لا منك ولا منّي. أو مجازا – لو لاق، أنا كالمصباح وأنت كالكهرباء المنقطعة، أنا والمصباح لا نور لنا الآن يائيل. العتمّة دقتنا، وحصانك والمصباح، يائيل؟ كنت تشير إلى الرمال أينما سرت قربها، لِما كنت تشير إلى الرمال راثيًا وهل ترثي، وحدك، نورًا الآن وقد انقسمنا ولم يدفسنا أبوك؟ ما خطب سيدنا أباك وقد بدا لنا مُخرج أفلام هابطة؟
ألقانا إخوتك السَخايا “سخاء أبيهم وأبيك” معًا وكيف لهم الهدى وقد سلاكم أبوكم. ما أنتم إلا فرط سخائه. كل ما لا أفعله كنت أنت فاعله يائيل وإن كان تاريخنا واحدا ولي الجسد، وأنت الطاغي حين فُلِجت وأصبحت تعجم وتخوض قربي بـ”أحاديث الألسنة”. وما لي أن أعِيك دون تواطُؤ معك أو حتّى الصُدَف، كان جَليًا لأننا لسنا إلا انهيال حوادث تسلبني ما لي ولك، حتّي في استرداد إصبعي.
لم يبق لي إلا جسدي، وظلام صحبك أجمعهم، أو هذا ما أعيه وأنت تسيل كالقطران أمامي. تقطر من صدعك يائيل، أهذا لحمك؟ دمك؟ هل لك من أيهما وأنت أنا؟ لحمي وجلدي باقيان وأنا أتحسس نظير مواضع نزفك في جسدي. لا زلت موجودا رغما عنك وعنّي.
يائيل أراك وأرى ما ترى وقد قدّمتك علي. بدّلنا مواضعنا، وجدتك ولا تجدني. أخطأت حين أكلت إصبعي وقد راق لك أن تكتب مساري، وكيف لي أن أراك دون ذلك، دون ما جرى وسلبتني إليه. ماضينا واحد ويدنا يد؛ لا أعرف الحصان وإن رأيته، ولا الفئران من غوايتي كما لك من قططك (يائيل لست كلبي لأودي بك كما أوديت بي، هنيئا لك الاسم انت موجود الآن في محْبَسنا؛ لا لائمة على أي منا، لم يكن لك اسم قبلها وكنت أنت الغاوي الأخرق، سامحتك وأنت صلتي بما لا أدانيه، مما أوهمتني به كونًا).
فزعتمونها إلى خراب، وإلَام يفزعني بِصاقكم بين أرجلكم ومُخاطكم بين أيديكم. وكيف لي أن أُبقي على كياني وقد ألقاه أبوك إليَّ دون بَغْي ثم رماني بينكم الباغين. أين الرائي وهل هذا رجل خوصه ومن معنا هنا صَحبك؟
قد لا تراني، لم ترني أبدًا حين أبقيتك في معيتي. أرقد قبالتك وأنت تتهاوى إلى الباب؛ لن تخرج يائيل، لن تخرج حتى أضمد أشلائها! أو هذا ما أحسب.
غشيتني ولم يزل صحبُك ماضين بها تمثيلًا، لم أجدها في ذلك الحين وإن لحظتها أنت وأجْمعهم، وقد باتت صَدَى. وما نفع أن أعبر أيّا من ذلك وقد مزقت يدي إربا. ما نفع الاختبار وقد خَلت الأرض.
كيف لي الانعقاد ونهايتي كانت في بدايتي بالأساس، ألَك طريق لتمسك بي. هل أمسَكتني الآن ونحن في حلقوم أبيك؟ قدّرته أشد غضبًا منك وقد رأيت أبناءه من قَبل حائرين على بعد، العقد الفائت، وها هم تركوك هنا في الحجز؛ لم يقتلوني كشمياء وإن أبقوا عليك معي قسرًا.
لَحَظتك أول مرة في المرآة وأنا فاغرٌ فاهي من الفزع وعيناك مائنة بانتصار ما شعرت به ولم أعيه، قضيت بعدها أياما في الشوارع بلا نوم. قضيت تلك السنة في فزع لم أفهمه حينها. ربما لم يكن لي أن أدركه دون أن تدفعني أنت لأكل إصبعي يائيل. كان إصبعك قطعًا.
وها أنت أمامي تخمش باب أبيك الصلب، مثل قططك؟ هل تفزع كما باشرت على فزعي يائيل؟ أراك تحرق ما تظنه يدك، هذا قطراني لا يدك. أنت قطراني.
لم يكن لك يد أبدا يائيل، ظننت يدي يدك ولم يكن لك أبدا بقاءٌ خارجي أنا، وإن التهمت إصبعي، وعقدا من عمري، وسط ما زرع أبوك. أنت وأنا واحد لسنا إخوة وقد أسرت كل ما ظننته أنا في أشباه أليفة، جمّدتها في أواني أقرب سرابيوم، كما اعتادوا إنشاءه دومًا حين تُهنا. لا بأس إن غُمرت وأنت دائمًا الباقي، لا نفع لك بي وأنا بالباب الآن فلنحترق معًا وتساليكم الأبلونج. هل أتت طيورك البودِرس بهذا الطعام، أعني الأبلونج، وهي ليست إلا نوع لوبيا، معي قدّاحة لا سخّان وكيف لنا الطبخ، لا بأس أن يحرقنا قطرانك.